توتر وإحباط في غزة غداة مقتل الأطفال الثلاثة ومسؤولون في فتح وحماس يتبادلون الاتهامات

غزة-دنيا الوطن

وقفت الدكتورة مريم أبو دقة أمس على بعد أمتار قليلة من بيت العزاء الذي أقيم للاطفال الثلاثة الذين قتلوا برصاص مسلحين مجهولين في مدينة غزة اول من امس، وأخذت تصرخ في وجوه الرجال، وخصوصاً المسؤولين الرسميين منهم لوضع حد لحال الانفلات الامني ووقف قتل الاطفال.

وبصوت مخنوق من الألم والحزن خاطبت ابو دقة القادمين الى خيمة العزاء المنصوبة امام برج السراج وسط المدينة حيث يقطن المقدم في جهاز المخابرات العامة الفلسطينية بهاء بعلوشة، وحضتهم على النزول الى الشوارع للتظاهر والاحتجاج على استمرار مسلسل القتل الدامي في الشوارع.

وكلما ارتفع صوتها التفت المئات من المعزين اليها، من دون أن توحي تعبيرات وجوههم بأنهم مكترثون لما تقول.

ولم يعرها كثير من المسؤولين الاهتمام، بل ان بعضهم فضل أن يخفض رأسه، ربما خجلاً، ولم يستطع أن يلتفت الى الجهة التي تقف فيها، وقد التف حولها عدد من النساء والاطفال والفتية.

وتساءلت: «أين رجال فلسطين؟ ألم لم يعد في هذا البلد رجال ليقولوا لا لذبح الاطفال؟ اين السلاح الذي لا يظهر الا للقتل في الشوارع ويختفي أثناء الاجتياحات والتوغلات الاسرائيلية في غزة؟».

كما تساءلت أبو دقة مخاطبة المعزين، ومعظمهم من قيادات حركة «فتح» وكوادرها التي ينتمي اليها بعلوشة: «على ماذا تقتتلون؟ لا نريد رئاسة ولا حكومة ولا دولة. أين هي الدولة؟ هل هناك دولة تحت الاحتلال؟».

وما ان فرغت عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من «خطبتها» حتى أجهشت بالبكاء تماماً كالنساء اللواتي جئن لتأدية واجب العزاء قبلها.

كما بكى الرجال والاطفال الواقفون امام البرج الذي يقع فيه المقر المركزي للجبهة الشعبية. وقال أحد الرجال: «ان البكاء والحسرة والألم على الفاجعة التي حلت بنا لن تغسل العار الذي لحق بالشعب الفلسطيني جراء هذه الجريمة البشعة»، في اشارة الى قتل الاطفال الثلاثة أسامة (10 أعوام) واحمد (7 أعوام) وسلام (3 أعوام) الذين قتلوا ومعهم سائقهم محمود الهبيل (25 عاما) اول من امس.

وهزت الجريمة النكراء المجتمع الفلسطيني من الداخل، وندد بها الشعب الفلسطيني بكل مكوناته.

وقال شاب: «ربما يكون القتلة بيننا الآن. ربما جاؤوا واندسوا في صفوف المعزين».

وقالت عجوز متشحة بالسواد تحمل كيساً أسود به بعض الاغراض فوق رأسها وقد علمت للتو بنبأ الجريمة: «الله يساعد أمهم. هي الآن لا تشعر بمصيبتها. بكرة لما يخلص (ينفض) بيت العزاء حتعرف ماذا جرى لها؟».

ودعت الى الله ان «ينتقم من القتلة المجرمين».

والى بيت العزاء جاء النائب محمد دحلان رجل «فتح» القوي الذي أصبحت غالبية الفتحاويين في قطاع غزة تدين له بالولاء. وقد وصف الجريمة بأنها «غير مألوفة» في المجتمع الفلسطيني.

واعتبر دحلان الذي وصل الى المكان بسيارة اميركية مصفحة وسط عشرات من حراسه يستقلون نحو عشر سيارات الجريمة بانها «تشكل عرفا جديدا وثقافة جديدة في المجتمع الفلسطيني».

واتهم دحلان في حديث للصحافيين حكومة اسماعيل هنية بالتقصير وبأنها «لم تفعل شيئاً ازاء هذه الحادثة ولا غيرها من الحوادث السابقة على رغم وجود متهمين معروفين لدى الحكومة».

وقال: «لن نقبل أن يمر ذبح الاطفال امام اعيننا مرور الكرام»، رافضا توجيه اتهامات الى أي طرف بالمسؤولية عن الجريمة التي قضت مضاجع الفلسطينيين.

لكن متحدثاً باسم الشبيبة الفتحاوية التابعة لحركة «فتح» وجه عبر مكبر الصوت اتهامات ضمنية لحركة «حماس» بالمسؤولية عن الجريمة المروعة.

وقال الشاب الذي كان يعتلي سطح سيارة «فان» توقفت بالقرب من مكان الجريمة الذي يبعد اقل من 100 متر عن منزل بعلوشة وبيت العزاء: «اذا كانوا يعشقون الشهادة فنحن صناعها» في اشارة الى حركة «حماس».

وتساءل الشاب الفتحاوي: «كيف يتم القاء القبض على مطلقي النار على المدعو سعيد صيام (في اشارة الى اطلاق النار على وزير الداخلية الفلسطيني الاحد الماضي) بعد ثلاث ساعات، ولا يتم اعتقال قتلة الاطفال».

ووضع اعضاء الشبيبة الفتحاوية من جامعات غزة لافتة على السيارة الـ «فان» كتبوا عليها «الا الاطفال».

لكن قيادياً من «فتح» حمل الحكومة التي تقودها حركة «حماس» المسؤولية عن الجريمة.

وقال امين سر «فتح» في الضفة الغربية حسين الشيخ ان «اناسا مقربين من «حماس» على الاقل هم وراء عملية القتل»، محملاً «الحكومة ووزارة الداخلية المسؤولية المباشرة». ومع ذلك نفت حركة «حماس» أي علاقة لها بعملية القتل.

ونفى متحدثون باسم الحركة هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً.

وعلى العكس شن النائب عن حركة «حماس» مشير المصري هجوماً على حركة «فتح» واتهمها باستغلال اجواء الحزن والغضب من الجريمة النكراء لأغراض سياسية.

وقال المصري: «يبدو أن بعض قادة «فتح» يحاولون استغلال دماء الاطفال الابرياء لتحقيق مكاسب سياسية». وحمل قادة «فتح» المسؤولية عن العواقب الخطيرة التي قد تسفر عن هذه الاكاذيب والاختلاقات التي يرددونها.

وبدت الاجواء في القطاع محمومة جداً والتوتر بادياً على وجوه الناس كما في الشوارع.

واغلقت المحال التجارية ابوابها حدادا وحزنا على مقتل الاطفال الثلاثة، فيما بدا الناس حزينين ومكتئبين ومحبطين جراء تفاقم ظاهرة الانفلات الامني والصراع السياسي في ظل انسداد الافق السياسي تماماً. وقالت مصادر فلسطينية ان قوى الأمن اعتقلت فلسطينيين اثنين مشتبه فيهما بالوقوف وراء قتل الاطفال الثلاثة.

ولم يتسن التأكد من النبأ من مصدر أمني، لكن مصادر اخرى قالت لـ «الحياة» انه تم ضبط سيارة شاركت في الهجوم في أحد ورش سمكرة السيارات في مدينة غزة، الأمر الذي اكده جهاز المخابرات العامة.

الى ذلك، نصب محتجون خيمتي اعتصام أمام منزل الرئيس محمود عباس غرب مدينة غزة امس احتجاجاً على استمرار ظاهرة الانفلات الأمني، في وقت أمر الرئيس عباس قوى الأمن بالانتشار في شوارع مدينة غزة.

وبدت شوارع المدينة والمفترقات مزدحمة برجال الأمن من مختلف الاجهزة، خصوصاً الشرطة، فيما تظاهر عشرات آخرون من قوات الأمن الوطني في المدينة واغلقوا عدداً من الشوارع ومفترقات الطرق باعمدة حديدية وحجارة واشعلوا النار في عشرات اطارات السيارات.

ومنع رجال الأمن المحتجين على الانفلات الأمني وعدم تسلمهم رواتبهم كاملة منذ تسعة شهور السيارات من المرور واعادوها من حيث أتت.

التعليقات