حكومة حماس تخطط لـمنع الإنفاق على مخيمات لبنان والسفارات

غزة-دنيا الوطن

وأخيراً، وزَّعت الحكومة العتيدة بلاغ الـموازنة على الوزارات، تمهيداً لإعداد الـموازنة العامة للعام 2007، بلاغاً أقل ما يقال فيه إنه بلاغ مهني من الدرجة الأولى، بغض النظر عن موافقتنا أو معارضتنا لـمضمون السياسة الـمالية التي تضمنها هذا البلاغ، لكن خسارة، فالبلاغ مسروق، وهناك سطو واضح على جهد آخرين، مع إدخال تغييرات أفقدته جزءاً من مهنية "الأصل".

لا أحد يعرف بالضبط تاريخ توزيع البلاغ على وزارات ومؤسسات السلطة، لكن الرسالة الـمرفقة به الى الوزراء والـمؤسسات الحكومية مؤرخة في 15 آب الـماضي، وهي مُذيَّلة بتوقيع القائم بأعمال وزير الـمالية، وزير التخطيط "الأستاذ الدكتور" سمير أبو عيشة، كما يصر على أن يُخاطَب، ولـم تتسلَّـم الوزارات هذا البلاغ إلا بعد أسبوع على الأقل من التاريخ الـمذكور، وتم التعامل مع البلاغ كَسِرّ، ولـم يُنْشَر لا في الصحف ووسائل الإعلام، ولا في الصفحة الالكترونية لوزارة الـمالية، على الأقل حتى يوم أمس، لكن من يقرأه تقفز إلى ذهنه فوراً فكرة "كأني قرأت هذا الكلام من قبل".

فالبلاغ، الذي جاء بعد شهور من التخبط وغياب أي سياسة مالية فعلية للحكومة، وقُرب انتهاء العام الجاري دون قانون للـموازنة العامة، أو حتى أي جهد جدي لإعدادها رغم مرور خمسة أشهر على تَسَلُّم الحكومة لـمهامها وصلاحياتها، يكاد يكون نسخة طبق الأصل عن بلاغ الـموازنة للعام 2006، (باستثناء التغيير في بعض الصياغات والحذف والإضافة هنا وهناك)، الذي وزِّع على الوزارات ومراكز الـمسؤولية في 15 تموز من العام 2005، ونُشِر منذ اليوم الأول في الصحف الـمحلية، وعلى الصفحة الالكترونية لوزارة الـمالية، ضمن تقارير أخرى، دورية وغير دورية، تتعلق بكل صغيرة وكبيرة في شأن الـمال العام، لكنها، بقدرة قادر، حُذفت جميعها تقريباً من الـموقع، بما في ذلك رسالة وزير الـمالية السابق سلام فياض في الصفحة الرئيسية للـموقع، وأهميتها في أنها رسالة تأسيسية أطلق بها الـموقع، وأعلن فيها إنجاز ما يكفي من الخطوات يسمح بنشر تقارير شهرية عن الوضع الـمالي للسلطة خلال اسبوعٍ واحد على انقضاء الشهر، وكرس ذلك كالتزام على وزارة الـمالية، في إجراء يرقى إلى أعلى الـمعايير الدولية في الشفافية والنشر، لكن حُذفت الرسالة وحُذفت التقارير الشهرية المنتظمة، ومعهما، على ما يبدو، الالتزام بالشفافية.

بلاغ الـموازنة "الـمسروق"، شكل محصلات عدة لتجارب سلام فياض: حصيلة إطلاعه على موازنات عشرات الدول خلال 15 عاماً من عمله في صندوق النقد الدولي، بما في ذلك ترؤسه لبعثة الصندوق في الأراضي الفلسطينية لست سنوات، وحصيلة تجربة ثلاث سنوات كوزير للـمالية في السلطة الفلسطينية، في فترة بالغة التعقيد، وأراد من هذا البلاغ تدشين مرحلة جديدة في إدارة الـمال العام، بعد انجاز عدة مراحل في اصلاح وزارة الـمالية في الشقين: الاداري والـمالي، وقدم فيه عرضاً تفصيلياً للوضع الـمالي للسلطة الفلسطينية لعدة سنوات سابقة، والأهم رؤيته لهذا الوضع واسباب النهوض به لثلاث سنوات قادمة (2006- 2008)، وفقاً لأكثر من سيناريو محتمل للأوضاع السياسية، وما يترتب عليها من تطور على صعيد الـمساعدات الخارجية، والإيرادات الـمحلية، ولـم يكن مجرد بلاغ تقليدي يتضمن فقط الإجراءات الواجب اتباعها من قبل الوزارات ومراكز الـمسؤولية والنماذج الخاصة التي يتضمنها عادة أي بلاغ للـموازنة.

بلاغ الـموازنة للحكومة العتيدة للعام 2007 لـم يحمل أية إشارة، ولو من بعيد، إلى أنه منسوخ عن بلاغ الـموازنة للعام 2006 في عهد سلام فياض، ويمكن تفهم هذا الأمر تماماً: فكيف للحكومة أن ترى في السياسة الـمالية لرجل صبت جام غضبها عليه، وحمَّلته كامل الـمسؤولية عن الانهيار الـمالي الذي تعيشه، حتى أن بعض مسؤوليها اتهمه بالتواطؤ مع صندوق النقد الدولي، ورهن إرادة الشعب الفلسطيني لأميركا وإسرائيل بإغراق السلطة بالديون، بأنها أفضل سياسة يمكن اتباعها؟

لكن، لا أظن ان سلام فياض نفسه مستاء من اعتماد الحكومة الحالية لبلاغ الـموزانة الذي وضع فيه جل خبرته، حتى دون إشارة إلى ذلك، وخصوصاً بعدما تعرض لـما تعرض طوال الأشهر الـماضية من حملات تشهير واتهامات بـ "الخيانة"، لكن ما هو ملفت للانتباه ان بلاغ الـموازنة "الجديد/الـمنسوخ" انطلق من نفس منطلقات بلاغ "الأصل"، بما في ذلك ترحيل الأرقام لسنة واحدة الى الأمام (2007-2009 بدلا من 2006-2008)، دون اعتبار للتغيرات الكبرى التي طرأت على الوضع الـمالي للسلطة الفلسطينية منذ تولي حكومة حماس مهامها في 29 آذار الـماضي.

ففي استعراضه للوضع الـمالي السائد للسلطة الفلسطينية، أبقى البلاغ "الجديد/الـمنسوخ"، على الـمساعدات الخارجية الـمخصصة من الـمانحين لتمويل النفقات الجارية للسلطة، إضافة إلى الإيرادات الـمحلية الـمتوقعة، باعتباره محدداً رئيسياً للحد الاقصى في الإنفاق الجاري، ولـم يأخذ بعين الاعتبار حجز إسرائيل للـمستحقات الفلسطينية من الجمارك على وارداتها من إسرائيل أو عبرها منذ شهر آذار الـماضي، والتي شكلت تاريخياً حوالي ثلثي الإيرادات العامة للسلطة، فكيف يستقيم تجاهل الحكومة الجديدة للتطور الأهم والأبرز، والأكثر ضرراً على الـمالية العامة للسلطة منذ توليها مسؤولياتها، وهو حجز الأموال من قبل إسرائيل؟.

أحد التغييرات الجوهرية التي أحدثها "ناسخو" بلاغ الـموازنة تتعلق بالنظرة الى مستقبل الـمساعدات الدولية.

فالرسالة الأساسية التي تضمَّنها بلاغ "الأصل" لـموازنة العام 2006، تقول بأنه: لا يمكن الاعتماد على الـمساعدات الدولية الى الأبد، وعلى مشاريع الـموازنات العامة أن تدعم التوجه نحو الاعتماد على الذات، وخصوصاً بعد توالي خيبات الأمل من شح الـمدفوعات الفعلية من الـمانحين مقارنة مع التزاماتهم وتوقعات الفلسطينيين منهم طوال السنوات الـماضية.

الـمفارقة، أن هذا الكلام جاء من رجل طالـما نُظِر له باعتباره الأكثر قدرة على اجتذاب الـمساعدات الدولية، في حين أن البلاغ "الجديد/الـمنسوخ" للحكومة الحالية، التي تعيش، ونعيش معها في ظل حصار غير مسبوق، يُفرط في التفاؤل مع "بدء ضعف حصار الـمانحون الغربيون (هذا اقتباس)، من خلال تحويل البعض لـمساعدات طارئة لقطاع الصحة وقطاع الخدمات الأساسية ولو بشكل يسير".

أحد الأمور الـملفتة للنظر، أيضا، في البلاغ "الجديد/الـمنسوخ"، هو غياب جدول يجمل الأوضاع الـمالية الـمتوقعة للسلطة خلال سنوات الخطة التي تستهدفها الـموازنة، وهو موجود في البلاغ "الأصل"، مع جدول تفصيلي، يوضح الوضع الـمالي للسلطة خلال السنوات الثلاث القادمة وفقاً لسيناريوهين: الاستمرار في السياسة الـمالية الحالية، وسياسة تتضمن إجراءات تصحيحية تم إيضاحها في البلاغ، ويشكل هذا الجدول عادة حجر الزاوية في أي بلاغ للـموازنة، وهو خلاصة استنتاجات ما ورد في البلاغ، ولكن بنسب مئوية وأرقام مطلقة.

أما "الكارثة" الحقيقية في بلاغ الـموازنة "الجديد/ الـمنسوخ"، فقد كانت من نصيب الإجراءات الـمطلوبة لتحقيق أهداف الـموازنة العامة للعام 2007، اذ أبقى على جميع الإجراءت، تقريبا، التي تضمنها البلاغ "الأصل"، والتي تركزت بالأساس على بند الرواتب والأجور، مع استحداث بند جديد ينص على "الوقف التام للصرف لأي جسم خارج السلطة الوطنية الفلسطينية"، دون تحديد ما هو الـمقصود بهذه الأجسام، فأية أجسام خارج السلطة يصرف لها من موازنتها ستحرم الآن من هذه الـموازنات؟

دون "فذلكة" في التكهنات، فالصرف من موازنة السلطة في الخارج يكاد يكون محصوراً بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومخيمات الشتات وخصوصاً في لبنان، والبعثات الدبلوماسية والسفارات، ومؤسسة رعاية اسر الشهداء التي تتبع منظمة التحرير. ودون "فذلكة" أيضاً، فالـمقصود بهذا البند هو وقف الصرف لهذه الجهات، وهذه كارثة بحد ذاتها، وتشي بالأهداف السياسية بعيدة الـمدى التي ترمي إليها الحكومة الحالية، ومن ورائها حركة حماس تجاه منظمة التحرير.

قبل أيام قليلة من وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات، اتصل أبو عمار هاتفياً بوزير الـمالية السابق سلام فياض، وفي ظل شح الـمعلومات عن حالته الصحية في مشفى "بيرسي" العسكري بباريس، انهالت الـمكالـمات على فياض من قبل الصحافيين يومها في محاولة لاستشفاف أية معلومة (هل تذكرون؟)، وكان جواب فياض أن الرئيس أراد الاطمئنان على صرف رواتب الـموظفين، خاصة أن عيد الفطر كان على الأبواب، لكن فياض قال للصحافيين حينذاك نصف الحقيقة، وأخفى النصف الآخر، فما الذي لـم يقله فياض حينها؟

صحيح أن كلام الرئيس عرفات عبر الهاتف كان مفهوماً، لكن في صوته ما يكفي للحكم بأنه كان يقول كلـماته الأخيرة، ووصية الإنسان دائماً في كلـماته الأخيرة، ووصية عرفات لفياض وهو يُوَدِّع كانت : لا تنسى إخوانك في لبنان.

المصدر: صحيفة الأيام

التعليقات