قمة اردنية مصرية: سيناريو عربي لإنهاء الصراع .. وخطوات تنفيذية لتكريس التحالف الثلاثي مع السعودية

قمة اردنية مصرية: سيناريو عربي لإنهاء الصراع .. وخطوات تنفيذية لتكريس التحالف الثلاثي مع السعودية
غزة-دنيا الوطن

أهمية الزيارة الخاطفة التي قام بها أمس لعمان الرئيس المصري حسني مبارك لا تكمن فقط في مضمونها وفي تركيبة رموزها الخالية تماما من الحكوميين بل تكمن في توقيتها ، فهذه الزيارة برمجت بدون إعلان مسبق قبل حصول حدثين مترابطين ومهمين الأول هو إصدار إعلان رئاسي فلسطيني ينعي وزارة حماس ويحاول دفنها وتشكيل وزارة جديدة، والثاني يتمثل في زيارة تصفها المصادر الأردنية بانها مهمة للغاية سيقوم بها الملك عبد الله الثاني لواشنطن نهاية الأسبوع الحالي علي ان تنتهي مطلع شهر رمضان المبارك المرتقب.

وعلي نحو واضح إتخذ لقاء القمة الأردني المصري الأخير طابعا خاصا فقد نظم علي عجل وكان قصيرا وخاليا من البروتوكوليات في مثل هذه المناسبات والوفدان المرافقان فرغا تماما من النكهة الحكومية عند الجانبين كما أفادت تقارير محلية في عمان فرئيس الوزراء الأردني معروف البخيت ونظيره المصري أحمد نظيف لم يحضرا خلافا للعادة.

وعلي نحو اوضح تدلل تركيبة الوفدين الرسميين خلال الزيارة علي طبيعة مضمون اللقاء الذي بقي سرا حتي بدون بيان مشترك في مثل هذه الحالات سوي العبارات الإعلامية المعهودة ذات الطابع الإنشائي من طراز مناقشة القضايا ذات الإهتمام المشترك وتطورات الشرق الاوسط والتنسيق المشترك.

وإيحاءات هذه التركيبة تقول ان المسائل التي نوقشت او بحثت او تعرضت لها الزيارة لا علاقة لها بالقضايا والملفات الثنائية بسبب عدم وجود ممثلين للحكومات في اللقاء، وتوحي تركيبة اللقاء ايضا بان المضمون ناقش قضايا خاصة جدا وذات طابع أمني، فقد كان لافتا حضور كبار المؤسسة الأمنية في عمان والقاهرة فقد حضر مدير المخابرات عمر سليمان ونظيره محمد الذهبي.

والبعد الشخصي في المسألة يمكن تلمسه لإن كبير الموظفين في القصر في الجانبين حضر لقاء القمة، ففي الجانب الأردني حضر مدير مكتب الملك باسم عوض ألله وفي المصري حضر زكريا عزمي وكلاهما الأقرب للرجل الأول مما يوحي بأن مسألة ما تخضع للهندسة وبعيدا عن قنوات الحكومات الكلاسيكية وعبر القنوات الملكية والرئاسية مباشرة.

وما يتم هندسته له بالتأكيد علاقة بقضية دولية وإقليمية وسيعقبه تحركات وإتصالات ذات طابع دبلوماسي وسياسي مما يبرر حضور وزير الخارجية في البلدين فقد حضر عبد الإله الخطيب وأحمد أبو الغيط وكلاهما يعمل في الواقع مع مؤسسة القصر والرئاسة مباشرة وليس مع الحكومات المتخصصة بالإستهلاك المحلي.

تركيبة الحضور اذا تعني بان لقاء القمة ليس اعتياديا في الواقع ولا روتينيا وتعني بان شيئا ما يجري الاعداد له او طهوه وان هذا الشيء بحاجة لنقاش علي مستوي القمة قبل الغرق في التفاصيل.

ومع الاخذ بالاعتبار زيارة الملك الاردني الوشيكة لواشنطن وتلميحات الرئيس الفلسطيني عباس يمكن القول ان لقاء عمان المصري الاردني له علاقة بمحورين اساسيين علي اغلب تقدير اولهما الصراع العربي الاسرائيلي، والثاني هو الملف الايراني والتمحور العربي الثلاثي في مواجهته خصوصا بعد ان وضعت حرب لبنان الاخيرة اوزارها وبدأ مخطط ترسيم المنطقة.

اردنيا لم يعد سرا وجود دعوة كانت سرية في الواقع الي بناء وتأسيس محور ثلاثي يجمع الاردن بمصر والسعودية لمواجهة تنامي النفوذ الايراني في المنطقة، واردنيا انتقلت هذه الدعوة التي قيلت في هوامش الحدث خلال لقاءات رسمية في عمان الي مستوي الدعوة العلنية عبر تحركات علي الارض تؤسسها او تؤسس عليها.

واردنيا ايضا استبق لقاء القمة مع المصريين بدعوي صريحة وجهها الملك عبد الله الثاني عبر مجلة تايمز للاستدراك مذكرا بان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني هو جوهر الصراع في المنطقة وبان دولة فلسطينية لا بد ان تولد وبان العام 2007 يجب ان يشهد تقديم منجز حقيقي لقوي الاعتدال والا ستغرق المنطقة في العنف لسنوات طويلة.

ويعني ذلك ان القيادة الاردنية حددت سلفا اطار خطابها ليس فقط في لقائها مع القاهرة ولكن ايضا في اطار الخطاب الذي ستقدمه للادارة الامريكية ابتداء من يوم 16 من الشهر الجاري، وكون قيادة القاهرة قد حضرت لعمان للاستماع والتجاوب يعني ان تفهما ما حصل اصلا علي المضامين الاساسية لخطة عربية شاملة ستقدم للامريكيين قريبا جدا بعنوان انهاء الصراع في فلسطين حسب معطيات المعلومات الاردنية وهذه الخطة وضعت في ملامحها الاساسية، اما اجتماع عمان الاخير فيرسم خطوط وملامح وعناوين التنفيذ الامر الذي يفسر غياب الحكوميين وحضور الامنيين وكبار الموظفين في القصرين الملكي والجمهوري.

وحتي الان لم يعلن عن شيء محدد بخصوص المشروع الجديد الذي يحظي كما علمت القدس العربي بمظلة سعودية كما يحظي باستعداد امريكي للاستماع لكن المفهوم في السياق ان العاهل الاردني في واشنطن سيعرض الافكار ويستشعر الموقف الامريكي ويحفز ماكينة البيت الابيض البطيئة لكي تتحرك باتجاه تقديم منجز علي الارض للمعتدلين العرب قبل الاستحقاق الانتخابي الرئاسي في واشنطن وقبل ان يغرق ملف المنطقة في منطقة الجدال العنيف بين الجمهوريين والديمقراطيين في بلاد العم سام.

اذا زيارة الملك الاردني لواشنطن مبرمجة في التوقيت وسبقها اعلان واضح بحاجة الي تحرك ثقيل يحقق شيئا علي الارض مطلع عام 2007، والرغبة في الحصول علي خط انتاج مبرمج مع المؤسسة المصرية خطوة ايضا في السياق والمراقبون هنا لا يستبعدون ان يحصل ايضا وقبل نهاية الاسبوع الحالي لقاء قمة اردني سعودي لوضع الرتوش الاخيرة علي خطة تحرك ذات بعد دولي واقليمي تحمل عنوان انهاء الصراع وتقدم باسم المحور الثلاثي العربي المعتدل.

وكل ذلك يفترض في الواقع وجود سيناريو موضوع وهو ما تؤكده كافة المصادر فاي خطة لانهاء الصراع في فلسطين لن تنجح في ظل وجود حركة حماس بوضعها الحالي وما يثبت ان الرئيس محمود عباس بالصورة هو اعلان مكتبه المبكر عن نواياه باقالة حكومة حماس وتشكيل وزارة جديدة استنادا الي صلاحياته القانونية.. هذا الاعلان يضع الرئيس عباس كعضو مؤازر يحمل الرقم اربعة في المحور الذي يمثل السعودية ومصر والاردن، وعمان هنا تنبهت مبكرا لان عباس يحتاج التشجيع والتحفيز ولذلك اغلقت كل الابواب مبكرا امام حماس وانصارها في جماعة الاخوان المسلمين الاردنية واعادت فتح الابواب نفسها امام حركة فتح واجتماعات لجنتها المركزية.

وفلسطينيا لا يكتفي عباس بدور الطرف الرابع المؤازر، فالرجل لديه خطة جاهزة ابلغ المقربين منه انه سيقدمها كورقة عمل للمجتمع الدولي وهي خطة نصح بها الاردن ومضمونها ينطلق من استنساخ ما حصل في المشهد اللبناني حيث اجتمعت الامم المتحدة وصدر قرار دولي برعايتها يتم تنفيذه علي الارض.

وفي سياق الاستنساخ يتحدث عباس عن انسحاب اسرائيلي لما قبل عام 2002 يعقبه قوات مراقبة دولية علي النمط اللبناني ثم اعلان دولة فلسطينية في ظل وجود قوات الحماية الدولية ثم اعلان دولة مستقلة والانتهاء بخطوة من طراز اتفاقية نهائية لوقف النزاع بمعني وضع نهاية للصراع في بعده العسكري.

بالنسبة للاردنيين علي الاقل لم يعد ذلك مجرد حلم، فالفرصة متاحة لان يقدم العرب مبادرة من هذا الطراز لا تساعد الفلسطينيين فقط بل تنهي عزلتهم وتحل مشاكل اساسية في الاثناء للاسرائيليين مثل الامن وللامريكيين مثل التفرغ للملف الايراني وتفكيك حلفاء ايران في فلسطين عبر عملية سلام تعيد حركة فتح الي الواجهة وتكرس عباس رئيسا قادرا علي التوقيع. ومن هنا تعتبر اوساط عمان ان زيارة الملك المقبلة لواشنطن قد تكون الاهم لان المعركة الاساسية الان هي استثمار الخسارة الاسرائيلية في لبنان واقناع اولمرت الضعيف والمهزوز بتوقيع اوراق واتفاقيات علي اساس ان اسرائيل كانت تتجنب التوقيع لما يتضمنه من التزامات دولية وكانت تعتقد بانها تستطيع ان تفرض شروطها علي الاخر بالقوة الا ان عمان تري ان الظروف تغيرت بعد الدرس اللبناني، فالمجموعة العربية المعتدلة تستطيع عبر هذا السيناريو المطروح تقديم الورقة التي فشلت قوة اسرائيل العسكرية في تحصيلها وهي ورقة الامن. باختصار يمكن القول ان قمة عمان بين عبد الله ومبارك ليست صدفة او روتينية بل متعلقة علي الاغلب بسيناريو موضوع ومدروس خرج هذه المرة من رحم النظام العربي المعتدل استثمارا للحظة الراهنة والاخيرة في المشهد اللبناني، فمثل هذا الترتيب قد يعقبه ترتبت وحلول اسرع خصوصا علي واجهة الضفة الغربية بدليل ان النخب الاردنية تتحدث همسا عن قناعات تغيرت في عمان بخصوص قصة العلاقة مستقبلا مع الفلسطينيين ،فثمة من يقول في الاردن الان بان المملكة الهاشمية مستعدة لدور ما في الضفة الغربية مادام هذا الدور هو السقف المقبول دوليا واقليميا واسرائيليا.

ويبدو ان شخصاً بذكاء ومواصفات الرئيس عباس التقط ما هو جوهري في حديث نخبة عمان، فالرجل بصدد اعداد صفقة مع الشركاء الكبار في فتح والمنظمة لعقد اجتماع للمجلس المركزي ينتخبه رئيسا لدولة فلسطين، الامر الذي يؤهله في نظره لتوقيع اتفاق كونفدرالي مع دول اخري.. وما يمكن قوله في المحصلة ان الحديث عن هذا السيناريو الكونفدرالي بدأ يعود بقوة الي الجلسات الخاصة في الضفتين الشرقية والغربية لنهر الاردن بعد ان كان حديثا محرما قبل دولة فلسطين وهذه التهامسات في الواقع تنضج وتنمو فيما تقع عمان في صلب مشروع متكامل الان يتضمن سيناريو محتملاً سيسوق للعالم تحت شعار انقذوا الانظمة العربية المعتدلة.

التعليقات