نوافذ الفضائية السورية: مقياس ريختر لقياس درجة تأثير البرامج التلفزيونية

نوافذ الفضائية السورية: مقياس ريختر لقياس درجة تأثير البرامج التلفزيونية
نوافذ الفضائية السورية: مقياس ريختر لقياس درجة تأثير البرامج التلفزيونية!



حكم البابا

لو كان الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب حياً في الزمن الذي خطر فيه لمدير عام التلفزيون السوري السابق المخلوع الدكتور فايز الصايغ أن يبتكر البرنامج الصباحي اليومي للفضائية السورية (نوافذ)، لفعل أمرين:

أولهما إصراره علي تطبيق حد قطع يد السارق علي الدكتور الصايغ وشركائه في البرنامج ـ علي الرغم من الحالة الاقتصادية البائسة للموظف السوري ـ ليس لأنهم سطوا علي الماكيت الأساسي لبرنامج (نهاركم سعيد) الذي تبثه الفضائية اللبنانية LBCI كل صباح، وصنعوا منه (نوافذ) الفضائية السورية، بل لأنهم اكتفوا بسرقة الفكرة والمخطط ولم يقوموا بالسطو علي منفذيها من مقدمين ومعدين وضيوف، والذين بدونهم يتحول البرنامج من حواري سياسي إلي تقليد تمثيلي باهت لأداء دوللي غانم ووليد عبود وضيوفهما، يكاد تكون مطابقاً لأداء الممثل السوري جمال سليمان دور الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل، فلو كان هذا الأخير بالصورة التي قدمه بها جمال سليمان لما استطاع أن يبني الدولة الأموية في الأندلس، ولاكتفي ببناء شبكة علاقات مع مسؤولي عصره بدلاً عنها، ولما استحق لقب صقر قريش، وكان في أحسن الأحوال سيحظي بلقب بقة قريش أو ناموستها، إذا أصر علي تشبيهه بشيء ينتمي إلي فصيلة من الفصائل التي تطير، والفارق بين أداء جمال سليمان وبين شخصية عبد الرحمن الداخل، هو نفسه الفارق بين (نوافذ) الفضائية السورية، وبين (نهاركم سعيد) الفضائية اللبنانية.

وثانيهما تكراره لوقفته الشهيرة عند هجرته من مكة، إنما هذه المرة في ساحة الأمويين مشيراً إلي مبني هيئة الاذاعة والتلفزيون السورية قائلاً: من أراد أن تثكله أمه، وييتم ولده، ويرمل زوجته فليشاهد برنامج (نوافذ) في الفضائية السورية، ومعه كل الحق من الناحية الطبية علي الأقل، فعندما ظهرت الحلقة الأولي من البرنامج علي شاشة الفضائية السورية لم يهدأ للحظة صوت سيارات الاسعاف في شوارع دمشق، وأي مراجعة لسجلات مراكز جراحة القلب في سورية في ذلك اليوم ستظهر الازدياد غير الطبيعي لعدد المصابين بالجلطات والأزمات القلبية، وأي زائر لغرف عمليات المستشفيات سيفاجأ بكمية عمليات القلب المفتوح وتبديل الأوردة وتسليك الشرايين وتبديل الصمامات وزرع الشبكات التي أجريت في ذلك النهار، وأي مراقب صحي سيدهش لعدد المواطنين الذين دخلوا الصيدليات طالبين أدوية المهدئات من مختلف الأنواع، ومن شتي العيارات بعد عرض الحلقة مباشرة، وأنا علي شبه يقين بأن ملاك الموت عزرائيل في اليوم الذي عرضت فيه حلقة (نوافذ) الأولي قد رفع معدل طاقته الانتاجية إلي حدودها القصوي، وأجهد نفسه في قبض أرواح البشر بشكل غير مسبوق حتي في أيام الحروب والكوارث، ولو كان المرحوم ممدوح عدوان حياً في ذلك اليوم لأقنعته وزوجته برفع دعوي علي إدارة التلفزيون السوري، يطالب فيها بتعويض كبير، باعتبار أن برنامج (نوافذ) هو السبب الرئيسي لاصابته بالسرطان، وكان سيحصل عليه، وحتي أنا شخصياً تلقيت اتصالاً تحذيرياً عاجلاً من الطبيبة التي تعالجني من مرض السكري وتعرف نهمي للحلويات، لتقول لي مرتبكةً علي الهاتف: بإمكانك أن تأكل اليوم كيلوغراما كاملا من الآيس كريم، ونصف كيلو غرام من البقلاوة الدمشقية، ومثلها من حلاوة الجبن الحمصية، وما يعادلها من القطايف بالقشطة الحموية، وشبيهها من المامونية الحلبية، وفي حدود وزنها من الكنافة اللاذقانية دفعة واحدة، ولكن أرجوك لا تشاهد برنامج (نوافذ) علي الفضائية السورية.

أنا أستغرب فعلاً من طلبات المعارضة السورية المستمرة والملحة لالغاء حالة الطوارئ وايقاف العمل بالقوانين الاستثنائية في سورية، وأستغرب أكثر ردود الحكومة السورية غير المقنعة علي ابقاء هذه الحالة، علي الرغم من أنها تملك أسباباً جوهرية، وردوداً مفحمة علي كل من يلسّن عليها في هذا الموضوع بالذات، وبإمكانها أن ترد علي كل منظمات حقوق الانسان في العالم، بدءاً من منظمة هيومان رايتس العالمية وصولاً إلي محلات البقالة المحلية التي تفتح لتوزيع منتجات حقوق الانسان، فمرأي وجه أي مذيع في الفضائية السورية يحتاج فعلاً للعمل بحالة الطوارئ، وصورة أية مذيعة تتطلب الاعتماد علي القوانين الاستثنائية، وما لم يعمل بهذه الحالة وتلك القوانين فإن أي برنامج من برامج الفضائية السورية سيثير الفوضي، ووحده برنامج (نوافذ) يحتاج إلي تطبيق ستين قانون طوارئ في الساعة التي يعرض خلالها يومياً، فضحايا حلقة واحدة من حلقاته تفوق من حيث العدد أو حجم الاصابة ضحايا حوادث السير والحرائق والغرق مجتمعين خلال عام كامل، والسبب الرئيسي لتجاهل منظمة القاعدة للساحة السورية يعود بالتأكيد لمعرفتها بحجم التخريب الذي يقوم به يومياً برنامج (نوافذ)، والذي لو استعمل مقياس ريختر لقياس درجة قوته لاكتشفنا أنها تفوق قوة زلازل إيران واليابان وكارثة تسونامي معاً، وإذا كانت كتب الجغرافيا التي صدرت قبل ظهور برنامج (نوافذ) علي الفضائية السورية لم تذكر وجود براكين في سورية، فإن أي كتب جديدة قد تصدر عن الجغرافيا السورية، لابد وأن تذكر بركان (نوافذ) اليومي التدمير، الذي يستحق أن تعلن سورية بلداً منكوباً بامتياز بسبب ظهوره علي شاشتها فقط.

ولأني لا أتبع عادةً نصائح الأطباء فقد قادني سوء حظي لأتابع حلقة الخميس الماضي من برنامج (نوافذ)، ولم أفهم حتي ساعة كتابة هذه الكلمات، ماهو السر الذي يجعل إدارة التلفزيون السوري ومعها معدو البرنامج يمتنعون عن استضافة الصحافيين والمثقفين السوريين الذين قد يعطون رأياً رغم قلة حيلتهم، ولماذا يتجاهلون استضافة المسؤولين السوريين الحاليين أو السابقين الذين قد يضيفون معلومةً رغم ندرتها لديهم، ويتم استبدالهم بدكتور في الهندسة المدنية، استغرق الربع ساعة الأولي من البرنامج في الاعتذار عن كونه ليس محللاً سياسياً، وأنه مجرد هاوٍ، بنفس الطريقة التي ردد فيها ممثل مصري لم أعد أذكر اسمه في إحدي المسرحيات القديمة لازمته الشهيرة: (أنا ماليش دعوة، أنا جوز عديلة اللي تحت)، واستمع إلي ربع ساعة من الصراخ عبر الهاتف الذي يسمي تجاوزاً في الفضائية السورية مداخلات المشاهدين، وأنا لا أفهم فعلاً لماذا يتحدث المشاهدون صراخاً في البرامج التلفزيونية علي الفضائية السورية من بين كل فضائيات العالم، ولماذا يتصلون أساساً طالما أنهم لايسألون أسئلة ولا ينتظرون إجابات، ويتحدثون باعتبارهم متجاوزين لبوش وشيراك وبلير وبوتين مجتمعين في الالمام بكل دقائق وتفاصيل السياسة العالمية، وكما لو أنهم يقدمون امتحاناً في مسابقة لاختيار وزير خارجية أو إعلام، أما النصف ساعة المتبقية من حلقة الخميس من برنامج (نوافذ) فقد قضي الدكتور المهندس ضيف الحلقة نصفها في استظهار ماحفظه من كتاب الثقافة القومية الاشتراكية للصف الثامن الاعدادي الذي أظن -والله أعلم- أنه بقي يحفظه حتي ساعة دخوله الاستديو، وأرهق نفسه في نصفها الثاني في تأليف موضوع تعبير، كما لو كان علي مقعد الدراسة في حصة الانشاء في الصف السادس الابتدائي يجيب علي سؤال: اكتب موضوع تعبير تتغني فيه بالمقاومة. وطبعاً لم ينس الدكتور المهندس أن يعلن بفخر في أكثر من مكان خلال البرنامج أنه درس في فرنسا، وأنه صعد إلي أعلي قمة في جبال الألب! أخيراً وللتأكد شخصياً من حجم الخطر الصحي لبرنامج (نوافذ)، قمت بعد مشاهدتي لحلقته السالفة الذكر بقياس مستوي السكري لدي فوجدته قد ارتفع إلي مافوق الثلاثمئة وخمسين، وأية مضاعفات صحية تحدث لي فبرنامج (نوافذ) يتحملها!!

? كاتب من سورية

[email protected]

*القدس العربي

التعليقات