بريطانيا: قصر فاخر بمليون جنيه استرليني شرط أن يرعى المشتري بقرة عجوزا مدى الحياة

بريطانيا: قصر فاخر بمليون جنيه استرليني شرط أن يرعى المشتري بقرة عجوزا مدى الحياة
غزة-دنيا الوطن

احيانا لا يكفي المال وحده لشراء عقار الاحلام، فهناك من البائعين من يضع شروطا غريبة على المشتري مقابل الموافقة على الصفقة. وفي سوق يتنافس فيها المشترون على العقار الجيد، قد يكون من الافضل احيانا النظر في بعض هذه الشروط لدراسة امكانية تلبيتها واتمام الصفقة في سبيل الفوز بالعقار وانتزاعه من المنافسين.

هذه الشروط قد تكون غريبة، لكنها قانونية وملزمة ضمن تعاقد الشراء. وتنتشر هذه الظاهرة في الارياف البريطانية التي يكون فيها البيع لعقارات ريفية وقصور فخمة بها العديد من الحيوانات التي تحتاج إلى رعاية خاصة لا يستطيع بائعو العقار ـ من العجائز ـ توفيرها. ويتعامل بعض وسطاء العقار مع هذه الظاهرة بكل جدية فيبحثون خصيصا عن المشتري الذي يلتزم بالشروط حرفيا، حتى ولو كان السعر الذي يعرضه اقل من مستوى المنافسة في السوق.

من هذه الحالات قصر ريفي فاخر في اسكتلندا يباع بحوالي مليون جنيه استرليني بشرط ان «يرعى المشتري بقرة عجوز اسمها روزي مدى الحياة (حياة البقرة!) لان البائع يعتقد ان روزي بلغت من السن الذي يصعب معه نقلها من مكان لآخر. وقصة روزي ليست الاغرب في عالم شروط العقار الغريبة، فهناك عائلة اشترت مزرعة بها منزل من سبع غرف وعشرة فدادين زراعية محيطة به بتخفيض في الثمن وصل الى حوالي 20 في المائة، لانها التزمت بكل شروط البائع ومنها العناية بحصانين وعدد من الماعز والارانب وحوض لاسماك الزينة الاستوائية وبعض الطيور وقطتين.

الغريب ان الاتفاق في هذه الحالة كان شفويا وغير مسجل وهو امر غير معهود في مثل هذه الاتفاقات. وعرف المشتري ان البائع توفي بعد الصفقة بشهور، لكنه التزم بالتعاقد كما كان وفوجئ يوما بزوجة البائع تزور منزلها القديم لتقدم له الشكر على الوفاء بتعهداته.

في تعاقدات العقار قد تكون مثل هذه الشروط مدعاة للتندر والفكاهة، لكنها شروط جدية للغاية ينظر اليها وكلاء العقار من زاوية انها شروط مهمة للبائع وملزمة للمشتري. ويتذكر وكلاء العقار العديد من الشروط الغريبة التي تشمل احيانا العناية بمقبرة حيوان اليف في ركن من اركان الحديقة. كما كان احد الشروط يشبه تماما قصة «مسمار جحا» الشهيرة، فقد اشترطت عائلة اكتساب الحق في زيارة العقار المباع في اي وقت تشاء للترحم على قريب متوفٍ نثر رماده في الحديقة! ويحذر وكلاء العقار من الشروط التي يريد بائع العقار الحصول عليها مكتوبة، وهي في العادة تكتب في صيغة وصية او ملحق بتعاقد بيع العقار يسمىCovenant وبعض هذه الوصايا قد تكون بريئة او غير ضارة مثل اشتراط تغيير اسم العقار حتى لا يحدث التباس في الشخصيات خصوصا اذا كان اسم العقار العريق مرتبطا بالعائلة التي سكنته عقودا وربما قرونا. لكن الشروط الاكثر ضررا هي تلك المتعلقة بالصيانة واصلاحات العقار. فقصر قديم قد يباع رخيصا بشرط ان يتولى البائع اصلاحه واعادته الى حالته الاصلية، لكن مثل هذه الاصلاحات قد تتكلف آلاف الجنيهات واحيانا الملايين.

وفي الحالات التي يباع فيها العقار مع مساحات كبيرة من الاراضي، لا يريد البائع ان يبني عليها المشتري مشروعا يربح منه الملايين على حساب الارض. وهنا يشترط بائع العقار في العادة عدم البناء او يطالب بحصة النصف من اية ارباح في المستقبل تأتي عن طريق البناء على الارض الخالية. وتسبب مثل هذه الشروط الكثير من النزاعات التي قد تصل الى المحاكم.

وفي بعض الاحوال تكون الشروط المرتبطة بالعقار غير عملية لانها تعود الى الحقبة التاريخية التي وضعت فيها. ففي بعض المنازل التي يعود تاريخها الى القرن السابع عشر ما زالت صكوكها تحمل شروطا غريبة مثل منع تحويل العقار الى مذبح للحيوانات، او سلخانة! ولا تقتصر الشروط الغريبة على البيع للاشخاص وانما ايضا على اراضي الاوقاف التي تذهب في بريطانيا الى هيئات خيرية وصندوق وطني يسمى «ناشيونال ترست». فبعض الذين يهبون قصورهم التاريخية للاوقاف يضعون عليها بعض الشروط الغريبة احيانا. ولا يمانع الصندوق الوطني في تلبية معظم هذه الرغبات، لكن الرغبات الصعبة يتم التغاضي عنها بهدوء خصوصا وان اصحابها المتوفين لن يعرفوا ان وصاياهم لم تنفذ.

احد النبلاء توفي في الستينات بعد ان وهب قصره للصندوق الوطني مع اشتراط ان يتم كنس السجاد يوميا من اليمين الى اليسار حتى لا تظهر عليه اثار اقدام، وكذلك ممرات الحديقة التي يجب ان تمشط يوميا بالاسلوب نفسه. وفيما يؤكد الصندوق انه يلتزم بالشروط، فإن الواقع يؤكد ان هذا الالتزام صعب التنفيذ على مدار يومي.

وفي بعض الاحيان يتم اغفال المطالب والشروط المتعلقة بالعقار بعد فترة من الزمن وفقا لتغير الظروف. وهناك الكثير من الحالات التي تم فيها التعدي ليس فقط على مطالب الاحياء وانما ايضا على وصايا الاموات. ففي مقاطعة تقع جنوب غربي لندن وهب عالم احياء توفي في عام 1970 منزله المترامي الاطراف لجمعية خيرية تعمل للحفاظ على البيئة. واشترط الرجل في وصيته ان يترك المنزل على حاله وان يمنع الصندوق البناء على الاراضي المحيطة به الذي كان يرغب في تحويلها الى منطقة طبيعية تملؤها النباتات والزهور. وتم تنفيذ الوصية لاكثر من 35 عاما حتى تعرضت الجمعية الى ازمة مالية فقررت ان تبيع المنزل والاراضي المحيطة به بنصف مليون استرليني لشركة مقاولات. وقررت شركة المقاولات بدورها ازالة المنزل العتيق والتقدم للمجلس المحلي باذن بناء مجمع سكني من الشقق مكانه. وعلى رغم ثورة السكان المحليين وغضب اقارب مالك العقار الاصلي الا ان المجلس المحلي وافق على ترخيص البناء لان المنطقة في حاجة ملحة الى العقارات الجديدة التي هي اهم من وصايا الاموات.

وعندما ثار الرأي العام على جمعية المحافظة على البيئة لخيانتها الامانة وبيع العقار على خلاف رغبة مالكه الاصلي، دافعت الجمعية عن نفسها بالقول ان العقار تحول الى «خرابة» تحيط بها الاعشاب العالية بعد سنوات طويلة من الاهمال. وانه بدلا من أن يتحول الى منطقة طبيعية تحول الى مستودع للقمامة. واضاف مدير العلاقات العامة في الجمعية انها ما زالت جمعية لا تهدف الى الربح وان كل عوائد بيع هذا العقار سوف يعاد استثمارها في مشروعات بيئية اكثر نفعا في المنطقة نفسها. ولكن هذه التأكيدات ما زالت لا ترضي الكثير من اهالي المنطقة الذين يريدون الغاء تراخيص البناء بأمر المحكمة.

وهذه القضية توضح ان الشروط التي قد تبدو معقولة وقت بيع العقار قد تتحول الى مشكلة بعد فترة. وبلغ الامر ان صندوقا مثل «ناشيونال ترست» وغيره من الجمعيات الخيرية تنظر جيدا في عقارات الاوقاف التي تؤول اليها من اجل فحص صكوكها جيدا للتأكد من عدم وجود اي شروط تعجيزية فيها قد تحول الفائدة من العقار الى خسارة للجمعية. وفي الحالات التي يشترط فيها صاحب العقار شروطا تعجيزية ترفض الجمعيات تسلم العقار وتعيده الى منفذي الوصية لكي يقرروا ما اذا كان بمقدورهم الغاء الشروط او تنفيذها بانفسهم بعيدا عن توريط الجمعيات الخيرية بها.

* وصايا العقار أهم من التعاقدات أحيانا

* هناك فارق قانوني تقليدي بين الوصايا Covenants والتعاقدات القانونيةContracts فكان المشّرع يأخذ الوصايا على محمل جدي اكثر من التعاقدات ويميزها بخاتم من الشمع الاحمر وينفذها حتى في غياب او وفاة اصحابها. فالتعاقد ينتهي بوفاة احد الطرفين او فض الاتفاق وديا او قضائيا، ولكن الوصية لا تنتهي حتى بعد الوفاة.

وهناك نوعان من الوصايا، سلبية وايجابية. ويشكك القضاء في امكانية الاستمرار في تنفيذ الوصايا الايجابية التي تلزم المشتري بفعل شيء مثل الاستمرار في طلاء منزل بلون معين او تنظيف قناة تمر بالعقار. اما الوصايا السلبية فهي اسهل في التنفيذ لانها تمنع المشتري من القيام بشيء كبناء سور او رفع مستوى البناء او تحويل استخدام العقار. وفي بدايات القرن الماضي كانت بعض الوصايا في الجنوب الاميركي تمنع بيع العقارات لبعض الاجناس او الديانات كرغبة ملزمة نابعة من انتماء صاحب العقار. ولكن المحكمة الاميركية العليا تدخلت لمنع التفرقة العرقية والدينية من مثل هذه الوصايا، التي اضحت باطلة قانونيا.

وكانت الوصايا في البداية منطقية وتتماشى مع تقاليد المناطق التي تنفذ فيها مثل العناية بالحدائق وعدم قطع الاشجار او المعالم التاريخية. ولكنها مع الزمن تنوعت ودخلت فيها الامزجة الشخصية التي كان بعضها غريبا. وتأخذ المحاكم هذه الوصايا حرفيا وتفسرها التفسير القانوني الارجح في حالة عدم وضوح المعنى وقد يتعرض من يخالفها الى غرامات كبيرة.

وعند شراء العقار لا بد من مراجعة التعاقد القانوني (عبر المحامي) والتأكد من عدم وجود شروط، قد تكون تاريخية ولكنها ملزمة، من شأنها الانعكاس سلبيا على قيمة العقار. وفي معظم الاحوال تكون الوصايا المرتبطة بالعقار مقيدة للحقوق في البناء او القيام بنشاطات معينة داخل العقار مثل تحويل الاستخدام الى نشاط صناعي او تجاري، وايضا عدم جلب حيوانات اليفة او العناية بالموجود منها في العقار. وفي بعض المناطق الطبيعية التي تعنى بالطيور البرية تمنع وصايا البناء في المنطقة الاحتفاظ بالقطط.

ويتلقى المشتري في العادة نسخة من هذه الشروط قبل التعاقد وتتاح له فترة من الوقت لكي يراجع بنودها القانونية قبل ان يلتزم بها، او يرفضها.

التعليقات