سيرتان شخصيتان تحاولان الاقتراب من ظروف نشأة حزب الله
غزة-دنيا الوطن
حين يتحدث قادة وناشطون في حركة 14 آذار اللبنانية عن «حزب الله» والشيعة في لبنان هذه الأيام، يُبدون دهشة من درجة الانحياز الشيعي للحزب ومن قدرة الأخير على احتكار الصوت والتمثيل الشيعيين. يتحدثون وكأن «حزب الله» انطلق في اللحظة التي تخاصموا معه فيها، متجاهلين الكثير من الوقائع التي يصعب في ظلها على شيعة لبنان ان يكونوا مع غير «حزب الله»، وهي وقائع كان معظمهم في صلب انتاجها.
ولكن من هو «حزب الله»؟ وهل من الجائز طرح سؤال من هذا النوع؟ لا تعني هذه الـ «من هو» سعياً وراء توضيحات درج كثيرون على ايرادها في سياق عرضهم لنشأة الحزب ولتوسعه وانتشاره. انها سعي وراء اجابات جوهرية اكثر، وملبية تطلباً يتجاوز الوقائع والأرقام، واحياناً اجابات شعورية قد لا تفضي الى خلاصات محددة بقدر اشهارها أن ثمة صلة بين الأشياء لم يقاربها التفكير بعد.
من المؤكد ان «حزب الله» اليوم هو غيره في سنوات تأسيسه الأولى. والسؤال عن الانخراط الشيعي في الحزب او استيلائه على مزاج الطائفة العام يجب ألا يقتصر الجواب عنه على تفسير «حزب الله» بل يجب اعادة التفكير بالشيعة اللبنانيين بعلاقتهم بالدولة وبالجماعات اللبنانية الأخرى، حتى يتسنى لنا ادعاء اجابة عن هذه التساؤلات. ولسنا هنا في صدد ذلك، خصوصاً ان السؤال هو «من هو حزب الله؟»، وهو سؤال يجد المرء نفسه مدفوعاً للبحث عن اجابات له في ظل تعاظم «الدهشة اللبنانية» او قل الـ «14 آذارية» من الاندفاع الشيعي باتجاهه.
فـ «حزب الله» اليوم يعني بين ما يعنيه، فشل حركة 14 آذار في جذب الشيعة اليها، والمقصود بـ 14 آذار هنا ليس القوى والأحزاب التي تمثلها اليوم، انما 14 آذار كجوهر وكلحظة قرر فيها الجزء الأكبر من اللبنانيين الانخراط في حركة تغيير كان من المفترض ان تشكل حادثة مؤسسة في حال ادرك الرموز الذين انبثقوا منها معنى تلك اللحظة.
وبين ما يعنيه نفوذ «حزب الله» ايضاً اليوم علاقة لم تكن طبيعية بين الدولة والشيعة في العقدين الفائتين اسهم في ارسائها النفوذ السوري وتواطأت في تكريسه كل القوى اللبنانية التي كانت شريكة في الحكم آنذاك ومن بينها قوى في 14 آذار.
ويمكن ادراج الكثير من العناصر الداخلية والخارجية في عملية تفسير «حزب الله»، وفي صلبها طبعاً قضية الصراع العربي - الإسرائيلي وتراجع فرص السلام، ناهيك بالنفوذ الإيراني المتعاظم في المنطقة. لكن تبقى كل هذه التفسيرات خارجية، اي اننا نتعرض للحزب بعلاقته بهذه العوامل، وبتأثيرها في نشأته وصعوده، في وقت تخلو الأدبيات الصحافية من اي اقتراب من الماكينة الداخلية للحزب او من المادة الأولى التي التأمت لتؤلف انطلاقته.
نحن لا ندعي هنا اننا نقارب هذا الهدف بقدر ما نحاول ان نلقي ضوءاً على مقدمات اسست لظهور «حزب الله». نفعل ذلك من خلال سيرتين شخصيتين، ولا يعني نشرهما هنا ابداً التعميم، اذ تبقى السير لأصحابها، ومن الخطأ الفادح اعتبارها سير جماعات او احزاب. لكن هذه السير مفيدة للتذكير في اصل الأشياء او في ردها الى حقبات وأحداث سبقتها.
ومن قبيل المصادفة المحضة ان سيرتي الشخصين اللذين نحن في صددهما تمتان الى سيرتي امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله ومساعده الشيخ نعيم قاسم بصلة. فالأول بحسب القليل الذي عرف عن نشأته ولد او نشأ في احدى ضواحي بيروت الشرقية التي كان قصدها الشيعة اللبنانيون في اواسط القرن الفائت، وهي حال السيد حسن ايضاً. والثاني بدأت علاقته بالعمل السياسي من خلال حزب الدعوة العراقي الذي كان انخرط في صفوفه عدد من اللبنانيين، وهي حال الشيخ قاسم.
تحيلنا السيرتــان، من دون شك، الى ما ذكرناه عن تلك المادة الأولى التي انعقد «حزب الله» عليها، من دون الادعاء أنهما عنصرا المادة الوحيدان.
الرحلة من القرية الى الضاحية الجنوبية لبيروت ... مروراً بالدكوانة
في أواسط خمسينات القرن الفائت كان الحاج حسن قد بلغ الثلاثين من عمره، وكانت فكرة مغادرته قريته الجنوبية الحدودية حاضرة دائماً. فهو سبق له ان قصد فلسطين للعمل فيها في أربعينات ذلك القرن. وبعد قيام دولة إسرائيل، صارت بيروت هي الوجهة.
الحاج حسن هو الابن الأكبر لوالد أنجبه وانفصل عن زوجته ليتزوج مجدداً وينجب بقية الأشقاء. علماً ان الوالد من عائلة ميسورة الى حد ما وكان وجيه القرية ووجهها، لكن حسن لم ينله من يسر والده ووجاهته ما نال أشقاءه، أبناء الزوجة الثانية. فهؤلاء تعلموا في مدرسة القرية أولاً ثم انتقلوا الى صور ومنها الى بيروت ودمشق حيث نالوا شهادات جامعية في وقت كانت تلك الشهادات نادرة.
الحاج حسن وهو بكر والده أمضى سنوات قليلة في مدرسة القرية ثم غادرها الى العمل في فلسطين أحياناً وفي القرية أحياناً أخرى. وهو الى جانب اجتهاده ومثابرته في العمل حمل بعضاً من مرارة التمييز بحق ابن الزوجة الأولى. وبين العمل في فلسطين وفي القرية، وبين مشاعر المرارة والتمييز تمكن حسن من اكتساب خصال تمكنه من خوض غمار الحياة بعيداً مما تؤسسه المدارس في حينها، والتي كانت تعد روادها ليصيروا موظفين في دولة ناشئة.
غادر الحاج حسن قريته الى بيروت، وكان بلغ الثلاثين من عمره، برفقة زوجته وأولاده الذين كان عددهم في حينها ستة. استأجر دكاناً صغيراً في منطقة الدكوانة واستثمر فيه مبلغاً صغيراً من المال كان ادخره من أعمال متفرقة في القرية. كان كثيرون من أبناء بلدته ومن قرى مجاورة لها سبقوه الى بيروت وأقاموا في الدكوانة وفي غيرها من الضواحي الشرقية لمدينة بيروت. لكن معظم هؤلاء عملوا في أسواق بيروت في مهن دنيا، ومثل لهم مجيء الحاج حسن ابن الوجيه وإنشاؤه دكاناً بينهم وان كان متواضعاً علامة استيطان وألفة.
أتاح الدكان للحاج حسن اختبار مواهب في التعامل اليومي والتجارة، ومع الوقت توسعت تجارة الحاج وتوسع معها موقعه في ضاحية العمال الشيعة. وفي هذا الوقت كان أشقاء الحاج بدأوا يتخرجون في جامعاتهم ويتسلمون وظائف في المؤسسات الرسمية. وانتقل عدد منهم الى بيروت وأقاموا في شوارع أخرى غير المكان الذي اقام فيه حسن. اقاموا في مناطق كورنيش المزرعة ووطى المصيطبة والشياح. احدهم كان بعثياً وصار لاحقاً أحد قياديي الحزب، وآخر كان قريباً من الحزب الشيوعي اللبناني.
ترافق توسع تجارة الحاج حسن مع تحوله الى وجيه العمال الشيعة في منطقة الدكوانة شرق بيروت، فصار محله نقطة لقاء يومي لهؤلاء بعد إنهائهم أعمالهم. وصارت سيارات «السرفيس» القادمة من القرى الجنوبية تقصده لإيداع أغراض أرسلها أهل لأولادهم أو أقاربهم. وكان الحاج وخلافاً لأشقائه حافظ على وجه أهلي وديني لحضوره في تلك المنطقة. فبعد ان اشترى بناية في الدكوانة ونقل محاله اليها واسكن عائلته التي كان بلغ عدد أفرادها 14 ابناً وابنة في إحدى طبقاتها، قرر ان يباشر مع وجهاء آخرين من الجنوب إقامة نادٍ حسيني في المنطقة، وهذا ما تحقق في أواخر ستينات القرن الفائت.
في بداية السبعينات كانت الحرب اللبنانية بدأت تلوح، الضواحي الشرقية لبيروت كانت إحدى مناطق الاحتقان الأساسية بفعل نسيجها الاجتماعي والسياسي. وكانت تجارة الحاج حسن في ذروة صعودها وازدهارها.
في عام 1975 دقت ساعة الحرب. الدكوانة واحدة من المناطق التي تولت الميليشيا المسيحية «تطهيرها» من سكانها الشيعة، واختلطت القذائف التي تستهدفها بين راغب في «الدفاع» عنها وضاغط لاحتلالها. وفي هذا الوقت قتل نجل الحاج حسن الذي لم يكن تجاوز الثلاثة عشر عاماً وكان واقفاً أمام مبنى والده في الدكوانة، بقذيفة عشوائية. جمع الحاج عائلته وجثمان نجله واتجه بهم الى قريته الحدودية. ومع اشتداد المعارك دُمر المبنى بالكامل واحترقت المحال التجارية والبضائع التي كان أمضى اكثر من 25 عاماً في إنشائها وتوسيعها.
عاد الحاج الى منزل والده في القرية الحدودية. تحولت قصة مقتل نجله وانهيار تجارته الى دراما عامة راح يتداولها الأقارب وأبناء البلدة الذين تقاطروا الى المنزل لتقديم العزاء. جلس في غرفة كبيرة الى جانب أولاده. رجل اسمر الوجه ذو لحية خفيفة وجسم نحيل ونظرات غائرة. راح يقول للأقارب المعزين: غادرت البلدة «قاروط» (والكلمة تعني في القاموس المحلي ابن الزوجة المطلقة او المتوفية) وعدت اليها «13 قاروط».
لم تطل إقامته مع عائلته في البلدة كثيراً، ففي عام 1977 كانت بوادر الحرب الأهلية بدأت تصل الى المناطق الحدودية الجنوبية. إسرائيل كانت باشرت بإعداد الأوضاع لإنشاء ما سمي لاحقاً الشريط الحدودي، وبدأت الاشتباكات بين التنظيمات الفلسطينية وميليشيات مسيحية في قرى حدودية محاذية لقرية الحاج.
عاد الحاج الى بيروت، ولكن هذه المرة الى منطقة وادي أبو جميل في غرب بيروت، وكانت تعرضت الى تهجير مقابل، وحلَّ فيها مهجرون شيعة من مناطق مختلفة. افتتح دكاناً متواضعاً في «الوادي» على ما كانت تسمى، ورضي بفقدانه ما كانت جادت عليه الحياة به. كان الدكان عودة الى لحظة وصوله الأولى الى بيروت، يوم افتتح دكانه في الدكوانة، مع فارق جوهري يتمثل في ان العمر لم يعد يتيح للحاج ما أتاحه له في المرة الأولى، إضافة الى ان سنوات الازدهار اللبناني كانت ولت، وحلت محلها حرب مدمرة. لكن لا بأس من المحاولة والصبر هو دأب الحاج منذ نشأته.
راحت السنوات تنقضي والحاج حسن جالس في دكانه في الوادي والأولاد يكبرون، ومنهم من يتزوج ومنهم من يسافر ثم يعود، الى ان اقترب موعد جديد من مواعيد الحرب اللبنانية. انها ما سمي في حينها بـ «انتفاضة 6 شباط» والتي ترافقت مع صعود حركة «أمل» وسيطرتها على أجزاء واسعة من بيروت الغربية والضاحية الجنوبية، كما ترافقت مع تصاعد أعمال المقاومة ضد القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل الجنوب اللبناني بعد ان انسحبت من بيروت وجبل لبنان بين عامي 1983 و 1984.
في عام 1985 استشهد نجل ثان للحاج حسن أثناء تنفيذه عملية ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني وكان ضمن مجموعة تابعة لحركة «أمل»، وكان الوادي في حينها يعج بالـ «حركيين» (محازبي أمل). دفن الحاج نجله الثاني في قرية شيعية في جبل لبنان وديعة ريثما يتم نقله الى بلدته بعد ان تنسحب إسرائيل منها. وفي هذا الوقت كان الدكان يؤمن له دخلاً راح يقتطع جزءاً منه ويدفعه قسطاً لشقة اشتراها في الضاحية الجنوبية لبيروت التي كانت تتحول في ذلك الوقت الى معقل «حزب الله» اللبناني.
بقي الحاج في وادي أبو جميل حتى عام 1993 وتوفي هناك، وانتقلت العائلة الى منزلها الجديد في الضاحية، وهناك انخرط معظم الأبناء والبنات واحداً بعد الآخر في «حزب الله» أو في مؤسسات قريبة من هذا الحزب.
شيخ غير معمم ... في حزب الدعوة العراقي
كانوا يسمونه الشيخ قاسم، ولطالما أثارت تسميته في حينها حيرتي أنا الذي لم أعهد في سنواتي تلك شيخاً غير معممٍ، ويعمل مديراً لمطبعة بدائية تطبع فيها الكتب الدينية في الغالب. ففي عرفي الشيخ معمم وهو لا يتخذ من عمل يدوي حرفة. الشيخ قاسم لم يكن كذلك، وكان بالنسبة إلي رجلاً شديد الغموض. لحية خفيفة ووجه رفيع ونظارة سميكة بحسب ما اذكر. غريب جاء الى قريتنا في العام 1979. جاء صهراً لأقرباء لنا اذكر انهم كانوا يقيمون في مدينة النجف العراقية، وفي ذلك التاريخ كان النظام البعثي في العراق باشر اضطهاده الشيعة.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها محجبات صغيرات. كن بناته. ثم إنني من عائلة غير مثابرة على الأعمال اليدوية، وعلى غيرها من الأعمال أيضاً، ولكن صهرنا هذا الذي استلم المطبعة بدا مجتهداً يقضي فيها معظم أوقاته. العمل هناك كان شاقاً ولم يكن أحد من أقاربي على هذه الدرجة من الاجتهاد. صهرنا الغريب هذا انقطع عن أقاربه في المطبعة. كنت اشعر في حينها بأنه يعمل على نحو يتعدى ما تتطلبه هذه الآلة القديمة. طبع كتباً كثيرة كلها تعيد ربطنا بعائلتنا وبالطائفة وظلاماتها. لا اذكر عنواناً واحداً من تلك الكتب ولكنني اذكر هذه الحقيقة. بلى اذكر كتاباً لعمي جمع فيه أشعار والده وأعمامه وأقاربه وكان غلافه اخضر. هذا الكتاب وُزع على جميع منازل العائلة، وعلى طلاب المدرسة التي كان يديرها عمي.
لا أذكر واقعة واحدة مرتبطة مباشرة بذلك الصهر، ومع هذا تلح علي صورته واقفاً في المطبعة. كان رجلاً منسحباً من أي واقعة أو مشهد اجتماعي. جملة واحدة علقت في ذهني عنه وهي «ان الشيخ قاسم في حزب الدعوة»، قالها لي قريب. وفي حينها كانت أحزاب كثيرة تشتغل في محيطنا وبيئتنا، ولكن حزب الدعوة كان جديداً علي كل الجدة.
ضاعفت هذه العبارة من غموض الشيخ قاسم. شيخ غير معممٍ ويعمل في مطبعة وينتمي الى حزب لم يسبق ان انتمى اليه أحد ممن اعرفهم، هذا كله إضافة الى مواظبته على العمل وانقطاعه عن زيارة أي من الأقارب وانسحابه من اي حديث يمكن ان يُستدرج إليه بحكم إقامته في قرية والى جوار أقارب كثيري الكلام وقليلي العمل.
لم يكن شيخنا عراقياً. كان لبنانياً من قرية في قضاء صور، ولكنه وكما كان غريباً في قريتنا، كان أيضاً غريباً في قريته. لا أذكر انه اختلط بالمشايخ الكثر من أقربائي، وكنت ألاحظ انهم يحترمونه ويتجنبونه في آن. هو أيضاً كان يفعل ذلك. هم أيضاً جاؤوا من العراق، ولكن العائلة كانت تنتظرهم وكانت أخلت لهم أماكن وأقارب وحكايات. هو وصل من دون أي حكاية. حل صهراً غريباً وغامضاً. رجل لا يضحك في وجوهنا نحن أطفال العائلة وفتيانها، وكان ذلك يشعرنا بشقاوتنا وشقاوة أهلنا في مقابل انغماس الشيخ ودأبه في العمل والصلاة.
الحبر الذي كان يستعمل في عملية الطبع صار لون المكان كله، والغريب ان مواظبة الشيخ لم تؤتِ ثماراً لجهة تطوير العمل، فبقيت المطبعة متعثرة وقليلة الإنتاج وكثيرة الأعطال التي تسببها بدائية الأجهزة وقدمها. والمثابرة في هذه الحال كانت جزءاً من طبيعة الرجل ومن انعدام السبل الأخرى. ولم يطل الأمر بشيخنا الذي ترك المطبعة وانتقل الى عمل آخر، فحولها قريبه الى منجرة عمل فيها هو مع قريب آخر لنا كان تخرج من مهنية جبل عامل في بلدة برج الشمالي التي كانت تتبع في حينها الى حركة أمل، وفي حينها أيضاً كانت الحركة ملاذ أبناء حزب الدعوة من اللبنانيين القادمين من العراق، وفي تلك المهنية عمل أيضاً مصطفى شمران الإيراني الذي قتل لاحقاً في الحرب العراقية - الإيرانية.
كانت ثمة فروق واضحة بين رجال الدين من أقاربي والصهر الوافد من العراق. كانوا اكثر ارتباطاً بحلة رجل الدين واكثر تخففاً من قيودها. عمي وهو رجل معمم من هؤلاء انشأ مدرسة أهلية واستقدم إليها مدرسات من بلدة عين ابل المسيحية المجاورة. لودي ووفاء وغيرهما من المدرِّسات شغلن تفكير شبان البلدة وشاباتها، فيما رحنا نحن الطلاب الصغار ننظر الى أمهاتنا مستحضرين المدرسات العين ابليات. آخرون من اقاربنا المعممين انصرفوا الى الشعر والى الانحياز لتيارات سياسية عروبية. شيخنا لم يكن من بين هؤلاء. ظل غريباً وصامتاً. أقاربه وأنسباؤه أيضاً من أبناء عائلتنا أصيب بعضهم بشيء من صمته وغربته. أبقوا على قنوات متصلة بلهونا وشقاوتنا، ولكن شيئاً من غربة شيخنا مسَّهم.
كان بعضهم قدم من العراق مخلفاً هناك أباً أو قريباً قتله النظام العراقي السابق. فتى من بينهم كنا نباغته بأن نشتم صدام حسين فيقفل عائداً الى منزله ما ان يسمعنا، فهو حمل خوفه من صدام معه من النجف الى جنوب لبنان.
كان الشيخ الغريب يمثل لنا عقدة ذنب ما. تذكير متقطع بأننا نجنح الى ما كنا لا ندري الى آبين. «انه من حزب الدعوة» وكان هذا شيء لا أفهمه إطلاقاً. وكانت حركة «أمل» في حينها حركة «أهل الضعف» من الجنوبيين، والأرجح ان الشيخ لم ينتمِ اليها، ولكن ربطته بها في أذهاننا علاقة ما. ربما كانت لقريبه الذي الذي تخرج من مهنيتها في البرج الشمالي علاقة ما باعتقادنا هذا، أو للحيته المهذبة والخفيفة، في حين كانت اللحى تغزو الوجوه على نحو مختلف، وبناته اللواتي أبكرن في ارتداء الحجاب. في المساحة غير الواضحة بين حركة «أمل» وحزب الدعوة العراقي نما شيء ما . حركة «أمل» كانت محلية ومحلية جداً. وحزب الدعوة كان عراقياً، ولم يكن شعباً انما أفراد وكوادر. أفراد غرباء وصامتين ولم يعثروا على ضالتهم في بيئة التدين الجنوبية في لبنان.
رحت في ذلك الوقت اربط بين تجهم الشيخ الدائم وبين عمله في المطبعة. كانت تحيرني تلك الأحرف الصغيرة التي يعمل في صفها وتنضيدها، وكانت تأتي سيارات شحن صغيرة محملة بالأوراق لطالما اعتقدت انها تعود لأقارب الشيخ في بلدته المجاورة لمدينة صور. أقارب الشيخ الذين جاؤوا من النجف، رجال نحيلو الأجسام يرتدون قمصاناً طويلة الأكمام في الصيف، وكانوا شديدو السمرة ولطفاء، واكثر من واحد منهم يلثغ بحرف الراء. الشيخ نفسه لم يكن اسمر ولم اعد اذكر ما إذا كان يلثغ بأي حرف، ولست على يقين من انني سمعته يوماً يتكلم. صورته الوحيدة في مخيلتي انه يعمل في المطبعة، وأصابعه مطلية بلون الحبر.
بعد مرور سنوات صار الشيخ قاسم ناشطاً في «حزب الله".
*الحياة اللندنية
حين يتحدث قادة وناشطون في حركة 14 آذار اللبنانية عن «حزب الله» والشيعة في لبنان هذه الأيام، يُبدون دهشة من درجة الانحياز الشيعي للحزب ومن قدرة الأخير على احتكار الصوت والتمثيل الشيعيين. يتحدثون وكأن «حزب الله» انطلق في اللحظة التي تخاصموا معه فيها، متجاهلين الكثير من الوقائع التي يصعب في ظلها على شيعة لبنان ان يكونوا مع غير «حزب الله»، وهي وقائع كان معظمهم في صلب انتاجها.
ولكن من هو «حزب الله»؟ وهل من الجائز طرح سؤال من هذا النوع؟ لا تعني هذه الـ «من هو» سعياً وراء توضيحات درج كثيرون على ايرادها في سياق عرضهم لنشأة الحزب ولتوسعه وانتشاره. انها سعي وراء اجابات جوهرية اكثر، وملبية تطلباً يتجاوز الوقائع والأرقام، واحياناً اجابات شعورية قد لا تفضي الى خلاصات محددة بقدر اشهارها أن ثمة صلة بين الأشياء لم يقاربها التفكير بعد.
من المؤكد ان «حزب الله» اليوم هو غيره في سنوات تأسيسه الأولى. والسؤال عن الانخراط الشيعي في الحزب او استيلائه على مزاج الطائفة العام يجب ألا يقتصر الجواب عنه على تفسير «حزب الله» بل يجب اعادة التفكير بالشيعة اللبنانيين بعلاقتهم بالدولة وبالجماعات اللبنانية الأخرى، حتى يتسنى لنا ادعاء اجابة عن هذه التساؤلات. ولسنا هنا في صدد ذلك، خصوصاً ان السؤال هو «من هو حزب الله؟»، وهو سؤال يجد المرء نفسه مدفوعاً للبحث عن اجابات له في ظل تعاظم «الدهشة اللبنانية» او قل الـ «14 آذارية» من الاندفاع الشيعي باتجاهه.
فـ «حزب الله» اليوم يعني بين ما يعنيه، فشل حركة 14 آذار في جذب الشيعة اليها، والمقصود بـ 14 آذار هنا ليس القوى والأحزاب التي تمثلها اليوم، انما 14 آذار كجوهر وكلحظة قرر فيها الجزء الأكبر من اللبنانيين الانخراط في حركة تغيير كان من المفترض ان تشكل حادثة مؤسسة في حال ادرك الرموز الذين انبثقوا منها معنى تلك اللحظة.
وبين ما يعنيه نفوذ «حزب الله» ايضاً اليوم علاقة لم تكن طبيعية بين الدولة والشيعة في العقدين الفائتين اسهم في ارسائها النفوذ السوري وتواطأت في تكريسه كل القوى اللبنانية التي كانت شريكة في الحكم آنذاك ومن بينها قوى في 14 آذار.
ويمكن ادراج الكثير من العناصر الداخلية والخارجية في عملية تفسير «حزب الله»، وفي صلبها طبعاً قضية الصراع العربي - الإسرائيلي وتراجع فرص السلام، ناهيك بالنفوذ الإيراني المتعاظم في المنطقة. لكن تبقى كل هذه التفسيرات خارجية، اي اننا نتعرض للحزب بعلاقته بهذه العوامل، وبتأثيرها في نشأته وصعوده، في وقت تخلو الأدبيات الصحافية من اي اقتراب من الماكينة الداخلية للحزب او من المادة الأولى التي التأمت لتؤلف انطلاقته.
نحن لا ندعي هنا اننا نقارب هذا الهدف بقدر ما نحاول ان نلقي ضوءاً على مقدمات اسست لظهور «حزب الله». نفعل ذلك من خلال سيرتين شخصيتين، ولا يعني نشرهما هنا ابداً التعميم، اذ تبقى السير لأصحابها، ومن الخطأ الفادح اعتبارها سير جماعات او احزاب. لكن هذه السير مفيدة للتذكير في اصل الأشياء او في ردها الى حقبات وأحداث سبقتها.
ومن قبيل المصادفة المحضة ان سيرتي الشخصين اللذين نحن في صددهما تمتان الى سيرتي امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله ومساعده الشيخ نعيم قاسم بصلة. فالأول بحسب القليل الذي عرف عن نشأته ولد او نشأ في احدى ضواحي بيروت الشرقية التي كان قصدها الشيعة اللبنانيون في اواسط القرن الفائت، وهي حال السيد حسن ايضاً. والثاني بدأت علاقته بالعمل السياسي من خلال حزب الدعوة العراقي الذي كان انخرط في صفوفه عدد من اللبنانيين، وهي حال الشيخ قاسم.
تحيلنا السيرتــان، من دون شك، الى ما ذكرناه عن تلك المادة الأولى التي انعقد «حزب الله» عليها، من دون الادعاء أنهما عنصرا المادة الوحيدان.
الرحلة من القرية الى الضاحية الجنوبية لبيروت ... مروراً بالدكوانة
في أواسط خمسينات القرن الفائت كان الحاج حسن قد بلغ الثلاثين من عمره، وكانت فكرة مغادرته قريته الجنوبية الحدودية حاضرة دائماً. فهو سبق له ان قصد فلسطين للعمل فيها في أربعينات ذلك القرن. وبعد قيام دولة إسرائيل، صارت بيروت هي الوجهة.
الحاج حسن هو الابن الأكبر لوالد أنجبه وانفصل عن زوجته ليتزوج مجدداً وينجب بقية الأشقاء. علماً ان الوالد من عائلة ميسورة الى حد ما وكان وجيه القرية ووجهها، لكن حسن لم ينله من يسر والده ووجاهته ما نال أشقاءه، أبناء الزوجة الثانية. فهؤلاء تعلموا في مدرسة القرية أولاً ثم انتقلوا الى صور ومنها الى بيروت ودمشق حيث نالوا شهادات جامعية في وقت كانت تلك الشهادات نادرة.
الحاج حسن وهو بكر والده أمضى سنوات قليلة في مدرسة القرية ثم غادرها الى العمل في فلسطين أحياناً وفي القرية أحياناً أخرى. وهو الى جانب اجتهاده ومثابرته في العمل حمل بعضاً من مرارة التمييز بحق ابن الزوجة الأولى. وبين العمل في فلسطين وفي القرية، وبين مشاعر المرارة والتمييز تمكن حسن من اكتساب خصال تمكنه من خوض غمار الحياة بعيداً مما تؤسسه المدارس في حينها، والتي كانت تعد روادها ليصيروا موظفين في دولة ناشئة.
غادر الحاج حسن قريته الى بيروت، وكان بلغ الثلاثين من عمره، برفقة زوجته وأولاده الذين كان عددهم في حينها ستة. استأجر دكاناً صغيراً في منطقة الدكوانة واستثمر فيه مبلغاً صغيراً من المال كان ادخره من أعمال متفرقة في القرية. كان كثيرون من أبناء بلدته ومن قرى مجاورة لها سبقوه الى بيروت وأقاموا في الدكوانة وفي غيرها من الضواحي الشرقية لمدينة بيروت. لكن معظم هؤلاء عملوا في أسواق بيروت في مهن دنيا، ومثل لهم مجيء الحاج حسن ابن الوجيه وإنشاؤه دكاناً بينهم وان كان متواضعاً علامة استيطان وألفة.
أتاح الدكان للحاج حسن اختبار مواهب في التعامل اليومي والتجارة، ومع الوقت توسعت تجارة الحاج وتوسع معها موقعه في ضاحية العمال الشيعة. وفي هذا الوقت كان أشقاء الحاج بدأوا يتخرجون في جامعاتهم ويتسلمون وظائف في المؤسسات الرسمية. وانتقل عدد منهم الى بيروت وأقاموا في شوارع أخرى غير المكان الذي اقام فيه حسن. اقاموا في مناطق كورنيش المزرعة ووطى المصيطبة والشياح. احدهم كان بعثياً وصار لاحقاً أحد قياديي الحزب، وآخر كان قريباً من الحزب الشيوعي اللبناني.
ترافق توسع تجارة الحاج حسن مع تحوله الى وجيه العمال الشيعة في منطقة الدكوانة شرق بيروت، فصار محله نقطة لقاء يومي لهؤلاء بعد إنهائهم أعمالهم. وصارت سيارات «السرفيس» القادمة من القرى الجنوبية تقصده لإيداع أغراض أرسلها أهل لأولادهم أو أقاربهم. وكان الحاج وخلافاً لأشقائه حافظ على وجه أهلي وديني لحضوره في تلك المنطقة. فبعد ان اشترى بناية في الدكوانة ونقل محاله اليها واسكن عائلته التي كان بلغ عدد أفرادها 14 ابناً وابنة في إحدى طبقاتها، قرر ان يباشر مع وجهاء آخرين من الجنوب إقامة نادٍ حسيني في المنطقة، وهذا ما تحقق في أواخر ستينات القرن الفائت.
في بداية السبعينات كانت الحرب اللبنانية بدأت تلوح، الضواحي الشرقية لبيروت كانت إحدى مناطق الاحتقان الأساسية بفعل نسيجها الاجتماعي والسياسي. وكانت تجارة الحاج حسن في ذروة صعودها وازدهارها.
في عام 1975 دقت ساعة الحرب. الدكوانة واحدة من المناطق التي تولت الميليشيا المسيحية «تطهيرها» من سكانها الشيعة، واختلطت القذائف التي تستهدفها بين راغب في «الدفاع» عنها وضاغط لاحتلالها. وفي هذا الوقت قتل نجل الحاج حسن الذي لم يكن تجاوز الثلاثة عشر عاماً وكان واقفاً أمام مبنى والده في الدكوانة، بقذيفة عشوائية. جمع الحاج عائلته وجثمان نجله واتجه بهم الى قريته الحدودية. ومع اشتداد المعارك دُمر المبنى بالكامل واحترقت المحال التجارية والبضائع التي كان أمضى اكثر من 25 عاماً في إنشائها وتوسيعها.
عاد الحاج الى منزل والده في القرية الحدودية. تحولت قصة مقتل نجله وانهيار تجارته الى دراما عامة راح يتداولها الأقارب وأبناء البلدة الذين تقاطروا الى المنزل لتقديم العزاء. جلس في غرفة كبيرة الى جانب أولاده. رجل اسمر الوجه ذو لحية خفيفة وجسم نحيل ونظرات غائرة. راح يقول للأقارب المعزين: غادرت البلدة «قاروط» (والكلمة تعني في القاموس المحلي ابن الزوجة المطلقة او المتوفية) وعدت اليها «13 قاروط».
لم تطل إقامته مع عائلته في البلدة كثيراً، ففي عام 1977 كانت بوادر الحرب الأهلية بدأت تصل الى المناطق الحدودية الجنوبية. إسرائيل كانت باشرت بإعداد الأوضاع لإنشاء ما سمي لاحقاً الشريط الحدودي، وبدأت الاشتباكات بين التنظيمات الفلسطينية وميليشيات مسيحية في قرى حدودية محاذية لقرية الحاج.
عاد الحاج الى بيروت، ولكن هذه المرة الى منطقة وادي أبو جميل في غرب بيروت، وكانت تعرضت الى تهجير مقابل، وحلَّ فيها مهجرون شيعة من مناطق مختلفة. افتتح دكاناً متواضعاً في «الوادي» على ما كانت تسمى، ورضي بفقدانه ما كانت جادت عليه الحياة به. كان الدكان عودة الى لحظة وصوله الأولى الى بيروت، يوم افتتح دكانه في الدكوانة، مع فارق جوهري يتمثل في ان العمر لم يعد يتيح للحاج ما أتاحه له في المرة الأولى، إضافة الى ان سنوات الازدهار اللبناني كانت ولت، وحلت محلها حرب مدمرة. لكن لا بأس من المحاولة والصبر هو دأب الحاج منذ نشأته.
راحت السنوات تنقضي والحاج حسن جالس في دكانه في الوادي والأولاد يكبرون، ومنهم من يتزوج ومنهم من يسافر ثم يعود، الى ان اقترب موعد جديد من مواعيد الحرب اللبنانية. انها ما سمي في حينها بـ «انتفاضة 6 شباط» والتي ترافقت مع صعود حركة «أمل» وسيطرتها على أجزاء واسعة من بيروت الغربية والضاحية الجنوبية، كما ترافقت مع تصاعد أعمال المقاومة ضد القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل الجنوب اللبناني بعد ان انسحبت من بيروت وجبل لبنان بين عامي 1983 و 1984.
في عام 1985 استشهد نجل ثان للحاج حسن أثناء تنفيذه عملية ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني وكان ضمن مجموعة تابعة لحركة «أمل»، وكان الوادي في حينها يعج بالـ «حركيين» (محازبي أمل). دفن الحاج نجله الثاني في قرية شيعية في جبل لبنان وديعة ريثما يتم نقله الى بلدته بعد ان تنسحب إسرائيل منها. وفي هذا الوقت كان الدكان يؤمن له دخلاً راح يقتطع جزءاً منه ويدفعه قسطاً لشقة اشتراها في الضاحية الجنوبية لبيروت التي كانت تتحول في ذلك الوقت الى معقل «حزب الله» اللبناني.
بقي الحاج في وادي أبو جميل حتى عام 1993 وتوفي هناك، وانتقلت العائلة الى منزلها الجديد في الضاحية، وهناك انخرط معظم الأبناء والبنات واحداً بعد الآخر في «حزب الله» أو في مؤسسات قريبة من هذا الحزب.
شيخ غير معمم ... في حزب الدعوة العراقي
كانوا يسمونه الشيخ قاسم، ولطالما أثارت تسميته في حينها حيرتي أنا الذي لم أعهد في سنواتي تلك شيخاً غير معممٍ، ويعمل مديراً لمطبعة بدائية تطبع فيها الكتب الدينية في الغالب. ففي عرفي الشيخ معمم وهو لا يتخذ من عمل يدوي حرفة. الشيخ قاسم لم يكن كذلك، وكان بالنسبة إلي رجلاً شديد الغموض. لحية خفيفة ووجه رفيع ونظارة سميكة بحسب ما اذكر. غريب جاء الى قريتنا في العام 1979. جاء صهراً لأقرباء لنا اذكر انهم كانوا يقيمون في مدينة النجف العراقية، وفي ذلك التاريخ كان النظام البعثي في العراق باشر اضطهاده الشيعة.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها محجبات صغيرات. كن بناته. ثم إنني من عائلة غير مثابرة على الأعمال اليدوية، وعلى غيرها من الأعمال أيضاً، ولكن صهرنا هذا الذي استلم المطبعة بدا مجتهداً يقضي فيها معظم أوقاته. العمل هناك كان شاقاً ولم يكن أحد من أقاربي على هذه الدرجة من الاجتهاد. صهرنا الغريب هذا انقطع عن أقاربه في المطبعة. كنت اشعر في حينها بأنه يعمل على نحو يتعدى ما تتطلبه هذه الآلة القديمة. طبع كتباً كثيرة كلها تعيد ربطنا بعائلتنا وبالطائفة وظلاماتها. لا اذكر عنواناً واحداً من تلك الكتب ولكنني اذكر هذه الحقيقة. بلى اذكر كتاباً لعمي جمع فيه أشعار والده وأعمامه وأقاربه وكان غلافه اخضر. هذا الكتاب وُزع على جميع منازل العائلة، وعلى طلاب المدرسة التي كان يديرها عمي.
لا أذكر واقعة واحدة مرتبطة مباشرة بذلك الصهر، ومع هذا تلح علي صورته واقفاً في المطبعة. كان رجلاً منسحباً من أي واقعة أو مشهد اجتماعي. جملة واحدة علقت في ذهني عنه وهي «ان الشيخ قاسم في حزب الدعوة»، قالها لي قريب. وفي حينها كانت أحزاب كثيرة تشتغل في محيطنا وبيئتنا، ولكن حزب الدعوة كان جديداً علي كل الجدة.
ضاعفت هذه العبارة من غموض الشيخ قاسم. شيخ غير معممٍ ويعمل في مطبعة وينتمي الى حزب لم يسبق ان انتمى اليه أحد ممن اعرفهم، هذا كله إضافة الى مواظبته على العمل وانقطاعه عن زيارة أي من الأقارب وانسحابه من اي حديث يمكن ان يُستدرج إليه بحكم إقامته في قرية والى جوار أقارب كثيري الكلام وقليلي العمل.
لم يكن شيخنا عراقياً. كان لبنانياً من قرية في قضاء صور، ولكنه وكما كان غريباً في قريتنا، كان أيضاً غريباً في قريته. لا أذكر انه اختلط بالمشايخ الكثر من أقربائي، وكنت ألاحظ انهم يحترمونه ويتجنبونه في آن. هو أيضاً كان يفعل ذلك. هم أيضاً جاؤوا من العراق، ولكن العائلة كانت تنتظرهم وكانت أخلت لهم أماكن وأقارب وحكايات. هو وصل من دون أي حكاية. حل صهراً غريباً وغامضاً. رجل لا يضحك في وجوهنا نحن أطفال العائلة وفتيانها، وكان ذلك يشعرنا بشقاوتنا وشقاوة أهلنا في مقابل انغماس الشيخ ودأبه في العمل والصلاة.
الحبر الذي كان يستعمل في عملية الطبع صار لون المكان كله، والغريب ان مواظبة الشيخ لم تؤتِ ثماراً لجهة تطوير العمل، فبقيت المطبعة متعثرة وقليلة الإنتاج وكثيرة الأعطال التي تسببها بدائية الأجهزة وقدمها. والمثابرة في هذه الحال كانت جزءاً من طبيعة الرجل ومن انعدام السبل الأخرى. ولم يطل الأمر بشيخنا الذي ترك المطبعة وانتقل الى عمل آخر، فحولها قريبه الى منجرة عمل فيها هو مع قريب آخر لنا كان تخرج من مهنية جبل عامل في بلدة برج الشمالي التي كانت تتبع في حينها الى حركة أمل، وفي حينها أيضاً كانت الحركة ملاذ أبناء حزب الدعوة من اللبنانيين القادمين من العراق، وفي تلك المهنية عمل أيضاً مصطفى شمران الإيراني الذي قتل لاحقاً في الحرب العراقية - الإيرانية.
كانت ثمة فروق واضحة بين رجال الدين من أقاربي والصهر الوافد من العراق. كانوا اكثر ارتباطاً بحلة رجل الدين واكثر تخففاً من قيودها. عمي وهو رجل معمم من هؤلاء انشأ مدرسة أهلية واستقدم إليها مدرسات من بلدة عين ابل المسيحية المجاورة. لودي ووفاء وغيرهما من المدرِّسات شغلن تفكير شبان البلدة وشاباتها، فيما رحنا نحن الطلاب الصغار ننظر الى أمهاتنا مستحضرين المدرسات العين ابليات. آخرون من اقاربنا المعممين انصرفوا الى الشعر والى الانحياز لتيارات سياسية عروبية. شيخنا لم يكن من بين هؤلاء. ظل غريباً وصامتاً. أقاربه وأنسباؤه أيضاً من أبناء عائلتنا أصيب بعضهم بشيء من صمته وغربته. أبقوا على قنوات متصلة بلهونا وشقاوتنا، ولكن شيئاً من غربة شيخنا مسَّهم.
كان بعضهم قدم من العراق مخلفاً هناك أباً أو قريباً قتله النظام العراقي السابق. فتى من بينهم كنا نباغته بأن نشتم صدام حسين فيقفل عائداً الى منزله ما ان يسمعنا، فهو حمل خوفه من صدام معه من النجف الى جنوب لبنان.
كان الشيخ الغريب يمثل لنا عقدة ذنب ما. تذكير متقطع بأننا نجنح الى ما كنا لا ندري الى آبين. «انه من حزب الدعوة» وكان هذا شيء لا أفهمه إطلاقاً. وكانت حركة «أمل» في حينها حركة «أهل الضعف» من الجنوبيين، والأرجح ان الشيخ لم ينتمِ اليها، ولكن ربطته بها في أذهاننا علاقة ما. ربما كانت لقريبه الذي الذي تخرج من مهنيتها في البرج الشمالي علاقة ما باعتقادنا هذا، أو للحيته المهذبة والخفيفة، في حين كانت اللحى تغزو الوجوه على نحو مختلف، وبناته اللواتي أبكرن في ارتداء الحجاب. في المساحة غير الواضحة بين حركة «أمل» وحزب الدعوة العراقي نما شيء ما . حركة «أمل» كانت محلية ومحلية جداً. وحزب الدعوة كان عراقياً، ولم يكن شعباً انما أفراد وكوادر. أفراد غرباء وصامتين ولم يعثروا على ضالتهم في بيئة التدين الجنوبية في لبنان.
رحت في ذلك الوقت اربط بين تجهم الشيخ الدائم وبين عمله في المطبعة. كانت تحيرني تلك الأحرف الصغيرة التي يعمل في صفها وتنضيدها، وكانت تأتي سيارات شحن صغيرة محملة بالأوراق لطالما اعتقدت انها تعود لأقارب الشيخ في بلدته المجاورة لمدينة صور. أقارب الشيخ الذين جاؤوا من النجف، رجال نحيلو الأجسام يرتدون قمصاناً طويلة الأكمام في الصيف، وكانوا شديدو السمرة ولطفاء، واكثر من واحد منهم يلثغ بحرف الراء. الشيخ نفسه لم يكن اسمر ولم اعد اذكر ما إذا كان يلثغ بأي حرف، ولست على يقين من انني سمعته يوماً يتكلم. صورته الوحيدة في مخيلتي انه يعمل في المطبعة، وأصابعه مطلية بلون الحبر.
بعد مرور سنوات صار الشيخ قاسم ناشطاً في «حزب الله".
*الحياة اللندنية

التعليقات