اتصالات الساعة الأخيرة والتهديدات المتبادلة أنقذت سراي الحكومة في بيروت من حصار كامل
غزة-دنيا الوطن
كانت غنى الحريري تركب في سيارة إسعاف يوم 16 فبراير (شباط) 2005، وبجانبها وضع تابوت ملفوف بعلم لبنان. وفي داخله كان جثمان عمها رفيق الحريري الذي قتل مع 22 شخصا في انفجار قنبلة خلال مرور موكبه بشارع مواز لشاطئ البحر المتوسط. كانت السيارة متجهة صوب مسجد محمد الأمين في ساحة الشهداء ببيروت. بدت لها الشوارع مزدحمة بمئات الآلاف من الناس الذين احتشدوا لجنازة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق.
قالت غنى الحريري، 27 سنة، متذكرة: «إنها خسارة لا يمكنك أن تعبر عنها. أنا لا أستطيع أن أشرح كيف كنت أشعر. إنه وقت سريالي بالنسبة لي. لكنني حينما كنت أنظر إلى ردود فعل المتجمهرين ولما حدث كنت أفكر أن شيئا حسنا سيأتي من كل ذلك».
فكرت آنذاك: لبنان يعود إلى الحياة.
يوم مقتل الحريري ودفنه صارا يوما خاصا هو «14 آذار»، حيث جرت أكبر مظاهرة في تاريخ لبنان. وخلالها تقاربت أطراف سياسية عديدة للاحتجاج على الوجود العسكري السوري في لبنان والذي طال 29 عاما ودوره المشتبه به في قتل الحريري. كذلك شارك الكثيرون في الدعوة إلى لبنان جديد يتجاوز الخلافات السياسية التي استغرقت عقودا عديدة، والحواجز الطائفية التي شكلتها الحرب الأهلية الأخيرة، وتقليد انتقاء المسؤولين على أسس لا علاقة لها بالكفاءة والفساد. وبالنسبة للأشخاص الذين شاركوا في تلك المظاهرة أصبح التاريخ نفسه رمزا بحد ذاته.
لكن بعد عامين تقريبا أصبح «14 آذار» يمثل شيئا آخر: أقل من أن يكون يوم ولادة وطن جديد أصبح خط تماس بين خندقين غاضبين ومتشككين ببعضهما البعض. فبدلا من انبعاث لبنان جديد أصبح لبنان حاملا لعلامة حرب باردة قائمة داخله، حيث الحكومة ومناصروها يقفون ضد معارضة قوية يقودها حزب الله وحلفاؤه، وكل طرف له منظوره ورعاته الأجانب، وكل طرف ميال إلى الدفع لتحقيق مكاسب أكثر على حساب الطرف الآخر.
مروان حمادة وزير الاتصالات الهاتفية الذي كان هدفا لمحاولة اغتيال يوم 1 اكتوبر 2004 قال «إنها لحظة، تحولت بعد ذلك إلى خط سياسي. إنها اللحظة التي رسمت الخط الفاصل بيننا وبينهم».
يمكن القول إن مصير حركة «14 آذار» هي قصة خيبة الأمل ومشاعر الضيق، ذيلتها معارك سياسية، واغتيالات وحرب الصيف الماضي مع إسرائيل. كذلك سببت الصدامات مزيدا من الفرقة داخل الوطن الذي يسير صوب مأزق لا خروج منه، وفيه تظل مكونات الصراع تتحرك وفق إرشادات قوى أجنبية. كل ذلك جعل الصراع يأخذ شكلا حاسما: أي ربح لأحد الطرفين يؤدي إلى خسارة الطرف الآخر. واليوم يحدق هذان اللبنانان ببعضهما البعض عبر الأسلاك الشائكة التي تحيط بالمبنى الواقع في ساحة الشهداء ببيروت.
قبل اغتيال رفيق الحريري كانت نيكول فياض، 42 سنة، المحاسبة في مدرسة تقع بمنقطة بادرو، لا تعتبر نفسها شخصا معنيا بالسياسة. لكن رد فعلها كان مثل الكثير من سكان بيروت تجاه عملية الاغتيال، حيث تملكها الغضب الشديد على حجم التفجير الذي وقع في ذلك الاعتداء. وفي اليوم الذي تلا التشييع لبت طلب رسالة على الهاتف الجوال كي تشارك في مظاهرة احتجاج بساحة الشهداء. وحضر 50 شخصا معها لكن بعد 10 دقائق انسحب نصف الحاضرين، «قلنا يجب أن نعمل شيئا».
ثم جاءت الفكرة: كتب أحدهم بقلم أخضر: «اسْتقل» وهي رسالة إلى الحكومة.
وبعد ساعات قليلة تنامى العدد كي يصبح مساويا لعدد جمهور في ملعب لكرة القدم: وبدأت ترتفع رسائل أكثر مع توقيعات على رسائل احتجاج. وبعد أيام أصبحت فياض وأصدقاؤها نواة لمجموعة نظمت ما عرف بحملة الاحتجاج التي استمرت بدون توقف لمدة 66 يوما. وطالب المشاركون باستقالة الحكومة مع البدء بإجراء تحقيق دولي حول اغتيال الحريري وإنهاء السيطرة السورية على لبنان.
لكن التظاهرات لم تتمكن من جذب الشيعة الذين يقال انهم يشكلون أكبر طائفة في لبنان، والتي يمثلها بالدرجة الأولى حزب الله. واستمرت هذه الحملة خلال مارس (آذار) وأبريل (نيسان) وانتهت بسحب سورية لقواتها من لبنان. وتمكنت فياض وعدد آخر من منظمي الاحتجاجات أن يستثمروا قوة العفوية التي تمتلكها حركة شعبية تحركت لوقت ما بشكل مستقل عن قادة لبنان الطائفيين. في السابع من مايو (أيار) وبعد اسبوع من انتهاء الاعتصام في ساحة الشهداء شهد لبنان عودة ميشيل عون، الجنرال السابق، ورئيس الوزراء العسكري في فترة الحرب الأهلية والزعيم المسيحي الذي ارغم على التوجه الى المنفى عندما عززت سورية هيمنتها على البلاد عام 1990.
وبالنسبة لأتباعه، الذين أدين الكثير منهم عندما كانت سورية تقبض على لبنان، كان الحدث يشير الى وصول رجل قارنوه بشارل ديغول: مستعد لإعادة صياغة السياسة بوعوده الشعبوية لتغيير الأوضاع الاستثنائية في لبنان. وبالنسبة لخصومه كان «نابلعون» الشخصية التي لا يمكن التكهن بتصرفاتها والذي شن اكثر المعارك دموية في فترة الحرب الأهلية أولا ضد سورية وثانيا ضد أقرانه المسيحيين.
ووصف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط عودة عون بينما كان الأخير يتوجه من باريس بالطائرة بانها مثل «تسونامي». وأجاب الجنرال عون البالغ 71 عاما «انه على حق من زاوية معينة. أنا لا أرفض ذلك».
وكانت هناك عبارة صاغها رئيس وزراء لبناني سابق تقول شيئا ما بشان السياسة في لبنان وهي: في لبنان «لا غالب ولا مغلوب». وهي تعبر عن ضرورة الاجماع الطائفي في بلد فيه 18 جماعة اكبرها الشيعة والسنة والمسيحيون المارونيون والدروز، وغالبا ما تكون فاعلة في الفيتو على القضايا السياسية. ولكنها تروي ايضا عن العوائق التي اثقلت ماضي لبنان عندما انهار ذلك الاجماع، في أزمة عام 1958، وفي بداية الحرب الأهلية عام 1975، وفي الوقت الحالي بالطبع. وفي كل منعطف يجري التساؤل عن هوية البلاد: موقفها تجاه اسرائيل، وما إذا كانت تميل باتجاه الغرب أو الشرق، وما اذا كانت تقف الى جانب الولايات المتحدة او الى جانب خصومها، وأية جماعة سيكون لها القول الفصل في نظام يبقى محكوما بالتركيبة الطائفية.
*واشنطن بوست
كانت غنى الحريري تركب في سيارة إسعاف يوم 16 فبراير (شباط) 2005، وبجانبها وضع تابوت ملفوف بعلم لبنان. وفي داخله كان جثمان عمها رفيق الحريري الذي قتل مع 22 شخصا في انفجار قنبلة خلال مرور موكبه بشارع مواز لشاطئ البحر المتوسط. كانت السيارة متجهة صوب مسجد محمد الأمين في ساحة الشهداء ببيروت. بدت لها الشوارع مزدحمة بمئات الآلاف من الناس الذين احتشدوا لجنازة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق.
قالت غنى الحريري، 27 سنة، متذكرة: «إنها خسارة لا يمكنك أن تعبر عنها. أنا لا أستطيع أن أشرح كيف كنت أشعر. إنه وقت سريالي بالنسبة لي. لكنني حينما كنت أنظر إلى ردود فعل المتجمهرين ولما حدث كنت أفكر أن شيئا حسنا سيأتي من كل ذلك».
فكرت آنذاك: لبنان يعود إلى الحياة.
يوم مقتل الحريري ودفنه صارا يوما خاصا هو «14 آذار»، حيث جرت أكبر مظاهرة في تاريخ لبنان. وخلالها تقاربت أطراف سياسية عديدة للاحتجاج على الوجود العسكري السوري في لبنان والذي طال 29 عاما ودوره المشتبه به في قتل الحريري. كذلك شارك الكثيرون في الدعوة إلى لبنان جديد يتجاوز الخلافات السياسية التي استغرقت عقودا عديدة، والحواجز الطائفية التي شكلتها الحرب الأهلية الأخيرة، وتقليد انتقاء المسؤولين على أسس لا علاقة لها بالكفاءة والفساد. وبالنسبة للأشخاص الذين شاركوا في تلك المظاهرة أصبح التاريخ نفسه رمزا بحد ذاته.
لكن بعد عامين تقريبا أصبح «14 آذار» يمثل شيئا آخر: أقل من أن يكون يوم ولادة وطن جديد أصبح خط تماس بين خندقين غاضبين ومتشككين ببعضهما البعض. فبدلا من انبعاث لبنان جديد أصبح لبنان حاملا لعلامة حرب باردة قائمة داخله، حيث الحكومة ومناصروها يقفون ضد معارضة قوية يقودها حزب الله وحلفاؤه، وكل طرف له منظوره ورعاته الأجانب، وكل طرف ميال إلى الدفع لتحقيق مكاسب أكثر على حساب الطرف الآخر.
مروان حمادة وزير الاتصالات الهاتفية الذي كان هدفا لمحاولة اغتيال يوم 1 اكتوبر 2004 قال «إنها لحظة، تحولت بعد ذلك إلى خط سياسي. إنها اللحظة التي رسمت الخط الفاصل بيننا وبينهم».
يمكن القول إن مصير حركة «14 آذار» هي قصة خيبة الأمل ومشاعر الضيق، ذيلتها معارك سياسية، واغتيالات وحرب الصيف الماضي مع إسرائيل. كذلك سببت الصدامات مزيدا من الفرقة داخل الوطن الذي يسير صوب مأزق لا خروج منه، وفيه تظل مكونات الصراع تتحرك وفق إرشادات قوى أجنبية. كل ذلك جعل الصراع يأخذ شكلا حاسما: أي ربح لأحد الطرفين يؤدي إلى خسارة الطرف الآخر. واليوم يحدق هذان اللبنانان ببعضهما البعض عبر الأسلاك الشائكة التي تحيط بالمبنى الواقع في ساحة الشهداء ببيروت.
قبل اغتيال رفيق الحريري كانت نيكول فياض، 42 سنة، المحاسبة في مدرسة تقع بمنقطة بادرو، لا تعتبر نفسها شخصا معنيا بالسياسة. لكن رد فعلها كان مثل الكثير من سكان بيروت تجاه عملية الاغتيال، حيث تملكها الغضب الشديد على حجم التفجير الذي وقع في ذلك الاعتداء. وفي اليوم الذي تلا التشييع لبت طلب رسالة على الهاتف الجوال كي تشارك في مظاهرة احتجاج بساحة الشهداء. وحضر 50 شخصا معها لكن بعد 10 دقائق انسحب نصف الحاضرين، «قلنا يجب أن نعمل شيئا».
ثم جاءت الفكرة: كتب أحدهم بقلم أخضر: «اسْتقل» وهي رسالة إلى الحكومة.
وبعد ساعات قليلة تنامى العدد كي يصبح مساويا لعدد جمهور في ملعب لكرة القدم: وبدأت ترتفع رسائل أكثر مع توقيعات على رسائل احتجاج. وبعد أيام أصبحت فياض وأصدقاؤها نواة لمجموعة نظمت ما عرف بحملة الاحتجاج التي استمرت بدون توقف لمدة 66 يوما. وطالب المشاركون باستقالة الحكومة مع البدء بإجراء تحقيق دولي حول اغتيال الحريري وإنهاء السيطرة السورية على لبنان.
لكن التظاهرات لم تتمكن من جذب الشيعة الذين يقال انهم يشكلون أكبر طائفة في لبنان، والتي يمثلها بالدرجة الأولى حزب الله. واستمرت هذه الحملة خلال مارس (آذار) وأبريل (نيسان) وانتهت بسحب سورية لقواتها من لبنان. وتمكنت فياض وعدد آخر من منظمي الاحتجاجات أن يستثمروا قوة العفوية التي تمتلكها حركة شعبية تحركت لوقت ما بشكل مستقل عن قادة لبنان الطائفيين. في السابع من مايو (أيار) وبعد اسبوع من انتهاء الاعتصام في ساحة الشهداء شهد لبنان عودة ميشيل عون، الجنرال السابق، ورئيس الوزراء العسكري في فترة الحرب الأهلية والزعيم المسيحي الذي ارغم على التوجه الى المنفى عندما عززت سورية هيمنتها على البلاد عام 1990.
وبالنسبة لأتباعه، الذين أدين الكثير منهم عندما كانت سورية تقبض على لبنان، كان الحدث يشير الى وصول رجل قارنوه بشارل ديغول: مستعد لإعادة صياغة السياسة بوعوده الشعبوية لتغيير الأوضاع الاستثنائية في لبنان. وبالنسبة لخصومه كان «نابلعون» الشخصية التي لا يمكن التكهن بتصرفاتها والذي شن اكثر المعارك دموية في فترة الحرب الأهلية أولا ضد سورية وثانيا ضد أقرانه المسيحيين.
ووصف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط عودة عون بينما كان الأخير يتوجه من باريس بالطائرة بانها مثل «تسونامي». وأجاب الجنرال عون البالغ 71 عاما «انه على حق من زاوية معينة. أنا لا أرفض ذلك».
وكانت هناك عبارة صاغها رئيس وزراء لبناني سابق تقول شيئا ما بشان السياسة في لبنان وهي: في لبنان «لا غالب ولا مغلوب». وهي تعبر عن ضرورة الاجماع الطائفي في بلد فيه 18 جماعة اكبرها الشيعة والسنة والمسيحيون المارونيون والدروز، وغالبا ما تكون فاعلة في الفيتو على القضايا السياسية. ولكنها تروي ايضا عن العوائق التي اثقلت ماضي لبنان عندما انهار ذلك الاجماع، في أزمة عام 1958، وفي بداية الحرب الأهلية عام 1975، وفي الوقت الحالي بالطبع. وفي كل منعطف يجري التساؤل عن هوية البلاد: موقفها تجاه اسرائيل، وما إذا كانت تميل باتجاه الغرب أو الشرق، وما اذا كانت تقف الى جانب الولايات المتحدة او الى جانب خصومها، وأية جماعة سيكون لها القول الفصل في نظام يبقى محكوما بالتركيبة الطائفية.
*واشنطن بوست

التعليقات