الأردن يخشي ان يعلق النظام العربي السني بين مشروعين يتقاسمان المنطقة.. إسرائيلي توسعي وإيراني

غزة-دنيا الوطن

لا يهتم الاردن علي مستوي القيادة الرسمية مرحليا بشيء اكثر من ملف النفوذ الايراني فانتصارات حزب الله الاخيرة في لبنان وتداعياتها استدعت كل الهواجس والمخاوف التي كانت القيادة الاردنية تحذر اصلا منها عندما طرحت ففي يوم من الايام ومن موقعها هاجس الهلال الشيعي بالمعني السياسي وليس الديني كما اوضحت المؤسسة الاردنية عدة مرات.

والحرب الاخيرة عززت واستفزت ماكينة القلق والتخوف الاردنية لانها كشفت بان احدا في المجتمع الاردني او في النخبة السياسية والمثقفة لا يستطيع الا الوقوف مع حزب الله او مع اي طرف اخر ما دام الاشتباك مع الاسرائيليين فاسرائيل وعملية السلام بالمنطوق الاسرائيلي لا اصدقاء لها في عمان حتي في صفوف النخبة الرسمية وتقدمات وتفوقات حزب الله استدعت فعلا ما هو ممكن ومؤلم بالنسبة للخطاب الاردني المصر علي ان ايران ليست شفافة ونظيفة في ما يخص النظام العربي وتحديدا السني.

ومن هنا برزت المخاوف وتعززت في ظل تطورين فالمؤسسة الرسمية الاردنية مؤمنة تمام الايمان بان ايران حاولت فعلا او لديها القدرة علي محاولة التدخل في الوضع الداخلي الاردني خصوصا بعدما نجحت في خطف واحتضان حماس الخارج وبعدما برزت قصة الاسلحة الشهيرة.

وبالنسبة للاردنيين ازلام ايران ورجالها والمحسوبين عليها في العراق هم الذين عطلوا ويعطلون المصالح التجارية والنفطية لاردن في العمق العراقي، وبالنسبة لهم ايضا طهران لها مصلحة اساسية في ان تكون في اقرب نقطة من الصراع العربي ـ الاسرائيلي لا لكي تحرر القدس والمسجد الاقصي كما قال لـ القدس العربي مسؤول اردني بارز ولكن لكي تحسن شروطها وموقعها وموقفها التفاوضي في المنطقة.

ووسط الفوضي الامريكية الخلاقة تتخوف المؤسسة الاردنية من اية حركة خارج السياق وتعتقد بان خطورة طهران تكمن ليس في مؤسستها الدينية المتشددة ولكن في الجناح البراغماتي الخطر في قيادتها وهو جناح لا تجد شخصيات اردنية بارزة ما يمنعه من الجلوس علي الطاولة مع الاسرائيليين والتفاوض معهم علي اساس تقاسم النفوذ والحصص وحتي الجغرافيا في المنطقة.

ومن هنا تمترست السياسة الاردنية منذ اسابيع واشهر حول مخاوفها الايرانية فالنظام العربي برأيها يمكن ان يحشر ما بين المشروع الاسرائيلي المتغطرس الذي يحمل الان عنوان غياب قيادات تاريخية مهمة في اسرائيل ومابين البراغماتية الايرانية التي تخطط لان تكــــون قوة مركــزية في المنطقة تجبر الاسرائيــلي والامريكي علي الاعتراف بها.

وعليه كان التخوف الاردني من الهلال الشيعي سياسيا وله ادوات واغراض سياسية والتخوف الان لم يعد سياسيا بل امنيا ايضا وقد اظهرت المؤسسة الامنية الاردنية حصريا قدرة فائقة علي التكيف والتطور بعد ان استبدلت فلسفتها الدفاعية بفلسفة هجومية تقوم علي الاحتياط والحذر والتصرف عندما يستشعر الخطر علي النظام والامن الداخليين حتي وان اقتضي الامر القيام بجهد في المناطق المجاورة وقد حصل هذا في العمق العراقي مرتين علي الاقل مؤخرا.

وحتي عندما حاولت طهران تبرير التحرش الاستخباري في الاردن عبر قصة الاسلحة وغيرها كانت عمان ترد بتوثيق التدخلات الايرانية لاظهار ان الاعين الاردنية مفتوحة امنيا ولا تساوم في مسالة التدخل في اي طرف فعمان قالت للايرانيين عدة مرات انها ليست ضدهم ولكنها ضد تدخلهم بأية معادلات تمس بالمصالح الاردنية، واللغة الحازمة استخدمتها ايضا في اكثر من مناسبة المؤسسة العسكرية الاردنية وهي تتعهد حتي امام ممثلين للمجتمع وامام القصر الملكي بالجاهزية الكاملة للرد والوقوف في وجه من يحاول المساس بالاردن او تحقيق اجندات عدائية تجاهه.

وهذا يعني ان كل المؤسسات الاساسية في عمان راقبت ما جري مؤخرا في لبنان جيدا كما تراقب بوصلة التوجهات والطموحات الايرانية المقلقة وقد عبرت القيادة بنفسها في اجتماعات داخلية علي مستوي رفيع عن مخاوف لا تطول الاردن فقط بل النظام العربي السني وتحديدا المملكة العربية السعودية التي يقف معها الاردن بقوة مظهر الحرص علي التواصل والتنسيق والدعم والتوحد ازاء كل القضايا والملفات المطروحة ففلسفة عمان انها لا تريد ان تري النظام العربي محشورا بين مشروعين معاديين هما المشروع الاسرائيلي وشقيقه الايراني وهذه الفلسفة تتضمن الاستعداد للاكتفاء بمواجهة تحديات المشروع الاسرائيلي باعتبار ان الاردن والعرب لديهم خبرات طويلة في التعامل مع الاسرائيليين ومواجهتهم فيما لا توجد خبرات حقيقية وكبيرة في مواجهة المشروع الايراني.

وعلي هذا الاساس وضع الاردن بحزم استراتيجية تحرك تنطلق من هذا الفهم للمشهد الاقليمي فطوال سنين التدمير والقتل الاخيرة في العراق كانت توجد نظريات اردنية تتحدث عن عمليات عدائية داخل العراق يقودها الايرانيون عن بعد، وطوال هذه السنين لم تستبعد المؤسسةالاردنية وجود عمليات موجهة او مؤجرة او مستنسخة علي القياس الايراني لابو مصعب الزرقاوي الذي قيل في احد الايام انه شبح ايراني في الواقع فهناك معلومات لازالت تتواتر عن عمليات نفذها الايرانيون في العراق وسجلت في رصيد الزرقاوي.

وانطلاقا من هذا الفهم حدد الاردنيون الهدف الاول في استراتيجيتهم وهو العمل بصورة منظمة ومنهجية علي جر سورية بأي شكل وبأي ثمن النظام العربي مجددا وعدم تركها وحيدة في احضان الايرانيين وابقاء الابواب العربية وحصريا السعودية والمصرية وكذلك الاردنية مفتوحة امامها علي امل ان لا يحصل مع دمشق ما حصل مع خالد مشعل ورفاقه في قيادة حماس الذين اقفلت كل الابواب العربية في وجههم فيما فتح الباب الايراني فقط ونتج عن ذلك واقع موضوعي صعب ومعقد.

والعمل علي احتضان سورية مجددا والتسامح مع خطابها الرئاسي النقدي الاخير شكل حلقة مركزية في الدبلوماسية الاردنية مؤخرا فعمان رغم ازماتها الكثيرة مع دمشق ابقت قصدا الخلاف في دائرة الصحافة والاعلام ودعمت اللقاء الذي جري في القاهرة وتحديدا في مكتب عمرو موسي والذي جمع المندوب السوري بسعود الفيصل واحمد ابو الغيط وفي هذا اللقاء ابلغ مندوب سورية في الجامعة بان السعودية ومصر قررا تجاوز خطاب بشار الاسد الاخير لاغراض التنسيق العربي المرحلي بعد حرب لبنان.

هذا الجهد دعمته عمان وخلال اقل من شهر تقريبا توقف العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني مرتين علي الاقل في المحطة السعودية والهدف كان دوما تعزيز التمحور وزيادة جرعة التنسيق والتواصل والاصرار وهذا الاهم علي ان تتصالح الرياض اكثر مع دمشق وعلي ان تعمل الاطراف الناشطة علي عدم ترك سورية لقمة سائغة في احضان الايرانيين.

التعليقات