إمام ميلانو يروي قصة اختطافه على يد الاستخبارات الأميركية

غزة-دنيا الوطن

تحدث امام المسجد، المصري حسن مصطفى اسامة نصر، الذي يعرف باسم ابو عمر المصري عن قضيته التي اصبحت مثار جدل اوروبي ـ اميركي بعد اتهام الاستخبارات الاميركية بخطفه من احد شوارع ميلانو ثم تسليمه بعد ذلك الى مصر، عن ظروف اختطافه، وقال ان اجهزة المخابرات المصرية والاميركية اخترقت مسجده ومنزله قبل عملية اختطافه عام 2003 للاشتباه في علاقته بتنظيم «القاعدة» من شوارع ميلانو بايطاليا. وقال ابو عمر في رسالة خاصة من 11 ورقة فولسكاب بخط اليد تلقتها «الشرق الاوسط» عبر «المرصد الاعلامي الاسلامي»، وهو هيئة حقوقية تتخذ من لندن مقرا لها، وتهتم باخبار الاصوليين حول العالم، ان احد القيادات الامنية اخبره اثناء التحقيق معه، وهو معصوب العينين، انه زار ايطاليا قبل عملية اختطافه بفترة قصيرة، ووصف له مسجده «المعهد الثقافي الاسلامي» من الداخل والشارع الذي يوجد فيه، والشوارع المؤدية الى منزله في ميلانو والطابق الذي يسكنه. واعرب في رسالته من سجن طرة بالقاهرة عن اعتقاده ان هاتفه الجوال في ايطاليا كان مراقبا ومخترقا هو الآخر. واوضح ان السلطات النمساوية استدعت الشيخ محمد شوقي الذي يعمل في مجال الدعوة وسألته عن كل شيء يخص ابو عمر. وتساءل ما إذا كان للسلطات النمساوية دور هي الاخرى في عملية خطفه في وضح النهار يوم 17 فبراير (شباط) 2003 بواسطة عملاء المخابرات الاميركية. وطلب ابو عمر الذي رفع قضية تعويض يطلب فيها 10 ملايين يورو من رئيس الوزراء الإيطالي السابق، سيلفيو برلسكوني، على سبيل التعويض لدوره في عملية الخطف، الاستماع الى نبيل التونسي المسجون حاليا بميلانو، لان عنده معلومات قد تكون مفيدة في ملابسات عملية الخطف. وتحدث ابو عمر عما سماه مراقبة هاتفه الجوال على مدار الساعة قبل العملية، وكذلك جهاز كومبيوتره. وقال «كانت تأتيني اتصالات على الجوال تسأل عن ابو عمر، وكثيرا ما كانوا يغلقون الجوال قبل ان اتحدث اليهم بالاضافة الى المئات من الرسائل الالكترونية المحملة بالفيروسات». واوضح ان احد ضباط الامن اخبره خلال التحقيقات اخبره ان شقته في ميلانو كانت بها كاميرا فيديو، راقبته لفترة غير قصيرة. وتحدث عما وصفه بـ«الباشا» وهو ضابط كبير في اجهزة الامن ، سأله سؤالا واحدا وهو مغمض العينين، «هل تقبل العمل والتعاون معنا وسنعيدك الى ايطاليا على الفور؟». ورفض ابو عمر الفرصة النادرة لتبدأ معه سلسلة طويلة من التحقيقات على حد قوله. من جهته، قال ياسر السري، مدير «المرصد الاسلامي» وهو منظمة حقوقية في لندن، تهتم بمتابعة قضايا الاصوليين، ان قصة خطف مصطفى اسامة نصر تثبت تورط عدة دول اوروبية بالاضافة الى المخابرات الاميركية والمصرية. واضاف ان ما حدث يؤكد ان «الاسلاميين» باتوا مستهدفين، وان هذه الانتهاكات تمارس على اعلى المستويات بتنسيق كامل مع اجهزة الاستخبارات الغربية. وقال السري ان مصطفى نصر ليست هناك أحكام ضده في مصر، ولم توجه له أية اتهامات منذ اعتقاله التعسفي. وقال ان المرصد يدين ويستنكر هذه التصرفات. ونناشد المنظمات الحقوقية التدخل لإطلاق سراحه وسراح بقية المعتقلين. وفيما يتعلق بحادث خطفه من شوارع ميلانو، قال ابو عمر: «كنت اسير في شارع كونتي فيردي في طريقي الى المسجد لأداء صلاة الظهر في المعهد الثقافي الاسلامي بشارع ينر، وكنت قد تركت العمل في مسجد الجالية الاسلامية في شارع 45 قبل اشهر من خطفي». وأضاف «عندما كنت ذاهبا للصلاة كانت في حوزتي 450 يورو، كنت سأدفع منها 400 يورو ايجارا للسكن الذي أعيش فيه مع زوجتي، وكذلك جواز السفر الايطالي، والاقامة الايطالية، والهاتف الجوال، والبطاقة الطبية الخاصة بي، وبطاقة الضمان الاجتماعي، وساعة يد، ومفاتيح شقتي في شارع كونتي فيردي». واضاف «هذه الاشياء موجودة لدى اجهزة الامن في مصر، ولم أحصل عليها حتى الآن». وأوضح «رايت سيارة «فيات» حمراء 127 اثناء السير أمام حديقة عامة في طريقي الى المسجد وخرج منها شخص، أخرج لي بطاقة، وقال انه بوليس، وطلب مني اوراقي (السيجورنو)، فاخرجت له الوثيقة الايطالية، ثم اتصل برقم ما، وبدأ يعطي بياناتي الشخصية. وكان تركيزي معه، ولم التفت الى سيارة ميني باص كانت تقف بالقرب من منزلي، وجاءت ووقفت بالقرب من الرصيف الذي اقف عليه، ولم ادر بنفسي، إلا وأنا أرفع من على الارض. أدرت وجهي فرأيت شخصين ملامحهما ايطالية. طول كل واحد منهما لا يقل عن187 سم، واعمارهما تقترب من الثلاثينات من العمر. اما الشخص الاميركي فربما في الاربعينات من عمره. شاهدت عملية خطفي سيدة مصرية، كانت تسير في نفس توقيت عملية الخطف، وتسكن في نفس الشارع الذي خطفت منه، وهي التي ابلغت المصلين في مسجد المعهد الثقافي الاسلامي». وأوضح ابو عمر «حاولت ان اقاوم لكني ضربت ضربا شديدا في بطني وبقية انحاء جسمي، ودفعت بقوة الى السيارة، وتمت تغطية وجهي، وتم تقييد يديَّ وقدميّ، ثم سارت السيارة بسرعة، وانا أتألم من شدة الضرب، ثم بدات قواي في الانهيار، فصدرت اصوات من فمي تشبه حشرجة الموت. وخرج سائل من فمي «رغاوى بيضاء»، ونزلت بعض قطرات البول دون ارادة مني. سمعت صراخ احد الشخصين اللذين قاما بخطفي، وقاما الاثنان بتقطيع ثيابي بسرعة. وضغط احدهما بشدة على قلبي للدلك، ونزع الآخر الغطاء الذي على وجهي». ويتحدث ابو عمر الى نقلة الى سيارة او طائرة صغيرة، لكنه لا يعرف بسبب شبهة تخديره. يقول «كان الادراك غير كامل ربما بسبب الضرب الشديد والالم الذي كنت احسه، او ربما خدروني تخديرا بسيطا». وبعد نحو ساعة اخرجوني وادخلوني مكانا، وانا ما زلت معصوب العينين ومقيد اليدين والرجلين، يشبه (المكان) المطار بسبب التكييف واصوات المحركات. وبعد فترة قصيرة سمعت وقع أقدام كثيرة، وخلعوا ملابسي، وسقطت «الغماية» من على عينيَّ. رأيت اشخاصا يرتدون ثيابا متشابهة مثل رجال العمليات الخاصة، وقاموا بتصويري، ثم لفوا رأسي ووجهي بلاصق عريض، وتركوا فتحتي الانف والفم، وربطوا قدميّ ويديّ من الخلف بقيود بلاستيكية، ثم حملوني وادخلوني طائرة، وبداخلها كنت ممددا على الارض. طارت الطائرة نحو سبع ساعات، ولم ادري الوجهة التي كنت ذاهبا اليها. لم يقدم لي أي طعام منذ عملية خطفي في الشارع. تعرضت داخل الطائرة الى ضيق نفس شديد. لم يهتم بي أحد إلا بعد ان تاكدوا انني على وشك الموت، فوضعوا جهاز تنفس صناعيا على انفي. ضربوني عدة مرات. شعرت اننا وصلنا إلى الجهة المراد الوصول اليها. وما هي إلا دقائق حتى بدأت الطائرة في الهبوط. نزعوا السدادات التي كانت في اذنيَّ، وسمعت اصوات محركات الطائرات ثم اصوات اقدام في اتجاهي، وقاموا بحملي وإيقافي. لاحظت نفسي انزل حوالي 3 او 4 درجات، فتأكدت انني كنت في طائرة ربما عسكرية او خاصة. ولحظة ملامسة قدميّ الارض، سمعت شخصا بتحدث العربية ويقول لي اطلع باللهجة المصرية. ادخلوني سيارة ميكروباص، واعتقدت انه شاهد الدماء تنزف من يديَّ، فقطع القيود البلاستيكية، ووضع بدلا منها أخرى حديدية. وكنت اشعر بأنني سألتقي ملك الموت لا محالة.. انطلقت السيارة بسرعة في أحد شوارع القاهرة، ثم توقفت امام مبنى، وفي إحدى الغرف فكوا قيودي وخلعوا ملابسي، وألبسوني محلها ثياب السجن الزرقاء، واخذوني الى مكتب وانا في حالة إعياء تام. اجلسوني على كرسي، وسمعت شخصا يقول سنبدأ التحقيق معك الآن. وبدأ يسألني عن اسمي وعملي وأسرتي وسفري خارج مصر. وجو الزنزانة كان سيئا للغاية. ورغم تركي بدون غماية، إلا ان الزنزانة كانت عبارة عن جحيم في الصيف. تكاد الحرارة تقترب فيها من نصف درجة الغليان أي 50 مئوية اما في الشتاء، فكانت تقترب من تحت الصفر، مما ادى الى اصابتي بالروماتيزم وهشاشة العظام. استمر التحقيق معي اكثر من سبعة اشهر كاملة أي من 18 فبراير2003 إلى 14 سبتمبر (ايلول) 2003. ومرت الأشهر السبعة كأنها سبع سنوات. تألمت فيها وتعذبت. لم يكن مسموحا اطلاقا قراءة الصحف والمجلات وسماع الاخبار. كان كل شيء ممنوعا. كنت اسلي نفسي بان الحكومة الايطالية لن تتخلى عني، وان السفير الايطالي سيأتي لزيارتي، باعتباري مواطناً ايطالياً، ولكن لم يتحقق شيء من تلك التمنيات. أبلغوني انهم سينقلونني الى مكان آخر. اعتقدت ان الفرج جاء، وانهم سينقلونني الى المطار تمهيدا لترحيلي الى ايطاليا. سارت السيارة نحو ساعة وتوقفت أمام احد المباني. امروني بالنزول. عرفت بعد ذلك ان المكان الجديد هو جهاز امن الدولة في مدينة نصر. الزنزانة كانت مساحتها مترين طولا ومترا وربعا عرضا. ليس بها فتحات تهوية اطلاقا باستثناء شفاط هواء. وفي الداخل بطانية واحدة، والزنزانة تحت الارض لا يعرف منها الليل والنهار. لم اكن اعرف اوقات الصلاة، ولا اتجاه القبلة. جلست في هذا المكان سبعة اشهر ونصف الشهر. كان التحقيق مرتين يوميا من الساعة 11 ظهرا الى العصر، ثم من التاسعة ليلا حتى قبل الفجر. كانوا يقولون لي ان ايطاليا هي التي قامت بتسليمك الى مصر، ولن يأتي أحد من روما لتخليصك مما انت فيه. كانوا يتأكدون من وضع الغماية فوق عينيَّ حتى لا أشاهد الضابط اثناء التحقيقات معي». وتحدث ابو عمر عن الافراج في شهر ابريل (نيسان) عام 2004، وتعهده بعدم الحديث عما جرى له. ثم عاد الى بيته واهله في الاسكندرية، وبقيَّ 20 يوما، لكنه اتصل بزوجته واصدقائه في اوروبا وحكى لهم ما حدث له من لحظة الخطف الى الاحتجاز في مصر. ثم تم اعتقاله مرة اخرى. ويقول ان ضابط أمن منحه ما يسمى «اللاءات»، وهي ممنوع عليه الذهاب الى مساجد الجماعة الاسلامية، أو الاتصال باوروبا، أو السفر، أو الخطابة في المساجد، أو التنقل خارج الاسكندرية، قبل اعتقاله بصورة نهائية في سجن طرة. وكان القضاء الايطالي قد أنهى في اكتوبر (تشرين الاول) الماضي تحقيقه في عملية خطف الإمام السابق لمسجد ميلانو اسامة مصطفى ونقله من قبل الاستخبارات الاميركية الى مصر حيث تعرض للتعذيب. وأجرت الحكومة الايطالية حملة تغييرات في قيادة اجهزة الاستخبارات، حيث أقالت رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الجنرال نيكولو بولاري، الذي وجه اليه القضاء الاتهام بالتواطؤ في خطف ابو عمر بواسطة الاستخبارات الاميركية.

التعليقات