جعلتني مجرما فيلم لا يدعي شيئاً ولا يقدم موضوعاً حقيقياً للمناقشة

جعلتني مجرما فيلم لا يدعي شيئاً ولا يقدم موضوعاً حقيقياً للمناقشة
غزة-دنيا الوطن

نعم هو أفضل فيلم كوميدي لموسم الصيف هذا العام، وليس المقصود بالأفضل أنه الأكثر إضحاكاً. قد يبدو «كتكوت» مضحكا بشكل أكبر للبعض، ولكن المقصود أنه أفضل فيلم مصنف «كوميدي»، وستتأكد من ذلك عندما تقارنه بباقي أفلام الكوميديا الأخرى. يأتي ذكاء الفيلم منذ البداية إنه لا يدعي شيئاً، لن تجد موضوعا حقيقيا تتم مناقشته، سواء فساد رجال الأعمال أو أحوال الناس الفقيرة أو حتى الانتخابات، صناع الفيلم هربوا من كل ذلك حتى لا يقع الفيلم في فخ السطحية التي طالت أفلاماً أخرى، وفي نفس الوقت لم يقدم الفيلم وصلات تهريجية متلاحقة لا تحوي مبدأ التتابع. وعلى العكس، وعلى الرغم من بساطة القصة التي قد تبدو صنعت خصيصاً للأطفال، فهي مقدمة في سيناريو محكم يتصاعد درامياً باستمرار «حتى إن وقع في بعض الأخطاء وعابه التطويل في النهاية»، على الأقل يحسب للسيناريو أنه حاول الابتعاد قدر المستطاع عن الاكليشيهات المحفوظة، عدا مشاهد «حلمي» التي يُضرب فيها من ضخام الجثث، وباستثناء وجود «حسن حسني» بالفيلم بشخصية قدمها من قبل، فوصول الأحداث مثلاً إلى الساحل الشمالي جاء لسبب منطقي تماماً، كما لم يلجأ صناع الفيلم هناك إلى المايوهات التي لاحقتنا طوال أفلام الصيف.

«رشدي أباظة» هذه المرة، ليس الممثل المعروف ساحر النساء، على العكس فرشدي هنا، الذي قد تتهامس الفتيات سخرية من مظهره المضحك، هو شاب بسيط يعمل في التسويق، متعسر الحال يحاول أن يكسب رزقه من الحلال، حتى لو اضطر إلى أن يقوم بالدعاية لراقصة. على الناحية الأخرى، نجد «ملك» الفتاة المدللة ابنة المليونير البخيل، التي تحاول أن تحصل منه على نصيبها من مال أمها، لتضارب به في البورصة، لكن بلا فائدة، تصل إلى حل مع صديقتها «سالي» بإيهام والدها باختطافها من قبل شخص ما، ليدفع له الفدية فتتقاسمها «ملك» مع مختطفها الوهمي الذي يكون بالطبع سيئ الحظ «رشدي أباظة». مشكلة السيناريو تبدأ بعد ذلك مع تطور الأحداث بحيث يقع «رشدي» و«ملك» في الحب، ويعتبر هذا الجزء هو الأضعف في الفيلم، من ناحية اقترب من الشكل التقليدي الذي تقدمه كل الأفلام، ومن الناحية الأخرى كان فقيراً في تفاصيله.

سيكون منصفا تماماً القول إن «حلمي» هو أحد أهم أسباب نجاح الفيلم، ويعود ذلك إلى ذكائه أولاً في عدم تكرار نفسه مهما كلفه الأمر، فالمتابع له منذ «ميدو مشاكل» يدرك ذلك «حتى مع بعض الصفات العالقة معه في كل دور»، وثانياً يعود إلى إخلاصه الشديد للشخصية حتى وإن بدت بسيطة وغير عميقة بذلك الشكل، تأتي «غادة عادل» في دور ابنة الثمانية والعشرين عاماً، الفتاة المدللة التي لا يهمها شيء، قد تبدو غير مقنعة أحياناً وأحياناً أخرى مفتعلة. المشكلة هنا أن مساحة الدور كبيرة، عكس ما نشاهده في أفلام الكوميديا، التي تضع الدور النسائي في المرتبة الثالثة أو الرابعة، لكن مع مساحة الدور، لم تستطع غادة أن تملأ تلك المساحة بالشكل اللازم، غير ذلك فهي تحتاج إلى تنوع أكثر في اختياراتها، «حسن حسني» في دور ليس جديداً على الأقل قام به في مسلسل شهير، المشكلة أنه يقدمه هنا بشكل كاريكاتيري أكثر مما يتطلبه الدور، في حين أن «ريهام عبد الغفور» كانت ذات حضور لطيف، في مساحة جيدة قدمت أداء عفويا وغير مصطنع، في حين وجود «محمود البزاوي» و«عبد الله مشرف» و«ميسرة» في أدوار تقليدية لم تضف لرصيدهم شيئاً.

بالرغم من تميز الطاقم التقني بالفيلم، لكن إمكانات الفيلم نفسه لم تسمح لهم بتقديم شيء مميز، فمدير التصوير مضطر لتصوير نصف الفيلم في مكان واحد، مما خلق رغماً عنه فقراً في المتعة البصرية. المونتاج أيضاً إيقاعه يهبط تماماً في الربع ساعة الأخير بسبب التطويل من السيناريو، كذلك الموسيقى برغم طرافتها وملئها بعض المساحات الفارغة فهي تفشل تماماً لإنقاذ تمثيل سيئ أو مشهد طويل ممل. شريط الصوت لم يخل من عيوب أيضاً، ويظهر ذلك في انخفاض الصوت فجأة كل فترة، وقد مللت من إرجاع مثل هذه العيوب إلى آلة العرض، «عمرو عرفة» في ثالث أفلامه، يثبت إلى أي درجة هو مخرج مجتهد ويبذل مجهودا حقيقيا في عمله، قد لا تكون هناك قضية ما تطرحها أعماله، بقدر ما يشغله أن يقدم أفلاما متنوعة جيدة الصنع.

يقدم الفيلم تحية إلى زمن الفن الجميل من عنوان الفيلم المقتبس من فيلم «فريد شوقي» الشهير «جعلوني مجرما»، إلى أجواء سينما «رشدي أباظة» في لقطة تلفزيونية عابرة، كما لو كانت دعوة صريحة من صناع الفيلم، للعودة إلى سينما رائعة غابت عنا في ظل سوق تجاري صاخب.

التعليقات