الاشاعة والدعاية ابرز اساليب المخابرات الاسرائيلية بقلم:دكتور سمير محمود قديح
الاشاعة والدعاية ابرز اساليب المخابرات الاسرائيلية .
دكتور / سمير محمود قديح
باحث في الشئون الامنية والاستراتيجية
الدعاية وانواعها
هذا بالنسبة لتأثير الدعاية ..
اما بالنسبة لنوعيتها فهى تنقسم غلى ثلاثة أقسام رئيسية مهمة للغاية ..
الدعاية البيضاء ، والدعاية الرمادية ، والدعاية السوداء ..
والرابط اللونى ، هذا لا يرتبط بطبيعة المادة ، التى تقدم من خلال الدعاية ، سواء كانت مظلمة أو مضيئة ، لكنه يرتبط بالمصدر الذى يطلق الدعاية نفسها ..
فالدعاية البيضاء هى دعاية معروفة المصدر ، تطلقها دولة ، أو جهة معروفة و معلنة ؛للتأثير على شعب أو جيش دولة خصمة أو عدوة ..
والمثال الأكبر على هذا ، هو الإذاعات الموجهة التى تصدر عن دولة ما ، تعلن عن نفسها فى وضوح ، ولكنها تستخدم فيها لغة الدولة الخصم ، والأساليب التى تجذب شعبها ، وربما أغنياتها ومواضيعها المفضلة أيضاً ، بحيث تدس بين هذا وذاك بعض الأخبار التى ربما تكون صحيحة او لا ، لترك تأثير خاص فى الشعوب أو الجيوش ..
ولكى تنجح الدعاية البيضاء لابد أن تستند إلى شىء من الحقائق التى يدركها شعب أو خيش الخصم حتى لا يفقد الثقة بها ، خاصة وأنها تصدر من مصدر معروف بعدائه وخصومته ..
أما الدعاية الرمادية فهى دعاية غير واصحة المصدر تبدأ وتنتشر ، وربما تنتهى أيضا ، دون
أن يظهر بوضوح من الذى أطلقها بالضبط ، ومن المستفيد منها بالتحديد ..
والدعايات الرمادية تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الذكاء والحنكة ، نظراًلأنها لابد ألا تحمل بصمة واضحة ومحددة
لذا فمستخدمها يكون فى المعتاد خبيراً فى مجاله ، وأستاذاً فى فن التعامل من الجماهير ، وتوجيه فكرها ، وتحوير أتجاهاتها ، دون إشارات واضحة ، أو توجيهات مباشرة جلية ..
ومن الممكن ان تكون الدعايات الرمادية مقروءة ، أو مسموعة ، أو حتى مرئية ، وفقاً لمقتضيات الموقف ، ونوع الوسائل المتاحة والمنتشرة ، وفى منطقة الخصم ، والتى يمكن أن تكون ضعيفة ومحدودة ،أو شديدة التطور ، بحيث تغوص عبر شبكات الانتر نت ، ورسائل المحمولة ، وغيرها ..
أما الدعاية السوداء ، فهى أخطر وأشرس اونواع الدعايات ، لو أحسن التعامل معها ، على الوجه الصحيح ..
والدعاية السوداء هى دعاية مباشرة ولكنها تصدر حتما عن مصدر يخالف المصدر المعلن ، كأن تنشئ (إسرائيل )مثلا محطة إذاعية باللغة العربية ، يعمل فيها يهود من أصول عربية ، على نحو يوحى بأنها محطة للمعارضة فى الخارج ..
أو يمكن أن يكون هذا عبر مواقع الأنترنت ، التى تطلق عبر الشبكة ، بأعتبارها من مصدر قومى معارض مثلاً ،فى الحين انها فى الواقع تنطلق من موقع معاد تماماً ..
وتأثير الدعاية السوداء هو أقوى تأثير معروف ، من بين كل أنواع الدعاية الاخرى ؛لأنه يكسب ثقة المستمع ، او المشاهد ، أو المتابع ، الذى يتعامل ، معها بأعتبارها مصادر صديقة ، تسعى إلى صالحه ومستقبله ، فى الحي أنها فى واقعها مصادر عدوة تسعى لتدميره والقضاء عليه ..
والتاريخ يحمل لنا عشرات الأمثلة ، للدعايات الناجحة فى كل الحروب ، وكل المجالات ، والتى تبدأ من اطلاق الشائعات ،إلى إلقاء المنشورات ، التى تحوى إما الترهيب أو الترغيب ،إلى الإذاعات الموجهة ، والمستفزة والملتوية ، والمتخفية ، إلى أفلام السينما ، والأفلام التسجيلية ، والكتب والروايات ، وإلى ماتطور إليه العلم الآن ، من رسائل هاتفية قصيرة ، ومواقع شبكة الإنترنت ، والرسائل البريدية الإلكترونية ..
الشائعات .....
من بين كل انواع الحرب النفسية ، التى استعرضها التاريخ ، فى عالم الجاسوسية ، تحتل الشائعات مكانة خاصة ..
خاصة للغاية فعلى عكس كل الوسائل الأخرى ، تنطلق الشائغات دوماً
من بؤرة مجهولة ، يصعب تحديدها ، أو تتبعها على نحومنطقى وسليم ،فالشائعة يمكن أن تبدأ من مصنع كبير ،أو مقهى صغير ، أو حتى من قلب أخطر جهاز ، فى أية دولة من دول العالم ..
وهذا يتوقف على طبيعة الشاءعة ، وأهميتها ، وخطورتها وما يمكن أن يؤدى إليه ، بعد ان تتوغل فى المجتمع ، وتستقر فى وجدانه ، وتصبح لها قوة رهيبة ، ربما تنزاح أمامها الحقائق نفسها ..
والاستهانة بالشائعات خطأ فادح ، مهما بدت الشائعة تافهة أو غبية ا حتى تفتقر إلى المنطق و العقل السليمين ..
وقبل أن نناقش هذه النقطة ، دعنى اعيد ذهنك إلى شائعة مضحكة بدت كدعابة على الأرجح، ثم لم تلبث أ قويت ، مع ترديدها المستمر ، حتى تجاوزت كل الحدود المنطق الطبيعى ..
والحديث هنا عن تلك الشائعة ، التى أنتشرت فجأة لتقول :إن الفنان المبدع (محمد صبحى ) مسيحى الديانة !
شائعة كان ينبغى أن تثير الضحك والسخرية ، وتبدو واضحة السخافة واللا منطقية ،وعلى الرغم من هذا ، فقد فوجئنا بها تنتشر ..
وتنتشر ..
وتنتشر..
ومع انتشارها ، راح بعض الخبثاء ينسجون مبررات أكثر سخافة لإقناع الآخرين بأن (محمد محمود صبح) الشهير بالفنان (محمد صبحى ) ، رجل مسيحى الديانة..
والسخيف أن التبرير نفسه غير منطقى ..
لكن الأسخف أن الناس صدقت ..
ورددت ..
وأثبتت قوة الشائعات ..
وفى الوقت الذى كان فيه مطلق الشائعة ينقلب على ظهره ضحكاً وسخرية ، من ذلك الشعب الساذج ، الذى صدق شائعة سخيفة كهذه ، كان على الفنان (محمد صبحى) أن يتحدث الى الصحف ، وعن كذب الشائعة ، التى سخر منها شخصياً فى البداية ، بغض النظر عما ورد بها بأعتبار أن مؤلفها ومرددها شخص أساء إلى الاديان ، دون وعى او منطق .. او ربما هو شخص تعمد هذا!!
المهم أنه ، على الرغم من كل ماقيل ، ومن تكذيب (صبحى )نفسه للأمر ، ظل هناك من يصدق ..
ومن يردد ..
ومن يجادل ..
وهكذا الشائعات ..
من السهل ا تطلقها ، ومن الصعب ، وربما الصعب جداص أن توقفها ..
وأحد الأسباب الرئيسية للشائعات ، رغبة البعض فى الظهوربمظهر الشخص المتميز ، والمطلع ، والعارف ببواطن الامور ..
وهذه أسوأ صفة فى الوجود ..
وتتضاعف نسبة السوء ، لو أن صاحب تلك هذه الصفة ينتمى بالفعل إلى جهة سيادية أو أمنية ، أو سياسية ، بحيث توحى كلماته بالثقة والمصداقية ، حتى لو لم يكن يعلم شيئا عما يتحدث عنه فى الواقع ..
فليس من الضرورة ،أن يكون أحد العاملين فى جهاز الشرطة مثلا ، على لم بكل ما يدور هناك ، بل من الطبيعى جداً أن يجهل الكثير مما يحدث ، والإ فسيصبح جهاز الشرطة كله أشبه بمقهى عام ، يردد الكل فيه الأسرار ، بل ويعلنها لكل العاملين بلا استثناء ،دون أية قواعد للسرية وامن الجهاز والدولة ..
وهذا ينطبق أيضاً على العاملين فى أجهزة المخابرات ، ومجلس الوزراء، ومجلس الشعب ، وكل الجهات السيادية الأخرى ..
وفى معظم الأحيان ، يكون الشعور بقلة الشأن ، هو الدافع الرئيسى ، للعاملين الصغار ، أو صغار كبار الموظفين ، كما يطلق عليهم ، لكى يتظاهرو بالأهمية ، عن طريق ادعاء أنهم يعرفون أسرار المكان ..
بل وأسرار الدولة نفسها ..
وفى بعض الأحيان ، يتظاهر هؤلاء المرضى النفسيين بأنهم على علم حتى بما يطلق على اسم (قرارت المطبخ)..
والمقصود بالمصطلح هنا هو تلك القرارات ، ذات طابع السيادى للغاية ، بحيث لا يمكن أن يعلم بها سوى كبار القادة ، وعلى أرفع المستويات ، ورئيس الوزراء ، أو رئيسالجمهورية شخصياً
ومثل هذه القرارت تكون دوما على درجة عالية جداً من السرية حتى أن الرئيس والقادة لا يبلغون زوجاتهم بها ..
فما بالك بموظفيهم ، فى الدرجات العليا..
والدرجات الوظيفية الأدنى ..
ولكن العجيب أن الناس لا تفكر ..
أو تبحث ..
أو تناقش ..
فقط تصدق ..
وتنبهر ..
وتردد ..
وهنا تكمن الكارثة .
وهنا تكمن أيضاً قوة وحطورة الشائعات ، على كل المستويات ..
والشائعات ، من ناحية قوتها ، وقدرتها على التغلغل ، وما تتركه حلفها من تأثيرات ، تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية ..
وأشهر أنواع الشائعات ، ما يعرف باسم الشائعة الزاحفة ..
والشائعة الزاحفة هذه هى أقوى الشائعات تأثيراً واكثرها قدرة على هزيمة الحقائق نفسها ،أذا إنها ، وكما يتضح من اسمها تبدأ هادئة ،بطيئة ، ولكنها تمتلك من القوة ما يسمح لها بالزحف فى المجتمعات ، وبالأنتقال بين الألسنة والآذان فى سرعة ، بحيث تصبح راسخة قوية ، مقنعة ، حتى و إن لم تستند إلى منطق سليم ..
والغرض الرئيسى للشائعة الزاحفة ، هو توجيه الفكر العام نحو أمر بعينه ، أو فكرة بذاتها ، بحيث تقر فى القلوب والنفوس ، وتصبح قادرة على تحطيم الروح المعنوية ، أو سلب الإرادة العامة ، عندما تحين لحظات المواجهات ..
وأشهر ما عروف من الشائعات الزاحفة ، هو فكرة قوة الجيش لاإسرائيلى ، ومناعته ، وفكرة أنه غير قابل للهزيمة ..
وخلال الحرب العالمية الثانية ، استخدم (جوبلز) ، وزير الدعاية النازى ، شائعة السلاح السرى الألمانى ، ليحطم إرادة الإنجليز ، ويوهمهم بأن هزيمتهم حتمية ، حتى لو أوحت تطورات الموقف بعكس هذا ..
والشائعة الزاحفة قادرة على دفع شعب كامل إلى الاستسلام قبل حتى أن يواجه عدوه ، لتصوره أن هذا العدو يفوقه قوة بمئات المرات ، أو يمتلك سلاحاً رهيباً ، قادراً على إبادته بلا رحمة ..ألخ ..
أما النوع الثانى من الشائعات فهو الشائعة العنيفة ..
وهذا النوع من الشائعات يعتمد على نشر أكذوبة قوية ، مخيفة ، تدفع فئة ما ، أو حتى كل الفئات إلى الغضب والثورة والاندفاع إلى التدمير أو التخريب ، دون أن تتوقف للتفكير فى الموقف ، ودراسته ، وتبين صحته او كذبه ..
والمثال الواضح للشائعات القوية ، هو أحدث الأمن المركزى فى أواخر ثمانيات القرن العشرين(ابريل1986م) ، عندما سرت بين قوات الأمن المركزى شائعة تقول إن فترة تجنيدهم ستتضاعف فى ظروف معيشة سيئة للغاية ..
وبمنتهى العنف ، أنطلق جنود الأمن المركزى يعلنون رفضهم ..
وغضبهم..
وثورتهم..
وأشتعلت الدنيا كلها ..
وهذا بالضبط هدف الشائعات العنيفة ..
أن تطلق المشاعر والانفعالات من عقالها ، بمنتهى العنف والقوة ، دون تفكير أو تدبير ..
ومن هنا يبدوا واضحاً أن الشائعات العنيفة هى عكس الشائعة الزاحفة تماما ، فهى تبدأ بسرعة والغرض منها نتائج سريعة ومباشرة ، و..
وعنيفة ..
تبقى امامنا إذن النوع الثالث والأخير من الشائعات وهو ما يعرف باسم الشائعة الغائصة ..
والشائعة الغائصة تشبه كثيراً الشائعة الزاحفة ، من حيث بطئها ،وتوغلها ، وتغلغلها ، لكن تختلف عنها فى أنها لا تمس قطاعاص حيوياً دائماً أو مستمراً من المجتمع ، وإنما تمس أمراً يتعلق باوقات محدودة بعينها ، بحيثتغوص الشائعة فى المجتمع معظم الوقت ، ثم تعود إلى السطح ، عندما يأتى دورها أو موسمها ،أو تأتى مناسبتها ..
فلو انها شائعة تتعلق بنقص الموارد الغذائية مثلاً، فهى تختفى معظم أياما لسنة ، لأن المواد متوفرة بالفعل ، ثم تعود إلى الظهور مع مواسم الصيف مثلاً أو فى بدايات شهر رمضان ..
والشائعات المالية هى أشهر أنواع الشائعات الغائصة ، مثل شائعات إصدار الحكومة لقانون ،يبيح لها الأستيلاء على الزدائع البنكية للمواطنين ، او على العملات الحرة فى أرصدتهم ، وهى شائعة ترتبط دوماً بالأزمات الأقتصادية فهى غائصة دوماً فى المجتمع ، ثم تظهر فجأة ، إذا ما واجهالمجتمع ازمة مالية ، حتى ولو كانت مرحلية او مؤقته ..
ومن كل ما سبق يبدوا من الواضح أن الشائعات هى أحد أسلحة الحروب عبر العصور ..
بل هى أقوى أسلحة الحرب الخفية ..
دكتور / سمير محمود قديح
باحث في الشئون الامنية والاستراتيجية
الدعاية وانواعها
هذا بالنسبة لتأثير الدعاية ..
اما بالنسبة لنوعيتها فهى تنقسم غلى ثلاثة أقسام رئيسية مهمة للغاية ..
الدعاية البيضاء ، والدعاية الرمادية ، والدعاية السوداء ..
والرابط اللونى ، هذا لا يرتبط بطبيعة المادة ، التى تقدم من خلال الدعاية ، سواء كانت مظلمة أو مضيئة ، لكنه يرتبط بالمصدر الذى يطلق الدعاية نفسها ..
فالدعاية البيضاء هى دعاية معروفة المصدر ، تطلقها دولة ، أو جهة معروفة و معلنة ؛للتأثير على شعب أو جيش دولة خصمة أو عدوة ..
والمثال الأكبر على هذا ، هو الإذاعات الموجهة التى تصدر عن دولة ما ، تعلن عن نفسها فى وضوح ، ولكنها تستخدم فيها لغة الدولة الخصم ، والأساليب التى تجذب شعبها ، وربما أغنياتها ومواضيعها المفضلة أيضاً ، بحيث تدس بين هذا وذاك بعض الأخبار التى ربما تكون صحيحة او لا ، لترك تأثير خاص فى الشعوب أو الجيوش ..
ولكى تنجح الدعاية البيضاء لابد أن تستند إلى شىء من الحقائق التى يدركها شعب أو خيش الخصم حتى لا يفقد الثقة بها ، خاصة وأنها تصدر من مصدر معروف بعدائه وخصومته ..
أما الدعاية الرمادية فهى دعاية غير واصحة المصدر تبدأ وتنتشر ، وربما تنتهى أيضا ، دون
أن يظهر بوضوح من الذى أطلقها بالضبط ، ومن المستفيد منها بالتحديد ..
والدعايات الرمادية تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الذكاء والحنكة ، نظراًلأنها لابد ألا تحمل بصمة واضحة ومحددة
لذا فمستخدمها يكون فى المعتاد خبيراً فى مجاله ، وأستاذاً فى فن التعامل من الجماهير ، وتوجيه فكرها ، وتحوير أتجاهاتها ، دون إشارات واضحة ، أو توجيهات مباشرة جلية ..
ومن الممكن ان تكون الدعايات الرمادية مقروءة ، أو مسموعة ، أو حتى مرئية ، وفقاً لمقتضيات الموقف ، ونوع الوسائل المتاحة والمنتشرة ، وفى منطقة الخصم ، والتى يمكن أن تكون ضعيفة ومحدودة ،أو شديدة التطور ، بحيث تغوص عبر شبكات الانتر نت ، ورسائل المحمولة ، وغيرها ..
أما الدعاية السوداء ، فهى أخطر وأشرس اونواع الدعايات ، لو أحسن التعامل معها ، على الوجه الصحيح ..
والدعاية السوداء هى دعاية مباشرة ولكنها تصدر حتما عن مصدر يخالف المصدر المعلن ، كأن تنشئ (إسرائيل )مثلا محطة إذاعية باللغة العربية ، يعمل فيها يهود من أصول عربية ، على نحو يوحى بأنها محطة للمعارضة فى الخارج ..
أو يمكن أن يكون هذا عبر مواقع الأنترنت ، التى تطلق عبر الشبكة ، بأعتبارها من مصدر قومى معارض مثلاً ،فى الحين انها فى الواقع تنطلق من موقع معاد تماماً ..
وتأثير الدعاية السوداء هو أقوى تأثير معروف ، من بين كل أنواع الدعاية الاخرى ؛لأنه يكسب ثقة المستمع ، او المشاهد ، أو المتابع ، الذى يتعامل ، معها بأعتبارها مصادر صديقة ، تسعى إلى صالحه ومستقبله ، فى الحي أنها فى واقعها مصادر عدوة تسعى لتدميره والقضاء عليه ..
والتاريخ يحمل لنا عشرات الأمثلة ، للدعايات الناجحة فى كل الحروب ، وكل المجالات ، والتى تبدأ من اطلاق الشائعات ،إلى إلقاء المنشورات ، التى تحوى إما الترهيب أو الترغيب ،إلى الإذاعات الموجهة ، والمستفزة والملتوية ، والمتخفية ، إلى أفلام السينما ، والأفلام التسجيلية ، والكتب والروايات ، وإلى ماتطور إليه العلم الآن ، من رسائل هاتفية قصيرة ، ومواقع شبكة الإنترنت ، والرسائل البريدية الإلكترونية ..
الشائعات .....
من بين كل انواع الحرب النفسية ، التى استعرضها التاريخ ، فى عالم الجاسوسية ، تحتل الشائعات مكانة خاصة ..
خاصة للغاية فعلى عكس كل الوسائل الأخرى ، تنطلق الشائغات دوماً
من بؤرة مجهولة ، يصعب تحديدها ، أو تتبعها على نحومنطقى وسليم ،فالشائعة يمكن أن تبدأ من مصنع كبير ،أو مقهى صغير ، أو حتى من قلب أخطر جهاز ، فى أية دولة من دول العالم ..
وهذا يتوقف على طبيعة الشاءعة ، وأهميتها ، وخطورتها وما يمكن أن يؤدى إليه ، بعد ان تتوغل فى المجتمع ، وتستقر فى وجدانه ، وتصبح لها قوة رهيبة ، ربما تنزاح أمامها الحقائق نفسها ..
والاستهانة بالشائعات خطأ فادح ، مهما بدت الشائعة تافهة أو غبية ا حتى تفتقر إلى المنطق و العقل السليمين ..
وقبل أن نناقش هذه النقطة ، دعنى اعيد ذهنك إلى شائعة مضحكة بدت كدعابة على الأرجح، ثم لم تلبث أ قويت ، مع ترديدها المستمر ، حتى تجاوزت كل الحدود المنطق الطبيعى ..
والحديث هنا عن تلك الشائعة ، التى أنتشرت فجأة لتقول :إن الفنان المبدع (محمد صبحى ) مسيحى الديانة !
شائعة كان ينبغى أن تثير الضحك والسخرية ، وتبدو واضحة السخافة واللا منطقية ،وعلى الرغم من هذا ، فقد فوجئنا بها تنتشر ..
وتنتشر ..
وتنتشر..
ومع انتشارها ، راح بعض الخبثاء ينسجون مبررات أكثر سخافة لإقناع الآخرين بأن (محمد محمود صبح) الشهير بالفنان (محمد صبحى ) ، رجل مسيحى الديانة..
والسخيف أن التبرير نفسه غير منطقى ..
لكن الأسخف أن الناس صدقت ..
ورددت ..
وأثبتت قوة الشائعات ..
وفى الوقت الذى كان فيه مطلق الشائعة ينقلب على ظهره ضحكاً وسخرية ، من ذلك الشعب الساذج ، الذى صدق شائعة سخيفة كهذه ، كان على الفنان (محمد صبحى) أن يتحدث الى الصحف ، وعن كذب الشائعة ، التى سخر منها شخصياً فى البداية ، بغض النظر عما ورد بها بأعتبار أن مؤلفها ومرددها شخص أساء إلى الاديان ، دون وعى او منطق .. او ربما هو شخص تعمد هذا!!
المهم أنه ، على الرغم من كل ماقيل ، ومن تكذيب (صبحى )نفسه للأمر ، ظل هناك من يصدق ..
ومن يردد ..
ومن يجادل ..
وهكذا الشائعات ..
من السهل ا تطلقها ، ومن الصعب ، وربما الصعب جداص أن توقفها ..
وأحد الأسباب الرئيسية للشائعات ، رغبة البعض فى الظهوربمظهر الشخص المتميز ، والمطلع ، والعارف ببواطن الامور ..
وهذه أسوأ صفة فى الوجود ..
وتتضاعف نسبة السوء ، لو أن صاحب تلك هذه الصفة ينتمى بالفعل إلى جهة سيادية أو أمنية ، أو سياسية ، بحيث توحى كلماته بالثقة والمصداقية ، حتى لو لم يكن يعلم شيئا عما يتحدث عنه فى الواقع ..
فليس من الضرورة ،أن يكون أحد العاملين فى جهاز الشرطة مثلا ، على لم بكل ما يدور هناك ، بل من الطبيعى جداً أن يجهل الكثير مما يحدث ، والإ فسيصبح جهاز الشرطة كله أشبه بمقهى عام ، يردد الكل فيه الأسرار ، بل ويعلنها لكل العاملين بلا استثناء ،دون أية قواعد للسرية وامن الجهاز والدولة ..
وهذا ينطبق أيضاً على العاملين فى أجهزة المخابرات ، ومجلس الوزراء، ومجلس الشعب ، وكل الجهات السيادية الأخرى ..
وفى معظم الأحيان ، يكون الشعور بقلة الشأن ، هو الدافع الرئيسى ، للعاملين الصغار ، أو صغار كبار الموظفين ، كما يطلق عليهم ، لكى يتظاهرو بالأهمية ، عن طريق ادعاء أنهم يعرفون أسرار المكان ..
بل وأسرار الدولة نفسها ..
وفى بعض الأحيان ، يتظاهر هؤلاء المرضى النفسيين بأنهم على علم حتى بما يطلق على اسم (قرارت المطبخ)..
والمقصود بالمصطلح هنا هو تلك القرارات ، ذات طابع السيادى للغاية ، بحيث لا يمكن أن يعلم بها سوى كبار القادة ، وعلى أرفع المستويات ، ورئيس الوزراء ، أو رئيسالجمهورية شخصياً
ومثل هذه القرارت تكون دوما على درجة عالية جداً من السرية حتى أن الرئيس والقادة لا يبلغون زوجاتهم بها ..
فما بالك بموظفيهم ، فى الدرجات العليا..
والدرجات الوظيفية الأدنى ..
ولكن العجيب أن الناس لا تفكر ..
أو تبحث ..
أو تناقش ..
فقط تصدق ..
وتنبهر ..
وتردد ..
وهنا تكمن الكارثة .
وهنا تكمن أيضاً قوة وحطورة الشائعات ، على كل المستويات ..
والشائعات ، من ناحية قوتها ، وقدرتها على التغلغل ، وما تتركه حلفها من تأثيرات ، تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية ..
وأشهر أنواع الشائعات ، ما يعرف باسم الشائعة الزاحفة ..
والشائعة الزاحفة هذه هى أقوى الشائعات تأثيراً واكثرها قدرة على هزيمة الحقائق نفسها ،أذا إنها ، وكما يتضح من اسمها تبدأ هادئة ،بطيئة ، ولكنها تمتلك من القوة ما يسمح لها بالزحف فى المجتمعات ، وبالأنتقال بين الألسنة والآذان فى سرعة ، بحيث تصبح راسخة قوية ، مقنعة ، حتى و إن لم تستند إلى منطق سليم ..
والغرض الرئيسى للشائعة الزاحفة ، هو توجيه الفكر العام نحو أمر بعينه ، أو فكرة بذاتها ، بحيث تقر فى القلوب والنفوس ، وتصبح قادرة على تحطيم الروح المعنوية ، أو سلب الإرادة العامة ، عندما تحين لحظات المواجهات ..
وأشهر ما عروف من الشائعات الزاحفة ، هو فكرة قوة الجيش لاإسرائيلى ، ومناعته ، وفكرة أنه غير قابل للهزيمة ..
وخلال الحرب العالمية الثانية ، استخدم (جوبلز) ، وزير الدعاية النازى ، شائعة السلاح السرى الألمانى ، ليحطم إرادة الإنجليز ، ويوهمهم بأن هزيمتهم حتمية ، حتى لو أوحت تطورات الموقف بعكس هذا ..
والشائعة الزاحفة قادرة على دفع شعب كامل إلى الاستسلام قبل حتى أن يواجه عدوه ، لتصوره أن هذا العدو يفوقه قوة بمئات المرات ، أو يمتلك سلاحاً رهيباً ، قادراً على إبادته بلا رحمة ..ألخ ..
أما النوع الثانى من الشائعات فهو الشائعة العنيفة ..
وهذا النوع من الشائعات يعتمد على نشر أكذوبة قوية ، مخيفة ، تدفع فئة ما ، أو حتى كل الفئات إلى الغضب والثورة والاندفاع إلى التدمير أو التخريب ، دون أن تتوقف للتفكير فى الموقف ، ودراسته ، وتبين صحته او كذبه ..
والمثال الواضح للشائعات القوية ، هو أحدث الأمن المركزى فى أواخر ثمانيات القرن العشرين(ابريل1986م) ، عندما سرت بين قوات الأمن المركزى شائعة تقول إن فترة تجنيدهم ستتضاعف فى ظروف معيشة سيئة للغاية ..
وبمنتهى العنف ، أنطلق جنود الأمن المركزى يعلنون رفضهم ..
وغضبهم..
وثورتهم..
وأشتعلت الدنيا كلها ..
وهذا بالضبط هدف الشائعات العنيفة ..
أن تطلق المشاعر والانفعالات من عقالها ، بمنتهى العنف والقوة ، دون تفكير أو تدبير ..
ومن هنا يبدوا واضحاً أن الشائعات العنيفة هى عكس الشائعة الزاحفة تماما ، فهى تبدأ بسرعة والغرض منها نتائج سريعة ومباشرة ، و..
وعنيفة ..
تبقى امامنا إذن النوع الثالث والأخير من الشائعات وهو ما يعرف باسم الشائعة الغائصة ..
والشائعة الغائصة تشبه كثيراً الشائعة الزاحفة ، من حيث بطئها ،وتوغلها ، وتغلغلها ، لكن تختلف عنها فى أنها لا تمس قطاعاص حيوياً دائماً أو مستمراً من المجتمع ، وإنما تمس أمراً يتعلق باوقات محدودة بعينها ، بحيثتغوص الشائعة فى المجتمع معظم الوقت ، ثم تعود إلى السطح ، عندما يأتى دورها أو موسمها ،أو تأتى مناسبتها ..
فلو انها شائعة تتعلق بنقص الموارد الغذائية مثلاً، فهى تختفى معظم أياما لسنة ، لأن المواد متوفرة بالفعل ، ثم تعود إلى الظهور مع مواسم الصيف مثلاً أو فى بدايات شهر رمضان ..
والشائعات المالية هى أشهر أنواع الشائعات الغائصة ، مثل شائعات إصدار الحكومة لقانون ،يبيح لها الأستيلاء على الزدائع البنكية للمواطنين ، او على العملات الحرة فى أرصدتهم ، وهى شائعة ترتبط دوماً بالأزمات الأقتصادية فهى غائصة دوماً فى المجتمع ، ثم تظهر فجأة ، إذا ما واجهالمجتمع ازمة مالية ، حتى ولو كانت مرحلية او مؤقته ..
ومن كل ما سبق يبدوا من الواضح أن الشائعات هى أحد أسلحة الحروب عبر العصور ..
بل هى أقوى أسلحة الحرب الخفية ..

التعليقات