حماس تصوغ مبادرة جنيف خاصة بها من اجل رفع المقاطعة الاوروبية

حماس تصوغ مبادرة جنيف خاصة بها من اجل رفع المقاطعة الاوروبية

عمير بيرتس وزير دفاع فاشل وهذا سيجعله يفشل كذلك في قيادة حزبه



فلتذهب مسيرتي المهنية الي الجحيم ، قال لي احد كبار قادة هيئة الاركان في هذا الاسبوع. في نهاية المطاف سنتحول كلنا الي لافتة صغيرة في آخر رواق جانبي .

هذا تجسيد واحد من تعابير كثيرة لمشاعر الاحباط التي تستشري في قيادة الجيش الاسرائيلي. جهاز الدفاع يمر الآن في احدي الفترات الأكثر غرابة في تاريخه. للوهلة الاولي يبدو ان كل شيء علي ما يرام. بعد الحرب شكل الجيش 50 لجنة تحقيق. بعضها أنهي عمله والبعض الآخر في طور الانهاء. في الايام القريبة سيعقد رئيس هيئة الاركان اجتماعا لطاقم القيادة العامة لمدة يومين للتباحث في دروس الحرب. وزير الدفاع سيلقي خطابا، ورئيس هيئة الاركان سيقول كلمته ودروس الحرب ستتحول الي خطة عمل.

ولكن هناك فجوة سحيقة من تحت ذلك كله. وزير الدفاع يعمل اعمالا شاقة. في الطابق الرابع عشر من وزارة الدفاع حيث يوجد ديوانه تبقي الأضواء مشتعلة طوال النهار حتي ساعات الفجر الباكرة. يعكفون هناك علي التحضير للحرب. ليست حربا مع ايران، لا سمح الله، ولا ايضا مع سورية، بل حربا حول منتسبي حزب العمل.

بامكان اسرائيل أن تتدبر أمرها مع وزير دفاع بوظيفة جزئية. في الفترات الطويلة التي كان فيها رئيس الوزراء (بن غوريون، اشكول، بيغن، رابين، بيريس، باراك) يتولي حقيبة الدفاع، لم يكن يكرس للمنصب أكثر من يومين في الاسبوع، ويومان آخران خُصما لانه لم يكن مضطرا لمنافسة وزير دفاع آخر.

من الأكثر صعوبة تدبر الامور عندما يكون وزير الدفاع غائبا ـ حاضرا. عمير بيرتس يجلس في المداولات العسكرية ويتثاءب. هو نام لفترة قليلة جدا ليس بسبب الضغوط أو الأعباء وانما بسبب السلوك الذي حمله معه من الساحة السياسية. يوم السياسي الاسرائيلي طويل واعماله قصيرة، وحتي عندما ينتهي جدوله الزمني الرسمي قُبيل الفجر، فهو يرفض الخروج من مكان العمل.

عندما جاء وقت بن غوريون للتحول من قائد سياسي الي قائد عسكري، قام بوضع كل انشغالاته جانبا، وقام بعملية دراسة معمقة وأجري المقابلات مع الناس وقرأ الكتب والوثائق ودرس كل ما يتوجب عليه أن يدرسه حول الاحتياجات الأمنية. بيرتس يملك مزايا خاصة به، ولكنه لا يمتلك علي ما يبدو الفضول الذي تميز به بن غوريون. هو سقط في داخل هذا المنصب ولم يتمكن في اطار العجالة من بلورة رؤيته الاستراتيجية. في هذا الاسبوع عقد لقاء ثانيا مع دان مريدور، الذي قام بعمل كبير لبلورة الرؤية الأمنية الاسرائيلية.

القرارات الفورية التي يضطر وزير الدفاع الي اتخاذها بعيدة عن قلبه، المواد الاستخبارية المكتوبة التي اضطرت أسلافه للجلوس عدة ساعات يوميا لقراءتها لا تثيره ولا تجذبه. الاسباب التي تطرح في القرارات حول عمليات الاغتيال الممركزة غريبة عليه. هذا أحد التناقضات في الحروب التي تديرها اسرائيل: مثلما قال لي أحد قادة الشاباك ذات مرة يتداولون اربع ساعات في كيفية تنفيذ عملية الاغتيال ويخصصون نصف دقيقة فقط لاختيار الشخص الذي سيتم اغتياله.

جهاز الدفاع يدير الآن معركته السنوية حول الميزانية. الوزير عادة يكون في هذه المعركة رأس الحربة. بيرتس يدخل المعركة كمن أصابه المس. الدبابة، هو يقول، لا تقف في مواجهة المجتمع. ولكن الحقيقة هي أن الدبابة تواجه المجتمع فعلا. هذه عصا ذات طرفين، وبيرتس يجد صعوبة في الامساك بها من المنتصف. بيرتس متمسك بالمنصب لانه مقتنع أنه اذا لم يكن وزيرا للدفاع فسيخسر في المنافسة علي زعامة حزب العمل، وعندئذ سيخسر كل شيء. هو يُصر علي الريادة من اجل حفنة قمح.

أسلافه ايضا لم يترفعوا عن التركيز علي السياسات الحزبية. بعض تعييناتهم السياسية كانت فضائحية (رابين، مثلا، عين صهره عضوا في مجلس ادارة الصناعات الجوية)، ولكن اغلبيتهم حرصت علي إبقاء السياسة في الهامش. أما عند بيرتس فالسياسة قد رفعت رأسها. المشكلة ليست في قراراته الفردية وانما في السيطرة علي القرارات السياسية وعلي أجندته.

الجيش يريد بناء سجن عسكري في بيت نبالا. أهالي شوهم المجاورة غير راضين. رئيس مجلس شوهم، غال لفني، عضو حزب العمل، اشتكي فتم تجميد بناء السجن.

الجيش يسعي الي نقل مصنعه من بيت شآن الي مفترق غولاني. اللجنة العمالية احتجت وتم تجميد الخطوة (ايهود باراك وشاؤول موفاز قاما في السابق بخطوات مشابهة).

الجيش أراد شراء كميات كبيرة من الجيبات الامريكية. الميزانية لم تحصل علي المصادقة بعد، ولكن عمال المصنع في الناصرة حيث يقومون بتركيب الجيب سوفا احتجوا بشدة. المصنع الاسرائيلي خفض التكلفة. الجيش قال حسنا، والآن سنري اذا كانت لدينا ميزانية. ولكن أوامر بيرتس كانت حازمة: التوقيع علي الاتفاق مع المصنع في الناصرة.

قبل اسابيع قليلة وصل وزير الدفاع لزيارة الصناعات الجوية. الصناعات الجوية كانت علي الدوام ساحة لعب خاصة لوزراء الدفاع، ولكن بيرتس واجه مشكلة: رئيس مجلس العمال هناك هو (ليكود) حاييم كاتس، الذي كان شريكه في قائمة عام أحاد وتحول الي عدو له. ولكن لحسن الحظ يترأس اللجنة العمالية في فرع تحسين الطائرات لاهف حاييم أزولاي، خصم كاتس وحليف بيرتس.

من المهم لبيرتس أن يقوم عمال الصناعات العسكرية (أكثر من 3500 عامل) بالانتساب لحزب العمل والتصويت له. في الاسبوع الماضي صرح بيرتس عن خطة لدمج الصناعات العسكرية مع رفائيل. علي الورق قد يؤدي هذا الدمج الي انقاذ الشركة التي تمر بمصاعب منذ سنوات طويلة. ولكن القرار خرج بتسرع من اليد الي الفم، واحتمالية تنفيذه ضئيلة جدا.

بيرتس تورط في سلسلة إقالات كانت كل واحدة منها مشروعة، ولكنها معا تضخمت لتصل الي مستوي القضية. هو أراد إزاحة افيغدور كهلاني الذي كان تعيينا سياسيا من الليكود، واخراجه من القسم الأمني ـ الاجتماعي في وزارة الدفاع (شعبة الشبيبة والناحل سابقا)، وتعيين يوئيل مهرشيك من الحركة الكيبوتسية بدلا منه. كما أراد أن يُقيل أمنون بن عامي، وتعيين الدكتور آفي بيتسور، من قادة عام أحاد مكانه.

خلال اشهر طويلة امتنع بيرتس عن تعيين مجالس ادارية للشركات الحكومية. الآن عندما أصبحت الانتخابات التمهيدية علي الأبواب امتلأت القوائم بنشطاء الحزب. اغلبيتهم لن يُنتخبوا لانهم لا يمتلكون القدرات ولكن مع ذلك سيعرفون كيف يكتسبونها بعد الانتخابات في حزب العمل.

دخولهم القيادة السياسية أثار فضولا لا بأس به في العالم. لا تسنح الفرصة للقادة الاجانب بالالتقاء دائما مع قائد عمالي من الضواحي يحمل أفكارا حمائمية. ولكن بيرتس أهدر ذلك ايضا. الاجانب يسمعون منه نفس الخطاب الدائم الذي لا يوجد بعده أي شيء تقريبا: لا يتبادل معهم الآراء ولا يهتم بما يحدث عند الآخرين. عندما كانت رايس هنا مؤخرا تجاوزت هذه الطقوس الجامدة التي يتبعها بيرتس وبدا أن الجانبين خرجا من اللقاء راضيين.

بيرتس محاط بمستشارين سياسيين بوظيفة أو من دون وظيفة. مستشارته الأكثر تأثيرا هي علي الاغلب راحيل ترجمان. المشكلة هي أن الاستشارة السياسية التي يتلقاها بيرتس لا تفيده. قرار الدخول في مصيدة العسل التي أعدها له اولمرت في وزارة الدفاع كان خاطئا. الوضع الذي نشأ الآن يشير الي أن بيرتس لا يملك خيارا إلا أن يغرق كله حتي رأسه في صراع بقاء داخل حزبه. الطريقة التي يفعل بها ذلك تشير الي أنه لن يكون حتي وزير دفاع حقيقيا ولا مرشحا. في نهاية المطاف سيفقد كرامته كوزير دفاع ويخسر احتمالات الفوز.

مشكلة بيرتس تقود الكثيرين في الجيش وخارجه الي استنتاج بأن جنرالا متقاعدا فقط يستطيع ان يكون وزيرا للدفاع. في حزب العمل هناك اثنان حتي ثلاثة مرشحين علي هذه الشاكلة إن لم نقل أكثر.

هذا خطأ. مقعد وزير الدفاع ليس حِكرا علي العسكريين. هو مفتوح أمام الجميع تحت شرط واحد: هذا الكرسي ليس خُردة.

في اطار الصفقة التي عقدها بيرتس مع اولمرت، حصل في الآونة الأخيرة علي رئاسة ثلاث لجان وزارية في الشؤون الاجتماعية. وزير كان قد التقي معه في نقاش في احدي اللجان قال لي بأن اسم بيرتس ينتعش. هو مطلع علي المواد والمعلومات ويعرف الاشخاص ويُبدي الاهتمام. بعد ذلك يدخل الي النقاش الأمني ويغفو.

جنيف حماس

الصحافي الامريكي توماس فريدمان كتب في هذا الاسبوع لقراء نيويورك تايمز 15 قاعدة لمساعدتهم في فهم الواقع في الشرق الاوسط. القاعدة الاولي: في واشنطن يكذبون علانية، أما الحقيقة فيقولونها في السر، خارج السجلات. في الشرق الاوسط تكون اللعبة عكسية: ما يقولونه علانية يعبر عن النوايا الحقيقية، وفي الآذان يُحدثون الناس بما يريدون سماعه وليس بالحقيقة.

الورقة التي وصلت الي يدي في هذا الاسبوع هي نموذج كلاسيكي للغرابة الشرق اوسطية. هذه مسودة اتفاق سري صاغه وفد حماس برئاسة الدكتور احمد يوسف، مستشار رئيس الوزراء اسماعيل هنية، السياسي. الاتفاق تبلور في المحادثات التي أجراها الوفد مع جهات سويسرية وبريطانية ونرويجية. هنية أعطي موافقته. وفقا لمعلوماتي، خالد مشعل ايضا بارك الخطوة. مسودة اخري مختلفة قليلا أُعدت قبل ايام قلائل. هذه الوثيقة تبدو وثيقة مذهلة في اعتدالها. جنيف حماس ، كما سماها أحد المراقبين الفلسطينيين. العنوان هو اقتراح لبلورة شروط ملائمة لانهاء الصراع . حماس تقترح الاعلان عن خمس سنوات هدنة:

خلال هذه الفترة.

1 ـ لا يقوم الفلسطينيون بمهاجمة أهداف في اسرائيل ولا يهاجم الاسرائيليون أي مكان، واسرائيل لا تهاجم أهدافا فلسطينية.

2 ـ اسرائيل تنسحب الي الخط الذي يتم الاتفاق عليه في داخل المناطق.

3 ـ اسرائيل تكف عن اعمالها الاستيطانية في المناطق ولا تقوم بشيء لتغيير الوضع هناك.

4 ـ الفلسطينيون يحصلون علي حرية الحركة في شرقي القدس والضفة ومنها الي غزة والاردن ومصر.

5 ـ توضع رقابة دولية علي الخروقات التي تُرتكب في اتفاق وقف اطلاق النار.

بالاضافة الي وقف اطلاق النار سيتم تطوير العلاقات التجارية بين اسرائيل والفلسطينيين، وتُقام مناطق صناعية مشتركة، وميناء ومطار في غزة، ويتم اطلاق سراح كل السجناء السياسيين.

الفلسطينيون يتعهدون بأن لا تصل الاموال التي ستحصل عليها حكومتهم الي حماس، وتكون هناك شفافية كاملة في استخدام الاموال التي تصل الي الحكم الفلسطيني والي المؤسسات الدينية.

الورقة لا تتحدث عن اعتراف صريح من حماس باسرائيل، ولكن كل بند فيها يعبر عن الاعتراف والتعاون، قولا وفعلا. حماس تظهر في هذه الوثيقة كصورة خجولة عن حركة فتح: هي تريد أن تسير مع اسرائيل وأن تشعر أنها بدونها، تريد عقد علاقات عاطفية معها ولكنها تود أن تبقي عذراء.

لو كانت هناك علاقة بين هذه الورقة وبين ما يقوله هنية ومشعل علانية، لكان من الممكن القول أن حماس قد بدأت اجراءات التهويد. كان بامكان الورقة أن تشكل قاعدة لمفاوضات حثيثة بين حكومة اسرائيل وحكومة حماس، ومن ثم الدخول لخمس سنوات في جنة عدن.

ولكن لا علاقة لذلك الآن. المحادثات التي تجريها قيادة حماس مع الاوروبيين الطيبين لا تهدف إلا الي تخفيف المقاطعة الاقتصادية الاوروبية لحكومة حماس. المقاطعة تقلق حماس، ولكنها ليست مقلقة لهم في هذه المرحلة بدرجة تدفعهم الي التوصل الي تسوية حقيقية مع اسرائيل.

عندما تصل ورقة سرية عبر الفاكس يرقص قلب كل صحافي، ويصل الي السماء. الأوراق مثيرة للانفعال. إلا ان السلوك العلني هو الذي يحدد المجريات.

ناحوم برنياع

محلل رئيسي في الصحيفة

(يديعوت احرونوت)

التعليقات