الملك عبدالله الثاني يتجول في حي شعبي بعمان بدون حراسات

الملك عبدالله الثاني يتجول في حي شعبي بعمان بدون حراسات
غزة-دنيا الوطن

المفردات الوحدوية التي إستخدمها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مؤخرا علي هامش إتصالاته بقطاع واسع من الجمهور لا تخلق إنطباعات وحدوية في إطار المجتمع الأردني بشتي أصوله ومنابته فقط لكنها تنطوي علي رسالة ضمنية يمكن أن تقرأ الواقع الذي يعايشه الأن الشعب الفلسطيني.

وهذه المفردات بحد ذاتها أصبحت مادة للحوار في اوساط السياسة بعد ان لوحظت في مساحات بعض النخب عناصر مقاومة مسبقة لأي أفكار لها علاقة بملف البحث في مستقبل العلاقة الأردنية ـ الفلسطينية، وهي مساحات تجد في الواقع مساندة ومناصرة داخل صف الحكومة الحالية برئاسة معروف البخيت.

وما يمكن رصده من لقاءات وفعاليات أواخر رمضان في عمان هو وجود لغة حكومية تختلف في مضمونها ورسالتها عن المفردة المرجعية التي تحاول التفكير بالمستقبل القريب في ظل قناعة عبر عنها بوضوح الملك شخصيا عدة مرات وهو يتحدث عن الوقت الذي يمضي سريعا وعن العام 2007 بإعتباره العام الأصعب إذا لم يجد العالم حلا للقضية الفلسطينية.

وحتي في المسألة الداخلية تجاوبت الحكومة مع آراء كلاسيكية تخلق الوهم والقلق بذريعة إحتمالات المساس بقرار فك الإرتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية، وهي آراء قرئت كثيرا علي مسامع رئيس الحكومة و أخافته بوضوح من تداعيات اي تغيير او تعديل علي برنامج فك الإرتباط ،وحصل ذلك حصريا بعدما فكرت وزارة الداخلية بتشكيل لجنة تحاول تصويب القرارات الخاطئة والظالمة التي مست بحقوق مواطنين أردنيين جراء 18 عاما من تطبيق تعليمات فك الإرتباط. علي الجبهة الملكية في الأردن تبدو صورة المستقبل مهضومة وخاضعة للتقييم ومهيأة للإستعداد لكن علي جبهة الحكومة لا يشعر المراقبون بإستجابات منطقية.

وعلي الجبهة الأولي لا تبدو المملكة الهاشمية قلقة من اي موضوع بقدر قلقها علي مستقبل الملف الفلسطيني وقد تم التعبير عن القلق صراحة فما يحصل في العراق مهم ويؤثر في الأردن لكن يمكن إحتماله وكذلك ما يحصل في لبنان وما يمكن ان يحصل في سورية اما عنصر التأثر المركزي في مجمل المشهد الداخلي الأردني فمرتبط تماما بالمشهد الفلسطيني الداخلي.

وعلي جبهة مرجعيات القرار في الأردن بعيدا عن الحكومة الحالية يعتقد ان الإستحقاق الذي تهرب منه عمان منذ سبع سنوات بات وشيكا بالرغم من وجود مقاومة داخلية وأحيانا حكومية تبني موقفها علي الكثير من الهواجس والمخاوف وهذا الإستحقاق لا يغارد أبدا المساحة الفلسطينية والملك شخصيا عبر عن قلقه ومال للمفردة التي توحد المصير مع الفلسطينيين وهو يخاطب مجموعات متعددة علي هامش إفطارات رمضان السياسية.

ويبدو هنا ان لمبادرات القصر الأردني ما يبررها في هذا السياق فالملك عبد الله الثاني أرسل الأسبوع الأخير من رمضان العديد من الرسائل وفي الكثير من الإتجاهات عندما إلتقي الناس وجها لوجه وخاطبهم بعيدا عن عناوين السياسيين التقليدية سواء شمال المملكة او جنوبها او حتي وسطها الذي تتمركز فيه الكتلة الأكبر من الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية.

والرسالة الوحدوية الأولي وصلت لأهدافها عندما إختار الملك شخصية وطنية أردنية محترمة من طراز محمد الذويب لتلبية دعوة الإفطار في منزل الأخير بمنطقة حي نزال المغرقة في الشعبية... المشهد وقتها كان ملفتا جدا للنظر عدد قليل جدا من السيارات بدون حراسات او مظاهر أمنية وبعدد مرافقين يقل عن عدد مرافقي بعض رجال الأعمال ورؤساء الوزارات في عمان... يخترق هذا الموكب المصغر شوارع حي شعبي في عمان العاصمة وسط الناس وساعة آذان الإفطار لكي يقف وسط دهشة المواطنين امام منزل متواضع يملكه عضو مجلس الأعيان والنائب السابق محمد الذويب.

وخلال دقائق في المكان يكتشف الجميع ان الضيف الحاضر هو الملك عبد الله الثاني شخصيا وبدون مراسم او تكلف او حراس علي الأسطح وبدون إغلاق شوارع او احياء وخلال دقائق يبعث الملك بتحيته للمتجمعين من السكان والمجاورين في منطقة حي نزال ثم يدخل منزل الذويب لتناول طعام الإفطار مع نخبة من الشخصيات العامة والبسيطة وسط دهشة المواطنين في الشوارع.

ومنطقة حي نزال لها مكانة خاصة في وجدان الأردنيين فهي واحدة من أكثر المناطق التي تحتوي كثافة عددية وسكانية من الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية أما المضيف فهو نجل سالم الذويب أحد ابرز مشايخ قبيلة التعامرة ذات الأصل الفلسطيني التلحمي والمناسبة تلبية ملكية لدعوة من مواطن بسيط في حي شعبي متواضع تقطنه أغلبية من الذين تشكك بعض التقارير الإعلامية الغربية وغير الغربية بولائهم احيانا واحيانا اخري بإنحيازاتهم.

المضيف وامام القدس العربي التي حضرت المناسبة كان متواضعا وهو يحدث الحضور قليل العدد عن مستوي الخجل الذي يشعر به جراء التكريم الملكي له بقبول الدعوة والحضور علي رأسهم طاهر المصري ومروان دودين وشخصيات وزارية سابقة كانوا يتجولون في الأسئلة الباطنية حول مغازي ودلالات زيارة من هذا الطراز يترك فيها الرجل الأول في البلاد قصره وحراساته ويصل منفردا لحي شعبي وسط عمان العاصمة للقاء مجموعة من المواطنين.

وإنطلاقا من الأسئلة الحائرة يمكن تلمس الرسالة الأولي للملك الذي يقول ضمنيا بلغة تحدي انه يستطيع التجول بين أبناء شعبه الواحد متي شاء وبدون حراسات او مظاهر مبالغ فيها.

قبل ذلك كانت مؤسسة القصر تتحرك بعد مبادرات تقترب أكثر من الهم الفلسطيني والفلسطينيين، فخلال شهر واحد فقط أمر العاهل الأردني ببناء مئذنة خامسة للمسجد الأقصي وبعدها امر بفرش جديد لكل المسجد الأقصي ثم الإعلان عن إنتهاء إعداد منبر صلاح الدين الجديد في عمان الذي ينتظر الإستقرار بمكانه الحقيقي وسط مماطلة الإسرائيليين بعد إعادة بنائه بمبادرة ملكية أردنية.

وفي تفاصيل الحوار يكشف النقاب عن امر ملكي إنتهي بتزويد مدينة أريحا كاملة بالطاقة الكهربائية وعن سعي لتدبير تمويل لمشروع جديد في وادي الأردن سيضعه الأردن في خدمة الفلسطينيين حيث يجري التحدث عن مطار مخصص للشحن وعن منطقة حرة موازية لأغراض تنشيط المنتج الفلسطيني وإيجاد مصادر إستقطاب لدي المورد الفلسطيني بمعني تنشيط الدورة الإقتصادية الفلسطينية علي ضعفها.

إذا الأردن سياسيا وعمليا يواصل القيام بدور ويستعد لفعل ما يعتقد انه يدخل باب الإستحقاق في ظل المراجعة المقصودة والتي خرجت علي شكل بالونات إختبار لقرار فك الإرتباط، وهي مراجعة فكر رئيس الوزراء معروف البخيت لأسباب غامضة بإجهاضها عندما أعلن في إفطار رمضاني بمنزل الناطق الرسمي بإسم الحكومة ناصر جودة بانه لا رجعة عن قرار فك الإرتباط مقترحا فكرة تظهر لأول مرة حول عدم وجود علاقة للدستور الأردني بقرار وحدة الضفتين المتخذ كما قال من البرلمان في ظرف سياسي معين، مشيرا الي ان الحدود الأردنية بكاملها لم تعلم او توثق في نصوص الدستور الأردني بعد.

وهذا النمط من الإجهاض لفكرة وليدة تحت عنوان العودة لصياغات الضفتين او البحث عن صياغات جديدة علي رأي النائب النشط ممدوح العبادي قد يكون له احد سببين برأي المراقبين، فالبخيت هنا بين إحتمالين أولهما أنه وضع نفسه مسبقا في خندق المقاومة لفكرة مراجعة قرار فك الإرتباط او انه يخطط بذكاء لتصليب المراجعة عبر تقليل القصف عليها مؤقتا.

بكل الأحوال ثمة حركة أردنية نشطة في الإتجاه الفلسطيني داخليا وإقليميا وشرقي مع غربي نهر الأردن، وهي مسألة يعتقد انها واجبة الحصول لإن معركة الدفاع عن الأردن ومصالحه المباشرة تنطلق من السؤال الملكي العلني حول ما ستكون عليه الأمور في الأرض الفلسطينية عام 2007 خصوصا إذا جاء هذا العام بدون وجود أي تصورات توافقية او متفق عليها مسبقا بين القوي الفاعلة.

عمان تقول بوضوح انها لن تقبل او ينبغي ان لا تقبل بالفراغ حتي إذا خطط له الشريك الإسرائيلي السييء، وتقول بلسان واضح ان الدولة الفلسطينية المستقلة هي مصلحة أردنية داخلية وأساسية ومحطة لابد منها قبل الإنطلاق للبحث في اي سيناريوهات عن المستقبل، وتقول بان الوقت يمر بسرعة ولابد من الإستدراك لإن ما سيحصل مرعب للجميع إذا لم يحصل الإستدراك، وبان الوضع الداخلي للرئيس محمود عباس يتوجب ان يتقوي أكثر وأن الإنقسام الحالي في الجسد الفلسطيني ينبغي ان لا يبقي كما هو حتي لو تطلب الأمر تقديم بعض التنازلات لحماس وليس العكس.

ما يمكن قوله بإختصار في المحصلة ان الملف الفلسطيني اصبح الأن ملفا داخليا بالنسبة للأردنيين وتفكير المؤسسة الأردنية منصب علي هذه الحقيقة وما تشهده العاصمة عمان من سجالات مؤيدة او معارضة لمراجعة فك الإرتباط نتاج طبيعي لحالة القلق التي تستوطن الأردنيين معا شرق وغرب نهر الأردن وهو قلق ناتج عن إستشعار جماعي لقرب رياح الإستحقاق الإقليمي في زاويته الفلسطينية.

التعليقات