يديعوت:اسرائيل تقف مكتوفة الأيدي أمام الصراعات الداخلية الفلسطينية

اسرائيل تقف مكتوفة الأيدي أمام الصراعات الداخلية الفلسطينية والدعوات السورية للمصالحة وقريبا ستجد نفسها في مجابهة مع الجانبين اللذين فقدا الأمل بالخيار السياسي



مليار شيكل في الشهر. 12 مليارا في السنة ـ هذا هو الثمن الذي ستدفعه اسرائيل اذا عادت الي ادارة حياة الفلسطينيين في المناطق. هذه ليست أرقاما في الهواء. هذه حسابات داخلية تجري في السر داخل أروقة جهاز الدفاع كجزء من احتمالية أن تجد اسرائيل نفسها مسؤولة مرة اخري عن حياة الفلسطينيين في الضفة وغزة. صحيح أن هذه الاحتمالية غير واردة في حسابات ديوان رئيس الوزراء، ولكن الاحتمال أصبح مقنعا في أجزاء لا بأس بها من الجيش. سيكون علينا أن نعود الي القطاع.

في قيادة المنطقة الجنوبية يتابعون بقلق سلسلة لا بأس بها من المعطيات التي ترد حول ما يحدث داخل قطاع غزة. علي سبيل المثال، يتبين أن كمية الاسمنت ومواد البناء التي دخلت الي القطاع خلال الشهر والنصف الأخيرين قد ازدادت بنسبة 20 ـ 25 في المئة. من الصعب الافتراض أنه في الفترة التي تندلع فيها المجابهات في الشارع الفلسطيني تحديدا، يقرر طرف ما فجأة استئناف بناء البني التحتية والمجاري وصرف الاموال علي البناء العام. كما أنه طرأ تباطؤ علي النشاط الاقتصادي في القطاع بسبب المجابهات الداخلية. في فرقة غزة يترجمون هذا النهم للاسمنت علي أنه يرمي الي بناء التحصينات و المحميات الطبيعية علي الطراز اللبناني في شمالي القطاع وجنوبه.

ولكن أحدا ما في مقر الحكومة في القدس يفضل اغلاق فم الجيش. علي الضباط ألا يتحدثوا حول ما يجري في غزة. أطراف سياسية في اسرائيل تفضل التعامل مع المجابهات الفلسطينية الداخلية العنيفة علي أنها مجابهة بين قبيلتين غير معروفتين في سوازيلاند وليس كمجابهة سياسية حاسمة وحادة علي مسافة خمس دقائق من غرفة نوم كل واحد منا. التعليمات التي يتلقاها الجيش تتلاءم مع ذلك: من المحظور علينا، لا سمح الله، أن نظهر في صورة من يتدخل لصالح طرف دون آخر. ولكن فعليا، من خلف هذه التعليمات يختبيء في الواقع عدم الفعل المطبق. حكومة اسرائيل لا تفعل أي شيء. تجلس مكتوفة الأيدي محدقة بالفلسطينيين الذين يقاتلون بعضهم بعضا منتظرة حدوث الأعجوبة. وكأن هذا الامر لا يتعلق بنا أو يمسنا. وكأنه لا تحدث في غزة معركة حسم ستؤثر بالضرورة علي حياتنا.

التعرضات الفلسطينية الداخلية قد تؤدي الي حدوث عدة اوضاع متطرفة. الامكانية الاولي: انهيار السلطة ومغادرة أبو مازن للساحة وحل الحكومة الفلسطينية واندلاع حالة من الفوضي. اسرائيل تُجتذب الي هذا الفراغ باعتبارها مسؤولة عن السكان الفلسطينيين. وبالفعل، في المحادثات التي جرت مؤخرا مع وزير الاستخبارات المصري عمر سليمان وأعوانه، عبر المصريون عن يأس مطبق من الوضع الحالي، سواء لأن أبو مازن يجد صعوبة في الامساك بالخيوط، وخلال عام حسب تقديراتهم قد ينهي منصبه السياسي، أو بسبب عدم تجربة أتباع حماس السياسية الذين يقودون السلطة الي الكارثة، حسب رأي المصريين.

الوضع المتطرف الآخر: حماس تنجح في إخضاع فتح وتتحول الي الطرف المهيمن في المناطق. هذا الوضع بالنسبة لاسرائيل هو وضع سياسي ـ أمني جديد من نوعه.

وضع متطرف ثالث: في لحظات الضائقة والازمة الداخلية يبذل الفلسطينيون محاولات لجر اسرائيل الي الداخل، الي داخل المناطق، لمجابهة مسلحة. هم سيحاولون القيام باستفزازات كبيرة مثل الاطلاق المكثف لصواريخ القسام التي تصيب المواطنين الاسرائيليين، أو ضرب السياح في بيت لحم خلال عيد الميلاد، أو كل خطوة قد تجر اسرائيل الي رد عسكري مكثف ـ الامر الذي يُوحد الصفوف في الجانب الفلسطيني.

وبالمناسبة، كمية صواريخ القسام التي أطلقت علي اسرائيل منذ وقف اطلاق النار، وسقطت بصورة مؤكدة داخل اسرائيل، أقل مما تناقلته وسائل الاعلام. منذ السادس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) سقطت في اسرائيل عشرة صواريخ قسام وليس ثلاثين. هذه الصورة قد تتغير بصورة دراماتيكية عندما يقرر الفلسطينيون اجتذاب اسرائيل الي الداخل.

هذه الاوضاع المختلفة ليست خيالية بالمرة، الجيش يستعد لها. في قيادة المنطقة الوسطي مثلا يستعدون لوضعين أساسيين. الاول: وضع العودة الي الانتفاضة الشعبية. والثاني: اندلاع العنف مع انتفاضة شعبية الامر الذي يُجبر الجيش علي اعادة احتلال المدن الكبري في الضفة. أما في قيادة المنطقة الجنوبية فيستعدون لاوضاع أساسية اخري ملائمة للقطاع. مثل احتلال مربعات سكانية مختلفة بدءا من الاحتلال المحدود وانتهاء باحتلال كل القطاع. الملفات جاهزة، وهناك أسماء شيفرية للعمليات، والآن قد يبدأون في التدرب كما يجب.

في غضون ذلك تصبح غزة أقرب الي لبنان بصورة متزايدة. ليس فقط بسبب وجود عناصر حزب الله هناك، أو بسبب شهداء الأقصي الذين لم يعودوا ينتمون لفتح، وانما يتلقون رواتبهم وتعليماتهم مباشرة من حزب الله في لبنان، بل لأن طبيعة المجابهة الداخلية في غزة تُذكر جدا بما حدث في لبنان: ميليشيات مسلحة تنتمي لاحزاب سياسية وتقاتل بعضها بعضا في حرب الجميع ضد الجميع.

خطاب أبو مازن في السادس عشر من كانون الاول (ديسمبر) الذي دعا فيه في السياق الي انتخابات جديدة كان رصاصة البدء في العملية التي تهدف الي اسقاط حكومة حماس. ولكن، لا أبو مازن، ولا قيادة حماس ينوون التدهور الي وضع الحرب الأهلية. صورة الوضع أشبه بالسير علي الحافة حيث لا يرغب أحد في القفز داخل الهوة، وخوض مجابهة شاملة في حرب أهلية. اذا هناك مجابهات بين مجموعات مسلحة معروفة ومحددة تقاتل بعضها بعضا. ولكن هذا الصراع المسلح لم يجر المجتمع الفلسطيني كله.

انخفاض في شعبية حماس

ثلاثة استطلاعات نُفذت في هذا الاسبوع علي يد جهات استطلاعية فلسطينية، تشير الي التعادل بين أبو مازن ومنافسه المحتمل علي الرئاسة اسماعيل هنية. استطلاع مركز الشقاقي الذي أُجري في الثامن عشر من كانون الاول يشير الي تكافؤ تام (46 في المئة لأبو مازن و48 في المئة لهنية). ولكن عندما يضعون في الاستطلاع المرشحين الذين يحظون بالشعبية واحدا قبالة الآخر ـ مروان البرغوثي عن فتح وخالد مشعل عن حماس، يفوز البرغوثي بصورة ساحقة (57 في المئة للبرغوثي و36 في المئة لمشعل). 61 في المئة من الفلسطينيين وفقا لهذا الاستطلاع يؤيدون تقديم موعد الانتخابات. ولكن 48 في المئة منهم يريدون استقالة حكومة حماس، و47 في المئة يعارضون ذلك. أما بالنسبة للمجلس الوطني: 42 في المئة يؤيدون فتح، 32 في المئة حماس، 12 في المئة الاحزاب الاخري، و14 في المئة هي اصوات عائمة.

في الاستطلاع الذي أُجري يوم الاثنين من هذا الاسبوع بمبادرة المركز الفلسطيني للابحاث السياسية، ظهر انخفاض في شعبية حكومة حماس: 33 في المئة يؤيدونها، مقابل 42 في المئة قبل ثلاثة اشهر. ولكن الدعم الجماهيري لابو مازن قد انخفض هو الآخر: من 55 في المئة قبل ثلاثة اشهر الي 40 في المئة اليوم. كل الاستطلاعات تشير الي ان فتح وحماس تسيران كتفا الي كتف. الساحة فلسطينية ولكن اللعبة اقليمية. نحن هنا أمام مجابهة بين محورين. محور الولايات المتحدة واوروبا واسرائيل يقف من وراء أبو مازن، ومحور دمشق ـ طهران يقف من وراء حماس. زيارة هنية الأخيرة لهذه العواصم أظهرت هذا المحور بصورة علنية، ولكن الفلسطينيين هم مجرد أداة لعب هزلية في الحكاية السياسية. مصيرهم ليس هاما كثيرا لأي أحد. هم يطلقون النار علي بعضهم البعض؟ هذا ثمن الصراع بين قوي أكبر منهم. أهداف العنف هي بالأساس اجهزة الأمن في الجانبين. ولكن الضحايا ليسوا بالضرورة من الناس العسكريين. أولاد العقيد بعلوشة من المخابرات العامة قُتلوا علي أيدي أتباع حماس عن قصد وسبق إصرار. عناصر حماس الذين وقفوا في طريق سيارة بعلوشة نزلوا من السيارة وتأكدوا من قتل الاولاد. بعلوشة لم يُقم بيت عزاء لان الحساب بقي مفتوحا والانتقام آتٍ علي الطريق. الي العنف السياسي تضاف كذلك دائرة عنيفة اخري: دائرة عمليات الانتقام والثأر. وهذه مسألة سيكون من الصعب ايقافها.

في هذه المجابهة تم تجاوز الخطوط الحمراء كثيرا: اطلاق النار علي هنية وعلي وزير الدفاع وعلي وزير الخارجية وعلي مقر الرئاسة واختطاف سفيان أبو زايدة. بذور الفوضي قد زُرعت. التقدير في اسرائيل: العنف سيتواصل لمدة طويلة مع فترات هدوء علي شاكلة عمليات وقف اطلاق النار علي الطريقة الشرق اوسطية.

ليس في جيب ايران

الساحة الفلسطينية ليست الساحة الوحيدة التي تقترب اسرائيل فيها من مفترق طرق، ومع ذلك تفضل الجلوس وانتظار حدوث الأعجوبة. التقديرات الواردة في اسرائيل تشير الي ان سورية علي شفا الحسم. سورية سارت في مسارين حتي اليوم في مواجهة اسرائيل: المسار العسكري والمسار السياسي.

المسار العسكري يتحدث عن تعاظم القوة العسكرية وتحالف استراتيجي مع ايران ومؤامرات في لبنان ومساعدة ودفعة للارهاب في المناطق. أما المسار السياسي فهو مسار الرسائل السلمية التي تصدر عن وزير الخارجية وليد المعلم. في المسار السياسي توجد ايضا رسائل سرية لاسرائيل والولايات المتحدة، وتلميحات متنوعة من اجل التوضيح ان سورية لا تغلق الأبواب، وأن ايران ليست الخيار الوحيد.

المؤشر الصارخ في هذا السياق: بعد الزيارة التاريخية التي قام بها وليد المعلم للعراق قبل شهر، رغب الايرانيون باستغلال اللحظة السانحة واقامة محور جديد سوري ـ ايراني ـ عراقي. الايرانيون دعوا الي قمة ثلاثية وحاولوا تجنيد السوريين لهذه المبادرة، إلا أنهم رفضوها قائلين: نحن لسنا تابعين لايران ولا نقوم بحرق كل الجسور مع الولايات المتحدة. ولكن المعلومات القادمة من الغرب تشير الي ان السوريين يقتربون من نقطة الحسم التي تقول ان لا جدوي من محاولة حل الصراع بالطرق السياسية وان من الواجب الاستعداد للخيار العسكري. متي سيتحقق هذا الخيار؟ هذه مسألة سنوات. ولكن الاستعداد السوري يبدأ في التسارع.

منذ حرب لبنان قامت كل من اسرائيل وسورية وفقا للمصادر الاجنبية بتبادل التهديدات الواضحة باستخدام القوة. مصادر عربية قالت بأنه بعد تهديدات نصر الله بالوصول حتي غوش دان، أوضحت اسرائيل لسورية انه اذا تحقق تهديد نصر الله فان دمشق ستعاني. التهديد الاسرائيلي فعل فعله علي ما يبدو. السوريون من ناحيتهم وضعوا لاسرائيل خط تقدم اذا تجاوزته فان سورية ستحرك جيشها. وبالفعل، تم ايقاف الكتيبة التي تحركت في القطاع الشرقي نحو القليعة قبالة الحدود السورية.

كما هو معروف لم يصل السوريون بعد الي مفترق الطرق، ولم يتخذوا بعد قرارهم الاستراتيجي. ولكن في ظل مظاهر الابداع عند المستوي السياسي الاسرائيلي الذي يوفر في كل يوم ذرائع جديدة توضح سبب عدم حاجتنا الي التحدث مع السوريين ـ سيصلون الي ذلك سريعا. في كل الاحوال ما نشر في اسرائيل حول استعداد الجيش للمجابهة القادمة في الصيف علي الجبهة الشمالية، أُخذ علي محمل الجد من قبل السوريين. هم يعتقدون أن الجيش الاسرائيلي قد حدد الصيف كـ نقطة عمل فقط. ويدركون أن اسرائيل ستكون مستعدة للهجوم في الصيف، ولذلك يخوضون سباق بناء دفاعي وهجومي هناك. السوريون يستعدون لامتصاص الضربات الاسرائيلية والرد عليها.

الجيش السوري في الواقع لم يمر بعملية تطوير جوهرية في اجهزة السلاح الأساسية التي يستخدمها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات. ما يظهر اليوم في هيكلية القوة السورية: الهيكلية التقليدية للقتال في هضبة الجولان ـ معارك مدرعات تخوضها آلاف الدبابات ـ لم تعد قائمة. السوريون يقومون بتغييرات في قوات سلاح المشاة علي حساب القوات المدرعة. في داخل ألوية سلاح المشاة السورية زادوا عدد وحدات الكوماندو المدربة علي حرب العصابات. هناك عملية متسارعة وتجنيد للقوي البشرية لوحدات جديدة مضادة للدبابات. السوريون نقلوا عن حزب الله نموذج قوات الدفاع القروية ومن الممكن ملاحظة وجودها علي امتداد الخط في هضبة الجولان. تدريبات الجيش السوري في مجال وحدات الكوماندو والوحدات المضادة للدبابات ازدادت بصورة ملموسة. المشتريات العسكرية في روسيا تتلاءم مع ذلك: صواريخ ماتيس وصواريخ كورنيت .

السوريون زادوا ايضا من كمية صواريخ ارض ـ ارض، وهم ينتجون صواريخ سكاد منذ مطلع التسعينيات بمساعدة كورية وايرانية. التطلع السوري هو الصعود درجة في صواريخ ارض ـ ارض التي تتحرك من خلال الوقود المحترق الامر الذي ينطوي علي مغزي جوهري في العمليات.

عندما تريد اسرائيل ان تعبر عن نواياها فهي تعرف كيف تفعل ذلك. في لبنان مثلا، خفضت طلعاتها الجوية الاستخبارية حتي الحد الأدني، وفي قضية قرية الغجر توصل نائب وزير الدفاع، افرايم سنيه، الي تسويات تسمح باعادة السيادة للحكومة اللبنانية من دون المس بالمصالح الأمنية الاسرائيلية. كما أن اسرائيل وافقت حتي علي دخول قوات الجيش اللبناني مع اليونيفيل الي الجزء اللبناني من القرية. هل ستساعد هذه التلميحات السنيورة في البقاء؟ ربما. ولكنها بالتأكيد لن تضر حكمه.

اليكس فيشمان

كاتب في الصحيفة

(يديعوت احرونوت)

التعليقات