خطة في السعودية بمنع النساء من الصلاة في صحن الكعبة المشرفة

غزة-دنيا الوطن

أثارت خطة صادرة عن الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين باستبدال الموقع الحالي المخصص للنساء في صحن المطاف في الكعبة المشرفة لأداء الصلوات بموقعين آخرين في الدور الأرضي يقعان في الشرفة الشمالية، ردات فعل آخذة في الاتساع.

ففي حين أعرب علماء دين سعوديون عن رضاهم بالخطة التي أعلنت عنها الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين، عارضتها باحثة إسلامية سعودية، مشيرة إلى أن الهدف هو "ابعاد المرأة عن هذا المكان".

وكان مصدر مسؤول بالرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين أفاد صحيفة "المدينة" السعودية، بأن الموقعين الجديدين اللذين سيخصصان لصلاة النساء، ويطلان مباشرة على الكعبة المشرفة "بعيدا عن الزحام"، يقع أولهما بين باب الفتح وباب الندوة، فيما يحتل الثاني بين باب المدينة وباب الحديبية.

وأوضح المصدر ذاته أن هذين الموقعين "أكثر ملاءمة للنساء حيث تبلغ مساحتهما ضعف الموقع السابق التي لم تكن تزيد على 630 مترا". وقال إن الموقعين الجديدين يحققان السلامة والخصوصية والإطلالة على الكعبة المشرفة وعدم التضييق على الطائفين خاصة خلال المواسم.

من ناحيتها اعتبرت سهيلة زين العابدين، عضو الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في حديث خاص لـ"العربية.نت" أن من حق المسلمين جميعا، رجالا ونساء، أن يؤدوا الصلاة في صحن المطاف، لافتة إلى أن "الله ساوى بيننا في التكاليف والفرائض والثواب والعقاب والقصاص ولم يسقط عن النساء فريضة لأنوثتهن".

وأضافت "من حقنا الطواف في صحن الكعبة نراها ونتمتع بالنظر اليها ونلجأ إلى الله في بيته في أقرب مكان وهو تحت كرسي العرش"، متسائلة "لماذا نحرم من الطواف في مثل هذا المكان؟". ولم تقبل زين العابدين الحجة القائلة بابعاد النساء عن الزحام، مشيرة إلى أن الطواف والسعي فيهما زحام أشد.

واعتبرت أن الأمر ينطوي على تناقض، لكون الاختلاط يحدث في الطائرات (الخطوط الجوية السعودية) حيث تلزم النساء بالجلوس قرب رجال أجانب، وفي رحلات طويلة، يحدث خلالها احتكاك في بعض الأحيان. واتهمت زين العابدين الرجال بالرغبة في الاستئثار بصحن الكعبة، مؤكدة "الحجج في هذا الخصوص واهية وغير مقبولة".

اتهام بمحاولة ابعاد المرأة

وزادت بأن الإمام مالك أجاز صلاة الرجل خلف المرأة، في حين "أننا على المذهب الحنبلي"، لافتة إلى أن نساء كثيرات ورجال كثيرين يتبعون المذهب المالكي، و"صحن الكعبة للمسلمين جميعا، وليس لفئة دون أخرى".

وقالت زين العابدين التي تنشط في مجال البحوث الإسلامية إنها تشعر بالأسف كون "القائمين على أمر الحرمين الشريفين همهم ابعاد المرأة عن هذا المكان. ولفتت إلى أن الأمر ذاته يحدث في الروضة الشريفة، على الرغم من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)، لكن الرجال يستأثرون بالروضة الشريفة أيضا على حد قولها.

وأضافت "نعطى كنساء متر واحد فقط في ساعات قليلة من الشروق وحتى الحادية عشر، باستثناء يوم الجمعة حيث نمنح ساعة واحدة بعد صلاة الجمعة في الروضة الشريفة، في مقابل بقية الساعات كلها للرجال وفي مساحات أكبر".

وأكدت زين العابدين بأنه يجري طرد النساء بعد ذلك "بطريقة همجية" من قبل القائمين على شؤون الحرمين الشريفين والحراس، رجالا ونساء.

واستدلت زين العابدين بالحديث النبوي الشريف:( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، لتشدد على أن النساء لن يتنازلن عن حقهن في الصلاة في صحن المطاف المكي. ولفتت إلى أن النساء يمنعن من التعلق بأستار الكعبة، والدعاء هناك، بذريعة أن هناك رجالا حولها - الكعبة -، وأن في الأمر "بدعة" مستنكرة ألا يكون فيما يفعله الرجال بدعا.

وأشارت إلى "أنهم يقولون إن للنساء حق في أداء ركعتي الطواف في صحن الكعبة في غير أوقات الصلاة، لكن حتى هذا الحق لا نعطى إياه، لوجود رجال في المكان غالبا ما يأمروا المسلمات بالذهاب إلى أماكن النساء".

وأوضحت زين العابدين بأن نساء مسلمات أخريات يشاطرنها الرأي ذاته بهذا الصدد، مؤكدة أن كثيرات أبدين امتعاضهن من "المعاملة" التي يلقينها في الحرمين الشريفين، وأنها سمعت بأذنها هذه الآراء الناقدة لدى مشاركتها في مؤتمر لاتحاد العلماء المسلمين عقد أخيرا في أسطنبول (تركيا).

وقالت زين العابدين إنها تبكي بمجرد مغادرتها الحرمين الشريفين كلما قصدتهما بسبب الاضطهاد والظلم اللذين تتعرض لهما بصفتها أنثى، من قبل القائمين على أمر الحرمين وحراسهما رجالا ونساء. وزادت بأن النساء يضطررن إلى القدوم منذ صلاة العصر، إذا أردن تأدية صلوات التراويح في رمضان في صحن المطاف بسبب الزحام.

مطالب بمصليات للنساء عند أبواب الحرم المكي

ولفتت "الرجل مقدس لديهم، والمرأة مهانة". وتساءلت زين العابدين "طالما هم استطاعوا تنظيم خروج النساء من أبواب الحرم المكي قبل الرجال، فلماذا لا يتم التفكير في تنظيم مماثل بخصوص صحن الكعبة". ولامت زين العابدين في سياق حديثها لـ"العربية.نت" واضعي الخطة الذين أغفلوا مشاركة النساء في لجان كهذه تقرر في شؤون المرأة المسلمة، مشيرة إلى وجود مطوّفات ودليلات كان بمقدورهن تقديم العون وطرح مقترحات بهذا الشأن.

وطالبت بأن تخصص "مصليات" خاصة بالنساء عند الأبواب الرئيسة للحرم المكي للتسهيل على كبيرات السن والمريضات اللائي يجدن مشقة في بلوغ الأماكن المخصصة للنساء في الحرم المكي. وأكدت زين العابدين بأن النساء لابد أن يرفعوا مظلمتهن من هذا القرار إلى خادم الحرمين الشريفين إذا تم تطبيق القرار، مبدية وثوقها بأن "خادم الحرمين الشريفين لا يرضيه منع النساء من الصلاة في صحن الطواف".

القرني: لا مانع من القرار

من ناحيته لا يرى العالم السعودي الدكتور عوض القرني أستاذ الفقه المقارن في السعودية غضاضة في قرار الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين. وقال القرني لـ"العربية.نت" إن صلاة المرأة في مكان معين محدد إذا كانت تؤدي لاحتكاكها بالرجال احتكاكا غير مشروع، فليس هناك ما يمنع من مثل هذا القرار، "بل يصبح من الواجب".

وتابع الدكتور القرني "في الشريعة المسائل لها أحكام الغايات، والأصل أن صلاة المرأة في أي مكان من المسجد هي وسيلة للعبادة، فإذا أصبحت هذه الوسيلة تؤدي لأمر محرم، فإنه يجوز اتخاذ مثل هذا القرار". ولفت إلى أن الذين يعرفون الحرم المكي خصوصا في أيام المواسم، يدركون أن هناك زحاما شديدا تلتصق فيه الأجساد، و"في هذا حرج على المرأة" من الناحيتين الشرعية والنفسية.

ويوافق الدكتور القرني على تخصيص مكان لصلاة النساء، بغرض حفظ كرامتهن وصون عفتهن، خصوصا أن من بينهن حوامل ومرضعات يجدن مشقة وعنتا وحرجا في أداء الصلوات في صحن الحرم، وسط زحام الرجال وأعدادهم الكبيرة.

قرار صائب

وأوضح بأن القرار "إذا كانت هناك حاجة له، فهو صائب بلا شك"، لافتا إلى أن الحرم المكي يكاد لا يخلو من الزحام طوال العام. وأضاف "بلا شك، لا يصدر مثل هذا القرار إلا بعد مراجعته من قبل العلماء المتمكنين في مجال الشريعة، ومناقشته من طرف الخبراء المطلعين على تفاصيل الوضع بالمسجد الحرام والمشاعر المقدسة"، ومتى استكمل هذا الجانبان فلا بأس فيه.

وبشأن الطواف، قال الدكتور عوض القرني، إنه لا يجد غضاضة في ذلك شرط إمكانه من "الناحية العملية"، لكن السؤال المطروح بحسب هو "هل هذا ممكن"، مشيرا إلى أن طواف النساء في الشرفات البعيدة عن الكعبة سيكون شاقا.

باحث: لا تمييز ضد المرأة

وصحح الباحث الإسلامي عبدالعزيز محمد قاسم، مدير تحرير صحيفة "المدينة" السعودية ما اعتبره "تفسيرات غريبة، وصدى كبيرا" للقرار.

وقال قاسم لـ"العربية.نت" إن الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين استبدلت الموقع الحالي لصلاة النساء في صحن المطاف بآخرين يقعان في الشرفة الشمالية ويطلان مباشرة على الكعبة بقصد ابعاد النساء وليأخذن راحتهن في الصلاة و"المكانان تبلغ مساحتهما ضعفي الموقع السابق" بحسب الرئاسة.

لكن الأمر طبقا لقاسم اتخذ اتجاها تمييزيا ضد النساء، مؤكدا أنه لا يرى المسألة على هذا النحو، وإن كان يتمنى أن يبقى الوضع على ما هو عليه، لكن في أثناء المواسم والزحام يمكن أن تذهب النساء للأماكن الجديدة التي خصصت لهن.

ورأى قاسم أن الأمر ينطبق على الطواف أيضا، لأن النساء يطفن في بقعة محددة، والرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين تعتبر بحسبه أن ذلك يتسبب في ضيق للطائفين، لذلك تم تخصيص مكان آخر لهن. وأشار إلى أنه لن تكون هناك نساء في صحن الكعبة، فهن سيقمن بالطواف، لكنهن لن يجلسن هناك.

المسألة تمت "أدلجتها"

وأرجع قاسم أسباب اتخاذ القرار إلى الزحام وتزايد أعداد الحجاج والمعتمرين والزوار، معتبرا أن الأمر أخذ منحى مؤدلجا، وأضحى جزء من صراع التيارين الديني والليبرالي في السعودية. ولا يرى قاسم أن القرار يمثل، بحسب ما ترى بعض الأطراف، تعديا على حقوق المرأة المسلمة في العبادات.

فطبقا له، تتألف الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين، من فئة المشايخ والعلماء، وهم اتخذوا قرارهم هذا بحسبه، بعد توجيه من أمير منطقة مكة المكرمة، الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز. وكان أمير منطقة مكة المكرمة وجه بتشكيل لجنة معنية بهذا الأمر من الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين، والإمارة، ومعهد خادم الحرمين الشريفين.

وكانت الصحيفة السعودية في تقريرها بهذا الشأن قد أشارت إلى أنه تبين للجنة المعنية، بأن صحن المطاف معد لاستيعاب حركة الطائفين وقد يأخذون أكثره ويصل الأمر أحيانا إلى انتشار الطائفين في كامل الصحن في أوقات الذروة في رمضان والحج. ويتيح التنظيم المعمول به حالياً الفرصة للنساء بأداء ركعتي الطواف في مواقع متعددة من صحن المطاف وجلوسهن للتـنفل والنظر إلى الكعبة المشرفة في جميع الأوقات.

وقالت اللجنة إن المكان المخصص حاليا للنساء داخل صحن المطاف معد لتمكينهن من أداء الصلوات المفروضة ومنع اختلاطهن بالرجال في أوقات الصلاة وتبين أن الطاقة الاستيعابية لهذا المكان محدودة وأنه بالإمكان إيجاد مواقع مطلة على الكعبة المشرفة بطاقة استيعابية أوسع تفي بالمتطلبات المقصودة وأن هناك أماكن مخصصة طوال الوقت للنساء في شرفة الدور الأرضي مطلة على الكعبة المشرفة وتشغل حوالي 25% من المواقع المطلة على صحن المطاف.

وبحسب وكالة "رويترز" للأنباء، قال أسامة البار عميد معهد أبحاث الحج إن المنطقة صغيرة جدا ومزدحمة للغاية لهذا قرر القائمون على الأمر نقل صلاة النساء خارج الصحن الى مكان أفضل حيث يستطعن رؤية الكعبة والتمتع بمساحة أوسع.

وأضاف أن بعض النساء اعتقدن أن هذا ليس جيدا لكن من وجهة نظر السلطات الدينية سيكون هذا أفضل لهن وتابع أنه يمكن أن يجلس المسؤولون معهن ليشرحوا لهن القرار. واستطرد ان القرار ليس نهائيا ويمكن الرجوع عنه.

وقالت المؤرخة السعودية هتون الفاسي طبقا للوكالة آنفة الذكر إن خطوة منع النساء من أداء الصلاة في صحن الكعبة ستكون الأولى في التاريخ الإسلامي.

وتابعت قائلة إن المسؤولين ربما يريدون اختفاء النساء من أي منطقة عامة لأداء الصلاة وحين يأتي الأمر الى الصلاة في الاماكن المقدسة فهذا سيكون هدفهم في النهاية مضيفة أن السلطات الدينية فرضت في الآونة الاخيرة قيودا على زيارة النساء لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة.

التعليقات