عائلة الهلباوي.. تاريخ من الإنشاد
غزة-دنيا الوطن
توارثت عائلة "الهلباوي" أصول فن الإنشاد، فالجد الشيخ الهلباوي محفظ القرآن بأحد كتاتيب قرية "ميت كنانة" بمحافظة القليوبية ومنشد في احتفالات القرية، ويرث الحفيد "محمد الهلباوي" -المولود في فبراير 1946 بباب الشعرية- عن جده تركة تبدأ بالصوت النديّ ولا تنتهي بحب الإنشاد والعمل به، أما الابن "علي محمد الهلباوي"، المولود في 1976، فيستكمل المسيرة بتقديم إنشاد يجمع ما بين الفصحى والعامية، من خلال الإنشاد لقصائد من عيون التراث إلى جانب كلمات يكتبها له شباب الشعراء.
تؤرخ العائلة في نموها لتطور فن الإنشاد وطبقة المنشدين معًا، الأب الشيخ "محمد الهلباوي" تربى في حضن الكتاتيب والأزهر الشريف، وتخرّج ليسجل نفسه بالإذاعة كمنشد، إذ كانت وقت تقدمه لها عام 1978 مكتفية من القراء، فتم اختياره في الابتهالات والتواشيح، وقبلته الإذاعة من اللجنة الأولى، أما الابن الحاصل على دبلوم التجارة، والذي يعيش عصر انحدار الإذاعة وتدهور حالها لأسباب ليس أولها توحّش العين وانتشار الفضائيات، فقد خطا أولى خطواته نحو عالم الصوت الجميل بالغناء في الحفلات والأفراح، ثم قرر ترك الغناء بعد أن رزقه الله بطفلة حتى لا يطعمها من حرام، ولم يفاجأ الشيخ الهلباوي بما سلكه ابنه قائلاً: "لقد عرف ابني (عليّ) أن الغناء على هذه الحالة التي نحن فيها الآن شيء هش ودش ووش ورأى أن يعود إلى الأصالة التي تربى عليها لأنها هي الباقية، فالإنشاد الديني يعتبر وسيلة هامة من وسائل الدعوة إلى سماحة الإسلام، والغناء اليوم وسيلة للهبوط إلى الغرائز، وشتان".
انهيار دولة الإنشاد
الاتجاه إلى الغناء بدلاً من الإنشاد نستطيع أن نتفهمه في ظل الاهتمام الموسمي للدولة بالإنشاد، حيث تسيطر أغاني الفيديو كليب العارية على التليفزيون طول السنة، ولا تتذكر الدولة المنشدين إلا في شهر رمضان والمناسبات الدينية؛ فتقيم لهم الحفلات في أحضان القاهرة الفاطمية (بيت السحيمي، وبيت الهواري، وقصر الأمير طاز)، وتستضيفهم للحديث في البرامج، ويحصل المنشد في الفقرة على أجر زهيد مقارنة بالمطرب -كما يشير الشيخ الهلباوي قائلاً: "إن أجر المطرب في الحفلة الواحدة يزيد على أجر 30 منشداً، حتى إذا تساوى في نفس الوقت المقدم!!"-، كما أن سوق الكاسيت يهتم أكثر بالمطربين.
في الماضي كانت إذاعة القرآن الكريم تقدم المبتهلين والمنشدين من كل القطر المصري – كما يتذكر الشيخ محمد الهلباوي- وكان هناك تقليد بأن تتم إذاعة صلاة الفجر في كل يوم من أحد المساجد، وتستضيف الإذاعة المبتهلين من كل المحافظات فيتعرف عليهم الناس ويسمعونهم ويتعرف المشايخ بعضهم ببعض.
أما الآن فقد تقلص الوقت المخصص للإنشاد قبيل الفجر إلى 4 دقائق بدلاً من 12 دقيقة، وأصبح الوقت المخصص لنقل صلاة الفجر كله لا يتجاوز 45 دقيقة، تتضمن الأذان والإقامة والصلاة وتلاوة القرآن والابتهال! حتى إنهم حذفوا الوقت المخصص لتلاوة القرآن ما بين الأذان والإقامة.
والمدهش -كما يقول "عليّ"- أن التليفزيون المصري يتضمن 12 قناة محلية، تبث كل واحدة منها مدة 20 ساعة، أي أنها 240 ساعة من البث، لا ينال الإعلام الديني منها إلا أقل القليل. هذه الظروف وغيرها جعلته يتجه للغناء الذي تركه، ليعود للإنشاد بتقديم مجموعة من الأناشيد الدينية في ألبوم بعنوان "شكرًا يا رب"، ويقول "علي": "حبي الشديد للموسيقى هو السبب في اتجاهي للغناء وعدم العمل في وظيفة إدارية، مشيرًا إلى أن الصوت الجميل هبة ربانية، إما أن يستخدمها صاحبها في الغناء الخليع ومعصية الله، أو يستخدمها في طاعة الله بالإنشاد والذكر".
كلمة طيبة
اختيار الكلمات مؤشر آخر على الاختلاف بين الزمنين، فالأب يتغنى بقصائد من عيون التراث للإمام البوصيري، والشيخ عبد الرحيم البرعي، وسلطان العاشقين عمر بن الفارض، وللشعراء من فجر الإسلام أمثال: حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وعبد الله بن رواحة، وغيرهم من الصحابة، إلى جانب الشعراء الجدد أو المعاصرين أمثال: محمد التهامي، والشيخ عبد السلام حمزة، وأحمد الخولي، وفؤاد حداد. بينما قرر "علي" الإنشاد بالعامية الأقرب إلى رجل الشارع، فينشد "آمنت بالله"، وهي قصيدة للشاعر الشاب كريم إبراهيم.
يعلق الشيخ "محمد الهلباوي" على ذلك بأن الإنشاد الديني في مصر ينقسم إلى 5 أقسام:
الأول: الإنشاد الصوفي، وتكون الغلبة فيه لأشعار الفصحى، وهو لون من الإنشاد بدأ من 1400 عام، منذ بداية البعثة المحمدية، فعندما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة المنورة استقبله بنو النجار والأنصار بالقصيدة المشهورة (طلع البدر علينا)، وحينما كان المسلمون يشيدون مسجد "قباء" أول مسجد بني في الإسلام كان الرسول يشاركهم عملية البناء وكان الصحابة يقولون: "لئن قعدنا والرسول يعمل.. فذاك منا العمل المضلل". وعندما كان الصحابة يحفرون الخندق في غزوة الأحزاب كانوا ينشدون كلمات الصحابي عبد الله بن رواحة: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا... فأنزلن سكينةً علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا".
وكان مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد الشعراء ومنهم كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيرهم.
والنوع الثاني من الإنشاد: التواشيح الدينية، مثل التي يقدمها "طه الفشني" وبطانته، و"البهتيمي" وبطانته، وغيرهم...
والثالث الإنشاد المنفرد، وهو الذي يسمى بالابتهالات الدينية، كتلك التي يقدمها الشيخ "سيد النقشبندي"، والشيخ "نصر الدين طوبار"، وهو يعتمد على الارتجال الفوري أثناء إلقاء القصيدة.
والنوع الرابع هو الغناء الديني، وهو ملحن من متخصصين في الألحان، ومن ذلك: الشوقيات مع أم كلثوم والسنباطي مثل "ولد الهدى".
والنوع الخامس هو المديح الشعبي الديني، وهو الموجود في جنوب مصر وشمالها في الدلتا، وعلى المنشد أن يتبع ويلم بكل الأقسام لتكوين ثقافته الدينية.
جدل الفصحى والعامية يمكننا أن نفهمه في سياق مدى تذوق المستمع للفظ الفصيح ومن ثم استخدامه له، ولا يمكننا فصل استخدام الشيخ الهلباوي للفصحى عن المناخ العام الذي تربت فيه ذائقة الشيخ، منذ الأربعينيات وحتى الستينيات، ذلك المناخ كانت الأغاني فيه تستعين بكلمات وقصائد فصيحة لكبار الشعراء، بينما تنتمي ثقافة "علي" لمناخ عام يسرف في استخدام العامية ويبتكر ألفاظ عامية جديدة قد لا يستسيغها الكبار.
العمامة.. والبيانو
النغم مكمل للكلم -كما يقول الشيخ الهلباوي- حلاله حلال وحرامه حرام، فإذا كان يبعث على رقي الأخلاق وتحسين علاقة الإنسان بربه ومن حوله من البشر؛ فهو حلال. أما إذا كان يبعث على تلبية غرائز الأرض وشهوات النفس والبعد عن الواجبات الدينية؛ فهو حرام.
درس الشيخ "محمد الهلباوي" الموسيقى في القسم الحر بمعهد الموسيقى العربية، حتى أصبح مدرسًا لمادتي فن التجويد، وفن الإنشاد والمقامات الموسيقية في "مركز الحفني للدراسات الموسيقية". وفي المقابل فقد اكتفى الابن "علي" بالتلمذة الموسيقية على يد أبيه وعدد من المشايخ من خلال الاستماع إليهم والنقل عنهم، وحينما تقدم لاختبار معهد الموسيقى العربية لم يقبل بها، وكان سبب عدم قبوله تقرير اللجنة الممتحنة عدم حاجته للدراسة بسبب اجتيازه عمليًا لما يمكن دراسته في المعهد من مبادئ اللحن والموسيقى. ويرجع الفضل في ذلك إلى تربيته الموسيقية على يد والده الشيخ "محمد الهلباوي".
واستخدام الموسيقى في الإنشاد محكوم بعدد محدود من الآلات الموسيقية - كما يقول الشيخ الهلباوي، فالإنشاد الديني لا تصاحبه موسيقى إلا الدفّ، أما استخدام الناي والعود فمحدود، ومهمته جذب أذن السامع، والأصل في الإنشاد الاعتماد على صوت المنشد.
وعن اختيار اللحن المصاحب للإنشاد يقول الشيخ الهلباوي: "ليس هناك لحن ثابت، وإنما اختيار المقام المناسب للكلمة، فالصيغة اللحنية تكون على حسب الكلمة وبحر الشعر والقافية، لذا ليس هناك ملحّن لي، وإنما كل أعمالي من ألحاني، عدا ما أخذت من الرعيل الأول وعلى رأسهم الشيخ "علي محمود"، والشيخ "زكريا أحمد"".
ورغم الرأي المحافظ الذي ينتهجه الشيخ فقد كانت له تجربةً رائدة في الإنشاد عام 1998، حينما أنشد من التراث الصوفي على السيمفونية رقم 40 لـ"موتسارت" أثناء استضافته في مهرجان موسيقى "موتسارت" بأوبرا مرسيليا. وفي المقابل يتحمس "علي" لفكرة استخدام الموسيقى بشكل أوسع، وإن كان ما زال يستخدم الدف والناي في إنشاده للتراث لكنه لن يتوقف عندهما.
مهنة مهددة بالانقراض
توارث مهنة الإنشاد في العائلة قد لا يستمر اعتراضًا على الظروف السيئة التي لا تحترم المهنة - كما يقول "علي" رافضًا لفكرة تعليم أبنائه الإنشاد. وفي المقابل فإنه لا توجد مدرسة نظامية لتعليم أصول فن الإنشاد، رغم أن الشيخ "محمد الهلباوي" نادى أكثر من مرة بضرورة تأسيسها، ولو من خلال برنامج تليفزيوني يلقن السامعين أصول الإنشاد الديني وطرقه، وفي ذات الوقت تعاني ساحة الإنشاد من ندرة الأصوات الجديدة الجيدة، ويفسر الشيخ الهلباوي هذه الظاهرة بأن الإنشاد يحتاج لبراعة نادرة في التنقل بين المقامات، وموهبة في استخدام الصوت بين درجات أنغام المقام، وهذا ما يفتقر إليه جيل اليوم من الشباب إلا ما ندر.
*اسلام اون لاين-هبة ربيع
توارثت عائلة "الهلباوي" أصول فن الإنشاد، فالجد الشيخ الهلباوي محفظ القرآن بأحد كتاتيب قرية "ميت كنانة" بمحافظة القليوبية ومنشد في احتفالات القرية، ويرث الحفيد "محمد الهلباوي" -المولود في فبراير 1946 بباب الشعرية- عن جده تركة تبدأ بالصوت النديّ ولا تنتهي بحب الإنشاد والعمل به، أما الابن "علي محمد الهلباوي"، المولود في 1976، فيستكمل المسيرة بتقديم إنشاد يجمع ما بين الفصحى والعامية، من خلال الإنشاد لقصائد من عيون التراث إلى جانب كلمات يكتبها له شباب الشعراء.
تؤرخ العائلة في نموها لتطور فن الإنشاد وطبقة المنشدين معًا، الأب الشيخ "محمد الهلباوي" تربى في حضن الكتاتيب والأزهر الشريف، وتخرّج ليسجل نفسه بالإذاعة كمنشد، إذ كانت وقت تقدمه لها عام 1978 مكتفية من القراء، فتم اختياره في الابتهالات والتواشيح، وقبلته الإذاعة من اللجنة الأولى، أما الابن الحاصل على دبلوم التجارة، والذي يعيش عصر انحدار الإذاعة وتدهور حالها لأسباب ليس أولها توحّش العين وانتشار الفضائيات، فقد خطا أولى خطواته نحو عالم الصوت الجميل بالغناء في الحفلات والأفراح، ثم قرر ترك الغناء بعد أن رزقه الله بطفلة حتى لا يطعمها من حرام، ولم يفاجأ الشيخ الهلباوي بما سلكه ابنه قائلاً: "لقد عرف ابني (عليّ) أن الغناء على هذه الحالة التي نحن فيها الآن شيء هش ودش ووش ورأى أن يعود إلى الأصالة التي تربى عليها لأنها هي الباقية، فالإنشاد الديني يعتبر وسيلة هامة من وسائل الدعوة إلى سماحة الإسلام، والغناء اليوم وسيلة للهبوط إلى الغرائز، وشتان".
انهيار دولة الإنشاد
الاتجاه إلى الغناء بدلاً من الإنشاد نستطيع أن نتفهمه في ظل الاهتمام الموسمي للدولة بالإنشاد، حيث تسيطر أغاني الفيديو كليب العارية على التليفزيون طول السنة، ولا تتذكر الدولة المنشدين إلا في شهر رمضان والمناسبات الدينية؛ فتقيم لهم الحفلات في أحضان القاهرة الفاطمية (بيت السحيمي، وبيت الهواري، وقصر الأمير طاز)، وتستضيفهم للحديث في البرامج، ويحصل المنشد في الفقرة على أجر زهيد مقارنة بالمطرب -كما يشير الشيخ الهلباوي قائلاً: "إن أجر المطرب في الحفلة الواحدة يزيد على أجر 30 منشداً، حتى إذا تساوى في نفس الوقت المقدم!!"-، كما أن سوق الكاسيت يهتم أكثر بالمطربين.
في الماضي كانت إذاعة القرآن الكريم تقدم المبتهلين والمنشدين من كل القطر المصري – كما يتذكر الشيخ محمد الهلباوي- وكان هناك تقليد بأن تتم إذاعة صلاة الفجر في كل يوم من أحد المساجد، وتستضيف الإذاعة المبتهلين من كل المحافظات فيتعرف عليهم الناس ويسمعونهم ويتعرف المشايخ بعضهم ببعض.
أما الآن فقد تقلص الوقت المخصص للإنشاد قبيل الفجر إلى 4 دقائق بدلاً من 12 دقيقة، وأصبح الوقت المخصص لنقل صلاة الفجر كله لا يتجاوز 45 دقيقة، تتضمن الأذان والإقامة والصلاة وتلاوة القرآن والابتهال! حتى إنهم حذفوا الوقت المخصص لتلاوة القرآن ما بين الأذان والإقامة.
والمدهش -كما يقول "عليّ"- أن التليفزيون المصري يتضمن 12 قناة محلية، تبث كل واحدة منها مدة 20 ساعة، أي أنها 240 ساعة من البث، لا ينال الإعلام الديني منها إلا أقل القليل. هذه الظروف وغيرها جعلته يتجه للغناء الذي تركه، ليعود للإنشاد بتقديم مجموعة من الأناشيد الدينية في ألبوم بعنوان "شكرًا يا رب"، ويقول "علي": "حبي الشديد للموسيقى هو السبب في اتجاهي للغناء وعدم العمل في وظيفة إدارية، مشيرًا إلى أن الصوت الجميل هبة ربانية، إما أن يستخدمها صاحبها في الغناء الخليع ومعصية الله، أو يستخدمها في طاعة الله بالإنشاد والذكر".
كلمة طيبة
اختيار الكلمات مؤشر آخر على الاختلاف بين الزمنين، فالأب يتغنى بقصائد من عيون التراث للإمام البوصيري، والشيخ عبد الرحيم البرعي، وسلطان العاشقين عمر بن الفارض، وللشعراء من فجر الإسلام أمثال: حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وعبد الله بن رواحة، وغيرهم من الصحابة، إلى جانب الشعراء الجدد أو المعاصرين أمثال: محمد التهامي، والشيخ عبد السلام حمزة، وأحمد الخولي، وفؤاد حداد. بينما قرر "علي" الإنشاد بالعامية الأقرب إلى رجل الشارع، فينشد "آمنت بالله"، وهي قصيدة للشاعر الشاب كريم إبراهيم.
يعلق الشيخ "محمد الهلباوي" على ذلك بأن الإنشاد الديني في مصر ينقسم إلى 5 أقسام:
الأول: الإنشاد الصوفي، وتكون الغلبة فيه لأشعار الفصحى، وهو لون من الإنشاد بدأ من 1400 عام، منذ بداية البعثة المحمدية، فعندما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة المنورة استقبله بنو النجار والأنصار بالقصيدة المشهورة (طلع البدر علينا)، وحينما كان المسلمون يشيدون مسجد "قباء" أول مسجد بني في الإسلام كان الرسول يشاركهم عملية البناء وكان الصحابة يقولون: "لئن قعدنا والرسول يعمل.. فذاك منا العمل المضلل". وعندما كان الصحابة يحفرون الخندق في غزوة الأحزاب كانوا ينشدون كلمات الصحابي عبد الله بن رواحة: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا... فأنزلن سكينةً علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا".
وكان مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد الشعراء ومنهم كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيرهم.
والنوع الثاني من الإنشاد: التواشيح الدينية، مثل التي يقدمها "طه الفشني" وبطانته، و"البهتيمي" وبطانته، وغيرهم...
والثالث الإنشاد المنفرد، وهو الذي يسمى بالابتهالات الدينية، كتلك التي يقدمها الشيخ "سيد النقشبندي"، والشيخ "نصر الدين طوبار"، وهو يعتمد على الارتجال الفوري أثناء إلقاء القصيدة.
والنوع الرابع هو الغناء الديني، وهو ملحن من متخصصين في الألحان، ومن ذلك: الشوقيات مع أم كلثوم والسنباطي مثل "ولد الهدى".
والنوع الخامس هو المديح الشعبي الديني، وهو الموجود في جنوب مصر وشمالها في الدلتا، وعلى المنشد أن يتبع ويلم بكل الأقسام لتكوين ثقافته الدينية.
جدل الفصحى والعامية يمكننا أن نفهمه في سياق مدى تذوق المستمع للفظ الفصيح ومن ثم استخدامه له، ولا يمكننا فصل استخدام الشيخ الهلباوي للفصحى عن المناخ العام الذي تربت فيه ذائقة الشيخ، منذ الأربعينيات وحتى الستينيات، ذلك المناخ كانت الأغاني فيه تستعين بكلمات وقصائد فصيحة لكبار الشعراء، بينما تنتمي ثقافة "علي" لمناخ عام يسرف في استخدام العامية ويبتكر ألفاظ عامية جديدة قد لا يستسيغها الكبار.
العمامة.. والبيانو
النغم مكمل للكلم -كما يقول الشيخ الهلباوي- حلاله حلال وحرامه حرام، فإذا كان يبعث على رقي الأخلاق وتحسين علاقة الإنسان بربه ومن حوله من البشر؛ فهو حلال. أما إذا كان يبعث على تلبية غرائز الأرض وشهوات النفس والبعد عن الواجبات الدينية؛ فهو حرام.
درس الشيخ "محمد الهلباوي" الموسيقى في القسم الحر بمعهد الموسيقى العربية، حتى أصبح مدرسًا لمادتي فن التجويد، وفن الإنشاد والمقامات الموسيقية في "مركز الحفني للدراسات الموسيقية". وفي المقابل فقد اكتفى الابن "علي" بالتلمذة الموسيقية على يد أبيه وعدد من المشايخ من خلال الاستماع إليهم والنقل عنهم، وحينما تقدم لاختبار معهد الموسيقى العربية لم يقبل بها، وكان سبب عدم قبوله تقرير اللجنة الممتحنة عدم حاجته للدراسة بسبب اجتيازه عمليًا لما يمكن دراسته في المعهد من مبادئ اللحن والموسيقى. ويرجع الفضل في ذلك إلى تربيته الموسيقية على يد والده الشيخ "محمد الهلباوي".
واستخدام الموسيقى في الإنشاد محكوم بعدد محدود من الآلات الموسيقية - كما يقول الشيخ الهلباوي، فالإنشاد الديني لا تصاحبه موسيقى إلا الدفّ، أما استخدام الناي والعود فمحدود، ومهمته جذب أذن السامع، والأصل في الإنشاد الاعتماد على صوت المنشد.
وعن اختيار اللحن المصاحب للإنشاد يقول الشيخ الهلباوي: "ليس هناك لحن ثابت، وإنما اختيار المقام المناسب للكلمة، فالصيغة اللحنية تكون على حسب الكلمة وبحر الشعر والقافية، لذا ليس هناك ملحّن لي، وإنما كل أعمالي من ألحاني، عدا ما أخذت من الرعيل الأول وعلى رأسهم الشيخ "علي محمود"، والشيخ "زكريا أحمد"".
ورغم الرأي المحافظ الذي ينتهجه الشيخ فقد كانت له تجربةً رائدة في الإنشاد عام 1998، حينما أنشد من التراث الصوفي على السيمفونية رقم 40 لـ"موتسارت" أثناء استضافته في مهرجان موسيقى "موتسارت" بأوبرا مرسيليا. وفي المقابل يتحمس "علي" لفكرة استخدام الموسيقى بشكل أوسع، وإن كان ما زال يستخدم الدف والناي في إنشاده للتراث لكنه لن يتوقف عندهما.
مهنة مهددة بالانقراض
توارث مهنة الإنشاد في العائلة قد لا يستمر اعتراضًا على الظروف السيئة التي لا تحترم المهنة - كما يقول "علي" رافضًا لفكرة تعليم أبنائه الإنشاد. وفي المقابل فإنه لا توجد مدرسة نظامية لتعليم أصول فن الإنشاد، رغم أن الشيخ "محمد الهلباوي" نادى أكثر من مرة بضرورة تأسيسها، ولو من خلال برنامج تليفزيوني يلقن السامعين أصول الإنشاد الديني وطرقه، وفي ذات الوقت تعاني ساحة الإنشاد من ندرة الأصوات الجديدة الجيدة، ويفسر الشيخ الهلباوي هذه الظاهرة بأن الإنشاد يحتاج لبراعة نادرة في التنقل بين المقامات، وموهبة في استخدام الصوت بين درجات أنغام المقام، وهذا ما يفتقر إليه جيل اليوم من الشباب إلا ما ندر.
*اسلام اون لاين-هبة ربيع

التعليقات