رغد أقامت بيت عزاء للسيدات في عمان والفلاحات شتم احد البعثيين لإنه هتف ضد طارق الهاشمي
غزة-دنيا الوطن
تجاوبت الصحافة الأردنية الأسبوع الماضي مع الحالة العاطفية العامة في الشارع الأردني التي نددت بالإعدام الطائفي للرئيس العراقي صدام حسين فيما لم تظهر في الصحف ولا مقالة واحدة من المقالات التي كانت تنتقد بالعادة صدام ونظامه بعد ان تواري منتقدو صدام في الصحافة المحلية عن الأنظار حيث لا يسمح لهم الجو العام علي الإطلاق بأي آراء خارج سياق تمجيد الشهيد صدام او الإساءة للمقاومة العراقية.
وبعد مرور أسبوع تقريبا علي واقعة الإعدام لا زال الحديث عن صدام وإعدامه طائفيا والرقص علي جثته من قبل خصومه الطائفيين هو الحديث المركزي الوحيد بين اوساط الأردنيين جميعا وفي كل المستويات وهي مسألة لم تستطع الصحافة المحلية اليومية والأسبوعية تجاهلها علي الإطلاق حيث خصصت اسبوعية الهلال عددها الأخير كاملا للحديث عن صدام حسين وحيث نشرت العديد من الآراء والمقالات التي تعبر عن الإستياء من عدم صدور موقف رسمي واضح يندد بالإعدام او يعلق عليه.
وبشكل خاص وجهت إنتقادات لاذعة في دواوين النشطاء السياسيين والنقابيين للتلفزيون الرسمي الذي تعامل مع إعدام صدام حسين كخبر مقتضب فقط. ولوحظ ان تلفزيون الحكومة لم يفعل ما فعلته محطة الجزيرة وهي تعيد نشر وبث صور ملتقطة سابقا للرئيس صدام بمعية الملك الراحل حسين بن طلال وواحدة من هذه الصور تعرض الملك الراحل مع الرئيس في الزي العسكري عندما كانت عمان برفقة بغداد في خندق واحد إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية.
ولم تصدر عن إبنة صدام المقيمة في عمان رغد حتي الآن اي ردود فعل علنية بعد ظهورها علنا إلي جانب أحد الوزراء في الحكومة في مسيرة جماهيرية إحتجاجية علي الإعدام نفذتها القوي النقابية لكن رغد اقامت سرادق عزاء للنساء فقط في منزلها الكائن في إحدي ضواحي العاصمة عمان ولم تفصح علنا عن خططها او مشاريعها للمستقبل.
صدام شاغل الاعلام
وتجنبت الصحف المحلية تغطية نقطة إحتكاك شكلت علامة فارقة خلال المسيرة التي شاركت بها رغد صدام حسين حيث صرح الشيخ سالم الفلاحات المراقب العام لجماعة الأخوان المسلمين شاتما أحد قيادات المسيرة من البعثيين بعد ان هتف الأخير ضد طارق الهاشمي ممثل جماعة الأخوان المسلمين بنسختها العراقية والعضو في مجلس الحكم الأمريكي للعراق.
وكان احد أقطاب البعث خلال المسيرة يهتف ضد أسماء معينة في الحكم العراقي الجديد وعندما وصل في الهتاف ضد الهاشمي لم يعجب الأمر الشيخ الفلاحات الذي قام بالصراخ وشتم الهاتف طالبا منه السكوت، وبطبيعة الحال لم يعجب الأمر المشاركين في المسيرة لكن حرصا عليها تم تجاهله قبل ان يتدخل الوسطاء لتقديم الإعتذار للبعثيين عن التصرف الأخواني الذي إعتبر خارج سياق المناسبة والمنطلق من دوافع تنظيمية ضيقة للغاية.
وتجاهلت الصحف ايضا جزئية أخري في المشهد حيث اعلن أبناء مدينة الكرك جنوبي البلاد انهم لا يريدون بعد الآن سياحة دينية إيرانية في مدينتهم وصدرت عن لجان نشطة في الكرك بيانات تتعهد بان لا تسمح المدينة للإيرانيين بزيارتها علما بان أفواجا من الإيرانيين والعراقيين الشيعة يزورون بالعادة مقامات دينية يقدسها الشيعة في مدينة الكرك من بينها مقام جعفر الطيار وعلم بان أول مظاهرة عفوية في المنطقة تنديدا بإعدام صدام نظمت في مدينة الكرك صباح اليوم الأول من عيد الأضحي.
ويمكن ببساطة رصد التحول الصحافي والشعبي ضد الحكومة الإيرانية في الشارع الأردني خصوصا بعدما اشارت الصحف عدة مرات الي ان طهران وتل أبيب رحبتا بنفس العبارات تقريبا بإعدام الرئيس صدام حسين، وشهدت المسيرات التي جابت الشوارع الأردنية علي مدار الأسبوع خطابات وشعارات وهتافات تندد يإيران وإسرائيل معا وبعض هذه الهتافات طالت أيضا محطة المنار اللبنانية التابعة لحزب الله لانها وصفت خلال بثها للقطات إعدام الرئيس صدام بانه طاغية وأعلن نشطاء متعددون انهم سيقاطعون محطة المنار فيما تعهد نقيب المحامين صالح العرموطي بمقاطعة اي دعوات او نشاطات مع الحكومة الإيرانية بسبب موقفها المؤيد لإعدام صدام حسين.
وتوافقت المشاعر الإنقلابية في الشارع الأردني ضد الإيرانيين بسبب موقفهم من إعدام صدام حسين مع التوجهات الرسمية عموما ورغم ان الحكومة لم تصدر اي تعليق علي واقعة الإعدام إلا انها ترحب بأي مشاعر سلبية في الشارع تجاه الدور الإيراني في العراق خصوصا بعدما شاهد الأردنيون كغيرهم كيف رقص حلفاء طهران علي جثة الرئيس صدام حسين الذي إعتبرته صحيفة الهلال سيد الشهداء كما إعتبرته كذلك عشرات الإعلانات التجارية المدفوعة التي نشرتها الصحف لأردنيين أفرادا او مؤسسات.
وكان إعدام صدام هو الحديث المركزي للغالبية الساحقة من مقالات الكتاب والمثقفين الأردنيين، ولاحظ الكاتب في صحيفة العرب اليوم فهد الخيطان ان دول العالم بإستثناء إيران وإسرائيل وبريطانيا وأمريكا إعتبرت الإعدام خطوة غير موفقة وتعكس الحقيقة المأساوية في العراق حيث عصابة من الارهابيين المقنعين ينفذون عملاً همجياً بحق رئيس سابق للدولة، وظهرت حكومة المالكي ليس مجرد دمية بيد الاحتلال الامريكي بل واداة بيد الميليشيات التابعة لايران وكأننا امام تصفية حساب مع صدام حسين من طرف ايران وامريكا في آن واحد.
واذا كانت محاكمة صدام بكل تجاوزاتها للقانون الدولي والانساني قد جعلت منه زعيماً يحظي بشعبية عربية لم ينلها وهو في الحكم فان تصفيته بهذا الاسلوب الهمجي والانتقامي حولته الي شهيد ورمز في نظر الشعوب العربية بصرف النظر عن موقفها من سياساته عندما كان في الحكم.
مهاجمة تخاذل الدولة
علي المستوي الشعبي الاردني ـ يلاحظ الخيطان ـ ان رد الفعل كان متوقعا فصدام حسين يحظي بتأييد واسع لدي كافة الاوساط ليس لمواقفه من اسرائيل وامريكا فحسب وانما لمساندته الكبيرة للاردن وهو في اشد ظروف الحصار قسوة. وفي هذه الايام الباردة يتذكر الاردنيون سنوات الدعم النفطي من العراق للاردن والتي جعلتنا في موقف اقوي في مواجهة الضغوط الاقليمية والدولية.
ولم يتضمن البيان الحكومي كلمة اسف واحدة علي توقيت وطريقة الاعدام كما هو حال البيانات الصادرة عن السعودية ومصر واليمن ودول عربية اخري كسورية ناصبت صدام حسين العداء وهو في الحكم. وخلا البيان الرسمي من اية اشارة الي مخاطر اعدام صدام علي مستقبل العراق، فالتصريح الرسمي طالب العراقيين بطي الصفحة وكأن شيئــاً لم يكن والتطلع للمستقبل، مع ان يوم تنفيذ الاعدام شهد سقوط اكثر من مئة قتيل في العراق وفي الايام التالية تصاعد العنف الطائفي بفضل سياسة حكومة المالكي الطائفية.
وقال الخيطان: نفهم لعبة المصالح بين الدول، لكن في العراق اليوم لا توجد دولة نحرص علي مصالحنا معها، فالوقائع تؤكد كل يوم اننا امام عصابات مسلحة لا تصلح معها الاعراف الدبلوماسية، صدام حسين كان حاضرا في تاريخ العلاقات الاردنية العراقية لاكثر من ثلاثين عاما ولا يمكن تجاهل هذا التاريخ لارضاء حكومة المالكي خاصة وان صدام كان يوصف شخصياً بالصديق الودود للاردن الذي رفض مرات عديدة ضغوط المقربين منه لقطع المنحة النفطية حتي في الفترات التي اتبع الاردن فيها سياسة عداء مكشوفة تجاه نظام حكمه.
وتساءل الكاتب: الا يستحق هذا التاريخ الطيب من العلاقات اشارة في البيان الرسمي، خاصة وان الاردن لا يتردد دائماً في تقديم الشكر لمن يقف الي جانبه ويساعده من الدول العربية؟
وتوقف الكاتب سميح المعايطة من صحيفة الغد عند الخبر الصغير الذي يقول رحبت ايران واسرائيل بإعدام صدام حسين . وحكاية هذا التحالف ـ الذي قوّض العراق وهدم دولته ـ بين الاحتلال الامريكي والثأر الفارسي هي ملخص المأساة العراقية.
وقال الكاتب: امريكا جاءت لتحقق اهداف التجار وعقائد اسرائيل والمحافظين الجدد. والفرس واتباعهم حملوا حلم تقويض الدولة العربية العراقية؛ فكان العدوان، وصمتت كل افواه آيات الله واصحاب الفتاوي الا باتجاه الصمت علي الاحتلال واضفاء الشرعية عليه، هو تحالف ارادوه ثأرا لحرب الخليج الاولي، وربما للقادسية الاولي، وارادته امريكا واسرائيل زواج متعة، يقضيان به متعتهما وحاجتهما من مبادئ الثورة وميليشيات الحرس الثوري التي حملت اسماء عراقية.
لكن هذا الزواج مؤقت، لان امريكا واسرائيل لا صديق لهما، وقد لا يمضي اكثر من عام قبل ان تكون ايران تحت السلاح الامريكي الصهيوني. وسيجد الامريكيون اعوانا لهم من الايرانيين المعارضين يهبطون الي طهران بطائرات المارينز، كما هبط بعض قادة المعارضة العراقية الي ارض العراق بعد احتلالها.
واضاف الكاتب: ليست القضية في موت صدام، فهو قد يموت في سجنه مثل اي انسان، إنما هي في اعدامه في يوم العيد، يوم فرح للتحالف الفارسي الصهيوني الامريكي، لان صدام كان رمزا للدولة العربية العراقية؛ فكأنهم يريدون ان يقولوا ان عيدهم بإعلان القضاء علي تلك الدولة العربية، وبدء مرحلة الدولة التابعة للثورة الفارسية.
لكن حكي القرايا ليس مثل حكي السرايا ؛ فأمريكا وايران لدي فئات من العراقيين والعرب في خندق واحد، وتصنيف واحد.
وقال رئيس تحرير الغد أيمن الصفدي وهو من منتقدي صدام حسين في الماضي: جعلوا صدام حسين أسطورة. فالمشهد الأخير هو الذي يرسخ في الذاكرة. وفي المشهد الأخير، بدا صدام زعيماً. وظهر جلادوه صغاراً طائفيين حاقدين. والمشهد الأخير لصدام حسين كان كارثة علي العراق. جذّر الطائفية. كرّس الانقسام. بدا صدام ضحية. وبان جلاديه قتلة، مدفوعون بغرائز انتقامية، وأجندات سياسية معنية بكل شيء إلا العراق ومستقبله.
هتف جلادو صدام لقيادات طائفية. كانت لحظة انتقام لا لحظة عدالة. العدالة تبني الأوطان. الانتقامية تدمرها.
لم يكن العراق حاضراً حين أُسدل الستار علي حياة صدام وتاريخه. الحاضر كان الراهن الطائفي القميء، الذي دفعت الولايات المتحدة بلاد الرافدين إليه.
وقال الصفدي: فرحت أمريكا بإعدام صدام. وكذلك إسرائيل. وفرحت بلاد فارس. إعدام صدام كان لإيران نصراً إلهياً . لكن الحقيقة أنه كان، بتوقيته ومرتكزاته القانونية وآليات تنفيذه، علي العراق وعلي كل العرب دمارياً. من المستفيد؟ أمريكا. وكذلك إيران التي نجحت وحلفاؤها في جعل نهاية ديكتاتورية صدام بداية لضياع العراق.
عراق جديد طائفي
وإعتبر الكاتب في صحيفة الدستور عريب الرنتاوي ان حفل الإعدام العلني لصدام حسين يكرس صورة العراق الجديد وهو عراق طائفي ـ مذهبي متطرف، تحكمه الغرائز وشهية الانتقام والثارات الشخصية والأحقاد العقائدية ومجالس العزاء التي لا تنتهي، عراق الميليشيات والعصابات واللصوص، من تدثر منهم بالعمة والجلباب ومن كبح منهم جماح لحيته لتنسجم مع آخر صيحات الملابس الرجالية لدور الأزياء الأشهر في العالم. حلقة الرقص البدائية التي أحاطت بالرئيس العراقي وهو يتقدم نحو حبل المشنقة، تذكر بإنسان الكهوف والقبائل البدائية التي كانت تتحلق حول النار التي تشوي بلهبها خصومها وقرابينها، فهؤلاء البرابرة الذين لا يقيمون وزنا لحرمة الموت ولا للحظة الإعدام، هم الجبناء الذين لا تطفو رجولتهم علي السطح إلا أمام عدو مقيد اليدين والرجلين.
وقال الرنتاوي: الحكام والإداريون وجنود الداخلية والحرس، لهم صورة المجرمين والقتلة ورجال العصابات، وهتافاتهم الكريهة لم تكن سوي رجع صدي لصيحات التكبير والتهليل في احتفالات الخطف والقتل علي الهوية، هؤلاء هم النبت الشيطاني لديمقراطية بوش الناشئة في العراق، وهم الأبناء الحرام لزواج غير مشروع تم بين احتلالين كريهين علي أرض الرافدين.
حكومة المالكي، رئيسا وبرنامجا وائتلافا، جزء من مشكلة العراق، ولا يمكن أن تكون أبدا بوابة للحل أو جزءا منه، حكومة المالكي الخارجة للتو من صفوف الجمل وغبار صفين هي هيئة أركان الحرب الأهلية المفتوحة.
وعن صدام قال الكاتب: واجه الموت بشجاعة الرجال، لكن الذين لم يعرفوا الرجولة يوما، فاضوا بما تحتويه آنيتهم من خصال الجبن واللؤم والكذب. لم نتفق يوما مع صدام حسين ونظامه، لا في الشأن العراقي الداخلي ولا في سياساته وحروبه الخارجية، بل ونقول أكثر من ذلك، بأننا كنا نتمي أن يتمكن الشعب العراقي من محاكمتة، لكننا في الحقيقة نفزع حين نري قضاته وجلاديه أكثر دموية وإجراما، نفزع حين نري منظومة القيم الأمريكية تنهار دفعة واحدة، لتحل محلها ذهنية الكاوبوي وعقلية آل كابوني في العراق.
وركب فهد الفانك في صحيفة الرأي نفس الموجة عندما قال: بصرف النظر عن تمثيلية المحاكمة المهزلة، فإن إعدام الرئيس العراقي كان قرارا سياسيا مدروسا من حيث تنفيذه وتوقيته من جانب الإدارة الأمريكية.
الهدف من التنفيذ البشع والاستعراضي هو الانتقام، والهدف من التوقيت هو المزيد من اهانة الأمة العربية. صدام لم يكن رئيس دولة عربية كبري وحسب، بل ترأس عددا من مؤتمرات القمة العربية، أي أنه كان في لحظة ما رئيس الأمة العربية.
استهدفت الإدارة الأمريكية إهانة الأمة العربية وهي تعلم أن الاهانة لا تولد سوي الكراهية التي توفر المناخ الملائم لتفريخ الارهاب، ولكن يبدو ان الرغبة في الاهانة والتعبير الفظ عن الاحقاد وصراع الحضارات تستحق في نظر أمريكا هذا الثمن الباهظ.
في عهد صدام حسين شهد العراق جرائم كثيرة، لم يتفوق عليها سوي الجرائم التي ترتكب في عهد الاحتلال الأمريكي لعراق اليوم. وإذا كان صدام قد صادق علي إعدام 148 ممن ادينوا بمحاولة اغتياله، فان قوات التحالف وفرق الموت تعدم مثلهم كل يوم دون محاكمة.
وقال الفانك: لو تم خلع صدام ومحاكمته واعدامه من قبل شعبه وجيشه لاستحق هذا المصير، اما ان يتم ذلك من خلال عدوان أجنبي غير مشروع، وان تصفق لاعدامه إسرائيل وإيران، فإن ذلك شهادة له لا عليه.
لم يعدم الأمريكيون أسيرهم صدام لأنه وافق علي إعدام 148 مواطنا في الدجيل قبل ثلاثين عاما، فهم يقتلون مثل هذا العدد أو أكثر منه كل يوم.
ولم يقتلوه لأنه كان دكتاتورا فصدام ليس نسيج وحده بين الحكام. ولم يقتلوه لأنه حارب إيران فقد وقفوا الي جانبه في حينها. ولم يقتلوه لأنه اجتاح الكويت وضمها فقد جس نبضهم عندما ابلغهم بذلك سلفا ولم يعترضوا.
الذين اعدموا صدام اعدموه لأنه بني صناعة حربية وانتج صواريخ، وبدأ مشروعا نوويا، وهدد أمن إسرائيل كدولة احتلال، وكاد يسيطر علي البترول العربي لاستعماله كسلاح لاسترداد الحقوق العربية المهضومة.
وقوف صدام في وجه الاحتلال الأمريكي بصلابة محي كل خطاياه السابقة للاحتلال واعدامه علي يد الاحتلال الأمريكي جعله شهيدا وادخله التاريخ كرمز للإرادة القومية ورفض الخضوع، جنبا الي جنب مع الذين شنقهم العثمانيون في دمشق والانكليز في فلسطين، والايطاليون في ليبيا.
تجاوبت الصحافة الأردنية الأسبوع الماضي مع الحالة العاطفية العامة في الشارع الأردني التي نددت بالإعدام الطائفي للرئيس العراقي صدام حسين فيما لم تظهر في الصحف ولا مقالة واحدة من المقالات التي كانت تنتقد بالعادة صدام ونظامه بعد ان تواري منتقدو صدام في الصحافة المحلية عن الأنظار حيث لا يسمح لهم الجو العام علي الإطلاق بأي آراء خارج سياق تمجيد الشهيد صدام او الإساءة للمقاومة العراقية.
وبعد مرور أسبوع تقريبا علي واقعة الإعدام لا زال الحديث عن صدام وإعدامه طائفيا والرقص علي جثته من قبل خصومه الطائفيين هو الحديث المركزي الوحيد بين اوساط الأردنيين جميعا وفي كل المستويات وهي مسألة لم تستطع الصحافة المحلية اليومية والأسبوعية تجاهلها علي الإطلاق حيث خصصت اسبوعية الهلال عددها الأخير كاملا للحديث عن صدام حسين وحيث نشرت العديد من الآراء والمقالات التي تعبر عن الإستياء من عدم صدور موقف رسمي واضح يندد بالإعدام او يعلق عليه.
وبشكل خاص وجهت إنتقادات لاذعة في دواوين النشطاء السياسيين والنقابيين للتلفزيون الرسمي الذي تعامل مع إعدام صدام حسين كخبر مقتضب فقط. ولوحظ ان تلفزيون الحكومة لم يفعل ما فعلته محطة الجزيرة وهي تعيد نشر وبث صور ملتقطة سابقا للرئيس صدام بمعية الملك الراحل حسين بن طلال وواحدة من هذه الصور تعرض الملك الراحل مع الرئيس في الزي العسكري عندما كانت عمان برفقة بغداد في خندق واحد إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية.
ولم تصدر عن إبنة صدام المقيمة في عمان رغد حتي الآن اي ردود فعل علنية بعد ظهورها علنا إلي جانب أحد الوزراء في الحكومة في مسيرة جماهيرية إحتجاجية علي الإعدام نفذتها القوي النقابية لكن رغد اقامت سرادق عزاء للنساء فقط في منزلها الكائن في إحدي ضواحي العاصمة عمان ولم تفصح علنا عن خططها او مشاريعها للمستقبل.
صدام شاغل الاعلام
وتجنبت الصحف المحلية تغطية نقطة إحتكاك شكلت علامة فارقة خلال المسيرة التي شاركت بها رغد صدام حسين حيث صرح الشيخ سالم الفلاحات المراقب العام لجماعة الأخوان المسلمين شاتما أحد قيادات المسيرة من البعثيين بعد ان هتف الأخير ضد طارق الهاشمي ممثل جماعة الأخوان المسلمين بنسختها العراقية والعضو في مجلس الحكم الأمريكي للعراق.
وكان احد أقطاب البعث خلال المسيرة يهتف ضد أسماء معينة في الحكم العراقي الجديد وعندما وصل في الهتاف ضد الهاشمي لم يعجب الأمر الشيخ الفلاحات الذي قام بالصراخ وشتم الهاتف طالبا منه السكوت، وبطبيعة الحال لم يعجب الأمر المشاركين في المسيرة لكن حرصا عليها تم تجاهله قبل ان يتدخل الوسطاء لتقديم الإعتذار للبعثيين عن التصرف الأخواني الذي إعتبر خارج سياق المناسبة والمنطلق من دوافع تنظيمية ضيقة للغاية.
وتجاهلت الصحف ايضا جزئية أخري في المشهد حيث اعلن أبناء مدينة الكرك جنوبي البلاد انهم لا يريدون بعد الآن سياحة دينية إيرانية في مدينتهم وصدرت عن لجان نشطة في الكرك بيانات تتعهد بان لا تسمح المدينة للإيرانيين بزيارتها علما بان أفواجا من الإيرانيين والعراقيين الشيعة يزورون بالعادة مقامات دينية يقدسها الشيعة في مدينة الكرك من بينها مقام جعفر الطيار وعلم بان أول مظاهرة عفوية في المنطقة تنديدا بإعدام صدام نظمت في مدينة الكرك صباح اليوم الأول من عيد الأضحي.
ويمكن ببساطة رصد التحول الصحافي والشعبي ضد الحكومة الإيرانية في الشارع الأردني خصوصا بعدما اشارت الصحف عدة مرات الي ان طهران وتل أبيب رحبتا بنفس العبارات تقريبا بإعدام الرئيس صدام حسين، وشهدت المسيرات التي جابت الشوارع الأردنية علي مدار الأسبوع خطابات وشعارات وهتافات تندد يإيران وإسرائيل معا وبعض هذه الهتافات طالت أيضا محطة المنار اللبنانية التابعة لحزب الله لانها وصفت خلال بثها للقطات إعدام الرئيس صدام بانه طاغية وأعلن نشطاء متعددون انهم سيقاطعون محطة المنار فيما تعهد نقيب المحامين صالح العرموطي بمقاطعة اي دعوات او نشاطات مع الحكومة الإيرانية بسبب موقفها المؤيد لإعدام صدام حسين.
وتوافقت المشاعر الإنقلابية في الشارع الأردني ضد الإيرانيين بسبب موقفهم من إعدام صدام حسين مع التوجهات الرسمية عموما ورغم ان الحكومة لم تصدر اي تعليق علي واقعة الإعدام إلا انها ترحب بأي مشاعر سلبية في الشارع تجاه الدور الإيراني في العراق خصوصا بعدما شاهد الأردنيون كغيرهم كيف رقص حلفاء طهران علي جثة الرئيس صدام حسين الذي إعتبرته صحيفة الهلال سيد الشهداء كما إعتبرته كذلك عشرات الإعلانات التجارية المدفوعة التي نشرتها الصحف لأردنيين أفرادا او مؤسسات.
وكان إعدام صدام هو الحديث المركزي للغالبية الساحقة من مقالات الكتاب والمثقفين الأردنيين، ولاحظ الكاتب في صحيفة العرب اليوم فهد الخيطان ان دول العالم بإستثناء إيران وإسرائيل وبريطانيا وأمريكا إعتبرت الإعدام خطوة غير موفقة وتعكس الحقيقة المأساوية في العراق حيث عصابة من الارهابيين المقنعين ينفذون عملاً همجياً بحق رئيس سابق للدولة، وظهرت حكومة المالكي ليس مجرد دمية بيد الاحتلال الامريكي بل واداة بيد الميليشيات التابعة لايران وكأننا امام تصفية حساب مع صدام حسين من طرف ايران وامريكا في آن واحد.
واذا كانت محاكمة صدام بكل تجاوزاتها للقانون الدولي والانساني قد جعلت منه زعيماً يحظي بشعبية عربية لم ينلها وهو في الحكم فان تصفيته بهذا الاسلوب الهمجي والانتقامي حولته الي شهيد ورمز في نظر الشعوب العربية بصرف النظر عن موقفها من سياساته عندما كان في الحكم.
مهاجمة تخاذل الدولة
علي المستوي الشعبي الاردني ـ يلاحظ الخيطان ـ ان رد الفعل كان متوقعا فصدام حسين يحظي بتأييد واسع لدي كافة الاوساط ليس لمواقفه من اسرائيل وامريكا فحسب وانما لمساندته الكبيرة للاردن وهو في اشد ظروف الحصار قسوة. وفي هذه الايام الباردة يتذكر الاردنيون سنوات الدعم النفطي من العراق للاردن والتي جعلتنا في موقف اقوي في مواجهة الضغوط الاقليمية والدولية.
ولم يتضمن البيان الحكومي كلمة اسف واحدة علي توقيت وطريقة الاعدام كما هو حال البيانات الصادرة عن السعودية ومصر واليمن ودول عربية اخري كسورية ناصبت صدام حسين العداء وهو في الحكم. وخلا البيان الرسمي من اية اشارة الي مخاطر اعدام صدام علي مستقبل العراق، فالتصريح الرسمي طالب العراقيين بطي الصفحة وكأن شيئــاً لم يكن والتطلع للمستقبل، مع ان يوم تنفيذ الاعدام شهد سقوط اكثر من مئة قتيل في العراق وفي الايام التالية تصاعد العنف الطائفي بفضل سياسة حكومة المالكي الطائفية.
وقال الخيطان: نفهم لعبة المصالح بين الدول، لكن في العراق اليوم لا توجد دولة نحرص علي مصالحنا معها، فالوقائع تؤكد كل يوم اننا امام عصابات مسلحة لا تصلح معها الاعراف الدبلوماسية، صدام حسين كان حاضرا في تاريخ العلاقات الاردنية العراقية لاكثر من ثلاثين عاما ولا يمكن تجاهل هذا التاريخ لارضاء حكومة المالكي خاصة وان صدام كان يوصف شخصياً بالصديق الودود للاردن الذي رفض مرات عديدة ضغوط المقربين منه لقطع المنحة النفطية حتي في الفترات التي اتبع الاردن فيها سياسة عداء مكشوفة تجاه نظام حكمه.
وتساءل الكاتب: الا يستحق هذا التاريخ الطيب من العلاقات اشارة في البيان الرسمي، خاصة وان الاردن لا يتردد دائماً في تقديم الشكر لمن يقف الي جانبه ويساعده من الدول العربية؟
وتوقف الكاتب سميح المعايطة من صحيفة الغد عند الخبر الصغير الذي يقول رحبت ايران واسرائيل بإعدام صدام حسين . وحكاية هذا التحالف ـ الذي قوّض العراق وهدم دولته ـ بين الاحتلال الامريكي والثأر الفارسي هي ملخص المأساة العراقية.
وقال الكاتب: امريكا جاءت لتحقق اهداف التجار وعقائد اسرائيل والمحافظين الجدد. والفرس واتباعهم حملوا حلم تقويض الدولة العربية العراقية؛ فكان العدوان، وصمتت كل افواه آيات الله واصحاب الفتاوي الا باتجاه الصمت علي الاحتلال واضفاء الشرعية عليه، هو تحالف ارادوه ثأرا لحرب الخليج الاولي، وربما للقادسية الاولي، وارادته امريكا واسرائيل زواج متعة، يقضيان به متعتهما وحاجتهما من مبادئ الثورة وميليشيات الحرس الثوري التي حملت اسماء عراقية.
لكن هذا الزواج مؤقت، لان امريكا واسرائيل لا صديق لهما، وقد لا يمضي اكثر من عام قبل ان تكون ايران تحت السلاح الامريكي الصهيوني. وسيجد الامريكيون اعوانا لهم من الايرانيين المعارضين يهبطون الي طهران بطائرات المارينز، كما هبط بعض قادة المعارضة العراقية الي ارض العراق بعد احتلالها.
واضاف الكاتب: ليست القضية في موت صدام، فهو قد يموت في سجنه مثل اي انسان، إنما هي في اعدامه في يوم العيد، يوم فرح للتحالف الفارسي الصهيوني الامريكي، لان صدام كان رمزا للدولة العربية العراقية؛ فكأنهم يريدون ان يقولوا ان عيدهم بإعلان القضاء علي تلك الدولة العربية، وبدء مرحلة الدولة التابعة للثورة الفارسية.
لكن حكي القرايا ليس مثل حكي السرايا ؛ فأمريكا وايران لدي فئات من العراقيين والعرب في خندق واحد، وتصنيف واحد.
وقال رئيس تحرير الغد أيمن الصفدي وهو من منتقدي صدام حسين في الماضي: جعلوا صدام حسين أسطورة. فالمشهد الأخير هو الذي يرسخ في الذاكرة. وفي المشهد الأخير، بدا صدام زعيماً. وظهر جلادوه صغاراً طائفيين حاقدين. والمشهد الأخير لصدام حسين كان كارثة علي العراق. جذّر الطائفية. كرّس الانقسام. بدا صدام ضحية. وبان جلاديه قتلة، مدفوعون بغرائز انتقامية، وأجندات سياسية معنية بكل شيء إلا العراق ومستقبله.
هتف جلادو صدام لقيادات طائفية. كانت لحظة انتقام لا لحظة عدالة. العدالة تبني الأوطان. الانتقامية تدمرها.
لم يكن العراق حاضراً حين أُسدل الستار علي حياة صدام وتاريخه. الحاضر كان الراهن الطائفي القميء، الذي دفعت الولايات المتحدة بلاد الرافدين إليه.
وقال الصفدي: فرحت أمريكا بإعدام صدام. وكذلك إسرائيل. وفرحت بلاد فارس. إعدام صدام كان لإيران نصراً إلهياً . لكن الحقيقة أنه كان، بتوقيته ومرتكزاته القانونية وآليات تنفيذه، علي العراق وعلي كل العرب دمارياً. من المستفيد؟ أمريكا. وكذلك إيران التي نجحت وحلفاؤها في جعل نهاية ديكتاتورية صدام بداية لضياع العراق.
عراق جديد طائفي
وإعتبر الكاتب في صحيفة الدستور عريب الرنتاوي ان حفل الإعدام العلني لصدام حسين يكرس صورة العراق الجديد وهو عراق طائفي ـ مذهبي متطرف، تحكمه الغرائز وشهية الانتقام والثارات الشخصية والأحقاد العقائدية ومجالس العزاء التي لا تنتهي، عراق الميليشيات والعصابات واللصوص، من تدثر منهم بالعمة والجلباب ومن كبح منهم جماح لحيته لتنسجم مع آخر صيحات الملابس الرجالية لدور الأزياء الأشهر في العالم. حلقة الرقص البدائية التي أحاطت بالرئيس العراقي وهو يتقدم نحو حبل المشنقة، تذكر بإنسان الكهوف والقبائل البدائية التي كانت تتحلق حول النار التي تشوي بلهبها خصومها وقرابينها، فهؤلاء البرابرة الذين لا يقيمون وزنا لحرمة الموت ولا للحظة الإعدام، هم الجبناء الذين لا تطفو رجولتهم علي السطح إلا أمام عدو مقيد اليدين والرجلين.
وقال الرنتاوي: الحكام والإداريون وجنود الداخلية والحرس، لهم صورة المجرمين والقتلة ورجال العصابات، وهتافاتهم الكريهة لم تكن سوي رجع صدي لصيحات التكبير والتهليل في احتفالات الخطف والقتل علي الهوية، هؤلاء هم النبت الشيطاني لديمقراطية بوش الناشئة في العراق، وهم الأبناء الحرام لزواج غير مشروع تم بين احتلالين كريهين علي أرض الرافدين.
حكومة المالكي، رئيسا وبرنامجا وائتلافا، جزء من مشكلة العراق، ولا يمكن أن تكون أبدا بوابة للحل أو جزءا منه، حكومة المالكي الخارجة للتو من صفوف الجمل وغبار صفين هي هيئة أركان الحرب الأهلية المفتوحة.
وعن صدام قال الكاتب: واجه الموت بشجاعة الرجال، لكن الذين لم يعرفوا الرجولة يوما، فاضوا بما تحتويه آنيتهم من خصال الجبن واللؤم والكذب. لم نتفق يوما مع صدام حسين ونظامه، لا في الشأن العراقي الداخلي ولا في سياساته وحروبه الخارجية، بل ونقول أكثر من ذلك، بأننا كنا نتمي أن يتمكن الشعب العراقي من محاكمتة، لكننا في الحقيقة نفزع حين نري قضاته وجلاديه أكثر دموية وإجراما، نفزع حين نري منظومة القيم الأمريكية تنهار دفعة واحدة، لتحل محلها ذهنية الكاوبوي وعقلية آل كابوني في العراق.
وركب فهد الفانك في صحيفة الرأي نفس الموجة عندما قال: بصرف النظر عن تمثيلية المحاكمة المهزلة، فإن إعدام الرئيس العراقي كان قرارا سياسيا مدروسا من حيث تنفيذه وتوقيته من جانب الإدارة الأمريكية.
الهدف من التنفيذ البشع والاستعراضي هو الانتقام، والهدف من التوقيت هو المزيد من اهانة الأمة العربية. صدام لم يكن رئيس دولة عربية كبري وحسب، بل ترأس عددا من مؤتمرات القمة العربية، أي أنه كان في لحظة ما رئيس الأمة العربية.
استهدفت الإدارة الأمريكية إهانة الأمة العربية وهي تعلم أن الاهانة لا تولد سوي الكراهية التي توفر المناخ الملائم لتفريخ الارهاب، ولكن يبدو ان الرغبة في الاهانة والتعبير الفظ عن الاحقاد وصراع الحضارات تستحق في نظر أمريكا هذا الثمن الباهظ.
في عهد صدام حسين شهد العراق جرائم كثيرة، لم يتفوق عليها سوي الجرائم التي ترتكب في عهد الاحتلال الأمريكي لعراق اليوم. وإذا كان صدام قد صادق علي إعدام 148 ممن ادينوا بمحاولة اغتياله، فان قوات التحالف وفرق الموت تعدم مثلهم كل يوم دون محاكمة.
وقال الفانك: لو تم خلع صدام ومحاكمته واعدامه من قبل شعبه وجيشه لاستحق هذا المصير، اما ان يتم ذلك من خلال عدوان أجنبي غير مشروع، وان تصفق لاعدامه إسرائيل وإيران، فإن ذلك شهادة له لا عليه.
لم يعدم الأمريكيون أسيرهم صدام لأنه وافق علي إعدام 148 مواطنا في الدجيل قبل ثلاثين عاما، فهم يقتلون مثل هذا العدد أو أكثر منه كل يوم.
ولم يقتلوه لأنه كان دكتاتورا فصدام ليس نسيج وحده بين الحكام. ولم يقتلوه لأنه حارب إيران فقد وقفوا الي جانبه في حينها. ولم يقتلوه لأنه اجتاح الكويت وضمها فقد جس نبضهم عندما ابلغهم بذلك سلفا ولم يعترضوا.
الذين اعدموا صدام اعدموه لأنه بني صناعة حربية وانتج صواريخ، وبدأ مشروعا نوويا، وهدد أمن إسرائيل كدولة احتلال، وكاد يسيطر علي البترول العربي لاستعماله كسلاح لاسترداد الحقوق العربية المهضومة.
وقوف صدام في وجه الاحتلال الأمريكي بصلابة محي كل خطاياه السابقة للاحتلال واعدامه علي يد الاحتلال الأمريكي جعله شهيدا وادخله التاريخ كرمز للإرادة القومية ورفض الخضوع، جنبا الي جنب مع الذين شنقهم العثمانيون في دمشق والانكليز في فلسطين، والايطاليون في ليبيا.

التعليقات