قصة العملة في السودان ارتبطت بالسياسة وتقلباتها من الإسكندر الأكبر إلى البشير
غزة-دنيا الوطن
تطرح في يناير (كانون الثاني) المقبل العملة الجديدة في السودان، حيث يحل الجنيه محل الدينار، أو بالأحرى يعود الجنيه مرة أخرى بعدما أزاحه الدينار الذي طرحته حكومة الرئيس عمر البشير. ويساوي الجنيه الجديد مائة دينار، أي ألف جنيه قديم، وتغيير العملة المقبل نصت عليه اتفاقيات نيفاشا الخاصة بإحلال السلام في جنوب السودان، وقد تعهدت في عام 2004م مجموعة داعمي السلام بتغطية نفقات طباعة العملة الجديدة التي قدرت بحوالي 150 مليون دولار، ولكنهم لم يوفوا بتعهداتهم فاضطر البنك المركزي السوداني للاضطلاع بمسؤولية طباعتها، لأن الجنوب يتعامل ويتداول بعملات دول الجوار (كينيا وأوغندا وإثيوبيا) ولذلك يتحتم وجود العملة الجديدة لتكون متداولة في الجنوب والشمال على حد سواء.
وهذا التغيير في العملة السودانية ليس الأول في نوعه، إذ شهدت عملات البلد تغييرات عديدة ارتبطت دائما بالسياسة وتقلباتها، وكانت العملة وشكلها يتغيران مع الأنظمة السياسية، بل ان الرئيس السابق جعفر نميري وضع صورته على مختلف فئات الجنيه خلال فترة حكمه. وبالرغم من أن التداول بالجنيه استمر بعد سقوط نظامه، إلا أن الجنيهات التي تحمل صورته اختفت من التداول ثم تراجع الجنيه لمصلحة الدينار الذي أدخله إلى التداول نظام البشير.
وقصة الجنيه الورقي في السودان تعود إلى فترة الحكم المصري ـ البريطاني للسودان، وإن كان السودان قد عرف جنيه الذهب المعدني في عهد المهدية خلال القرن التاسع عشر. وعرف السودان العملة في مرحلة مبكرة بدخول الإسكندر الأكبر مصر عام321 ق.م، إذ استخدمت عملة موحدة في الجزء الشمالي لوادي النيل حيث أن الإسكندر درج على استخدام العملة في جميع أجزاء امبراطوريته. ونتيجة لذلك وجدت عملات يونانية ورومانية في أنحاء متفرقة في السودان إلى جانب عملات سكت في العصر المسيحي البيزنطي والدليل على ذلك وجود قطعة العملة الرومانية التي سكت في مدينة الإسكندرية ووجدت بمدينة «عبري» في شمال السودان وهي تحمل على الوجه رأس الامبراطور أغسطس وعلى ظهرها شكل الصقر اليوناني وعليه نقش باللغة الإغريقية يحمل ألقاب الامبراطور أغسطس، وتوجد هذه العملة بمتحف السودان بالخرطوم.
كما وجدت قطعة عملة بمدينة «الأُبيض» تعود إلى العصر الروماني وقد أرسلت إلى المتحف البريطاني الذي قام بالفحص المعملي والتحليلي الكامل وأثبت أنها ترجع إلى القرن الثالث الميلادي. والاحتمال المرجح هم ان تلك العملات دخلت السودان عن طريق التجارة، إذ كانت تلك الفترة تحفل برواج منتجات أفريقيا من ريش النعام والعاج والأبنوس التي تستخدم في حلقات المصارعة الرومانية وغيرها من المنتجات التي تأتي غالبيتها عن طريق السودان.
وفي عهد دولة سنار (السلطنة الزرقاء 1504 ـ1821 م) في السودان استخدمت العملات الأجنبية مثل الريال التركي والنمساوي (ريال ماري تيريزا) كما كانت هناك عملة محلية محدودة الاستخدام. واتسع استخدام النقد كوسيلة في التداول إبان الحكم التركي المصري للسودان عام 1821م، وهناك شواهد على تداول بعض العملات مثل دولار ماريا تيريزا النمساوي وبعض قطع النقد الأوروبية من الذهب والفضة مثل الدولار الإسباني، كما تم تداول بعض قطع النقود العثمانية المصرية ذات الفئات الصغيرة من القرض والبارة في تلك الحقبة.
وجرى تداول العملة التركية على نطاق واسع وهي عملة فضية ضربت في القسطنطينية. ويشير الباحث د. صلاح محمد الصادق إلى أن سلاطين آل عثمان درجوا على كتابة السنة الهجرية التي تولوا فيها السلطة على عملاتهم، ثم بعد ذلك سنوات حكمهم حتى تاريخ ضرب العملة، ففي الريال المجيدي نجد أن السلطان عبد المجيد كتب على وجه العملة سنة 1255هـ وهي السنة التي تولى فيها الحكم وكتب على الظهر السنة السادسة، أي أن هذه العملة (الريال المجيدي) قد ضربت، حسب المؤرخين عام 1845م. وقد دخل الريال المجيدي السودان كعملة متداولة في نفس عهد السلطان عبد المجيد أثناء ولاية محمد علي باشا على مصر 1805 ـ 1848 وهو الخديوي الذي تم في عهده غزو السودان.
وخلال حصار الخرطوم (1884 ـ 1885م) حدثت ندرة في العملة المعدنية مما دفع الجنرال الانجليزي غوردون لإصدار أوراق مالية ذات فئات مختلفة أقصاها 50 قرشا تحمل توقيعه وتصرف في خزانة الحكومة بالخرطوم أو القاهرة بعد 6 أشهر من إصدارها، إلا أن استعمالها لم يشع بعد سقوط الخرطوم في يد محمد أحمد المهدي عام 1885م. وبعد استيلاء المهدي على الخرطوم ضرب ثلاث قطع من العملة بواسطة الصاغة في الخرطوم وهي عبارة عن جنيه من الذهب، وريال من الفضة، ونصف ريال من الفضة. وعندما تولى الخليفة عبد الله الحكم بعد المهدي وجد نقصا كبيرا في حجم هذه العملات المتداولة فاستعمل قطعا من قماش الدمور مقيمة بعشرة قروش وقرشين ونصف القرش كعملات للتبادل، إلا أن هذه القطع من الدمور سرعان ما اتسخت مما حدا بالخليفة عبد الله إلى إيقاف التعامل بها.
وفي عام 1887م قرر الخليفة عبد الله التعايشي وضع عملة جديدة فأمر بإنشاء مصنع لسك العملة في أمدرمان، وهو أول مصنع لسك العملة في السودان تم فيه سك عملات من فئة العشرين قرشا وكانت تسمى بـ«المقبول» لجودتها، وفئة العشرة قروش، وفئة الخمسة قروش وفئة القرش الواحد.
وفي عام 1897م سك ريالات نحاسية رديئة الصنع أطلق عليها «أبو شلايا». وفي نهاية عهد المهدية لجأ السلطان علي دينار إلى دارفور (1898م ـ 1916م) وأنشأ هناك سلطنة عرفت باسم سلطنة دارفور، وسك عملة مضروبة على قطع من صفائح الوقود الفارغة على هيئة القرش المصري لكي يتمكن من تمويل شراء إمدادات جديدة وقد أطلق عليها الأهالي اسم «قرش رضينا» لأن السلطان هدد بإعدام من يرفض قبوله.
وكان الريال المجيدي هو النموذج الذي استلهم منه السلطان علي دينار شكل عملته في سلطنة دارفور السودانية، فقد أصدر إلى جانب قرش «رضينا» عملة من فئة ربع الريال من الفضة المخلوطة بنسبة كبيرة من النحاس وكانت مشابهة تماما للريال المجيدي، ويعتقد المؤرخون أن ذلك يعود لموالاة السلطان على دينار الخلافة العثمانية في تركيا.
وفي فترة الحكم الثنائي المصري ـ البريطاني (1889 ـ 1956م) تم إدخال نظام النقد السائد في مصر، و قد تضمنت العملة بعض قطع الذهب البريطاني والتركية والتي استعيض عنها بعد سنوات قليلة بالأوراق التي أصدرها البنك الأهلي المصري، حيث أعلن عدم شرعية تداول أي عملات أخرى. لكن في عام 1916 أدى النقص في العملات الفضية إلى إصدار أمر أدخل بموجبه الفارذنغ والشلن البريطانيين إلى التداول بقيمة عشرة قروش وخمسة قروش. وأعيد تنظيم وضع العملة بإصدار قانون خاص ثم تبع ذلك إصدار قانون آخر عام 1924 سمح باستعمال كل قطع العملة المصرية في السودان. واعتبرت كل الأوراق النقدية في السودان مغطاة بأرصدة النقد الأجنبي الموجودة لدى البنك الأهلي المصري وتم فتح حساب منفصل لرصيد العملات الأجنبية في السودان حيث كان يباع الفائض من النقد الأجنبي.
وعندما تم سحب العملة المصرية من السودان عام 1957م وتمت الاستعاضة عنها بالعملة السودانية الجديدة، بلغ مجموع التداول بما في ذلك النقود الموجودة في البنك الأهلي المصري 23.8 مليون جنيه مصري، منها 40 في المائة من العملات البريطانية. ولدى استقلال السودان عام 1956م صدر قانون العملة الذي شكلت بمقتضاه لجنة العملة لإصدار عملة سودانية.
وفي 15 سبتمبر (أيلول) عام 1956م تم إصدار أول عملة ورقية سودانية لتحل محل العملات المتداولة المصرية والإنجليزية حيث صدرت عملات من مختلف الفئات تبدأ بفئة العشرة قروش إلى العشرة جنيهات. وبعد ذلك بأربع سنوات تم إنشاء بنك السودان كبنك مركزي آلت إليه كل أصول لجنة العملة السودانية، وتولى مسؤولية إصدار النقد، وعين مأمون بحيري رئيس لجنة العملة السودانية كأول محافظ له، وظهر توقيعه على كل العملات الورقية التي طبعت آنذاك.
وشهدت العملة السودانية عدة تقلبات وتغير شكلها في العهود السياسية المختلفة، أما قيمة الجنيه فقد شهدت انهيارا كبيرا، فقد كان الجنيه يساوي حتى سبعينات القرن الماضي ثلاثة دولارات أميركية، في حين أن الدولار يساوي اليوم 2203 جنيهات.
ولأن العملة تتصل بالمعاملات الحياتية والمعيشية اليومية فإنها دخلت في الأمثال والمعتقدات الشعبية في السودان. وقد أفرد الشيخ بابكر بدري، مؤسس مدارس الأحفاد السودانية، في كتاب الأمثال السودانية فصلا كبيرا للعملة، مثل «القرش الأبيض لليوم الأسود»، و«المال عند سيده والناس تريده»، و«القرش بيلد القرش»، و«القروش أصبحت دقن مرة» (أي صعبة وعزيزة المنال) و«مال التجارة ما بيحتمل الخسارة» و«المال تلته (أي ثلثه) ولا كتلته (أي قتله أو ضياعه كاملا)» وغيرها من التمثال. وفي المعتقدات الشعبية، استخدم السودانيون العملة كمشاهرة ولمنع العين والحسد، فلدى مناسبة الختان أو العرس يتم استخدام ريال ماري تريزا وهو ريال الفضة وعليه صورة الامبراطورة ماري تريزا امبراطورة ألمانيا والنمسا في القرن الثامن عشر، يتم وضعه على جبهة العريس أو (ولد الطهور) أو على صدره لمنع العين والحيلولة دون وقوع مكروه. كما كان يستخدم الجنيه الإنجليزي الذي يحمل صورة الملك جورج الخامس كمشاهرة أو وقاية خاصة للنساء حديثات الولادة أو الزواج.
والسودانيون اعتادوا في الأفراح ومناسبات الزواج على استخدام كلمة «سد المال» والمقصود بها دفع المهر. واستخدمت العملة أيضا في التراث الغنائي الشعبي وفي التعبئة ورفع الروح المعنوية، فلدى وقوع الحرب العالمية الثانية ومشاركة قوات دفاع السودان ومواجهتها للقوات الايطالية في هضاب الحبشة، غنت الفنانة السودانية المشهورة عائشة الفلاتية محذرة موسوليني بقولها «يا موسوليني يا طلياني، تضرب السودان تصبح قرش براني»، أي بلا فائدة. وكذلك جاء القول في الفخر وفي التعفف في التعامل مع المال إنه «ما يشيل المال في القسمة»، أي أنه من ذلك الطراز المترفع الذي ينسحب لدى توزيع المال أو النقود ولا ينتظر دوره ليحصل على قسمته منه.
والفنان زكي عوض الكريم غنى في التشجيع والحث على الزواج وعدم جعل المال أو المهور سببا للحيلولة دون إتمامه، فيقول «أصلو العرس بالفاتحة يا ناس ما حلال»، ويردد الكورس «حلال». وكذلك فإن التراث السوداني حافل بالأمثال والنماذج المرتبطة بالمال، أو النقد، والتي تحث على الأمانة والربح الحلال وتحذر من المال الحرام أو التعامل به أو معه وتعتبره من الكبائر التي تحط من قدر من يتعامل معها.
تطرح في يناير (كانون الثاني) المقبل العملة الجديدة في السودان، حيث يحل الجنيه محل الدينار، أو بالأحرى يعود الجنيه مرة أخرى بعدما أزاحه الدينار الذي طرحته حكومة الرئيس عمر البشير. ويساوي الجنيه الجديد مائة دينار، أي ألف جنيه قديم، وتغيير العملة المقبل نصت عليه اتفاقيات نيفاشا الخاصة بإحلال السلام في جنوب السودان، وقد تعهدت في عام 2004م مجموعة داعمي السلام بتغطية نفقات طباعة العملة الجديدة التي قدرت بحوالي 150 مليون دولار، ولكنهم لم يوفوا بتعهداتهم فاضطر البنك المركزي السوداني للاضطلاع بمسؤولية طباعتها، لأن الجنوب يتعامل ويتداول بعملات دول الجوار (كينيا وأوغندا وإثيوبيا) ولذلك يتحتم وجود العملة الجديدة لتكون متداولة في الجنوب والشمال على حد سواء.
وهذا التغيير في العملة السودانية ليس الأول في نوعه، إذ شهدت عملات البلد تغييرات عديدة ارتبطت دائما بالسياسة وتقلباتها، وكانت العملة وشكلها يتغيران مع الأنظمة السياسية، بل ان الرئيس السابق جعفر نميري وضع صورته على مختلف فئات الجنيه خلال فترة حكمه. وبالرغم من أن التداول بالجنيه استمر بعد سقوط نظامه، إلا أن الجنيهات التي تحمل صورته اختفت من التداول ثم تراجع الجنيه لمصلحة الدينار الذي أدخله إلى التداول نظام البشير.
وقصة الجنيه الورقي في السودان تعود إلى فترة الحكم المصري ـ البريطاني للسودان، وإن كان السودان قد عرف جنيه الذهب المعدني في عهد المهدية خلال القرن التاسع عشر. وعرف السودان العملة في مرحلة مبكرة بدخول الإسكندر الأكبر مصر عام321 ق.م، إذ استخدمت عملة موحدة في الجزء الشمالي لوادي النيل حيث أن الإسكندر درج على استخدام العملة في جميع أجزاء امبراطوريته. ونتيجة لذلك وجدت عملات يونانية ورومانية في أنحاء متفرقة في السودان إلى جانب عملات سكت في العصر المسيحي البيزنطي والدليل على ذلك وجود قطعة العملة الرومانية التي سكت في مدينة الإسكندرية ووجدت بمدينة «عبري» في شمال السودان وهي تحمل على الوجه رأس الامبراطور أغسطس وعلى ظهرها شكل الصقر اليوناني وعليه نقش باللغة الإغريقية يحمل ألقاب الامبراطور أغسطس، وتوجد هذه العملة بمتحف السودان بالخرطوم.
كما وجدت قطعة عملة بمدينة «الأُبيض» تعود إلى العصر الروماني وقد أرسلت إلى المتحف البريطاني الذي قام بالفحص المعملي والتحليلي الكامل وأثبت أنها ترجع إلى القرن الثالث الميلادي. والاحتمال المرجح هم ان تلك العملات دخلت السودان عن طريق التجارة، إذ كانت تلك الفترة تحفل برواج منتجات أفريقيا من ريش النعام والعاج والأبنوس التي تستخدم في حلقات المصارعة الرومانية وغيرها من المنتجات التي تأتي غالبيتها عن طريق السودان.
وفي عهد دولة سنار (السلطنة الزرقاء 1504 ـ1821 م) في السودان استخدمت العملات الأجنبية مثل الريال التركي والنمساوي (ريال ماري تيريزا) كما كانت هناك عملة محلية محدودة الاستخدام. واتسع استخدام النقد كوسيلة في التداول إبان الحكم التركي المصري للسودان عام 1821م، وهناك شواهد على تداول بعض العملات مثل دولار ماريا تيريزا النمساوي وبعض قطع النقد الأوروبية من الذهب والفضة مثل الدولار الإسباني، كما تم تداول بعض قطع النقود العثمانية المصرية ذات الفئات الصغيرة من القرض والبارة في تلك الحقبة.
وجرى تداول العملة التركية على نطاق واسع وهي عملة فضية ضربت في القسطنطينية. ويشير الباحث د. صلاح محمد الصادق إلى أن سلاطين آل عثمان درجوا على كتابة السنة الهجرية التي تولوا فيها السلطة على عملاتهم، ثم بعد ذلك سنوات حكمهم حتى تاريخ ضرب العملة، ففي الريال المجيدي نجد أن السلطان عبد المجيد كتب على وجه العملة سنة 1255هـ وهي السنة التي تولى فيها الحكم وكتب على الظهر السنة السادسة، أي أن هذه العملة (الريال المجيدي) قد ضربت، حسب المؤرخين عام 1845م. وقد دخل الريال المجيدي السودان كعملة متداولة في نفس عهد السلطان عبد المجيد أثناء ولاية محمد علي باشا على مصر 1805 ـ 1848 وهو الخديوي الذي تم في عهده غزو السودان.
وخلال حصار الخرطوم (1884 ـ 1885م) حدثت ندرة في العملة المعدنية مما دفع الجنرال الانجليزي غوردون لإصدار أوراق مالية ذات فئات مختلفة أقصاها 50 قرشا تحمل توقيعه وتصرف في خزانة الحكومة بالخرطوم أو القاهرة بعد 6 أشهر من إصدارها، إلا أن استعمالها لم يشع بعد سقوط الخرطوم في يد محمد أحمد المهدي عام 1885م. وبعد استيلاء المهدي على الخرطوم ضرب ثلاث قطع من العملة بواسطة الصاغة في الخرطوم وهي عبارة عن جنيه من الذهب، وريال من الفضة، ونصف ريال من الفضة. وعندما تولى الخليفة عبد الله الحكم بعد المهدي وجد نقصا كبيرا في حجم هذه العملات المتداولة فاستعمل قطعا من قماش الدمور مقيمة بعشرة قروش وقرشين ونصف القرش كعملات للتبادل، إلا أن هذه القطع من الدمور سرعان ما اتسخت مما حدا بالخليفة عبد الله إلى إيقاف التعامل بها.
وفي عام 1887م قرر الخليفة عبد الله التعايشي وضع عملة جديدة فأمر بإنشاء مصنع لسك العملة في أمدرمان، وهو أول مصنع لسك العملة في السودان تم فيه سك عملات من فئة العشرين قرشا وكانت تسمى بـ«المقبول» لجودتها، وفئة العشرة قروش، وفئة الخمسة قروش وفئة القرش الواحد.
وفي عام 1897م سك ريالات نحاسية رديئة الصنع أطلق عليها «أبو شلايا». وفي نهاية عهد المهدية لجأ السلطان علي دينار إلى دارفور (1898م ـ 1916م) وأنشأ هناك سلطنة عرفت باسم سلطنة دارفور، وسك عملة مضروبة على قطع من صفائح الوقود الفارغة على هيئة القرش المصري لكي يتمكن من تمويل شراء إمدادات جديدة وقد أطلق عليها الأهالي اسم «قرش رضينا» لأن السلطان هدد بإعدام من يرفض قبوله.
وكان الريال المجيدي هو النموذج الذي استلهم منه السلطان علي دينار شكل عملته في سلطنة دارفور السودانية، فقد أصدر إلى جانب قرش «رضينا» عملة من فئة ربع الريال من الفضة المخلوطة بنسبة كبيرة من النحاس وكانت مشابهة تماما للريال المجيدي، ويعتقد المؤرخون أن ذلك يعود لموالاة السلطان على دينار الخلافة العثمانية في تركيا.
وفي فترة الحكم الثنائي المصري ـ البريطاني (1889 ـ 1956م) تم إدخال نظام النقد السائد في مصر، و قد تضمنت العملة بعض قطع الذهب البريطاني والتركية والتي استعيض عنها بعد سنوات قليلة بالأوراق التي أصدرها البنك الأهلي المصري، حيث أعلن عدم شرعية تداول أي عملات أخرى. لكن في عام 1916 أدى النقص في العملات الفضية إلى إصدار أمر أدخل بموجبه الفارذنغ والشلن البريطانيين إلى التداول بقيمة عشرة قروش وخمسة قروش. وأعيد تنظيم وضع العملة بإصدار قانون خاص ثم تبع ذلك إصدار قانون آخر عام 1924 سمح باستعمال كل قطع العملة المصرية في السودان. واعتبرت كل الأوراق النقدية في السودان مغطاة بأرصدة النقد الأجنبي الموجودة لدى البنك الأهلي المصري وتم فتح حساب منفصل لرصيد العملات الأجنبية في السودان حيث كان يباع الفائض من النقد الأجنبي.
وعندما تم سحب العملة المصرية من السودان عام 1957م وتمت الاستعاضة عنها بالعملة السودانية الجديدة، بلغ مجموع التداول بما في ذلك النقود الموجودة في البنك الأهلي المصري 23.8 مليون جنيه مصري، منها 40 في المائة من العملات البريطانية. ولدى استقلال السودان عام 1956م صدر قانون العملة الذي شكلت بمقتضاه لجنة العملة لإصدار عملة سودانية.
وفي 15 سبتمبر (أيلول) عام 1956م تم إصدار أول عملة ورقية سودانية لتحل محل العملات المتداولة المصرية والإنجليزية حيث صدرت عملات من مختلف الفئات تبدأ بفئة العشرة قروش إلى العشرة جنيهات. وبعد ذلك بأربع سنوات تم إنشاء بنك السودان كبنك مركزي آلت إليه كل أصول لجنة العملة السودانية، وتولى مسؤولية إصدار النقد، وعين مأمون بحيري رئيس لجنة العملة السودانية كأول محافظ له، وظهر توقيعه على كل العملات الورقية التي طبعت آنذاك.
وشهدت العملة السودانية عدة تقلبات وتغير شكلها في العهود السياسية المختلفة، أما قيمة الجنيه فقد شهدت انهيارا كبيرا، فقد كان الجنيه يساوي حتى سبعينات القرن الماضي ثلاثة دولارات أميركية، في حين أن الدولار يساوي اليوم 2203 جنيهات.
ولأن العملة تتصل بالمعاملات الحياتية والمعيشية اليومية فإنها دخلت في الأمثال والمعتقدات الشعبية في السودان. وقد أفرد الشيخ بابكر بدري، مؤسس مدارس الأحفاد السودانية، في كتاب الأمثال السودانية فصلا كبيرا للعملة، مثل «القرش الأبيض لليوم الأسود»، و«المال عند سيده والناس تريده»، و«القرش بيلد القرش»، و«القروش أصبحت دقن مرة» (أي صعبة وعزيزة المنال) و«مال التجارة ما بيحتمل الخسارة» و«المال تلته (أي ثلثه) ولا كتلته (أي قتله أو ضياعه كاملا)» وغيرها من التمثال. وفي المعتقدات الشعبية، استخدم السودانيون العملة كمشاهرة ولمنع العين والحسد، فلدى مناسبة الختان أو العرس يتم استخدام ريال ماري تريزا وهو ريال الفضة وعليه صورة الامبراطورة ماري تريزا امبراطورة ألمانيا والنمسا في القرن الثامن عشر، يتم وضعه على جبهة العريس أو (ولد الطهور) أو على صدره لمنع العين والحيلولة دون وقوع مكروه. كما كان يستخدم الجنيه الإنجليزي الذي يحمل صورة الملك جورج الخامس كمشاهرة أو وقاية خاصة للنساء حديثات الولادة أو الزواج.
والسودانيون اعتادوا في الأفراح ومناسبات الزواج على استخدام كلمة «سد المال» والمقصود بها دفع المهر. واستخدمت العملة أيضا في التراث الغنائي الشعبي وفي التعبئة ورفع الروح المعنوية، فلدى وقوع الحرب العالمية الثانية ومشاركة قوات دفاع السودان ومواجهتها للقوات الايطالية في هضاب الحبشة، غنت الفنانة السودانية المشهورة عائشة الفلاتية محذرة موسوليني بقولها «يا موسوليني يا طلياني، تضرب السودان تصبح قرش براني»، أي بلا فائدة. وكذلك جاء القول في الفخر وفي التعفف في التعامل مع المال إنه «ما يشيل المال في القسمة»، أي أنه من ذلك الطراز المترفع الذي ينسحب لدى توزيع المال أو النقود ولا ينتظر دوره ليحصل على قسمته منه.
والفنان زكي عوض الكريم غنى في التشجيع والحث على الزواج وعدم جعل المال أو المهور سببا للحيلولة دون إتمامه، فيقول «أصلو العرس بالفاتحة يا ناس ما حلال»، ويردد الكورس «حلال». وكذلك فإن التراث السوداني حافل بالأمثال والنماذج المرتبطة بالمال، أو النقد، والتي تحث على الأمانة والربح الحلال وتحذر من المال الحرام أو التعامل به أو معه وتعتبره من الكبائر التي تحط من قدر من يتعامل معها.

التعليقات