الباز لدنيا الوطن: كلمات الشهيد أبو عمار الأخيرة نادى على أخته (يا حجة يا حجة)

الباز لدنيا الوطن: كلمات الشهيد أبو عمار الأخيرة نادى على أخته (يا حجة يا حجة)
غزة – دنيا الوطن – تامر عبد الله

في ذكرى انطلاقة فتح والثورة الفلسطينية في الفاتح من يناير
يتذكر شعبنا الرمز القائد الشهيد ياسر عرفات، نقترب من ذكرى الثورة التي أسستها الأسطورة أبو عمار، كان لدنيا الوطن ووفاء لهذا العظيم أن نسترجع بعضاً من مواقفه ونقرأ تأثير غيابه على الساحة الفلسطينية هذا الحوار مع الإعلامي محمد الباز (أبو شادي)، الذي جمعته الظروف بهذه الأسطورة عملياً وإعلامياً:

* نحن نقترب من انطلاقة الثورة الفلسطينية التي أسسها الشهيد ياسر عرفات هل تفتقد الثورة أبا عمار في ذكرى انطلاقتها ؟

- ونحن نعيش الذكرى الثانية والأربعين لانطلاقة الثورة نفتقد الرجل الذي أجاد السباحة في بحر التوازنات والاشراك والذي تجرأ على أخطر توقيع ليعيد قضيتنا الى الارض الفلسطينية ، نفتقد الرجل الذي وصلت الدبابات الى طرف كوفيته وعجزت عن كسر ارادته – حارس الحلم أول الرصاص وأول الحجارة وأول الدولة الرجل الذي قهر الموت مرات ومرات تعرض للقصف والنسف ومحاولات الاغتيال .

نعم رحل ياسر عرفات والمفتاح بيده ولن يستطيع كائن من كان ان يزاود على حركة فتح ولن يستطيع أحد أن يتنازل عن الثوابت الوطنية والقومية التي تمسك بها وعوقب عليها واعدم بطيئاً بسببها.

ونحن على خطى من ضحى بحياته من أجل أهله ووطنه الرجل الذي كان الأرجح عقلاً فينا البطل الحقيقي الذي وضعنا على الطريق بعد أن سلم الراية لرفاق دربه لنظل جميعاً مخلصين للكوفية والعزيمة والصمود والايمان ،وسيبقى ماثلاً أمامنا وحاضراً فينا أبداً حتى يرفع شبل أو زهرة علم فلسطين فوق مآذن االقدس وكنائسها عاصمة دولة فلسطين التي أرادها الشهيد ياسر عرفات لكل الفلسطينيين أينما كانوا لتظل الثورة باقية وتظل الراية مرتفعة.

* بحكم عملكم الإعلامي المتميز ما هي أهم المواقف التي جمعتك بالرئيس الراحل أبي عمار ؟

- التقيت بحكم عملي بالشهيد الرمز ياسر عرفات في العديد من الاماكن والمناسبات ولعل عام 1988م وفي صيف ذلك العام وفي معسكر صبرا وشاتيلا ،اليمن الديمقراطية كانت احدى ابرزها .

اكثر من 12 ألف من الاشبال والزهرات يتجمعون في دورة الوحدة الوطنية كنت أعلق على مهرجان التخريج كان الى جانبي الشهيد فخري ابو الفواخر انطلقنا بالتعليق أشبال الملوتوف ،زهرات يجتزن الحواجز والعوائق العديدة اطلاق رصاص حي من القائد /ابو العبد خطاب بين أرجلهم طائرات عمودية تحلق اشبال يقفزون بالبراشوت شاب منهم يعلق على اسلاك الضغط العالي ،قلب القائد الرئيس واحاسيسه تنشد الى ذلك المنظر خوفاً على هذا البطل الذي يتصرف بذكاء بدفع الاسلاك بقدمه يبتعد قليلاً عن الاسلاك ينجو.

يطلب الرئيس رؤيته يقلده وساماً ونجمة و نتقلد نحن الحضور ومعنا الرئيس اليمن الديمقراطية / اليمني الجنوبي الفرحة والارتياح والشعور بالعظمة.

واذكر تناولنا الطعام معه ترك كل ما صنعته يد الاخوات ومن بينهم زوجتي وطلب من زوجة السفير (حتة جبنة ) واذكر العظمة والاقتداء والمحبة والحنان حين مر وزارني وانا مريض في مستشفى الهلال الاحمر في صنعاء.


* كيف لك أن تصف لنا شعورك كفلسطيني وأنت ترافق الشهيد ياسر عرفات في حياته اعلامياً من خلال الفضائية الفلسطينية؟

- كان لتلفزيون فلسطين والفضائية الفلسطينية ولا زال دوراً فاعلاً رغم قلة الامكانات وحجم المؤامرات ، كنا نحاول أن نشكل اعلام الثورة والدولة والسلطة بالتناغم مع وكالة وفا والهيئة العامة للاستعلامات واذاعة صوت فلسطين في مواجهة امكانات اعلامية صهيونية واعلام أنظمة مختلفة واعلام عالمي هائلة لا تترك لك أي مساحة للراحة او لالتقاط الانفاس وتسارعت الأحداث بوتيرة أكبر من كل التوقعات ومع ذلك فإن التلفزيون والاذاعة وأنا شخصياً من خلال موقعي كبيراً للمذيعين ومديراً للبرامج السياسية والخاصة ومقدماً للعديد من البرامج ومديراً عاما للبرامج كنت أتابع اجتياح رفح الباسلة وكانت الساعة قد قاربت على الثالثة صباحاً موعد نشرة الاخبار خرجت لاتاحة المجال لزميل لتقديم النشرة واذ باتصال هاتفي من مكتب السيد الرئيس يبلغني أن الرئيس يريد أن يوجه رسالة الى شعبنا في رفح الذين وقفوا بشموخ أمام العدوان الذي طال أجساد أبنائهم .

الغيت النشرة وقدمت الرئيس أبو عمار لشعبنا على الهواء مباشرة متحدثاً أحد عشرة دقيقة واذكر زيارة الرئيس شيراك وتغطية اعلامية من جانبي والزملاء كانت رائعة ولا أنسى مطلقاً افتتاح مطار غزة وكلمات تخرج معبرة عن الفرحة لست تدري من أين يأتي التعبير لكنه الصدق والعرفان والمحبة لهذا الرجل وغيرها وغيرها الكثير.

* هناك أمر محير في شخصك كاعلامي من حيث قدرتك على التوازن والحفاظ على خطابك الاعلامي دون أن تتداخل مشاعرك كمواطن في خطابك أثناء مرافقتك لرحلة العودة الاخيرة للشهيد ياسر عرفات، كيف استطعت الحفاظ على هذا التوازن ؟

- هز الكيان وأدمى القلب ذلك الرحيل وسالت الدموع واختنقت العبرات لكن عظمة هذا الرجل وقضيته وهول المصاب واهمية أن يكون وداعه بقدر مكانته في قلب شعبه وقلب محبيه الذين شاهدوه وهو يتسامى على الالم مودعاً شعبه بقبلة من يده في كل الاتجاه وصارخاً على أخته ( يا حجة –يا حجة ) حين نتصور كل هذا ونشاهده وحين تشاهد حجم التغطية الرسمية وحمله على أعناق حرس الشرف الفرنسي وعل أكتاف الرجال في مصر وحين يكون في داخلك مشاعر كل فلسطيني خبر معنى الثورة والقضية والنضال والشهداء والجرحى والاسرى والمعاناة والحصار والظلم الذي طال كل بيت وكل فلسطيني في الوطن والشتات فكان مطلوب مني أن أكون كل هذا الفلسطيني بمصيبته لارسل رسالة الى العرب ورمز الاحرار و الشرفاء في العالم أجمع وأن أكون لسان حالهم في فقيدنا الغالي بكلمات وعبارات اختلط فيها الحب لهذا الكبير فينا بالدموع واختلط فيها الاعلام بالانجازات والمواقف والمناسبات بالانساني والسياسي ولست ادري كيف كانت لي كل هذه القدرة على الصبر والتواصل على مدار اكثر من ثلاث ساعات.

* كيف تقرأ كإعلامي الحال الفلسطيني وما آل اليه المواطن الفلسطيني والى أي مدى أثر فراق ياسر عرفات؟

- انطلق ياسر عرفات بالثورة ليحقق لشعبنا الحرية والاستقلال وتحول شعبنا بفضل التضحيات العظيمة التي قدمها من شعب مشرد و لاجئ يطلب الغذاء والدواء الى شعب يسعى لتحقيق حقوقه الوطنية .

لكن الاحتلال لازال جاثماً على أرضنا ولا زالت الدماء الفلسطينية تنزف بسبب الاحتلال اولاً وبسبب خلافاتنا الداخلية ومحاولات اعادتنا الى الخلف لاستلاب منجزاتنا وعلى رأسها القرار الفلسطيني المستقل ومحاولات فرض الوصاية علينا وشعبنا يعاني من الاستيطان والجدار واسرانا قابعين خلف الاسوار، والشهداء لا زالوا يسمون الى العلا وجرحانا انتشروا في كل بقاع الارض.

ولأن ياسر عرفات مثل فينا عمود الخيمة فقد كان رحيله أكبر فاجعة ألمت بنا واصابت كياننا و في غيابه سيخاف أهل المخيمات على وعد العودة وافتقدنا بغيابه صلابة الفدائي وعشقه وايمانه بالله والوطن ولا زلنا نرنو بأبصارنا الى شارة النصر في أحلك الساعات.

* بم ترد على من يتهم الاعلام الرسمي الفلسطيني بالتحزب والانغلاق على زاوية واحدة ؟

- المتتبع للإعلام الفلسطيني في هذه الفترة يلاحظ بشكل جلي أن الاهداف الحزبية والتنظيمية الضيقة طغت على الهدف الاساسي للاعلام المتمثل في تحقيق الرسالة الوطنية والاجتماعية واصبح الارتجال في المجال السياسي سمة اساسية في الكثير من وسائل الاعلام لدرجة أنها ابتعدت عن الاهداف الاساسية المتمثلة بتشكيل الوعي الجماهيري وتكوين الرأي العام تجاه القضايا الاساسية من خلال خطاب سياسي ومستوى خطاب يصل ويغطي جميع مناحي الحياة واصبح التركيز على الحدث اليومي هو الغالب مما أدى الى تناسي العديد من القضايا المصيرية وأدى الى انفصال كبير بين الخطاب السياسي والثوابت الوطنية.

وهذا الشكل من الاعلام ابتعد بشكل كبير عن السمات والادوات واشكال العمل الاعلامي الذي انتهجته الثورة الفلسطينية والتي حافظت على الاهداف الوطنية وتناولتها بشكل موحد منذ عام 1972 وانعكس ذلك في اذاعة صوت فلسطين وصوت الثورة الفلسطينية ووكالة الانباء الفلسطينية وفي مجلة فلسطين الثورة وغيرها من الادوات الاعلامية التي لفظت التحزب والانغلاق منذ البدايات الاولى وكان همها هو القضية والوطن والمواطن الواحد الموحد في اطار الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا م.ت.ف.

* ختاماً ماذا تقول لشعبنا الفلسطيني وهو يعاني مرارة أيام تاهت فيها سعادة العيد؟

- ختاماً إن شعبنا الفلسطيني الذي لا زالت كلمات الشهيد ياسر عرفات ( شهيداً شهيداً شهيداً ) تتردد كوصية من قائدها – وفي الوقت الذي يشعر فيه كل واحد منا أنه كان قريباً منه لانه كان على صلة بالمريض والمحتاج بالاسير وعائلة الشهيد بالجريح والمعاق بالطفل والرجل .

ما أحوجنا الى التلاحم والوحدة وأن نستلهم العبر من هذا الرجل الذي عاش أسداً وكان موته خاصاً لأنه رجل خاص –لم ينس أحد أبداً ولم يحقد على أحد حتى الذين خالفوه.

تحية لشعبنا البطل المتمسك بالثوابت متمسك بحق العودة والقدس والحرية والاستقلال والدولة مهما ادلهم الليل لأن الشهيد الذي حلق في القمم وكان الرصاص والقلم ومثل الهوية والشعار والوان العلم وكان الفريد في زمانه وعز مثله في الامم وقال لا للركوع ونعم للشموخ والانتصار.

التعليقات