المناضلة خديجة حباشنة تروي بعضاً من مشاهد وصور مشاركة المرأة في الثورة

غزة-دنيا الوطن

روت المناضلة الفلسطينية خديجة حباشنة، مشاهد وصور من مشاركة المرأة في الثورة الفلسطينية، مستعرضة كيفية بناء هذه المرأة لعلاقتها مع المقاومة بمبادرة ذاتية، راسمة بذلك صورة مشرقة للمرأة في تاريخها الحديث.

حباشنة التي عملت على مدار عشرات السنيين في العمل النسوي، وفي مراحله ومواقعه المختلفة متطوعة، أصبحت عضوة الأمانة العامة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية منذ المؤتمر الرابع، وعملت طوال تفرغها في صفوف "م.ت.ف" على ملاك مؤسسة السينما الفلسطينية.

وانتقت حباشنة عند حديثها لـ"وفا"، عن واقع هذه المواكبة للعمل النسوي الفلسطيني من البدايات حتى اللحظة، مشاهد وصوراً من محطات هذا العمل بخطوطه العامة جدا، مسلطة الضوء من خلال ذلك على هذه التجربة النسوية المشرقة في حياة المرأة الفلسطينية بسلبها وإيجابها، وهي تتلمس طريقها إلى حريتها الوطنية وحريتها الخاصة معا.

وعن البدايات تحدثت بمشاعر نضرة حية، وبنقاء ومشاعر الفدائي والمناضل في الصفوف الأولى للثورة، قائلةً: حسب عملي من البدايات حتى قبل الانطلاقة يمكن القول: إن الحركة النسائية تحركت بدافع ومبادرة ذاتية، وكانت النساء تبحث عن الانتماء، وبدأت علاقتهن بالفصائل والتنظيمات من وحي هذه الفكرة، واتصلن بمكاتب الفصائل، وبدأن العناية بأسر الشهداء والجرحى، وخياطة الكنزات الصوفية والملابس للفدائيين، وكانت أولى محاولاتهن التنظيمية في العام 1967، بهدف تشكيل لجنة تنظيمية لهن ترتبط بحركة التحرير الوطني الفلسطيني، "فتح"، ولم تنجح التجربة التي لم تنضج حينها، وأعدن المحاولة بداية العام 1968، ونجحن بتشكيل لجنة نسائية لتنظيم العمل وتنظيم علاقتهن بـ"فتح" في العام 1969، وكان الهم النسوي حينها يتركز على إسناد الفدائيين وعائلاتهم.

وأضافت: إلى جانب العمل في التنظيم ظهر توجه لإعادة تنظيم وتفعيل الاتحاد العام الذي أسس في العام 1963، ودعيت أربع نساء من أعضائه إلى أول مجلس وطني فلسطيني بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وشل عمل الاتحاد بعد هزيمة حزيران-يونيو واحتلال الأراضي الفلسطينية، وبالفعل تم تشكيل لجنة تحضيرية للاتحاد لإعادة تنظيمه وتم الاتصال بكل لجان تنظيم المرأة في التنظيمات والفصائل الفلسطينية.

وأوضحت حباشنة، أن هذه الخطوات اثرت إيجابا على العمل النسوي، وشكلت أجنحة نسائية في كل منطقة وارتفعت وتيرة الحوار مع القيادة لربط هذه المجموعات النسوية بالتنظيم العام وإفساح المجال أمام المرأة للعمل العسكري، واستغرقت هذه القضية وقتا من النقاش والعمل، وكان هناك اتجاهات في القيادة، فهناك من كان مع إعطاء النساء دورا اكبر وهناك من تحفظ على هذه الأفكار وهذا الدور، لكن في النهاية انتصرت النساء وكان التنظيم النسوي على اتصال مع القيادة من خلال مكتب المرأة الذي يقوم على رعاية وتنسيق وضع النساء في المقاومة ومع الاتحاد العام، وتم تنظيم ثلاث دورات للميلشيا باسم الاتحاد في أواخر العام 1969، وتشكلت ثلاث فرق للميلشيا النسائية.

وذكرت، أن الارتباط الحقيقي بين التنظيم النسائي والتنظيم العام والقيام بمهام مشتركة كان في بداية العام 1970، حيث تم ربط الميشليا النسائية بالمناطق اثر التوتر الحاصل حينها، فربطت النساء في كل المحاور وشاركت النساء في أعمال الحراسة وفي تأمين الاتصال بين المحاور وتأمين الغذاء لهذه المحاور، حتى تطور العمل بين صفوف النساء بتشكيل مدرسة كادر للبنات المتميزات اللواتي توكل لهن مهام أوسع من غيرهن، ويتم التركيز على ربطهن بالسياسة والأفكار.

وقالت حباشنة: إن الدور الأساسي والأكبر كان للعمل الشعبي داخل المخيمات بصورة خاصة، حيث كان يتم التنسيق مع مؤسسة أسر الشهداء، وكانت لجنة الشهداء من انشط اللجان، وتم فتح مشاغل في المخيمات، وكنا نتلمس الحاجات وننظم الأنشطة على أساسها، حيث تم تدريب النساء على أعمال الخياطة والتطريز ومنها فتحت معارض ذهب ريعها للمقاومة وسوق بعض إنتاجها داخل الموقع بأسعار رمزية، وتحولت المشاغل إلى مراكز لمحو الأمية.

وأشارت إلى انعكاس الأفكار والنقاشات الواسعة التي شهدتها سنوات التأسيس الأولى لفصائل منظمة التحرير بما فيها قضية المرأة وأشكال التوجه نحوها على العمل النسوي، فمثلاً كانت الفصائل اليسارية ترفض فصل النساء في التنظيم وفي العمل العسكري، فكانت معسكراتهم مختلطة، بعكس "فتح" التي كانت معسكرات النساء منفصلة، ففي "فتح" طورت النساء موقف التنظيم منهن بعكس التنظيمات اليسارية، حيث بدأت النساء فيها بداية متقدمة بطرح أفكار من قبل التنظيم تدعو إلى تحرر المرأة ومساواتها، لكن اصطدامهن بالواقع الاجتماعي الرافض لهذه الأفكار دفعهن لتغير طريقتهن وأسلوبهن، فمثلا الشعبية والديمقراطية رفضت المشاركة في اللجنة التحضيرية للاتحاد، عندما طرحت في العام 1968 ولكنهم عادوا وشاركوا فيها في بيروت.

ومع خروج مقاتلي وفصائل "م.ت.ف" من الأردن باتجاه سوريا ولبنان، قالت حباشنة: بدأت مرحلة جديدة من العمل تحققت فيها انتصارات سياسية وعسكرية لمنظمة التحرير أثرت على كل مناحي العمل الوطني بما فيها النسوي.

وبينت أن هذه المرحلة شهدت المرحلة الأولى من العمل في لبنان حالة انكفاء ونقاش واسع للتجربة، توصلنا في النهاية إلى قرار البدء من جديد بعد الدور المهم الذي برز للنساء على المستوى الإعلامي والاجتماعي والسياسي والعسكري في الأردن، وتم تشكيل لجنة تنظيمية أخذت أشهراً حتى استقرت في العمل، وبرزت فوارق في العمل بين الساحة اللبنانية والأردنية، فعملية الاتصال بالنساء في لبنان كانت أسهل، وذلك من خلال تجربتي في العمل في صبرا وشاتيلا والضغط الاجتماعي في لبنان كان اقل ولا اعرف إذا كان ذلك عائداً لتجربة المخيمات نفسها أم لوجودها داخل لبنان الأكثر انفتاحا، حيث لا يوجد تحفظ تجاه حركة النساء.

وتابعت: بدأنا العمل بندوات من اجل تلمس حاجات المجتمع، فكانت حملات النظافة والتطعيم والمشاركة في المظاهرات، حتى نضجت فكرة اللجان واقعيا وأصبحت مطلبا للنساء داخل المخيمات.

وأضافت: بعد ترتيب أوضاع التنظيم تم تشكيل مكتب حركي نسائي في لبنان وتم ربطه بالتنظيم العام، وطالبنا بوجود امرأة داخل لجنة الإقليم ومكتب للمرأة، وكانت قيادته مشكلة من ثلاث نساء ورجلين من الذين بادروا لإعادة تنظيم النساء، وفي العام 1972 تم الدعوة لعقد مؤتمر للاتحاد العام فرع لبنان في مخيم ضبية، وفي العام 1974 عقد المؤتمر الثاني للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في لبنان، وتم تشكيل لجان للاتحاد في كل المواقع، وتم تنظيم دورات عسكرية باسم الاتحاد في المخيمات المختلفة.

وأوضحت حباشنة، أن عمل المرأة في العمل العسكري ومشاركتها في عمليات فدائية وعمليات استطلاع، كانت تتم خارج إطار الاتحاد والمكتب الحركي، وبعلاقة مباشرة مع التنظيم السري الخاص بالعمل العسكري، لأن عمل الميشليا النسائية كان يقتصر على المشاركة في الحراسات والكمائن وتقديم الخدمات للجمهور وأبناء التنظيم، مشيرة إلى بروز دور هذه التنظيمات في العام 1973 والعام 1975 في الاشتباكات مع الجيش اللبناني، حيث شاركت قلة من النساء في هذه المعارك ولكنهن لعبن دورا مميزا في نقل التموين والسلاح والتحرك أثناء القصف، وهذه المهارات بحاجة إلى تدريب عسكري لمعرفة كيفية التعامل مع هذه المواقف.

ومع تقدم هذه المشاركات، قالت حباشنة: بدأت تبرز مشاكل عائلية لعدد من بنات التنظيم، فبدأنا نطرح أفكارا لحلها من نوع أن يخصص القضاء الثوري دائرة لحل مشاكل الأسرة، ورفضت الفكرة وطرح بديلا عنها تدخل كوادر وقيادات ذات سمعة طيبة في التنظيم لحلها.

ورأت حباشنة، أن دورا جديدا ومهما للحركة النسوية وللاتحاد العام للمرأة الفلسطينية برز بعد حرب معارك تل الزعتر وجسر الباشا وضبية أقسى معارك الحرب الأهلية التي خاضها الفلسطينيون، فعملت على تدبير المسكن للعائلات المهجرة من المخيمات المدمرة، وتم إنشاء بيت أطفال الصمود للأطفال الذين استشهد أباؤهم، ومنها بدأت تتطور فكرة رياض الأطفال مع دائرة التخطيط التربوي في مركز التخطيط، وبعد ذلك طورنا الفكرة داخل الأمانة العامة للاتحاد، وتم تشكيل لجنة مركزية من الأمانة العامة تابعت تدريب المربيات والمشرفات من كل التنظيمات، وتم تنظيم 3 دورات سنوية لتدريب المربيات والمشرفات، وأصبح عندها شبه منهاج لجميع رياض الأطفال وقبل الخروج من بيروت كان هناك 75 روضة تابعة للاتحاد، وكنا ننسق مع الهلال الأحمر الفلسطيني.

وعن العمل الإعلامي وكيف تعامل معه الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، أشارت حباشنة، إلى أن اللجنة الإعلامية في الاتحاد أصدرت 5 أعداد من الفلسطينية الثائرة الشهرية، وتوقفت عن الصدور بسبب خلافات بين الاتحاد والقيادة إثر مؤتمر عام 1974 للاتحاد، حيث تحفظت القيادة على بعض القيادات النسوية، وسبب التوقف أن فلسطين الثورة كانت تقوم على إنجازها ولم يكن لها طاقم خاص بها، كذلك أصدر الاتحاد النشرة المركزية للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وكانت تغطي أخبار الفروع وتطرح توجهات النساء وتوجيهات للنساء في قضايا تربوية، وتوقفت بسبب أزمة مالية مر بها الاتحاد.

ونوهت إلى ضياع جهود نسوية واسعة في الخلافات التي شهدتها الساحة الفلسطينية، أثرت على عمل النساء وخاصة الصراعات أيام جبهة الرفض، وشهد الاتحاد إهمالا من قبل القيادة، لأنه وقف أمام بعض الخطوات التي اتخذتها القيادة، وجمد فرع من فروعنا بسبب تدخل حزب ما في فرض قيادته، واحتجت القيادة على الاتحاد الذي كان له استقلالية عالية في رأيه وفي موقفه، وفي نفس الوقت بدأت تتشكل مجموعات أخرى داخل التنظيم وداخل الاتحاد مناوئة للقيادة، واخذ الأمر ينعكس على الاتحاد.

وعقد المؤتمر الثالث للاتحاد في شباط-فبراير عام 1980، قالت حباشنة التي بينت أن الاتحاد أصبح بعد هذه المؤتمر يسير بخطوات جيدة، بما فيها مشاريع التنظيم والبرامج والتدريب وتطوير المشاغل وتدريب النساء على مجالات جديدة فنية مثل أعمال صيانة الكهرباء، وكانت بعض الأعمال مدعومة من منظمة الأمم المتحدة مثل "اليونسكو" و"الاسكوا"، وكان العمل في التنظيم والاتحاد تطوعي.

وتطرقت إلى النقلة النوعية في العمل النسوي التي خطاها الاتحاد كانت في العام 1980 وهي رعاية وضع المرأة في العمل السياسي والالتفات إلى هذا الجانب الذي أهمل، ودعت الأمانة العامة في مذكرة إلى رئاسة المجلس الوطني طالبته بزيادة تمثيل النساء داخل المجلس الوطني إلى 25 عضوا بدلا من ستة ووافقت رئاسة المجلس على الفكرة، وارتفع تمثيل النساء ليصل إلى 10% من عدد أعضاء المجلس الوطني، كذلك طالبت الأمانة العامة القيادة بضرورة مشاركة النساء في المؤتمرات أو العلاقات الثنائية للحركة ولمنظمة التحرير، بحيث يضم كل وفد بين صفوفه امرأة على الأقل، و كانت القيادة تقوم بعملية الاختيار.

وذكرت: بعد الخروج من بيروت بدأت مرحلة جديدة من العمل النسوي، وعاشت الحركة الوطنية ظروفا صعبة وقاسية خاصة مع الانشقاق داخل صفوف حركة "فتح"، ما أثر على الاتحاد وعلى التنظيم الذي تعرض بدوره للانشقاق، ما استدعى بذل الجهود من جديد والنقاش مع كل فروع الاتحاد، لإعادة اللحمة للاتحاد والتحضير للمؤتمر الرابع، والتقينا معهم في الكويت وعمان وتونس للتحضير لعقد المؤتمر الرابع في تونس عام 1985.

وتابعت: كذلك اثر تشتت كادرات الاتحاد في عدة دول ووجود القيادة في تونس، بعيدا عن القاعدة الجماهيرية على عمل الاتحاد، ليقتصر دور الاتحاد والأمانة العامة بصورة رئيسية على متابعة قضايا الفروع إداريا، والتركيز على العلاقات الخارجية التي كانت نشطة في السابق، مع التركيز على فرع لبنان الذي لعب دورا سياسيا وعسكريا واجتماعيا بعد الخروج من بيروت، حيث لعب الاتحاد دورا مهما على مستوى العلاقات الخارجية سواء العربية أو الدولية منها في المؤتمرات الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة، والتي كنا نحرص على عضويتنا فيها من مؤتمر كوبنهاجن و نيروبي و بكين، وكنا ننسق مع الاتحاد العالمي ومع المؤتمر الأول الدولي للمرأة، من اجل وضع استراتيجية دولية للمرأة وكذلك دعم القضية الفلسطينية.

وأضافت حباشنة، نسق الاتحاد علاقاته مع الأرض المحتلة منذ وقت مبكر جدا، وكانت الاتصالات تتم من خلال الجمعيات الخيرية التي كانت تنشط اجتماعيا، وتم التنسيق لها مع المنظمات الدولية في الأردن ومع الهيئات الإنسانية الأردنية، ولم تعط الجمعيات الخيرية القضايا السياسية وقضية المرأة اهتماما حتى اندلاع الانتفاضة الأولى، التي دفعت الحركة النسوية لتشكيل إطار نسوي لكل فصيل يهتم بالقضايا السياسية وقضايا المرأة، ونشبت خلافات واسعة بين الجمعيات الخيرية والأطر النسوية، ما دفع الاتحاد إلى التدخل لحلها، وظل العمل مستمرا حتى اتفاق اوسلو، وعادت كوادر الاتحاد بصورة فردية وبأوقات متفاوتة، وبدأ الاتحاد عملا بهموم ومشاكل جديدة، منهيا بذلك مرحلة النضال خارج الوطن ليبدأ مرحلة جديدة من البناء داخل المؤسسة الفلسطينية الناشئة ومع الجمهور على أسس وعلاقات جديدة.

التعليقات