القائد بالصدفة ..أولمرت عرف بالتمرد على قادته وابتعد عن العمل السياسي
غزة-دنيا الوطن
مرّ على اسرائيل منذ تأسيسها قبل 59 عاما، ما لا يقل عن أحد عشر رئيس حكومة، لكن أيا منهم لم يصل في شعبيته الى الحضيض الذي وصل اليه رئيس الوزراء الحالي ايهود أولمرت. ولم يسد إجماع في وسائل الإعلام وفي صفوف المحللين والمعلقين ضد رئيس حكومة من أسلافه، مثلما هو الحال في الإجماع ضده. ومع ذلك، فإن أحدا من كل هؤلاء لا يغامر بالقول إن أولمرت سيسقط قبل انتهاء دورة حكمه في نهاية العام 2010، بل لا أحد يستبعد أن يحقق أولمرت ما وعد به قبيل الانتخابات، بالتوصل الى صيغة تحدد الحدود الدائمة لإسرائيل. وأشد خصومه يعترفون بأنه قد يفاجئ الكثيرين ويتوصل الى اتفاق سلام إسرائيلي ـ فلسطيني. هل الصدفة التي أبقته في السياسة بعد أن قرر الاعتزال وباع بيته لكي يستثمر ثمنه في عالم الاقتصاد ورجال الأعمال ستسعفه مرة أخرى، وهل يسعفه القدر الذي رمى برئيس الوزراء السابق، أرييل شارون، الى فراش الموت من دون سابق انذار، أم يساعده الحظ الذي ميز مسيرته التي اعتاد فيها على النجاح رغم ما يعتور شخصيته من إشكاليات؟
الجواب صعب، ولكن بالإمكان استشفافه من خلال سيرته، بمناسبة مرور سنة على تسلمه رئاسة الحكومة الاسرائيلية بشكل فعلي (في الرابع من يناير/ كانون الثاني 2005)، وهي السيرة التي يلخصها الاسرائيليون بشكل سلبي. ففي آخر استطلاع نشر حول رأي الاسرائيليين في أدائه كرئيس حكومة، منحوه علامة 4 من عشرة. وحتى بين مصوتي حزبه («كديما»)، لم ترتفع النسبة عن 4.9 من عشرة، أي علامة سقوط في الحالتين.
ولد أولمرت في بيت مسيس للغاية، فوالده مردخاي كان من النشطاء الحزبيين في الجناح اليميني من الحركة الصهيونية. ورغم أن مردخاي ولد في روسيا، لكنه نما وترعرع في الصين التي انتقل اليها جد ايهود أولمرت في اطار عمله. وفقط عندما بلغ مردخاي الحادية والعشرين من العمر، هاجر الى فلسطين ضمن نشاط الحركة الصهيونية الاستيطانية. وفي سنة 1945 ولد ايهود، ليكون أخا رابعا لثلاثة أشقاء ذكور: يوسي، وهو مستشرق يحمل الدكتوراه وشغل عدة مناصب في الدوائر الحكومية لكنه هجر اسرائيل، ويرمي وهو عميد في جيش الاحتياط ورئيس بلدية سابق ويدير حاليا الاتحاد الاسرائيلي لكرة السلة، وعمرام، وهو رجل أعمال.
بدأت العائلة طريقها في العمل الزراعي ضمن تعاونية أسستها حركة اليمين المتطرف الصهيوني «بيتار» في الحقول المجاورة لبلدة بنيامينا شمال شرق حيفا. لكن الوالد بدأ نشاطا حزبيا واعدا، وما فتئ أن طلبه مناحيم بيغن (زعيم حزب حيروت آنذاك، الذي يعرف اليوم بالليكود)، ليتفرغ للعمل الحزبي. ثم انتخب عضوا في الكنيست لدورتين. ومن هنا فإن ايهود أولمرت يعتبر من «الأمراء»، وهو اللقب الذي يطلقونه في اسرائيل على أبناء الزعماء السياسيين الذين يكملون طريق آبائهم. بيد أن ايهود أولمرت لم يتصرف كأبناء الساسة الآخرين، بل بدأ طريقه وشهرته بسبب تمرده على القيادة. فعندما كان في الحادية والعشرين من العمر، صعد الى منصة مؤتمر الحزب (وكان يسمى يومها «غاحل»، تعبيرا عن وحدة ثلاثة أحزاب يمينية)، وألقى خطابا أحدث زلزالا. فقد صدم الحاضرين بالطلب من قائد الحزب، مناحيم بيغن، أن يستقيل من منصبه كزعيم للحزب لأنه خلال ست معارك انتخابية متواصلة، فشل في تحقيق الانتصار على حزب العمل الحاكم، وعلى القائد الفاشل أن يستريح. مثل هذه المواقف لم تكن مقبولة في ذلك الوقت، لذلك هب مندوبو المؤتمر ضده يطالبونه بالاعتذار والنزول عن المنصة، لكنه أصر على أن يكمل خطابه، فصعد بعض «القبضايات» منهم الى المنصة لكي ينزلوه بالقوة. وقد تصدى لهم مناحم بيغن نفسه قائلا ان الشاب أولمرت يعبر عن رأي شرعي وأن الديمقراطية تحتم عليهم سماعه حتى النهاية. وقد رد أولمرت بالمثل، فشكر بيغن على موقفه وواصل كلامه. وتحول في ذلك اليوم الى نجم إعلامي، غطى على كل أعمال المؤتمر. قادة الحزب عملوا ما يلزم، يومها، لكي يفهم أولمرت الشاب بأن عليه أن يجد مهنة أخرى غير السياسة. فإذا تعامل معه بيغن بتسامح، فإن أعضاء الحزب وقادته الآخرين لم يسامحوه، لذلك اتخذ مساره في الجيش فدخل دورة ضباط، ثم عمل صحافيا للشؤون العسكرية في مجلة الجيش «بمحانيه». وتوجه بعد ذلك الى الحياة المدنية، فدرس علم النفس والعلوم السياسية ثم القانون وأصبح محاميا. بيد أن السياسة ظلت هاجسه الأساس. وانتهز أول فرصة له في مطلع السبعينات، حيث حصل انقسام في الحزب الذي أحبه بسبب تاريخ والده فيه. فقد تركت الحزب مجموعة من رجال الأعمال برئاسة المحامي يوسف تمير، فانضم اليهم اولمرت في تأسيس حزب يميني ليبرالي جديد يدعى «المركز الحر». ثم انضم للعمل محاميا في مكتب تمير نفسه، وأصبح أقرب المقربين منه. وانتبه تمير إلى أولمرت وقدرته على ادارة المعارك الانتخابية وتجنيد المؤيدين واطلاق الحملات الاعلامية، فوضعه في المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وفي انتخابات عام 1973، حصل الحزب على عضوين ودخل أولمرت الى الكنيست. وقد عاد تمير لاحقا الى حزبه الأصلي مع بيغن وأقاموا تحالفا مع أحزاب أخرى تحت لافتة الليكود، إلا أن أولمرت رفض الانضمام اليه. وبقي مستقلا في الكنيست، ثم أنشأ حزبا سماه «لعام» (للشعب)، مع نائب آخر من المنسحبين من حزب بيغن، هو اليعيزر شوستاك. في حينه غضب عليه تمير كثيرا واعتبر تصرفه طعنة في الظهر وراح يسميه «العقار».
في الكنيست برز أولمرت ليس فقط كأصغر النواب سنا (28 عاما)، بل بالمعركة التي فرضها على البرلمان وسجلت باسمه وباسم نائب شاب آخر من اليسار، هو يوسي سريد. المعركة هي ضد الفساد وضد الإجرام المنظم. ففي حينه سادت جرائم المافيا وبدا انها تتغلغل في صفوف العديد من مؤسسات الحكم ومختلف جوانب الحياة وانتشرت الرشاوى واستبد الفساد بعدد من الزعماء. واستغل أولمرت حصانته البرلمانية ليحارب الظاهرة، ووقفت الى جانبه الصحافة الإسرائيلية وجعلت منه نجمها الأول. وحولته الى زعيم حقيقي وراحت تشترك معه في كشف الفساد. وتمكن مع صحيفة «هآرتس»، مثلا، من تجنيد مئات الموظفين في الدوائر الحكومية لكشف الفساد وجلب المعلومات والوثائق الى الشرطة. وفي مرحلة لاحقة كان أولمرت ينشر أسماء زعماء يمارسون الفساد، حسب وجهة نظره، ويتحداهم بأن يحاكموه على ما يقول. وكان بين من ألصق بهم تهمة الفساد جنرال كبير في الجيش الاسرائيلي هو اللواء رحبعام زئيفي، الذي أصبح زعيما لغلاة المتطرفين وأسس حزب «موليدت» وأصبح وزيرا في حكومة أرييل شارون الأولى، الى أن قتل على أيدي عدد من مسلحي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سنة 2001. وكان الاسم الثاني البارز الذي نشره أولمرت هو اسم وزير الاسكان، أبراهام عوفر. وقد انتحر الوزير باطلاق الرصاص على رأسه بعد أسبوع من قيام أولمرت بكشف اسمه. ظل أولمرت معشوق الصحافة الإسرائيلية 11 سنة متواصلة، الى أن اختلف واصطدم معها في عام 1984. ففي حينه انفجرت فضيحة عالمية في اسرائيل عندما قام أربعة شبان فلسطينيين من غزة بخطف حافلة ركاب اسرائيلية وهي في طريقها من تل أبيب الى اشكلون واحتجزوا الركاب رهائن وطالبوا بإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين والعرب كشرط لإطلاقهم. إلا أن قوة كوماندوز اسرائيلية هاجمت الحافلة في اليوم التالي، وخلال الهجوم قتلت صبية يهودية وجرح العشرات، وقيل إن جميع الشبان الفلسطينيين الخاطفين قد قتلوا. لكن أحد المصورين في صحيفة «حدشوت» (مغلقة حاليا)، التقط صورة يظهر فيها بوضوح أن هناك اثنين من المسلحين الفلسطينيين اعتقلا وهما على قيد الحياة. وقد ثارت ضجة كبرى في اسرائيل والعالم على هذه الجريمة (قتل شخص تم أسره وهو حي). واضطر وزير الدفاع الى تشكيل لجنة تحقيق قضائية تبين من تحقيقاتها ان الصحافي قال الحقيقة وأن رئيس جهاز المخابرات العامة ابراهام شالوم، هو الذي أمر بقتلهما وأن ضابطا كبيرا في «الموساد»، ايهود ياتوم، هو الذي نفذ الجريمة. والأنكى من ذلك أن ياتوم وشالوم حاولا القاء تهمة الجريمة على قائد فرق الجيش في مكان الحادث، اسحق مردخاي (الذي اصبح فيما بعد وزيرا للدفاع، لكنه اضطر الى ترك منصبه واعتزال السياسة بسبب ادانته بتهمة الاعتداء الجنسي على سكرتيرته). فقد زعما انهما شاهداه وهو يطلق الرصاص على الأسيرين العربيين. خلال كل هذه المعركة، وعلى مدار أسابيع، وقف رئيس الوزراء في حينه، اسحق شامير، مع جهاز المخابرات. لكن المستشار القضائي للحكومة، يسرائيل زمير، حاول اتخاذ موقف نزيه وأصر على أن يكون كل شيء علنيا. فهاجموه وهددوه بالقتل، ثم تم تعيين مستشار آخر مكانه. واتخذ أولمرت موقفا واضحا في تلك المعركة ليس لصالح الحق ولا الى جانب المستشار القضائي، بل الى جانب شامير، أي مدافعا عن القتل والقتلة. وكان هذا الموقف سببا في طلاق أولمرت مع الصحافة، حيث انها تبنت موضوع القتل المذكور بشكل قوي وهاجمت الحكومة على الطرق الفاسدة التي تدير فيها شؤون الحكم وحذرت من خطورة هذا النهج على مستقبل اسرائيل. لكن أولمرت لم يكترث واستمر في موقفه. وقد كافأه شامير في أول فرصة، حيث انه حالما انتخب رئيسا للحكومة مرة أخرى عين أولمرت وزيرا لأول مرة.
في هذه المرحلة بدأت الصحافة تكتشف نقاط ضعف في شخصية أولمرت وأشير إلى أنه واجه نفسه عدة تحقيقات. وحسب الكاتب الاسرائيلي أوري بلاي، فإن أولمرت «هو من أكثر رؤساء الحكومات في اسرائيل الذين جرى التحقيق معهم»، وان الملفات التي فتحت له أغلقت في فترات عديدة. ويعيد بلاي ما يعتبره ضعفا في شخصية أولمرت الى نمو عادات يظهر فيها حبا للمطاعم والفنادق الفخمة والبذخ والترف. عاد أولمرت الى حزب الليكود في فترة شامير، حيث أدار له حملته الانتخابية. وقد كافأه هذا بتعيينه وزيرا مرتين؛ الأولى تولى فيها حقيبة الشؤون العربية، أي قضايا فلسطينيي 48، والثانية تولى فيها وزارة الصحة. لكن بعد خسارة شامير الحكم سنة 1992 ترك أولمرت السياسة العليا وخاض الانتخابات لبلدية القدس وفاز بالرئاسة دورتين كاملتين. وكان دوره المميز في البلدية بمشاريع الاستيطان لضمان تهويد المدينة ومنع اعادة تقسيمها، فأقام حي «هار حوماه» على جبل أبو غنيم الفلسطيني، وشق النفق الكبير تحت اسوار القدس، والذي يهدد الأسوار والمسجد الأقصى المبارك (بسبب هذا النفق انفجرت الصدامات الدامية بين جنود الجيش الاسرائيلي وبين رجال الشرطة الفلسطينيين سنة 1997، في أول صدام عسكري بين الطرفين منذ اتفاقات أوسلو، التي كان أولمرت من أشد معارضيها).
وفي فترة المفاوضات بين رئيس الوزراء الاسرائيلي، ايهود باراك، والرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، بدأ لدى أولمرت أول انعطاف سياسي. ففي المعركة الانتخابية الحامية الوطيس سنة2001، أدار الليكود حملة اغتيال لشخصية باراك مركزة على اتهامه بأنه تنازل عن القدس وأعاد تقسيمها من جديد. فاعترض أولمرت على هذه الحملة وقال ان باراك لم يتنازل عن القدس وان الحملة ظالمة. وقد اعتبر هذا الموقف مبدئيا بالنسبة لبعض القوى، فيما اعتبره البعض الآخر موقفا انتهازيا، حيث ان باراك كان يفتش عن شخصيات يمينية تؤيده وتخفف من هجوم اليمين عليه. ولكن بسبب هذا الموقف تعرض أولمرت لهجوم داخل حزبه. وعندما رشح نفسه لرئاسة حزب الليكود لم يحصل إلا على 7% من الأصوات. وقرر أولمرت في هذه المرحلة اعتزال السياسة. وباع بيته في القدس بثلاثة ملايين دولار لكي يستثمر ثمنه في الاقتصاد وينتقل الى عالم رجال الأعمال. لكن أرييل شارون، خصمه الفائز برئاسة الليكود، حافظ على الاتصال به وقربه منه خلال السنتين الاخيرتين من عمر هذه الحكومة. وعشية الانتخابات التالية عام 2003 دعاه الى الانضمام اليه وقيادة حملته الانتخابية، ووعده بتعيينه قائما بأعمال رئيس الحكومة ووزيرا للمالية في حالة فوزه في الانتخابات. وحسب وزير الهجرة والاستيعاب، زئيف بويم، أحد أقرب المقربين من أولمرت، فإن ذلك التقارب المفاجئ نجم عن سلسلة لقاءات بين الرجلين دلت على انهما توصلا الى قناعات جديدة في السياسة تبعدهما عن طروحات حزب الليكود، بدءا بفشل سياسة أرض اسرائيل الكاملة والاستيطان اليهودي في قلب الأراضي الفلسطينية وانتهاء بضرورة انهاء الاحتلال للشعب الفلسطيني. ويعزو بعض المقربين من أولمرت هذا التغيير في مواقفه، ليس فقط لتأثير شارون، بل بالأساس لتأثير زوجته عليزا، وهي أديبة وفنانة معروفة في اسرائيل، ومن اولاده وهم جميعا في اليسار، بل ان أحدهم، وهو شاؤول، يعتبر من اليسار الراديكالي الذي يحارب الخدمة في الجيش الاسرائيلي وينشط في حركة «يوجد حد» التي تحرض الجنود على ألا يخدموا في المناطق الفلسطينية المحتلة لكي لا يشاركوا في ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، وابنته الثانية، ميخال، تعمل في الأدب وتنشط في حركة سلام نسائية. ولديه ابن ثالث هاجر الى فرنسا بعد أن رفض القيام بالخدمة الإلزامية في الجيش. وهناك من يقول ان شارون لم يجرؤ على مصارحة أحد من رجاله بهذا التطور في مواقفه سوى أولمرت، وأن هذا الاخير من جهته، تحمس للعودة الى السياسة ليقف الى جانب شارون في هذه المواقف، اضافة الى إغراءات شارون له بالمنصب الكبير في الحكومة. وهكذا حصل لدى اولمرت الانعطاف السياسي، وأصبح الشريك الأساسي والمدافع الأول والصدامي عن أفكار وخطط شارون، بعد فوزه بالحكم، وأعد معه «خطة الفصل» (الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية بشكل أحادي الجانب وازالة جميع مستوطنات غزة وأربع مستوطنات في الضفة). وكان الهدف من هذه الخطة أولا كسب الرأي العام العالمي الذي بدأ يطالب اسرائيل باطلاق المسيرة السياسية والكف عن سياسة الحصار للفلسطينيين، حيث ظهرت «وثيقة جنيف» (اتفاقية سلام اسرائيلي ـ فلسطيني توصل اليها قادة اليسار الاسرائيلي مع ممثلي الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات). ولكي يثبت ان اسرائيل معنية بالسلام ومستعدة لدفع ثمنه، وكسر الاستيطان اليهودي ووضع سابقة أخرى للسلام بالانسحاب من جميع أراضي قطاع غزة.
وكما توقع شارون وأولمرت، فقد التف العالم حول حكومتهما بمجرد مشاهدة الجيش الاسرائيلي يخلي المستوطنين اليهود بالقوة والجرافات تهدم بعض المباني في المستوطنات، وامتدحوا خطة الفصل كثيرا، رغم انها لم تضع حدا للصراع. كان أولمرت سعيدا بالارتقاء الى المنصب الرفيع كرجل ثان في الحكومة لكنه، مثل كل المقربين منه، لم يكن يتوقع أن يصبح ذات يوم رئيس حكومة. فهو يعرف وضعه في الليكود جيدا. ففي الانتخابات الداخلية لليكود 2003، وعلى الرغم من منصبه الكبير في الحكومة، احتل المرتبة الـ38 في لائحة الحزب الانتخابية ودخل الكنيست بالقوة. والمفروض ان أمامه 37 مرشحا أقوى منه. لكن هذا الوضع لم يؤثر على مكانته لدى شارون فمنحه المنصب الرفيع كما وعد. وراح يعتمد عليه اعتمادا أساسيا في الحكم، خصوصا بعد أن استقال وزير المالية بنيامين نتنياهو احتجاجا على خطة الفصل. ومع تطبيق خطة الفصل، بدأ يفكر معه في الخطوات القادمة، وفي مقدمتها اخلاء النقاط الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية. وعندما أقيم معسكر يميني متطرف ضدهما في الليكود، تصدى أولمرت قبل شارون لهذا المعسكر ثم اقنع شارون بالانسحاب من الليكود وتشكيل حزب جديد سوية مع شيمعون بيريس، الذي كانت المعارضة الداخلية له قد أسقطته عن رئاسة حزب العمل.
وأدى تنفيذ هذه الخطوة بشكل درامي إلى زعزعة الخريطة السياسية في اسرائيل برمتها، وزاد من الالتفاف الدولي حول قيادتهما. وأشارت استطلاعات الرأي في حينه الى ان الحزب الجديد («كديما») سيفوز بـ44 مقعدا من مجموع 120 مقعدا في الكنيست. وهنا جاءت ضربة الحظ والصدفة التي جعلت أولمرت رئيسا للحكومة. فقد مرض شارون بشكل مفاجئ في ديسمبر (كانون الأول) 2005، وبعد أيام أصيب بشلل دماغي، فأصبح اولمرت رئيس الحكومة الفعلي في (4 يناير/ كانون الثاني 2006). ثم جرى تبكير موعد الانتخابات وفاز برئاسة الحكومة. صحيح أن أولمرت لم يحقق مكسبا بمقدار المكسب الذي كان سيحققه شارون (حصل أولمرت على 29 مقعدا)، إلا أنه حطم الليكود (من 40 الى 12 مقعدا) وأحزاب اليمين عموما وشكل حكومة ليبرالية، كان المفروض أن تكون حكومة السلام، وفقا لبرنامج أولمرت السياسي الذي وعد فيه برسم حدود اسرائيل الدائمة وتخفيض ميزانية الجيش بنسبة الربع بمقدار 1.2 مليار دولار. لقد واجه أولمرت، منذ بداية عمله كرئيس حكومة، عدة امتحانات صعبة لم يتصورها. فقد بدأ ذلك بقرار حركة حماس خوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي فازت فيها ثم شكلت الحكومة. وجاء بعد ذلك العملية الفلسطينية لخطف الجندي الاسرائيلي جلعاد شليط الى قطاع غزة، وتبعتها عملية مشابهة لخطف جنديين اسرائيليين آخرين الى لبنان.
ازاء كل هذه الأحداث والضغوط التي رافقتها من اليمين في اسرائيل وقادة الجيش الذين أرادوا حربا لكي يبرروا وقف خطة أولمرت لتخفيض الميزانية العسكرية، وقع أولمرت في كمين السياسة الاسرائيلية التقليدية فأعلن الحرب على لبنان وألحقها بعمليات حربية مكثفة على قطاع غزة، وفشل في تحقيق أهدافه في الحربين ووضع نفسه في مساءلات لجان التحقيق التي قد تنتهي بدفعه الى الاستقالة أو على الأقل بدفع العديد من المقربين اليه الى الاستقالة. وهكذا تزعزعت مكانة أولمرت وبات ينظر اليه كقائد فاشل وضعيف.
بيد أن أولمرت يرفض التسليم بهذا المصير، وهو ومساعدوه يديرون خطة منظمة تنفذ ببالغ الهدوء من أجل تثبيت أقدام حكومته واستعادة مكانته وشعبيته بين الناس. وتلقى هذه الخطة دعما من الادارة الأميركية التي توصلت الى القناعة بأن أولمرت رغم ضعفه وفشله المثير للغضب، هو أفضل رئيس حكومة لاسرائيل في هذه المرحلة، حيث انه لا أحد من رفاقه في «كديما» يصلح لخلافته، والبديل الوحيد عنه هو بنيامين نتنياهو، زعيم الليكود.
وهكذا، فإنها الصدفة، مرة أخرى، التي تبقيه رئيس حكومة. فإذا أبقته لجان التحقيق في هذا المنصب، فإن الشهور المقبلة ستظهر مدى قدرته على استعادة مكانته الشعبية، والانسحاب من مناطق وازالة مستعمرات وغير ذلك من الخطوات المطلوبة لتحقيق اية دفعة لعملية السلام.
مرّ على اسرائيل منذ تأسيسها قبل 59 عاما، ما لا يقل عن أحد عشر رئيس حكومة، لكن أيا منهم لم يصل في شعبيته الى الحضيض الذي وصل اليه رئيس الوزراء الحالي ايهود أولمرت. ولم يسد إجماع في وسائل الإعلام وفي صفوف المحللين والمعلقين ضد رئيس حكومة من أسلافه، مثلما هو الحال في الإجماع ضده. ومع ذلك، فإن أحدا من كل هؤلاء لا يغامر بالقول إن أولمرت سيسقط قبل انتهاء دورة حكمه في نهاية العام 2010، بل لا أحد يستبعد أن يحقق أولمرت ما وعد به قبيل الانتخابات، بالتوصل الى صيغة تحدد الحدود الدائمة لإسرائيل. وأشد خصومه يعترفون بأنه قد يفاجئ الكثيرين ويتوصل الى اتفاق سلام إسرائيلي ـ فلسطيني. هل الصدفة التي أبقته في السياسة بعد أن قرر الاعتزال وباع بيته لكي يستثمر ثمنه في عالم الاقتصاد ورجال الأعمال ستسعفه مرة أخرى، وهل يسعفه القدر الذي رمى برئيس الوزراء السابق، أرييل شارون، الى فراش الموت من دون سابق انذار، أم يساعده الحظ الذي ميز مسيرته التي اعتاد فيها على النجاح رغم ما يعتور شخصيته من إشكاليات؟
الجواب صعب، ولكن بالإمكان استشفافه من خلال سيرته، بمناسبة مرور سنة على تسلمه رئاسة الحكومة الاسرائيلية بشكل فعلي (في الرابع من يناير/ كانون الثاني 2005)، وهي السيرة التي يلخصها الاسرائيليون بشكل سلبي. ففي آخر استطلاع نشر حول رأي الاسرائيليين في أدائه كرئيس حكومة، منحوه علامة 4 من عشرة. وحتى بين مصوتي حزبه («كديما»)، لم ترتفع النسبة عن 4.9 من عشرة، أي علامة سقوط في الحالتين.
ولد أولمرت في بيت مسيس للغاية، فوالده مردخاي كان من النشطاء الحزبيين في الجناح اليميني من الحركة الصهيونية. ورغم أن مردخاي ولد في روسيا، لكنه نما وترعرع في الصين التي انتقل اليها جد ايهود أولمرت في اطار عمله. وفقط عندما بلغ مردخاي الحادية والعشرين من العمر، هاجر الى فلسطين ضمن نشاط الحركة الصهيونية الاستيطانية. وفي سنة 1945 ولد ايهود، ليكون أخا رابعا لثلاثة أشقاء ذكور: يوسي، وهو مستشرق يحمل الدكتوراه وشغل عدة مناصب في الدوائر الحكومية لكنه هجر اسرائيل، ويرمي وهو عميد في جيش الاحتياط ورئيس بلدية سابق ويدير حاليا الاتحاد الاسرائيلي لكرة السلة، وعمرام، وهو رجل أعمال.
بدأت العائلة طريقها في العمل الزراعي ضمن تعاونية أسستها حركة اليمين المتطرف الصهيوني «بيتار» في الحقول المجاورة لبلدة بنيامينا شمال شرق حيفا. لكن الوالد بدأ نشاطا حزبيا واعدا، وما فتئ أن طلبه مناحيم بيغن (زعيم حزب حيروت آنذاك، الذي يعرف اليوم بالليكود)، ليتفرغ للعمل الحزبي. ثم انتخب عضوا في الكنيست لدورتين. ومن هنا فإن ايهود أولمرت يعتبر من «الأمراء»، وهو اللقب الذي يطلقونه في اسرائيل على أبناء الزعماء السياسيين الذين يكملون طريق آبائهم. بيد أن ايهود أولمرت لم يتصرف كأبناء الساسة الآخرين، بل بدأ طريقه وشهرته بسبب تمرده على القيادة. فعندما كان في الحادية والعشرين من العمر، صعد الى منصة مؤتمر الحزب (وكان يسمى يومها «غاحل»، تعبيرا عن وحدة ثلاثة أحزاب يمينية)، وألقى خطابا أحدث زلزالا. فقد صدم الحاضرين بالطلب من قائد الحزب، مناحيم بيغن، أن يستقيل من منصبه كزعيم للحزب لأنه خلال ست معارك انتخابية متواصلة، فشل في تحقيق الانتصار على حزب العمل الحاكم، وعلى القائد الفاشل أن يستريح. مثل هذه المواقف لم تكن مقبولة في ذلك الوقت، لذلك هب مندوبو المؤتمر ضده يطالبونه بالاعتذار والنزول عن المنصة، لكنه أصر على أن يكمل خطابه، فصعد بعض «القبضايات» منهم الى المنصة لكي ينزلوه بالقوة. وقد تصدى لهم مناحم بيغن نفسه قائلا ان الشاب أولمرت يعبر عن رأي شرعي وأن الديمقراطية تحتم عليهم سماعه حتى النهاية. وقد رد أولمرت بالمثل، فشكر بيغن على موقفه وواصل كلامه. وتحول في ذلك اليوم الى نجم إعلامي، غطى على كل أعمال المؤتمر. قادة الحزب عملوا ما يلزم، يومها، لكي يفهم أولمرت الشاب بأن عليه أن يجد مهنة أخرى غير السياسة. فإذا تعامل معه بيغن بتسامح، فإن أعضاء الحزب وقادته الآخرين لم يسامحوه، لذلك اتخذ مساره في الجيش فدخل دورة ضباط، ثم عمل صحافيا للشؤون العسكرية في مجلة الجيش «بمحانيه». وتوجه بعد ذلك الى الحياة المدنية، فدرس علم النفس والعلوم السياسية ثم القانون وأصبح محاميا. بيد أن السياسة ظلت هاجسه الأساس. وانتهز أول فرصة له في مطلع السبعينات، حيث حصل انقسام في الحزب الذي أحبه بسبب تاريخ والده فيه. فقد تركت الحزب مجموعة من رجال الأعمال برئاسة المحامي يوسف تمير، فانضم اليهم اولمرت في تأسيس حزب يميني ليبرالي جديد يدعى «المركز الحر». ثم انضم للعمل محاميا في مكتب تمير نفسه، وأصبح أقرب المقربين منه. وانتبه تمير إلى أولمرت وقدرته على ادارة المعارك الانتخابية وتجنيد المؤيدين واطلاق الحملات الاعلامية، فوضعه في المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وفي انتخابات عام 1973، حصل الحزب على عضوين ودخل أولمرت الى الكنيست. وقد عاد تمير لاحقا الى حزبه الأصلي مع بيغن وأقاموا تحالفا مع أحزاب أخرى تحت لافتة الليكود، إلا أن أولمرت رفض الانضمام اليه. وبقي مستقلا في الكنيست، ثم أنشأ حزبا سماه «لعام» (للشعب)، مع نائب آخر من المنسحبين من حزب بيغن، هو اليعيزر شوستاك. في حينه غضب عليه تمير كثيرا واعتبر تصرفه طعنة في الظهر وراح يسميه «العقار».
في الكنيست برز أولمرت ليس فقط كأصغر النواب سنا (28 عاما)، بل بالمعركة التي فرضها على البرلمان وسجلت باسمه وباسم نائب شاب آخر من اليسار، هو يوسي سريد. المعركة هي ضد الفساد وضد الإجرام المنظم. ففي حينه سادت جرائم المافيا وبدا انها تتغلغل في صفوف العديد من مؤسسات الحكم ومختلف جوانب الحياة وانتشرت الرشاوى واستبد الفساد بعدد من الزعماء. واستغل أولمرت حصانته البرلمانية ليحارب الظاهرة، ووقفت الى جانبه الصحافة الإسرائيلية وجعلت منه نجمها الأول. وحولته الى زعيم حقيقي وراحت تشترك معه في كشف الفساد. وتمكن مع صحيفة «هآرتس»، مثلا، من تجنيد مئات الموظفين في الدوائر الحكومية لكشف الفساد وجلب المعلومات والوثائق الى الشرطة. وفي مرحلة لاحقة كان أولمرت ينشر أسماء زعماء يمارسون الفساد، حسب وجهة نظره، ويتحداهم بأن يحاكموه على ما يقول. وكان بين من ألصق بهم تهمة الفساد جنرال كبير في الجيش الاسرائيلي هو اللواء رحبعام زئيفي، الذي أصبح زعيما لغلاة المتطرفين وأسس حزب «موليدت» وأصبح وزيرا في حكومة أرييل شارون الأولى، الى أن قتل على أيدي عدد من مسلحي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سنة 2001. وكان الاسم الثاني البارز الذي نشره أولمرت هو اسم وزير الاسكان، أبراهام عوفر. وقد انتحر الوزير باطلاق الرصاص على رأسه بعد أسبوع من قيام أولمرت بكشف اسمه. ظل أولمرت معشوق الصحافة الإسرائيلية 11 سنة متواصلة، الى أن اختلف واصطدم معها في عام 1984. ففي حينه انفجرت فضيحة عالمية في اسرائيل عندما قام أربعة شبان فلسطينيين من غزة بخطف حافلة ركاب اسرائيلية وهي في طريقها من تل أبيب الى اشكلون واحتجزوا الركاب رهائن وطالبوا بإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين والعرب كشرط لإطلاقهم. إلا أن قوة كوماندوز اسرائيلية هاجمت الحافلة في اليوم التالي، وخلال الهجوم قتلت صبية يهودية وجرح العشرات، وقيل إن جميع الشبان الفلسطينيين الخاطفين قد قتلوا. لكن أحد المصورين في صحيفة «حدشوت» (مغلقة حاليا)، التقط صورة يظهر فيها بوضوح أن هناك اثنين من المسلحين الفلسطينيين اعتقلا وهما على قيد الحياة. وقد ثارت ضجة كبرى في اسرائيل والعالم على هذه الجريمة (قتل شخص تم أسره وهو حي). واضطر وزير الدفاع الى تشكيل لجنة تحقيق قضائية تبين من تحقيقاتها ان الصحافي قال الحقيقة وأن رئيس جهاز المخابرات العامة ابراهام شالوم، هو الذي أمر بقتلهما وأن ضابطا كبيرا في «الموساد»، ايهود ياتوم، هو الذي نفذ الجريمة. والأنكى من ذلك أن ياتوم وشالوم حاولا القاء تهمة الجريمة على قائد فرق الجيش في مكان الحادث، اسحق مردخاي (الذي اصبح فيما بعد وزيرا للدفاع، لكنه اضطر الى ترك منصبه واعتزال السياسة بسبب ادانته بتهمة الاعتداء الجنسي على سكرتيرته). فقد زعما انهما شاهداه وهو يطلق الرصاص على الأسيرين العربيين. خلال كل هذه المعركة، وعلى مدار أسابيع، وقف رئيس الوزراء في حينه، اسحق شامير، مع جهاز المخابرات. لكن المستشار القضائي للحكومة، يسرائيل زمير، حاول اتخاذ موقف نزيه وأصر على أن يكون كل شيء علنيا. فهاجموه وهددوه بالقتل، ثم تم تعيين مستشار آخر مكانه. واتخذ أولمرت موقفا واضحا في تلك المعركة ليس لصالح الحق ولا الى جانب المستشار القضائي، بل الى جانب شامير، أي مدافعا عن القتل والقتلة. وكان هذا الموقف سببا في طلاق أولمرت مع الصحافة، حيث انها تبنت موضوع القتل المذكور بشكل قوي وهاجمت الحكومة على الطرق الفاسدة التي تدير فيها شؤون الحكم وحذرت من خطورة هذا النهج على مستقبل اسرائيل. لكن أولمرت لم يكترث واستمر في موقفه. وقد كافأه شامير في أول فرصة، حيث انه حالما انتخب رئيسا للحكومة مرة أخرى عين أولمرت وزيرا لأول مرة.
في هذه المرحلة بدأت الصحافة تكتشف نقاط ضعف في شخصية أولمرت وأشير إلى أنه واجه نفسه عدة تحقيقات. وحسب الكاتب الاسرائيلي أوري بلاي، فإن أولمرت «هو من أكثر رؤساء الحكومات في اسرائيل الذين جرى التحقيق معهم»، وان الملفات التي فتحت له أغلقت في فترات عديدة. ويعيد بلاي ما يعتبره ضعفا في شخصية أولمرت الى نمو عادات يظهر فيها حبا للمطاعم والفنادق الفخمة والبذخ والترف. عاد أولمرت الى حزب الليكود في فترة شامير، حيث أدار له حملته الانتخابية. وقد كافأه هذا بتعيينه وزيرا مرتين؛ الأولى تولى فيها حقيبة الشؤون العربية، أي قضايا فلسطينيي 48، والثانية تولى فيها وزارة الصحة. لكن بعد خسارة شامير الحكم سنة 1992 ترك أولمرت السياسة العليا وخاض الانتخابات لبلدية القدس وفاز بالرئاسة دورتين كاملتين. وكان دوره المميز في البلدية بمشاريع الاستيطان لضمان تهويد المدينة ومنع اعادة تقسيمها، فأقام حي «هار حوماه» على جبل أبو غنيم الفلسطيني، وشق النفق الكبير تحت اسوار القدس، والذي يهدد الأسوار والمسجد الأقصى المبارك (بسبب هذا النفق انفجرت الصدامات الدامية بين جنود الجيش الاسرائيلي وبين رجال الشرطة الفلسطينيين سنة 1997، في أول صدام عسكري بين الطرفين منذ اتفاقات أوسلو، التي كان أولمرت من أشد معارضيها).
وفي فترة المفاوضات بين رئيس الوزراء الاسرائيلي، ايهود باراك، والرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، بدأ لدى أولمرت أول انعطاف سياسي. ففي المعركة الانتخابية الحامية الوطيس سنة2001، أدار الليكود حملة اغتيال لشخصية باراك مركزة على اتهامه بأنه تنازل عن القدس وأعاد تقسيمها من جديد. فاعترض أولمرت على هذه الحملة وقال ان باراك لم يتنازل عن القدس وان الحملة ظالمة. وقد اعتبر هذا الموقف مبدئيا بالنسبة لبعض القوى، فيما اعتبره البعض الآخر موقفا انتهازيا، حيث ان باراك كان يفتش عن شخصيات يمينية تؤيده وتخفف من هجوم اليمين عليه. ولكن بسبب هذا الموقف تعرض أولمرت لهجوم داخل حزبه. وعندما رشح نفسه لرئاسة حزب الليكود لم يحصل إلا على 7% من الأصوات. وقرر أولمرت في هذه المرحلة اعتزال السياسة. وباع بيته في القدس بثلاثة ملايين دولار لكي يستثمر ثمنه في الاقتصاد وينتقل الى عالم رجال الأعمال. لكن أرييل شارون، خصمه الفائز برئاسة الليكود، حافظ على الاتصال به وقربه منه خلال السنتين الاخيرتين من عمر هذه الحكومة. وعشية الانتخابات التالية عام 2003 دعاه الى الانضمام اليه وقيادة حملته الانتخابية، ووعده بتعيينه قائما بأعمال رئيس الحكومة ووزيرا للمالية في حالة فوزه في الانتخابات. وحسب وزير الهجرة والاستيعاب، زئيف بويم، أحد أقرب المقربين من أولمرت، فإن ذلك التقارب المفاجئ نجم عن سلسلة لقاءات بين الرجلين دلت على انهما توصلا الى قناعات جديدة في السياسة تبعدهما عن طروحات حزب الليكود، بدءا بفشل سياسة أرض اسرائيل الكاملة والاستيطان اليهودي في قلب الأراضي الفلسطينية وانتهاء بضرورة انهاء الاحتلال للشعب الفلسطيني. ويعزو بعض المقربين من أولمرت هذا التغيير في مواقفه، ليس فقط لتأثير شارون، بل بالأساس لتأثير زوجته عليزا، وهي أديبة وفنانة معروفة في اسرائيل، ومن اولاده وهم جميعا في اليسار، بل ان أحدهم، وهو شاؤول، يعتبر من اليسار الراديكالي الذي يحارب الخدمة في الجيش الاسرائيلي وينشط في حركة «يوجد حد» التي تحرض الجنود على ألا يخدموا في المناطق الفلسطينية المحتلة لكي لا يشاركوا في ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، وابنته الثانية، ميخال، تعمل في الأدب وتنشط في حركة سلام نسائية. ولديه ابن ثالث هاجر الى فرنسا بعد أن رفض القيام بالخدمة الإلزامية في الجيش. وهناك من يقول ان شارون لم يجرؤ على مصارحة أحد من رجاله بهذا التطور في مواقفه سوى أولمرت، وأن هذا الاخير من جهته، تحمس للعودة الى السياسة ليقف الى جانب شارون في هذه المواقف، اضافة الى إغراءات شارون له بالمنصب الكبير في الحكومة. وهكذا حصل لدى اولمرت الانعطاف السياسي، وأصبح الشريك الأساسي والمدافع الأول والصدامي عن أفكار وخطط شارون، بعد فوزه بالحكم، وأعد معه «خطة الفصل» (الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية بشكل أحادي الجانب وازالة جميع مستوطنات غزة وأربع مستوطنات في الضفة). وكان الهدف من هذه الخطة أولا كسب الرأي العام العالمي الذي بدأ يطالب اسرائيل باطلاق المسيرة السياسية والكف عن سياسة الحصار للفلسطينيين، حيث ظهرت «وثيقة جنيف» (اتفاقية سلام اسرائيلي ـ فلسطيني توصل اليها قادة اليسار الاسرائيلي مع ممثلي الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات). ولكي يثبت ان اسرائيل معنية بالسلام ومستعدة لدفع ثمنه، وكسر الاستيطان اليهودي ووضع سابقة أخرى للسلام بالانسحاب من جميع أراضي قطاع غزة.
وكما توقع شارون وأولمرت، فقد التف العالم حول حكومتهما بمجرد مشاهدة الجيش الاسرائيلي يخلي المستوطنين اليهود بالقوة والجرافات تهدم بعض المباني في المستوطنات، وامتدحوا خطة الفصل كثيرا، رغم انها لم تضع حدا للصراع. كان أولمرت سعيدا بالارتقاء الى المنصب الرفيع كرجل ثان في الحكومة لكنه، مثل كل المقربين منه، لم يكن يتوقع أن يصبح ذات يوم رئيس حكومة. فهو يعرف وضعه في الليكود جيدا. ففي الانتخابات الداخلية لليكود 2003، وعلى الرغم من منصبه الكبير في الحكومة، احتل المرتبة الـ38 في لائحة الحزب الانتخابية ودخل الكنيست بالقوة. والمفروض ان أمامه 37 مرشحا أقوى منه. لكن هذا الوضع لم يؤثر على مكانته لدى شارون فمنحه المنصب الرفيع كما وعد. وراح يعتمد عليه اعتمادا أساسيا في الحكم، خصوصا بعد أن استقال وزير المالية بنيامين نتنياهو احتجاجا على خطة الفصل. ومع تطبيق خطة الفصل، بدأ يفكر معه في الخطوات القادمة، وفي مقدمتها اخلاء النقاط الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية. وعندما أقيم معسكر يميني متطرف ضدهما في الليكود، تصدى أولمرت قبل شارون لهذا المعسكر ثم اقنع شارون بالانسحاب من الليكود وتشكيل حزب جديد سوية مع شيمعون بيريس، الذي كانت المعارضة الداخلية له قد أسقطته عن رئاسة حزب العمل.
وأدى تنفيذ هذه الخطوة بشكل درامي إلى زعزعة الخريطة السياسية في اسرائيل برمتها، وزاد من الالتفاف الدولي حول قيادتهما. وأشارت استطلاعات الرأي في حينه الى ان الحزب الجديد («كديما») سيفوز بـ44 مقعدا من مجموع 120 مقعدا في الكنيست. وهنا جاءت ضربة الحظ والصدفة التي جعلت أولمرت رئيسا للحكومة. فقد مرض شارون بشكل مفاجئ في ديسمبر (كانون الأول) 2005، وبعد أيام أصيب بشلل دماغي، فأصبح اولمرت رئيس الحكومة الفعلي في (4 يناير/ كانون الثاني 2006). ثم جرى تبكير موعد الانتخابات وفاز برئاسة الحكومة. صحيح أن أولمرت لم يحقق مكسبا بمقدار المكسب الذي كان سيحققه شارون (حصل أولمرت على 29 مقعدا)، إلا أنه حطم الليكود (من 40 الى 12 مقعدا) وأحزاب اليمين عموما وشكل حكومة ليبرالية، كان المفروض أن تكون حكومة السلام، وفقا لبرنامج أولمرت السياسي الذي وعد فيه برسم حدود اسرائيل الدائمة وتخفيض ميزانية الجيش بنسبة الربع بمقدار 1.2 مليار دولار. لقد واجه أولمرت، منذ بداية عمله كرئيس حكومة، عدة امتحانات صعبة لم يتصورها. فقد بدأ ذلك بقرار حركة حماس خوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي فازت فيها ثم شكلت الحكومة. وجاء بعد ذلك العملية الفلسطينية لخطف الجندي الاسرائيلي جلعاد شليط الى قطاع غزة، وتبعتها عملية مشابهة لخطف جنديين اسرائيليين آخرين الى لبنان.
ازاء كل هذه الأحداث والضغوط التي رافقتها من اليمين في اسرائيل وقادة الجيش الذين أرادوا حربا لكي يبرروا وقف خطة أولمرت لتخفيض الميزانية العسكرية، وقع أولمرت في كمين السياسة الاسرائيلية التقليدية فأعلن الحرب على لبنان وألحقها بعمليات حربية مكثفة على قطاع غزة، وفشل في تحقيق أهدافه في الحربين ووضع نفسه في مساءلات لجان التحقيق التي قد تنتهي بدفعه الى الاستقالة أو على الأقل بدفع العديد من المقربين اليه الى الاستقالة. وهكذا تزعزعت مكانة أولمرت وبات ينظر اليه كقائد فاشل وضعيف.
بيد أن أولمرت يرفض التسليم بهذا المصير، وهو ومساعدوه يديرون خطة منظمة تنفذ ببالغ الهدوء من أجل تثبيت أقدام حكومته واستعادة مكانته وشعبيته بين الناس. وتلقى هذه الخطة دعما من الادارة الأميركية التي توصلت الى القناعة بأن أولمرت رغم ضعفه وفشله المثير للغضب، هو أفضل رئيس حكومة لاسرائيل في هذه المرحلة، حيث انه لا أحد من رفاقه في «كديما» يصلح لخلافته، والبديل الوحيد عنه هو بنيامين نتنياهو، زعيم الليكود.
وهكذا، فإنها الصدفة، مرة أخرى، التي تبقيه رئيس حكومة. فإذا أبقته لجان التحقيق في هذا المنصب، فإن الشهور المقبلة ستظهر مدى قدرته على استعادة مكانته الشعبية، والانسحاب من مناطق وازالة مستعمرات وغير ذلك من الخطوات المطلوبة لتحقيق اية دفعة لعملية السلام.

التعليقات