ازمة انقطاع الرواتب:موظفون يهربون من البيوت وآخرون يسطون على حصالات أبنائهم

غزة-دنيا الوطن

لم يجد الأستاذ "ع. د" مخرجاً في الهروب من أعين أبنائه الستة إلاّ سطح المنزل أو الشارع كوسيلة تقيه الالتقاء بهم خوفاً من مطالب جديدة أمام جيب خاوٍ بسبب عدم تلقي الرواتب منذ أكثر من ستة أشهر.

وكثيراً ما يهرب هذا الموظف في إحدى مدارس مدينة طوباس شمال الضفة الغربية الذي يخوض الإضراب المفتوح والشامل عن العمل، بعيداً عن بيته وأبنائه ليس لسبب، سوى أنه يشعر بالعجز الحقيقي إزاء متطلبات بيته وأسرته.

ويعايش "ع. د" كسائر الموظفين ضغوطات اقتصادية ونفسية كثيرة، كان لها الأثر الواضح على شخصيته، التي كانت تتسم بالهدوء والمرح، بعد أن بات لا يجد في جيبه بضعة شواكل تفي بمتطلبات أساسية بسيطة من متطلبات الحياة الكثيرة. ويصف هذا الموظف حياته قبل الأزمة وبعدها، وكأن زلزالاً كبيراً اقتحمها، حيث انقلبت رأساً على عقب.

ويتذكر "ع. د" كيف كان يداعب أطفاله قبل هذه الأزمة في حديقة المنزل كما العصافير، فيركل الكرة مع هذا ويصدها عن ذاك، فيما كان يقف دائماً إلى جانب بناته في ألعابهن الأنثوية، وبين هذه اللعبة وتلك، كان يجمعهم في لعبة "حدارج . . . بدارج" وهي لعبة تراثية قديمة، تتخذ من أصابع اليد مكوناً رئيسياً لها.

ويقول، اليوم يفتقد الأبناء لجميع هذه المداعبات، بل إنهم يفتقدون أباهم الهارب منهم ومن احتياجاتهم غير المحدودة، مؤكداً على أنه يخشى أن يلتقيهم فيطلبوا شيئاً لا يستطيع التعهد بالإيفاء به، وقال إن هذا ما يؤثر بي وأنا الذي لم أرفض لأحدهم طلباً أو أتوانى عن التعهد بآخر".

وكون "ع. د" أب مسؤول عن أبنائه الستة، إضافة إلى الالتزامات العائلية الأخرى المتمثلة في إعالة الوالد الكبير في السن والوالدة التي تعاني أمراضاً عدة فقد كانت المسؤولية الملقاة على كاهلة كبيرة.

وقال، عندما كنت أتلقى راتبي، كنت أنفقه أولاً بأول، والآن لم أعد قادراً على الإيفاء بالتزامات أسرتي، كما أنني أقف عاجزاً عن الإيفاء بواجبي تجاه والدي ووالدتي.

وأصبت الواجبات الاجتماعية والعائلية الأخرى عبئاً آخر يثقل كاهل الأستاذ "ع. د" فأخذ يتهرب في كثير من الأحيان من المناسبات نتيجة لعدم استطاعته أن يزور إحداهن دون تقديم هدية ولو رمزية.

في بداية الأزمة الخانقة، استطاع هذا الموظف تدبير أموره غير أنه سرعان ما أخذت الأمور "تفلت من بين يديه كما يقول، "فتأخير صرف الرواتب طال لأيام وأسابيع وشهر وشهرين وهي المدة التي استطاع أن يصمد فيها".

كانت الوسائل المتاحة لديه لتدبير أموره متعددة، تمثلت في اللجوء إلى المبلغ القليل الذي كان يدخره للأزمات أولاً، ومن ثم السطو على حصالات الأبناء واحداً تلو الآخر قبل أن يلجأ إلى الدين من هذا القريب والصديق وابن الجيران حتى باتت الديون تتراكم" ألف بعد ألف، وأخذت تقلق منامه وتطبق على أنفاسه أينما ذهب".

في هذه الفترة لم يكن يملك أي مبلغ لجلب الخبز والخضار لعائلته، فكان لا بد من إيجاد حل.

وتساءل "ع. د" ماذا بعد ذلك؟! وتابع "أقضي ليلي أفكر من أين أتدبر أموري؟ فكانت الأيام الأخيرة لشهر أيار- مايو بمثابة لحظات النزاع في قدراتي على تدبير الأمور إلى أن جاء القرار الحاسم، والذي تمثل في النزول إلى ميدان العمل.

. وأي عمل كان حتى عمل في البناء والتشييد الذي يتسم بصعوبته الشاقة.

وقال "عملت بهذا العمل طيلة العطلة الصيفية، فكنت أبدأ يومي في السابعة صباحاً إلى السادسة مساء لقاء مبلغ مقطوع يبلغ 60 شيكلاً (الدولار يساوي 4.4 شيكل).

ونفى "ع. د" أن يكون العمل في هذا المجال الذي نجم عنه احتكاك يومي بزملائه وحتى طلابه، سبب له إحراجاً، وقال "عندما أقدمت على هذه الخطوة كنت واثقاً ومقتنعاً بها تماماً، بغية تأمين المتطلبات الأساسية لبيتي وأبنائي.

وأشار إلى أنه استطاع أن يؤمن بعض الالتزامات الأسرية لقاء هذا الأجر الذي كان يحصل عليه، بعد أن يتذوق طعم الموت في كل يوم عمل لأنه يبلغ أكثر من أربعين عاماً، وأنه اعتاد على العمل الوظيفي المكتبي لعشرين عاماً تقريباً. ويصف "ع. د" لحظات العمل قائلاً: كم كان مميتاً بالنسبة لي أن أحمل الإسمنت وأدوات البناء، غير أنني كنت مضطراً ولا بديل أمامي.

وحول مشاركته في الإضراب عن العمل في المدرسة قال: إن هذه الخطوة جاءت بعد لحظات نزاع عديدة عايشتها شخصياً، شأني بذلك شأن غالبية الموظفين الذين جاؤوا نتيجة عدم استلامهم لرواتبهم، مؤكداً على أن مشاركته هذه لا تتعلق بانتمائه لهذا الفصيل السياسي أو ذاك".

وتعكس حالة هذا الموظف لسان حال الغالبية العظمى من الموظفين، الذين يخوضون إضرابهم المفتوح والشامل عن العمل لليوم التاسع على التوالي، بعد أن وصلوا إلى طريق مسدود، فيما يتعلق بكيفية الإيفاء بالتزاماتهم العائلية غير المحدودة.

وأكد موظفون لـ "وفا" على أن ديونهم فاقت العشرة آلاف شيكل، وآخرون باتوا يهجرون بيوتهم وعائلاتهم لإحساسهم بالعجز، فيما قال قسم كبير منهم، إن مشاكل عائلية كثيرة حدثت في حياتهم نتيجة للأزمة الاقتصادية التي يعايشونها.

من ناحيتها، أشارت ريما دراغمة، الأخصائية في الصحة النفسية والأكاديمية في جامعة القدس المفتوحة إلى أنه من الطبيعي جداً أن تترك الأزمات الاقتصادية التي يمر بها الإنسان آثاراً سلبية واضحة على نفسيته وشخصيته فيتعرض لضغوطات نفسية كثيرة.

وأشارت دراغمة إلى أن الموظف الذي لم يتسلم راتبه منذ أشهر يعايش ضغوطات نفسية حقيقية، خاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن الوظيفة تمثل مصدر الدخل الوحيد لغالبية الموظفين، فبات يفتقد لكافة مقومات الحياة الآمنة، وللجو العائلي الأسري الذي من الطبيعي أن يتعكر جراء ذلك، إضافة إلى افتقاده لمتطلبات الحياة الأساسية.

وأكدت على أن تلك الضغوط، تعمل على التشتت العائلي والأسري، فينسحب الرجل من دوره كأب نتيجة عجزه عن الإيفاء بمتطلبات أسرته وأطفاله، فنجده دائماً يغيب عن البيت ويهرب من مسؤولياته، حتى إنه إذا عاد إلى البيت فإنه يعود متوتراً عصبي المزاج وعدوانياً.

وتتنوع الآثار النفسية السلبية، التي تنجم عن الضغوطات الاقتصادية، ما بين العصبية والانطوائية والانسحاب والهروب والاضطرابات السلوكية، إضافة إلى العدوانية.

وحذرت دراغمة من تفاقم هذه الآثار النفسية التي تصل إلى حد الاكتئاب، وهو الأثر الذي يحتاج عندها إلى تدخل نفسي وعلاجي.

ونوهت إلى أن هذه الآثار النفسية السلبية، تظهر جلية على الرجل أكثر من المرأة كونه الداعم الأساسي للبيت والأسرة، كما أنه المسؤول عن تأمين الاحتياجات العائلية، وعن الاستقرار العائلي والأسري.

كما نوهت دراغمة إلى أن ضغوطات نفسية خاصة، يعايشها الموظف المضرب عن العمل، فنراه يعايش نزاعاً نفسياً داخلياً ما بين الالتزام بالإضراب بغية المطالبة بلقمة العيش لأبنائه وأسرته، وما بين الالتحاق بالدوام والإيفاء بمتطلبات وظيفته السامية التي تتمثل في تعليم الأجيال.

التعليقات