مثقفة سعودية تتابع المسلسلات المكسيكية والشعر الشعبي وتحب التسوق والساونا وتحظى بتعليقات من مصطفى طلاس
غزة-دنيا الوطن
تبدو لطيفة الشعلان امرأة واقعية بامتياز، طبعاً لا نعني ذلك المصطلح الأدبي الشهير، إنما نقصد أنها تنظر إلى نفسها بموضوعية شديدة، من دون إضفاء عناصر غرائبية على شخصيتها، كما دأب الكتاب على فعل ذلك، ليصورا للقراء أنهم قادمون من كوكب آخر.
فالشعلان تقول بصراحة في حوارها لـ «الحياة» إنها تشاهد أفلام أحمد زكي والمسلسلات المكسيكية وسواها، وتجد في التسوق أو حمام السونا أموراً أهم من ثرثرة المثقفين، وفي الوقت الذي يبدي فيه بعض المثقفين تذمراً وتأففاً من الشعر الشعبي، لا تخجل هي من الاعتراف بأن قراءة قصيدة شعبية جميلة، أولى من الاطلاع على مقال في الخطر النووي الإيراني.
وتذهب الشعلان في صراحة غير معهودة، عندما تذكر أنها لا تتوقع اهتماماً كبيراً بما يكتبه الكتاب في الصحافة، لذلك فهي تنصرف إلى ممارسة هواياتها مكتفية بمقال واحد أسبوعي في مجلة «المجلة». ولعل في حرصها على الكتابة لمطبوعة واحدة، كان سبباً في توهج مقالها الأسبوعي ومتانة لغتها وابتعادها من الترهل، أي أنها تحشد كامل طاقتها اللغوية ولياقتها الفكرية في هذا المقال. فهي تخاف إلى درجة الرهاب من الركاكة والرداءة في الكتابة.
وعلى رغم انتشارها ككاتبة سعودية، إلا أنها مقلة في الحوارات وفي ظهورها الإعلامي، فهي لم تتحول إلى «محللة فضائية»، تعالج مختلف القضايا التي لا يربط بينها رابط، كما نرى كتاباً وكاتبات يقتحمون علينا وقتنا في الصباح والمساء، بكلام مكرور.
في هذا الحوار تتطرق إلى قضايا المرأة، والحداثة في المملكة، وتكشف المفارقة المؤلمة في مجتمع يتوافر على الهياكل الخارجية للتنظيمات وأشكال الإدارة الحديثة، ولكنه يعيش تدهوراً في الموارد والحقوق والحريات، بعكس الحداثة في الغرب التي تجيء في رأيها، انعكاساً لتفاعلات واقعية ومعرفية ولتغييرات متراكمة في أبنية الداخل وأنظمة المجتمع.
تتطرق أيضاً إلى علاقتها بوالدها الشيخ السلفي، وأن ذلك لم يجعل منها سلفية الفكر، إنما أكثر انفتاحاً لأن والدها لم يكن متشدداً، بل العكس.
فإلى نص الحوار:
> أنت مثقفة سعودية اختارت نافذة واحدة للإطلالة على المجتمع، لم هذا التحجيم لنفسك وثقافتك؟
- هذا أحد أكثر الأسئلة التي تطرح عليّ، لنقل إنني مُقِلّة فحتى الحوارات الصحافية نادراً ما وافقت عليها. هناك أكثر من سبب لكوني أكتب مقالاً أسبوعياً واحداً وأرفض عروضاً عدة للكتابة في أكثر من مكان أو لأكثر من مرة في الأسبوع، فمن جهة أجد في المقال الأسبوعي مساحة كافية لقول ما أريده. قد لا تتخيل كم أخاف من الرتابة والرداءة في الكتابة إلى درجة الرُهاب، ويزداد خوفي كلما رأيت عدداً ممن يقع في شَرَك المقالات الباهتة أو الثقيلة مع الافراط أوطول المدة.
ثم دعني أصارحك بأن سقفي في التوقعات بخصوص أهمية أو جدوى مانكتبه في الصحف ليس مرتفعاً جداً. أيضاً هناك ما يرتبط بالايقاع الذاتي، فهناك من يملك الجَلَد لتأليف كتاب في أربعة أسابيع، وهناك من هو مثلي ليس بوسعه سوى كتابة 800 كلمة في الأسبوع. أضف إلى ذلك أن لي هواياتي واهتماماتي الكسولة التي لا أتنازل عنها.
في أحيان كثيرة قد أجد التسوق أو حمام الساونا أكثر أهمية بالنسبة إلي من ملاحقة بعض البربرة الثقافية. أيضا أحب تضييع الوقت أمام التلفزيون، تشدني أفلام الأبيض والأسود، ولا أملّ من مشاهدة أكثر الأعمال التي قام ببطولتها أحمد زكي، وأتابع بعض المسلسلات المكسيكية المدبلجة، وآخر ما تابعته كان مسلسل «روبي» الذي عرضته (الإم بي سي).
وقد أُضيّع وقتاً طويلاً في تصفح منتديات الشعر الشعبي، فقصيدة عذبة لزايد الرويس قد تكون لها الأولوية عندي قبل مقال في الخطر النووي الايراني. وعلى فكرة هذا يعني أن للثقافة أكثر من وجه، فالجاد الرصين في تكويننا الثقافي لا ينبغي أن يُلغي الخفيف اللاهي، وهذا الأخير مهم ليس فقط للترفيه عن عقولنا، بل إن أقلامنا أيضاً تحتاجه من فترة لأخرى حتى لاتتحول كتابة المقالات إلى مجالس ندب ونياحة. أيضاً لاتنسى عملي في الكلية. أما ما يأتي دائماً في المقدم بالنسبة إلي فهو اشتغالي بأمور أسرتي الصغيرة وقيامي بنفسي بكل الشؤون المتعلقة بأطفالي، وهذا يأخذ أكثر وقتي.
> وماذا عن الحوار الوطني... لماذا لا نرى لك فيه حضوراً لافتاً للنظر؟
- هذا السؤال لا يوجه إلي. لكن بشكل عام أنا حريصة على شكل ومضمون أية مشاركة لي، حتى لو كانت كلمة من سطرين. دعني أكون صريحة معك إن مزاجي الثقافي إن صحت التسمية ليس سهلاً، فأنا متمسكة بقناعاتي الخاصة وحريصة على استقلاليتي الثقافية إلى حد الوسواس، ذلك يعني في حدود فهمي أن أحافظ على المسافة التي تجعلني منفصلة أو لنقل متباعدة عن بعض الحضور أو الوجود العام. أعرف أن كثيرين قد يستغربون هذا الرأي أو يخالفونه، لكن هذه وجهة نظري الشخصية، وما يجعل الأمر سهلاً ومريحاً بالنسبة إلي هو أنني بطبيعتي أفضل الهدوء والانعزال على الصخب و الظهور.
> والدك عثمان الشعلان - رحمه الله - كان شيخاً سلفياً، وكانت له برامج دينية قدّمها في إذاعة الرياض على مدى سنوات، وقد سمعت بأنك الآن تقفين على جمع وإعداد بعض تراثه للنشر، من جهة ثانية أنتِ تنطلقين من فكر ليبرالي واضح في كتاباتك التي تتناول مسائل الثقافة والإبداع والمرأة والحقوق والحريات، كيف تتقاطع أو تتضاد المرجعيتان في تكوينك؟ ألا تشعرين بأي غربة أو تناقض؟
- سؤال جميل جوابه كلا، لا أشعر بأي تناقض، ولست حال فريدة، فهناك نماذج أخرى في العالم العربي جاءت من خلفيات يمكن وصفها بالتقليدية، هذا قد يشكل تنوعاً في الروافد الثقافية. لقد كان - رحمه الله - متبحراً في التجويد والفرائض والتفسير والفقه واللغة والنحو والعروض، واشتغل لسنوات معلماً للغة العربية. وكان يقرأ في التراث والسِير والتاريخ ويحب الشعر وله مقطوعات شعرية جميلة ومساجلات مع بعض زملائه بالفصحى والعامية. إنني أندهش أحياناً حين أُفكر في تكوينه الديني الذي كان نسيجاً لوحده، فهو رجل دين نجدي لم يسافر للخارج إلا مرة واحدة، وكانت رحلة علاجية لإسبانيا، مع ذلك عُرف بسعة الأفق والتسامح والبعد من التزمت والتشدد. حين جلست على أحاديثه أجمعها وأرتبها أدهشني أنه من بين 600 صفحة كُتب كثير منها وقُدم في ظل اشتداد فكر الصحوة، لا تجد موضوعاً واحداً في الترهيب والتخويف أو تسخير النص لتكريس دونية المرأة أو الأمور الشكلية التي كان ولا يزال الطرق عليها مكثفاً. إن كل أحاديثه كانت منصبة على شرح العبادات، إضافة إلى الحث على مكارم الأخلاق وحسن المعاملات بين الناس والتحذير من أمراض القلوب والخوض في الأعراض والنهي عن الظلم والتحذير من التنطع. من بين الوثائق التي سأعرضها في مقدم كتابه الذي سيصدر - بإذن الله - مطلع العام المقبل عن «دار عالم الكتب» تحت عنوان «هذا هو الإسلام» رسالة منه إلى مدير إذاعة الرياض وقتها يشرح له فيها فكرة برنامجه قائلاً بالنص: «لما كانت أكثر المواعظ تدور حول الخوف والتحذير، أحببت أن آخذ في الجانب المقابل وهو التعريف بعفو الله... وفيه تأليف للقلوب وباعث قوي على سعة الرجاء في رحمته». أيضاً سيتضمن الكتاب وثيقة أخرى عبارة عن رسالة شخصية منه لمستمع بحريني للإذاعة السعودية كان من الطائفة الشيعية و كتب يسأله عن مذهب السنة ومذهب الشيعة وحديث الغدير فجاء ردّه - رحمه الله - هادئاً متوازناً ومُصدّقاً لمنهجه في الرفق والتسامح. ومن أصدق ما سمعته كان تعليقاً من أستاذ سوري فاضل اسمه نبيل العطار ساعدني في جمع وترتيب وتبويب مادة الكتاب حين قال: إن والدك بتسامحه ومنهجه في الدعوة كان سابقا لزمنه بـ20 سنة على الأقل، لقد تحدث في وقته بما احتاج غيره إلى النوازل حتى يستوعبوا أهميته لحياتنا وأوطاننا. كان ورعاً حد الإمتناع عن الجلوس للفُتيا مع قدرته، ومع أن من كان في مثل علمه كان خليقاً به أن يتصدر المجالس، فقد كان عازفاً عن الشهرة، وعن الدنيا ومتاعها، مكتفياً بوظيفته وبرنامجه الإذاعي وطلابه الذين يقصدونه. عاش نظيفاً، عزيز النفس، وحين توفاه الله لم يكن يملك من حطام الدنيا سوى بيته الصغير المتواضع ومكتبته العامرة. إنه لم يورثني مالاً ولا جاهاً، بل أورثني حب القراءة وتقديس المعرفة والاهتمام بالكتاب وعشق اللغة العربية، فأنا لم أتعصب في حياتي لفكرة ولا لشيء باستثناء هذه اللغة الجميلة التي أتعصب لها بكليتي وأقف في حضرتها متبتلة لدرجة أنني لا أستسخف ولا أستثقل أحداً أكثر من هؤلاء الذين يدسون في كلامهم مفردات أو عبارات انكليزية.
حداثتنا لم تتجاوز القوالب ... والعالم لم يعد يحتمل فكرة الحدود
> في ردود لك على أطروحات الغذامي، قلتِ إن سؤال (لماذا فشلت الحداثة في السعودية؟ هو سؤال مزيف يقود إلى إجابة مزيفة، وأن اشكالية السؤال تتعلق بجزء منها بالخلط بين الحداثة والتحديث، بينما المجتمع السعودي أثبت أن الفصل بين العمليتين ليس مستحيلاً، فهل لا تزالين عند تقويمك الحدّي بأن حركة الحداثة في الثمانينات الميلادية قد نزلت بـ (برشوت) وأنها لم تتجاوز الحداثة الشعرية وأنها كانت ستنتهي هباء منثوراً حتى لو نجت من عواصف الكتب وأشرطة الكاسيت؟
- نعم حداثتنا لم تتجاوز حداثة القوالب. حداثة فنية مقطوعة عن أي سياقات حداثية أخرى، أي لامجال للكلام عن حداثة فكرية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بعكس حداثة القرن الرابع الهجري مثلاً التي كان لها حاضنها الفكري العقلاني والاجتماعي التحرري، هل تتخيل هذه المفارقة ؟ أيضاً نحن نجد مقدمات الحداثة الفكرية والاجتماعية قبل أكثر من قرن في اسهامات النهضويين حين طرحوا أسئلة المرأة والأقليات والمواطَنة وحرية الفكر، بينما لانرى أي أثر لذلك لدى حركة الحداثة السعودية في الثمانينات مع أنهم لم تنقصهم الشجاعة للتعبير عن رؤى وجودية أو فلسفية متجاوزة. فمشكلتهم كانت في الوعي بالحداثة، أدركوها كمفهوم ناجز شاعري كل طموحاته تتشكل في سماء الشعر.
إنك إذا تمعنت في المجتمع العربي ومشهده الثقافي، ستجد أن لديك معظم الهياكل الخارجية للتنظيمات وأشكال الإدارة الحديثة، ولكنك ستُصدم في الوقت ذاته بما تراه من تدهور في الموارد والانتاجية والتعليم والحقوق والحريات والفكر والصحافة والاقتصاد والتنمية والفن والابداع والبيئة. أما الحداثة الأدبية في الغرب، فإنها جاءت انعكاساً لتفاعلات واقعية ومعرفية ولتغييرات متراكمة في أبنية الداخل وأنظمة المجتمع وقيمه وأشكال علاقاته وانتاجه، أي أنها لم تسقط على أهلها بالبرشوت كما سقطت على شباب الثمانينات الذين ظنوا أن الحداثة بمقدورها الاستقلال عن صيرورتها التاريخية والاجتماعية ومنظومتها القيمية. إن الحداثة بحاجة لحركة تحديث عميقة لها شروطها المعرفية والعلمية والانتاجية ولها مخاضاتها الاجتماعية والثقافية التي يتقهقر فيها اللاعقلاني والفئوي والعصبوي والدوغمائي، كما يتراجع فيها العقائدي والمطلق لمصلحة العلمي والنسبي. بإمكاننا أن نتحدث عن عبورنا (التاريخي) من بوابة الطفرة، لكن في مقام آخر غير هذا المقام. فالتحديث المادي من دون النفاذ إلى جوهره من علم نظري وتطبيقي وفكر عقلاني، ومن دون تبيئة الأفكار الليبرالية، هو الذي أنتج لنا مجتمعات تملك أدوات الحداثة لكنها لاحداثية في ماضويتها وفسادها الإداري وتطرفها الفكري ورفضها للآخر وموقفها من المرأة. أقصد أن تحديث الأدوات من دون تحديث الذهن الاجتماعي، وتفكيكه وإعادة تركيبه على عماد من القيم الإنسانية والعلمية الحديثة هو الذي تركنا خارج زمن الحداثة.
> لماذا وصفتِ مقولة «الإسلام ينبذ العنف والإرهاب» بأنها مجرد شعار أو طنطنة؟ وكيف اتهمتِ ِالمعتدلين على الساحة اليوم بأنهم غلاة حتى وإن كنتِ لم تذكري أحداً بالاسم؟
- نحن ننسى أن الدين ليس قيماً ساكنة بل هو عبارة عن فهم الناس وممارساتهم، ومشكلتنا في التفاسير أما النصوص فهي لاتنطق بذاتها، وكثيرون من نقاد التراث نظروا في تلك العملية التي تم من خلالها رفع تفسير النص إلى مرتبة النص نفسه من حيث القداسة.
إن التفسير والفقه علوم انسانية مثلها مثل علم الاجتماع أو علم النفس مثلاً تتأثر بالبيئة وبالحضارة وبالتجربة وبالمسبقات، ولا يجب أن ننسى أنه قد تم تسخير التفسير والفقه كأدوات غير تقليدية في غمار الحروب والصراعات السياسية والمذهبية على مر التاريخ.
ومشكلة التفسير ذات شقين الأول مرتبط بتاريخيته السياسية والثقافية، والثاني متعلق بكونه خلق وقائع تعتبر أكثر تشدداً من منطوق النصوص ذاتها. فالتحدي الذي لن ندخل الحداثة من دونه هو الايمان بأن التراث هو الذي يتحتم عليه أن يتوافق مع تطورنا وحاجاتنا المتغيرة وليس العكس كما هو حاصل الآن.
أي أنه لا مناص لنا من قراءة التراث قراءة تاريخية تزاوج بين الإنساني فيه والإنساني في الحضارة الحديثة. إننا نريد للإسلام أن يعود إلى أصله ديناً بسيطاً فطرياً وهوية ثقافية جماعية، لا كمشروع لعسف المجتمع وقولبته أو كأيديولوجية تنطوي على كل مساوئ الأيديولوجيات. أما بالنسبة إلى الشق الثاني من سؤالك فأقول إن الاعتدال صار يحتاج إلى إعادة توصيف أو ضبط، الملاحظ أن من يوصفون بالمعتدلين مع قلتهم هم كذلك إلى حد ما في رؤاهم السياسية بينما تجدهم غلاة متشددين في المسألة الثقافية والحضارية والاجتماعية. أي أن الانتهازية فقط هي التي ستجعل الإعتدال قابلاً للقسمة أو التجزئة.
> في موضوع المرأة ألا توافقينني أن لك بعض الآراء المثيرة للجدل؟ يحضرني الآن دفاعك عن الضغوط الخارجية وقولك إن المثقفة آخر من يفترض فيها أن تثير جدل الأجندة الغربية في مجال حقوق المرأة لأنه وعلى افتراض وجود أجندة فالتقاء المصالح عملية مشروعة!
- نعم قد يبدو للوهلة الأولى كذلك، لكن ألا تعتقد أن لدينا حالة من الفصام تتمثل في الارتهان إلى سطوة الداخل والخارج، فنعترف بمشكلة المرأة مثلاً ونتحدث عنها ثم ننقلب فجأة على أنفسنا إذا تقاطع هذا مع مطالب الخارج! للأسف حتى بعض المثقفات يقعن فريسة لهذه الشيزوفرينيا، لكن العالم اليوم لم يعد يحتمل فكرة الحدود، لم يعد بامكانك أن تقفل عليك بابك وتمارس ما تشاء، كما أن الحادي عشر من سبتمبر قدّم دليلاً حاسماً على أن الغرب ينكوي بمشكلاتنا الثقافية. ولو لاحظت فهم أيضاً يضغطون على الدول العربية في سبيل مزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية ولكن هذا الضغط إذا لم يصل إلى حد التلويح بالخيار العسكري فإنه لا يثير حفيظة الناس ولا يلتفتون له، لأنهم يشعرون بأن هويتهم الثقافية غير مهددة.
إن أنماط التخلف ليست منفصلة عن بعضها البعض، فالعلاقة قوية بين التخلف السياسي والاقتصادي وبين تخلف أوضاع المرأة، وبالتالي فسؤال المرأة يقع في قلب الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني، وهذا هو منطق الغرب أو مفهومه، حين يضغط في مجال المرأة. إن مفهوم حقوق المرأة هو وليد الثقافة الغربية الحديثة، فلا فائدة من رهنه طوال الوقت لمعركة المصطلح أو التأصيل أو السجال اللاهوتي، لأن العملية عملية تشريعات وقوانين نافذة وليست انشاء جميلاً، كأن تسأل أحدهم فيقول لك إن الإسلام كرّم المرأة، والمرأة هي الأم والأخت والزوجة إلى آخر هذا الكلام. سأضرب لك مثالاً بسيطاً، النساء يتعرضن للعنف المنزلي في كل مكان حتى في الدول الاسكندنافية، لكن هذه ليست القضية حتى نحتج بها عليهم، بل القضية هي في الثقافة التي تشرع العنف ضد المرأة، وفي الحماية الاجتماعية والمؤسسية للمرأة المُعنفة، وفي قانون العقوبات الذي يُجرّم العنف ضد المرأة ويضع له عقوبات صارمة.
> وماذا عن مطالبتك بفرض الإصلاحات المتعلقة بالمرأة على المجتمع فرضاً بغض النظر عن أية ممانعة اجتماعية؟
ـ نعم أفهم ما ترمي إليه، أنا مثلك مقتنعة بفعالية القاعدة الاجتماعية في التغيير، لكن ما حيلتنا إذا انتفت هذه القاعدة أو كانت ضعيفة بفعل تشويه الوعي الذي كان عملية أيديولوجية ممنهجة أخذت عقوداً وخرّجت أجيالاً وراء أجيال. في بعض التجارب من حولنا يمكنك أن ترى كيف تتقاطع قوة الدفع الاجتماعي والإرادة السياسية في إقرار حق ما للنساء مثلاً، بينما في حالتنا ستجد أن مكتسب المرأة السعودية الذي يمكن إيجازه في حق التعليم أتى بقرار رسمي خالص طبق على رغم الممانعة الاجتماعية الشديدة زمنها، فلك أن تتصور بأن قوة من الحرس الوطني كانت تقوم بحراسة أول مدرسة افتتحت للبنات في منطقة القصيم. لكن ماذا كان مآل الممانعين وهم في ظل نظام سياسي واقتصادي وأمني مستقر؟! لقد استوعبوا في النهاية ما عارضوه. لقد كتب لي بعض المتابعين أو هاتفوني وقتها وكان ملخص كلامهم ألم تصدعي رؤوسنا بالحريات والحقوق والديمقراطية، فكيف تطالبين بأن يُفرض على المجتمع شيء ترفضه الأكثرية أو لا تريده، الرد طبعاً لا يحتاج مني لفذلكة، فالمطالبة بتغيير الأوضاع والشروط الجائرة أو غير المنتمية لروح العصر بقوة التشريعات أو القوانين خطوة تقع في صميم المناداة بالحريات والحقوق.
> كيف تصفين معايير حرية الصحافة في السعودية من عام ألفين إلى هذه اللحظة؟
ـ لاشك أن هامش حرية الصحافة اتسع تدريجياً في السنوات القليلة الأخيرة، والصحافة اليوم تتطرق إلى بعض القضايا التي تتماس مع الفكر الديني أو العرف الاجتماعي أو المسألة الثقافية وكانت في السابق أقرب إلى التابوات، لكن الوقت ما زال باكراً جداً في كل العالم العربي حتى نتحدث عن الصحافة الحرة أو الصحافة بفعلها أداة من أدوات المراقبة والمحاسبة. الملاحظ أيضاً أن المطبوعات السعودية ذاتها تختلف في ما بينها بالنسبة لما يمكن أن يُنشر أو يُمنع، وذلك مرده إلى السقوف المختلفة لرئاسات التحرير لكنها قضية قديمة. أما المثير فهو أن الكتاب أنفسهم يختلفون في ما بينهم، فلكل واحد سقفه الذي ينحته بنفسه. هناك مثلاً من تجد رقابته الذاتية على نفسه متشددة إما خوفاً وإما طمعاً، وهذا ينشط كثيراً في إعادة تدوير الأفكار أو في كتابة المراثي، أما إن كان أبسط من ذلك فسيكتب عن سفلتة الشوارع. وهناك من تكون رقابته على ذاته أخفّ، فيكسب بمرور الوقت (حصانة) أدبية تخوله ليزيد قليلاً من جرعة المكاشفة. هذه قراءتي الخاصة ولا أزعم صحتها في المطلق.
مقالاتي منعتني من دخول سورية
في ما يأتي بضعة أسئلة أريد منك إجابات مقتضبة أو سريعة:
> لم تتجنبين وضع حرف الدال قبل اسمك ... هل هو زهد؟
- كلا بل قناعة شخصية بعدم علاقة ما يُكتب في المجلات والصحف بدرجة الكاتب العلمية.
> ما هو أكثر شعور تميزينه في نفس من يلتقيك للمرة الأولى؟
- الدهشة، تقال لي صراحة وأحياناً أستشعرها، ومردها كما يقال لي الفارق الشاسع بين هيئتي وأيضاً طبيعتي الخجولة وبين ما يصفونه بالقوة أو الشراسة في الكتابة.
> هل حقاً لطيفة الشعلان ممنوعة من دخول بعض الدول العربية؟
ـ ممنوعة من سورية فقط، مع أنني سبق وسألت من باب الفضول لا أكثر العماد مصطفى طلاس حين هاتفني مرة معلقاً على بعض مقالاتي فنفى صحة الأمر، وسواء صح الأمر أم لم يصح فأنا لا أحب الصيف إلا في أوروبا، أما حين نكون خاسرين في الأسهم كهذه السنة فنحن نذهب إلى ربوع بلادنا!
> لا تنفكين عن الحديث عن الحرية... ما حدودها في حياتك الخاصة؟ ومن تعتقدينه أكثر فتكاً بالمرأة الرجل أم الدين أم السياسية؟
ـ الحرية قضية نسبية وأنا راضية في حياتي الشخصية، أما شعور الإحباط فيسببه لي الوضع العام وليست لدي مشكلة مع الرجل فمن حسن حظي أنه لم يحضر في حياتي إلا عطوفاً وحانياً: أشقائي وزوجي طالما كانوا «جنتلمانات» في التعامل معي. وحين تسألني من الأكثر فتكاً بالمرأة، فإنني أعتقد أنها تتعرض لقمع مزدوج، تقمعها التيارات الأصولية وتفسيراتها الضيقة، كما يقمعها السياسي بشكل غير مباشر برعايته للأوضاع القائمة خشية التصادم مع القوى المحافظة.
> أخيراً... اختاري اثنين ووجّهي لهما رسالتين قصيرتين؟
ـ عبده خال: ليتك تراجع نفسك بخصوص زاويتك في صحيفة عكاظ... فأنت روائي مميز ولو كنت مكانك لما جعلت تلك المقالات المكتوبة بلغة ركيكة وأفكار مبتذلة تُحسب على تاريخي.
غازي القصيبي: عفوك... لقد أردنا منك دائماً أن تخوض الحروب نيابة عنّا.
تبدو لطيفة الشعلان امرأة واقعية بامتياز، طبعاً لا نعني ذلك المصطلح الأدبي الشهير، إنما نقصد أنها تنظر إلى نفسها بموضوعية شديدة، من دون إضفاء عناصر غرائبية على شخصيتها، كما دأب الكتاب على فعل ذلك، ليصورا للقراء أنهم قادمون من كوكب آخر.
فالشعلان تقول بصراحة في حوارها لـ «الحياة» إنها تشاهد أفلام أحمد زكي والمسلسلات المكسيكية وسواها، وتجد في التسوق أو حمام السونا أموراً أهم من ثرثرة المثقفين، وفي الوقت الذي يبدي فيه بعض المثقفين تذمراً وتأففاً من الشعر الشعبي، لا تخجل هي من الاعتراف بأن قراءة قصيدة شعبية جميلة، أولى من الاطلاع على مقال في الخطر النووي الإيراني.
وتذهب الشعلان في صراحة غير معهودة، عندما تذكر أنها لا تتوقع اهتماماً كبيراً بما يكتبه الكتاب في الصحافة، لذلك فهي تنصرف إلى ممارسة هواياتها مكتفية بمقال واحد أسبوعي في مجلة «المجلة». ولعل في حرصها على الكتابة لمطبوعة واحدة، كان سبباً في توهج مقالها الأسبوعي ومتانة لغتها وابتعادها من الترهل، أي أنها تحشد كامل طاقتها اللغوية ولياقتها الفكرية في هذا المقال. فهي تخاف إلى درجة الرهاب من الركاكة والرداءة في الكتابة.
وعلى رغم انتشارها ككاتبة سعودية، إلا أنها مقلة في الحوارات وفي ظهورها الإعلامي، فهي لم تتحول إلى «محللة فضائية»، تعالج مختلف القضايا التي لا يربط بينها رابط، كما نرى كتاباً وكاتبات يقتحمون علينا وقتنا في الصباح والمساء، بكلام مكرور.
في هذا الحوار تتطرق إلى قضايا المرأة، والحداثة في المملكة، وتكشف المفارقة المؤلمة في مجتمع يتوافر على الهياكل الخارجية للتنظيمات وأشكال الإدارة الحديثة، ولكنه يعيش تدهوراً في الموارد والحقوق والحريات، بعكس الحداثة في الغرب التي تجيء في رأيها، انعكاساً لتفاعلات واقعية ومعرفية ولتغييرات متراكمة في أبنية الداخل وأنظمة المجتمع.
تتطرق أيضاً إلى علاقتها بوالدها الشيخ السلفي، وأن ذلك لم يجعل منها سلفية الفكر، إنما أكثر انفتاحاً لأن والدها لم يكن متشدداً، بل العكس.
فإلى نص الحوار:
> أنت مثقفة سعودية اختارت نافذة واحدة للإطلالة على المجتمع، لم هذا التحجيم لنفسك وثقافتك؟
- هذا أحد أكثر الأسئلة التي تطرح عليّ، لنقل إنني مُقِلّة فحتى الحوارات الصحافية نادراً ما وافقت عليها. هناك أكثر من سبب لكوني أكتب مقالاً أسبوعياً واحداً وأرفض عروضاً عدة للكتابة في أكثر من مكان أو لأكثر من مرة في الأسبوع، فمن جهة أجد في المقال الأسبوعي مساحة كافية لقول ما أريده. قد لا تتخيل كم أخاف من الرتابة والرداءة في الكتابة إلى درجة الرُهاب، ويزداد خوفي كلما رأيت عدداً ممن يقع في شَرَك المقالات الباهتة أو الثقيلة مع الافراط أوطول المدة.
ثم دعني أصارحك بأن سقفي في التوقعات بخصوص أهمية أو جدوى مانكتبه في الصحف ليس مرتفعاً جداً. أيضاً هناك ما يرتبط بالايقاع الذاتي، فهناك من يملك الجَلَد لتأليف كتاب في أربعة أسابيع، وهناك من هو مثلي ليس بوسعه سوى كتابة 800 كلمة في الأسبوع. أضف إلى ذلك أن لي هواياتي واهتماماتي الكسولة التي لا أتنازل عنها.
في أحيان كثيرة قد أجد التسوق أو حمام الساونا أكثر أهمية بالنسبة إلي من ملاحقة بعض البربرة الثقافية. أيضا أحب تضييع الوقت أمام التلفزيون، تشدني أفلام الأبيض والأسود، ولا أملّ من مشاهدة أكثر الأعمال التي قام ببطولتها أحمد زكي، وأتابع بعض المسلسلات المكسيكية المدبلجة، وآخر ما تابعته كان مسلسل «روبي» الذي عرضته (الإم بي سي).
وقد أُضيّع وقتاً طويلاً في تصفح منتديات الشعر الشعبي، فقصيدة عذبة لزايد الرويس قد تكون لها الأولوية عندي قبل مقال في الخطر النووي الايراني. وعلى فكرة هذا يعني أن للثقافة أكثر من وجه، فالجاد الرصين في تكويننا الثقافي لا ينبغي أن يُلغي الخفيف اللاهي، وهذا الأخير مهم ليس فقط للترفيه عن عقولنا، بل إن أقلامنا أيضاً تحتاجه من فترة لأخرى حتى لاتتحول كتابة المقالات إلى مجالس ندب ونياحة. أيضاً لاتنسى عملي في الكلية. أما ما يأتي دائماً في المقدم بالنسبة إلي فهو اشتغالي بأمور أسرتي الصغيرة وقيامي بنفسي بكل الشؤون المتعلقة بأطفالي، وهذا يأخذ أكثر وقتي.
> وماذا عن الحوار الوطني... لماذا لا نرى لك فيه حضوراً لافتاً للنظر؟
- هذا السؤال لا يوجه إلي. لكن بشكل عام أنا حريصة على شكل ومضمون أية مشاركة لي، حتى لو كانت كلمة من سطرين. دعني أكون صريحة معك إن مزاجي الثقافي إن صحت التسمية ليس سهلاً، فأنا متمسكة بقناعاتي الخاصة وحريصة على استقلاليتي الثقافية إلى حد الوسواس، ذلك يعني في حدود فهمي أن أحافظ على المسافة التي تجعلني منفصلة أو لنقل متباعدة عن بعض الحضور أو الوجود العام. أعرف أن كثيرين قد يستغربون هذا الرأي أو يخالفونه، لكن هذه وجهة نظري الشخصية، وما يجعل الأمر سهلاً ومريحاً بالنسبة إلي هو أنني بطبيعتي أفضل الهدوء والانعزال على الصخب و الظهور.
> والدك عثمان الشعلان - رحمه الله - كان شيخاً سلفياً، وكانت له برامج دينية قدّمها في إذاعة الرياض على مدى سنوات، وقد سمعت بأنك الآن تقفين على جمع وإعداد بعض تراثه للنشر، من جهة ثانية أنتِ تنطلقين من فكر ليبرالي واضح في كتاباتك التي تتناول مسائل الثقافة والإبداع والمرأة والحقوق والحريات، كيف تتقاطع أو تتضاد المرجعيتان في تكوينك؟ ألا تشعرين بأي غربة أو تناقض؟
- سؤال جميل جوابه كلا، لا أشعر بأي تناقض، ولست حال فريدة، فهناك نماذج أخرى في العالم العربي جاءت من خلفيات يمكن وصفها بالتقليدية، هذا قد يشكل تنوعاً في الروافد الثقافية. لقد كان - رحمه الله - متبحراً في التجويد والفرائض والتفسير والفقه واللغة والنحو والعروض، واشتغل لسنوات معلماً للغة العربية. وكان يقرأ في التراث والسِير والتاريخ ويحب الشعر وله مقطوعات شعرية جميلة ومساجلات مع بعض زملائه بالفصحى والعامية. إنني أندهش أحياناً حين أُفكر في تكوينه الديني الذي كان نسيجاً لوحده، فهو رجل دين نجدي لم يسافر للخارج إلا مرة واحدة، وكانت رحلة علاجية لإسبانيا، مع ذلك عُرف بسعة الأفق والتسامح والبعد من التزمت والتشدد. حين جلست على أحاديثه أجمعها وأرتبها أدهشني أنه من بين 600 صفحة كُتب كثير منها وقُدم في ظل اشتداد فكر الصحوة، لا تجد موضوعاً واحداً في الترهيب والتخويف أو تسخير النص لتكريس دونية المرأة أو الأمور الشكلية التي كان ولا يزال الطرق عليها مكثفاً. إن كل أحاديثه كانت منصبة على شرح العبادات، إضافة إلى الحث على مكارم الأخلاق وحسن المعاملات بين الناس والتحذير من أمراض القلوب والخوض في الأعراض والنهي عن الظلم والتحذير من التنطع. من بين الوثائق التي سأعرضها في مقدم كتابه الذي سيصدر - بإذن الله - مطلع العام المقبل عن «دار عالم الكتب» تحت عنوان «هذا هو الإسلام» رسالة منه إلى مدير إذاعة الرياض وقتها يشرح له فيها فكرة برنامجه قائلاً بالنص: «لما كانت أكثر المواعظ تدور حول الخوف والتحذير، أحببت أن آخذ في الجانب المقابل وهو التعريف بعفو الله... وفيه تأليف للقلوب وباعث قوي على سعة الرجاء في رحمته». أيضاً سيتضمن الكتاب وثيقة أخرى عبارة عن رسالة شخصية منه لمستمع بحريني للإذاعة السعودية كان من الطائفة الشيعية و كتب يسأله عن مذهب السنة ومذهب الشيعة وحديث الغدير فجاء ردّه - رحمه الله - هادئاً متوازناً ومُصدّقاً لمنهجه في الرفق والتسامح. ومن أصدق ما سمعته كان تعليقاً من أستاذ سوري فاضل اسمه نبيل العطار ساعدني في جمع وترتيب وتبويب مادة الكتاب حين قال: إن والدك بتسامحه ومنهجه في الدعوة كان سابقا لزمنه بـ20 سنة على الأقل، لقد تحدث في وقته بما احتاج غيره إلى النوازل حتى يستوعبوا أهميته لحياتنا وأوطاننا. كان ورعاً حد الإمتناع عن الجلوس للفُتيا مع قدرته، ومع أن من كان في مثل علمه كان خليقاً به أن يتصدر المجالس، فقد كان عازفاً عن الشهرة، وعن الدنيا ومتاعها، مكتفياً بوظيفته وبرنامجه الإذاعي وطلابه الذين يقصدونه. عاش نظيفاً، عزيز النفس، وحين توفاه الله لم يكن يملك من حطام الدنيا سوى بيته الصغير المتواضع ومكتبته العامرة. إنه لم يورثني مالاً ولا جاهاً، بل أورثني حب القراءة وتقديس المعرفة والاهتمام بالكتاب وعشق اللغة العربية، فأنا لم أتعصب في حياتي لفكرة ولا لشيء باستثناء هذه اللغة الجميلة التي أتعصب لها بكليتي وأقف في حضرتها متبتلة لدرجة أنني لا أستسخف ولا أستثقل أحداً أكثر من هؤلاء الذين يدسون في كلامهم مفردات أو عبارات انكليزية.
حداثتنا لم تتجاوز القوالب ... والعالم لم يعد يحتمل فكرة الحدود
> في ردود لك على أطروحات الغذامي، قلتِ إن سؤال (لماذا فشلت الحداثة في السعودية؟ هو سؤال مزيف يقود إلى إجابة مزيفة، وأن اشكالية السؤال تتعلق بجزء منها بالخلط بين الحداثة والتحديث، بينما المجتمع السعودي أثبت أن الفصل بين العمليتين ليس مستحيلاً، فهل لا تزالين عند تقويمك الحدّي بأن حركة الحداثة في الثمانينات الميلادية قد نزلت بـ (برشوت) وأنها لم تتجاوز الحداثة الشعرية وأنها كانت ستنتهي هباء منثوراً حتى لو نجت من عواصف الكتب وأشرطة الكاسيت؟
- نعم حداثتنا لم تتجاوز حداثة القوالب. حداثة فنية مقطوعة عن أي سياقات حداثية أخرى، أي لامجال للكلام عن حداثة فكرية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بعكس حداثة القرن الرابع الهجري مثلاً التي كان لها حاضنها الفكري العقلاني والاجتماعي التحرري، هل تتخيل هذه المفارقة ؟ أيضاً نحن نجد مقدمات الحداثة الفكرية والاجتماعية قبل أكثر من قرن في اسهامات النهضويين حين طرحوا أسئلة المرأة والأقليات والمواطَنة وحرية الفكر، بينما لانرى أي أثر لذلك لدى حركة الحداثة السعودية في الثمانينات مع أنهم لم تنقصهم الشجاعة للتعبير عن رؤى وجودية أو فلسفية متجاوزة. فمشكلتهم كانت في الوعي بالحداثة، أدركوها كمفهوم ناجز شاعري كل طموحاته تتشكل في سماء الشعر.
إنك إذا تمعنت في المجتمع العربي ومشهده الثقافي، ستجد أن لديك معظم الهياكل الخارجية للتنظيمات وأشكال الإدارة الحديثة، ولكنك ستُصدم في الوقت ذاته بما تراه من تدهور في الموارد والانتاجية والتعليم والحقوق والحريات والفكر والصحافة والاقتصاد والتنمية والفن والابداع والبيئة. أما الحداثة الأدبية في الغرب، فإنها جاءت انعكاساً لتفاعلات واقعية ومعرفية ولتغييرات متراكمة في أبنية الداخل وأنظمة المجتمع وقيمه وأشكال علاقاته وانتاجه، أي أنها لم تسقط على أهلها بالبرشوت كما سقطت على شباب الثمانينات الذين ظنوا أن الحداثة بمقدورها الاستقلال عن صيرورتها التاريخية والاجتماعية ومنظومتها القيمية. إن الحداثة بحاجة لحركة تحديث عميقة لها شروطها المعرفية والعلمية والانتاجية ولها مخاضاتها الاجتماعية والثقافية التي يتقهقر فيها اللاعقلاني والفئوي والعصبوي والدوغمائي، كما يتراجع فيها العقائدي والمطلق لمصلحة العلمي والنسبي. بإمكاننا أن نتحدث عن عبورنا (التاريخي) من بوابة الطفرة، لكن في مقام آخر غير هذا المقام. فالتحديث المادي من دون النفاذ إلى جوهره من علم نظري وتطبيقي وفكر عقلاني، ومن دون تبيئة الأفكار الليبرالية، هو الذي أنتج لنا مجتمعات تملك أدوات الحداثة لكنها لاحداثية في ماضويتها وفسادها الإداري وتطرفها الفكري ورفضها للآخر وموقفها من المرأة. أقصد أن تحديث الأدوات من دون تحديث الذهن الاجتماعي، وتفكيكه وإعادة تركيبه على عماد من القيم الإنسانية والعلمية الحديثة هو الذي تركنا خارج زمن الحداثة.
> لماذا وصفتِ مقولة «الإسلام ينبذ العنف والإرهاب» بأنها مجرد شعار أو طنطنة؟ وكيف اتهمتِ ِالمعتدلين على الساحة اليوم بأنهم غلاة حتى وإن كنتِ لم تذكري أحداً بالاسم؟
- نحن ننسى أن الدين ليس قيماً ساكنة بل هو عبارة عن فهم الناس وممارساتهم، ومشكلتنا في التفاسير أما النصوص فهي لاتنطق بذاتها، وكثيرون من نقاد التراث نظروا في تلك العملية التي تم من خلالها رفع تفسير النص إلى مرتبة النص نفسه من حيث القداسة.
إن التفسير والفقه علوم انسانية مثلها مثل علم الاجتماع أو علم النفس مثلاً تتأثر بالبيئة وبالحضارة وبالتجربة وبالمسبقات، ولا يجب أن ننسى أنه قد تم تسخير التفسير والفقه كأدوات غير تقليدية في غمار الحروب والصراعات السياسية والمذهبية على مر التاريخ.
ومشكلة التفسير ذات شقين الأول مرتبط بتاريخيته السياسية والثقافية، والثاني متعلق بكونه خلق وقائع تعتبر أكثر تشدداً من منطوق النصوص ذاتها. فالتحدي الذي لن ندخل الحداثة من دونه هو الايمان بأن التراث هو الذي يتحتم عليه أن يتوافق مع تطورنا وحاجاتنا المتغيرة وليس العكس كما هو حاصل الآن.
أي أنه لا مناص لنا من قراءة التراث قراءة تاريخية تزاوج بين الإنساني فيه والإنساني في الحضارة الحديثة. إننا نريد للإسلام أن يعود إلى أصله ديناً بسيطاً فطرياً وهوية ثقافية جماعية، لا كمشروع لعسف المجتمع وقولبته أو كأيديولوجية تنطوي على كل مساوئ الأيديولوجيات. أما بالنسبة إلى الشق الثاني من سؤالك فأقول إن الاعتدال صار يحتاج إلى إعادة توصيف أو ضبط، الملاحظ أن من يوصفون بالمعتدلين مع قلتهم هم كذلك إلى حد ما في رؤاهم السياسية بينما تجدهم غلاة متشددين في المسألة الثقافية والحضارية والاجتماعية. أي أن الانتهازية فقط هي التي ستجعل الإعتدال قابلاً للقسمة أو التجزئة.
> في موضوع المرأة ألا توافقينني أن لك بعض الآراء المثيرة للجدل؟ يحضرني الآن دفاعك عن الضغوط الخارجية وقولك إن المثقفة آخر من يفترض فيها أن تثير جدل الأجندة الغربية في مجال حقوق المرأة لأنه وعلى افتراض وجود أجندة فالتقاء المصالح عملية مشروعة!
- نعم قد يبدو للوهلة الأولى كذلك، لكن ألا تعتقد أن لدينا حالة من الفصام تتمثل في الارتهان إلى سطوة الداخل والخارج، فنعترف بمشكلة المرأة مثلاً ونتحدث عنها ثم ننقلب فجأة على أنفسنا إذا تقاطع هذا مع مطالب الخارج! للأسف حتى بعض المثقفات يقعن فريسة لهذه الشيزوفرينيا، لكن العالم اليوم لم يعد يحتمل فكرة الحدود، لم يعد بامكانك أن تقفل عليك بابك وتمارس ما تشاء، كما أن الحادي عشر من سبتمبر قدّم دليلاً حاسماً على أن الغرب ينكوي بمشكلاتنا الثقافية. ولو لاحظت فهم أيضاً يضغطون على الدول العربية في سبيل مزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية ولكن هذا الضغط إذا لم يصل إلى حد التلويح بالخيار العسكري فإنه لا يثير حفيظة الناس ولا يلتفتون له، لأنهم يشعرون بأن هويتهم الثقافية غير مهددة.
إن أنماط التخلف ليست منفصلة عن بعضها البعض، فالعلاقة قوية بين التخلف السياسي والاقتصادي وبين تخلف أوضاع المرأة، وبالتالي فسؤال المرأة يقع في قلب الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني، وهذا هو منطق الغرب أو مفهومه، حين يضغط في مجال المرأة. إن مفهوم حقوق المرأة هو وليد الثقافة الغربية الحديثة، فلا فائدة من رهنه طوال الوقت لمعركة المصطلح أو التأصيل أو السجال اللاهوتي، لأن العملية عملية تشريعات وقوانين نافذة وليست انشاء جميلاً، كأن تسأل أحدهم فيقول لك إن الإسلام كرّم المرأة، والمرأة هي الأم والأخت والزوجة إلى آخر هذا الكلام. سأضرب لك مثالاً بسيطاً، النساء يتعرضن للعنف المنزلي في كل مكان حتى في الدول الاسكندنافية، لكن هذه ليست القضية حتى نحتج بها عليهم، بل القضية هي في الثقافة التي تشرع العنف ضد المرأة، وفي الحماية الاجتماعية والمؤسسية للمرأة المُعنفة، وفي قانون العقوبات الذي يُجرّم العنف ضد المرأة ويضع له عقوبات صارمة.
> وماذا عن مطالبتك بفرض الإصلاحات المتعلقة بالمرأة على المجتمع فرضاً بغض النظر عن أية ممانعة اجتماعية؟
ـ نعم أفهم ما ترمي إليه، أنا مثلك مقتنعة بفعالية القاعدة الاجتماعية في التغيير، لكن ما حيلتنا إذا انتفت هذه القاعدة أو كانت ضعيفة بفعل تشويه الوعي الذي كان عملية أيديولوجية ممنهجة أخذت عقوداً وخرّجت أجيالاً وراء أجيال. في بعض التجارب من حولنا يمكنك أن ترى كيف تتقاطع قوة الدفع الاجتماعي والإرادة السياسية في إقرار حق ما للنساء مثلاً، بينما في حالتنا ستجد أن مكتسب المرأة السعودية الذي يمكن إيجازه في حق التعليم أتى بقرار رسمي خالص طبق على رغم الممانعة الاجتماعية الشديدة زمنها، فلك أن تتصور بأن قوة من الحرس الوطني كانت تقوم بحراسة أول مدرسة افتتحت للبنات في منطقة القصيم. لكن ماذا كان مآل الممانعين وهم في ظل نظام سياسي واقتصادي وأمني مستقر؟! لقد استوعبوا في النهاية ما عارضوه. لقد كتب لي بعض المتابعين أو هاتفوني وقتها وكان ملخص كلامهم ألم تصدعي رؤوسنا بالحريات والحقوق والديمقراطية، فكيف تطالبين بأن يُفرض على المجتمع شيء ترفضه الأكثرية أو لا تريده، الرد طبعاً لا يحتاج مني لفذلكة، فالمطالبة بتغيير الأوضاع والشروط الجائرة أو غير المنتمية لروح العصر بقوة التشريعات أو القوانين خطوة تقع في صميم المناداة بالحريات والحقوق.
> كيف تصفين معايير حرية الصحافة في السعودية من عام ألفين إلى هذه اللحظة؟
ـ لاشك أن هامش حرية الصحافة اتسع تدريجياً في السنوات القليلة الأخيرة، والصحافة اليوم تتطرق إلى بعض القضايا التي تتماس مع الفكر الديني أو العرف الاجتماعي أو المسألة الثقافية وكانت في السابق أقرب إلى التابوات، لكن الوقت ما زال باكراً جداً في كل العالم العربي حتى نتحدث عن الصحافة الحرة أو الصحافة بفعلها أداة من أدوات المراقبة والمحاسبة. الملاحظ أيضاً أن المطبوعات السعودية ذاتها تختلف في ما بينها بالنسبة لما يمكن أن يُنشر أو يُمنع، وذلك مرده إلى السقوف المختلفة لرئاسات التحرير لكنها قضية قديمة. أما المثير فهو أن الكتاب أنفسهم يختلفون في ما بينهم، فلكل واحد سقفه الذي ينحته بنفسه. هناك مثلاً من تجد رقابته الذاتية على نفسه متشددة إما خوفاً وإما طمعاً، وهذا ينشط كثيراً في إعادة تدوير الأفكار أو في كتابة المراثي، أما إن كان أبسط من ذلك فسيكتب عن سفلتة الشوارع. وهناك من تكون رقابته على ذاته أخفّ، فيكسب بمرور الوقت (حصانة) أدبية تخوله ليزيد قليلاً من جرعة المكاشفة. هذه قراءتي الخاصة ولا أزعم صحتها في المطلق.
مقالاتي منعتني من دخول سورية
في ما يأتي بضعة أسئلة أريد منك إجابات مقتضبة أو سريعة:
> لم تتجنبين وضع حرف الدال قبل اسمك ... هل هو زهد؟
- كلا بل قناعة شخصية بعدم علاقة ما يُكتب في المجلات والصحف بدرجة الكاتب العلمية.
> ما هو أكثر شعور تميزينه في نفس من يلتقيك للمرة الأولى؟
- الدهشة، تقال لي صراحة وأحياناً أستشعرها، ومردها كما يقال لي الفارق الشاسع بين هيئتي وأيضاً طبيعتي الخجولة وبين ما يصفونه بالقوة أو الشراسة في الكتابة.
> هل حقاً لطيفة الشعلان ممنوعة من دخول بعض الدول العربية؟
ـ ممنوعة من سورية فقط، مع أنني سبق وسألت من باب الفضول لا أكثر العماد مصطفى طلاس حين هاتفني مرة معلقاً على بعض مقالاتي فنفى صحة الأمر، وسواء صح الأمر أم لم يصح فأنا لا أحب الصيف إلا في أوروبا، أما حين نكون خاسرين في الأسهم كهذه السنة فنحن نذهب إلى ربوع بلادنا!
> لا تنفكين عن الحديث عن الحرية... ما حدودها في حياتك الخاصة؟ ومن تعتقدينه أكثر فتكاً بالمرأة الرجل أم الدين أم السياسية؟
ـ الحرية قضية نسبية وأنا راضية في حياتي الشخصية، أما شعور الإحباط فيسببه لي الوضع العام وليست لدي مشكلة مع الرجل فمن حسن حظي أنه لم يحضر في حياتي إلا عطوفاً وحانياً: أشقائي وزوجي طالما كانوا «جنتلمانات» في التعامل معي. وحين تسألني من الأكثر فتكاً بالمرأة، فإنني أعتقد أنها تتعرض لقمع مزدوج، تقمعها التيارات الأصولية وتفسيراتها الضيقة، كما يقمعها السياسي بشكل غير مباشر برعايته للأوضاع القائمة خشية التصادم مع القوى المحافظة.
> أخيراً... اختاري اثنين ووجّهي لهما رسالتين قصيرتين؟
ـ عبده خال: ليتك تراجع نفسك بخصوص زاويتك في صحيفة عكاظ... فأنت روائي مميز ولو كنت مكانك لما جعلت تلك المقالات المكتوبة بلغة ركيكة وأفكار مبتذلة تُحسب على تاريخي.
غازي القصيبي: عفوك... لقد أردنا منك دائماً أن تخوض الحروب نيابة عنّا.

التعليقات