يوم في حياة.. مراسلات على خط النار
غزة-دنيا الوطن
اصبحت وجوه المراسلات اللواتي ينقلن لنا أحدث المعارك على الهواء مباشرة وعبر الفضائيات العربية والعالمية، مشهداً مألوفاً، ولم يعد قاصراً على ما كان يسمى قديماً بالمراسل الحربي. إنهن زميلات في عمر الزهور يتوجهن بكل ثقة إلى خطوط النار محاولات أن ينقلن بأمانة كل التفاصيل والتي تحدث، التي بسببها قد يعرضن حياتهن للخطر. «سيدتي» تلتقي في هذا التحقيق بزميلات من لبنان وباريس دون أن تنسى الإشارة الى عشرات المراسلات اللواتي لم يتسن لنا لقاؤهن منوهين بالدور الإعلامي النبيل الذي يقمن به، ومتمنين لهن ولجميع المراسلين على خطوط النار السلامة ومتمنين أن يعم السلام منطقتنا العربية والعالم
1 كيف تصفين عملك كمراسلة صحافية في زمن الحرب؟
2 ما هي المخاطر التي تتعرضين لها أثناء تغطية سير المعارك؟
3 ماذا أضافت هذه التجربة المثيرة الى حياتك المهنية والإنسانية؟
منى صليبا: قضيت أصعب اللحظات في حياتي
لم تكن مراسلة الصحافية منى صليبا التي تعمل في «المؤسسة اللبنانية للإرسال» L.b.c تعرف أنها عندما ستذهب الى الجنوب اللبناني بهدف التغطية الميدانية أنها ستبقى هناك لمدة أسبوع بسبب استمرار العمليات العسكرية على لبنان.
1 ـ عندما بدأت الحرب على لبنان وتحديداً على منطقة الجنوب، توجهت الى هذه المنطقة لتغطية الحرب، وهذا عمل طبيعي بالنسبة لأي مراسل صحافي يعمل ضمن مؤسسة إعلامية.
وهكذا كان، ولم أكن أعلم بأن هذه التغطية ستكون هذه المرة مختلفة عن كل التغطيات السابقة. فأصبحت أتنقّل بين الخيام، كفركلا، بنت جبيل، عين إبل، دبل ومناطق أخرى تقع على خط النار مثل مرجعيون وسواها.
الفترة التي عشتها كانت مرعبة وحرجة في الوقت نفسه، خاصة أن جميع المراسلات والمراسلين يعرّضون حياتهم للخطر في كل دقيقة وثانية،
هذا الشعور بالخوف والرعب يلازمني بشكل مستمر ولا أظن بأن هناك أشخاصاً لا يخافون أبداً، لأن الإنسان كتلة مشاعر وأحاسيس.
كنت أظن أن القصة ستنتهي بسرعة مثل العادة ولكنها جاءت عكس توقعاتي وتوقعات كل الناس.
أعيش حالياً كل يوم بيومه وكل لحظة بلحظتها لأن لا احد يعلم ماذا يخبئ لنا اليوم التالي في ظل هذه الأوضاع المأساوية.
2 ـ تعرضت عدة مرات لمواقف خطرة مثل اقتراب القصف الإسرائيلي من المكان الذي كنت أقف فيه لبث الرسالة الصحافية وكنت أسمع باستمرار الأصوات المخيفة، سواء أكان صوت الطائرات أم القصف.
وفي إحدى المرات، كنا نقيم في فندق عادي، وبدأ القصف، فنزلنا الى الأسفل للهروب. ولكن القصف كان حول الفندق ولم يتوقف ولا للحظة، الأمر الذي بثّ الرعب والخوف في نفوسنا جميعاً، لكن في الوقت نفسه الحرب تجمّع ولا تفرّق، لأن كل شخص يصبح يخاف أكثر على أهله وأقربائه.
وأنا شخصياً أتذكر أهلي بشكل مستمر وأحاول قدر الإمكان أن أطمئنهم عني.
لن أتخلى عن هذه المهمة وعن هذا الدور الراقي وسأبقى صامدة رغم كل الظروف، وإذا طلب مني التوجه الى أي بقعة لبنانية للتغطية الإعلامية فلن أتأخر ولا ثانية واحدة.
3 ـ من أصعب التجارب في حياتي، مع العلم أنها تجربة مفيدة جداً من الناحية المهنية والإنسانية والاجتماعية وقد جعلتني أعيش الحرب بكل تفاصيلها الدقيقة، وقرّبتني من الناس أكثر وأكثر، خاصة ان تغطيتي لم تقتصر على منطقة الجنوب فقط، بل توجهت نحو الضاحية الجنوبية لمشاهدة أفظع المشاهد ونقل الصورة بشكل دقيق.
أشعر بأن كل الناس تعيش لحظات صعبة في حياتها، وهي تجربة قاسية بالنسبة لنا جميعاً، خاصة لنا نحن المراسلين لأن عملنا وضميرنا المهني يقتضيان منا عدم التغاضي عن هذا الواجب المهني، مع العلم أن المؤسسة الإعلامية لا تلزم أحداً بالمخاطرة بحياته في سبيل التغطية الإعلامية، بل يعود هذا الأمر الى شخصية المراسل وقدراته المهنية.
من أصعب الأمور أن يعيش الصحافي مرحلة الحرب، لأن المطلوب منه عدة أمور كالمحافظة على حياته وبث الطمأنينة في نفوس أهله وأقربائه بأنه بخير ونقل الصورة بكل موضوعية وتجرّد، وتحمل العذاب والألم ومشاهد الدمار والموت... إنها من أصعب التجارب في حياتي ومن أصعب اللحظات التي عشتها وأعيشها.
كاتيا ناصر: إيصال صوت الناس واجب وليس مهنة
أما المراسلة الصحافية كاتيا ناصر، التي تعمل في قناة «الجزيرة»، فقد حزمت حقائبها وتركت مقر عملها في الدوحة لتلتحق بفريق عمل قناة «الجزيرة» في بيروت. هذه الخطوة التي لم تلق معارضة من جانب زوجها لأنه حين يدقّ ناقوس الواجب ينبغي التوجه الى العمل دون أي تردد، مع العلم أن المحطة لا تلزم مراسليها بالوجود في البقع الخطرة أو المتوترة بل نحن نختار ذلك، كما قالت كاتيا.
1 ـ أقضي يومي بالتنقل في الأماكن والمناطق المنوي تغطيتها ميدانياً، وهذا العمل شاق وخطر جداً نظراً للأوضاع الراهنة، ولكن ليس بمقدوري أن أتخلى عن دوري الإعلامي الذي يلزمني بتقديم المعلومة ونقل الصورة بكل موضوعية وتجرد.
2 ـ أذكر أنني تعرضت للخطر حين قصفت السيارة التي تقلّني ووفداً من الإعلاميين من مرجعيون الى حاصبيا بجنوب لبنان، ولكن حين نصل الى القرى المحاصرة ونلاحظ صمود الناس ومعنوياتهم المرتفعة، ثمة ما يدعونا الى التفاؤل ونسيان ذواتنا، فنحن لسنا أفضل من الأهالي الذين يتعرضون في كل لحظة الى العدوان والخطر.
لقد انقلبت حياتي رأساً على عقب وتحولت يومياتي، ولكن هذا تحصيل حاصل، ففي هذه الأوقات قد يكون التفكير بالذات أمراً سخيفاً.
3 ـ إذا كان عمل المراسل الحربي يفرض تعريض النفس للخطر، فأنا شخصياً لا أفكر في هذا الأمر حين أكون في قلب الحدث، بل إن كل اهتمامي ينصب على نقل الخبر بأمانة، فهول المجازر والقصف الذي يتعرّض له المدنيون يدفعنا الى التحلي بالشجاعة ونسيان الإحساس بالخوف.
بصراحة، في هذه اللحظة تتجردين من الإحساس ويتحول عملك الى رسالة، فما يدعونا الى التحرك ليس إدارة عملنا بل ما يتعرض له المواطنون، هنا يتحول إيصال صوت الناس الى واجب وليس الى مهنة.
نجوى قاسم: جئت الى لبنان لقضاء الإجازة الصيفية وبقيت
أما المراسلة الصحافية نجوى قاسم والتي تعمل في تلفزيون العربية، فأكدت أنها قدمت الى لبنان من مقر عملها في دبي من أجل قضاء الإجازة الصيفية مع أهلها وأقربائها في منطقة الضاحية الجنوبية، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فجاءت التوقعات مخالفة وكانت الإجازة الصيفية حارة ومرهقة بكل ما للكلمة من معنى.
1 ـ في البداية، أي أول عشرة أيام، كانت الفوضى عارمة، ولم نكن نشعر بأي تنظيم عملي، ومع الوقت بدأ التنظيم يفرض نفسه، وهذا حال كل المؤسسات الإعلامية.
اليوم، بدأنا ننظم عملنا وتغطيتنا أكثر، خاصة أن الحرب كانت مفاجئة للجميع، ولم آخذ ولا يوم راحة منذ بدايتها حتى اليوم، بل على العكس، أعيش حال استنفار دائمة وأترقب الأحداث والأخبار بتفاصيلها الدقيقة والصغيرة.
2 ـ أخطر موقف تعرضت له هو عندما بدأ قصف منطقة الضاحية ولم نكن بعد قد تركنا المنزل أنا وأهلي، فخفت كثيراً عليهم.
أما الموقف الخطر الثاني فهو عندما تعرّضت منطقة بعبدا الى القصف ومرّ الصاروخ من فوق رأسي، فلم أشعر بما يحدث.
هذه الحرب فُرضت علينا وهذا قدرنا، لذلك يجب أن نتحمل ونصبر بكل جدارة وثقة، خاصة أننا جيل الحروب المستمرة على لبنان.
3 ـ أضافت هذه التجربة زيادة إصراري على البقاء في بلدي والى جانب عملي وأهلي وأقربائي لأنني أعتبر نفسي في قلب الحدث ومعنية بالحرب مثل أي شخص لبناني.
أشعر بأنني ممزقة، فقسم مني مع الناس وقسم آخر مع أهلي، ولا يمضي يوم واحد إلا وأفكر بأهلي الذين تركوا منزلهم في الضاحية الجنوبية وهربوا نحو الجبل، ولكنني على اتصال دائم معهم.
هذه التجربة أسعدتني كثيراً لأنها جعلتني أبدو قريبة من الناس في جميع المناطق اللبنانية.
فاديا بزي: أجد نفسي
في التغطية الميدانية وعلى الأرض
أما المراسلة الحربية فاديا بزّي، والتي هي في الأساس رئيسة تحرير نشرة الأخبار على شاشة التلفزيون الجديد N.T.V فقالت إن تجربتها التي عاشتها وتعيشها حالياً من أصعب التجارب التي مرّت في حياتها. فهي عندما طُلب منها التوجه نحو الجنوب كانت تظن بأنها مسألة ساعات قليلة وسيعود كل واحد من الفريق الإعلامي الى بيته وأهله، وما كانت تعلم بأن القصة ستطول فبقيت 6 أيام متتالية في منطقة النبطية دون الشعور بالراحة والاستمتاع بالنوم.
1 ـ لقد ظهرت على الشاشة لمدة 3 أيام في الملابس ذاتها وكنت مرهقة جداً لأنني لم أكن أنام لا أنا ولا الفريق الذي كان معي، عندما وصلنا الى الجنوب وبدأنا جولتنا الميدانية اكتشفنا ان القصة ليست قصيرة، بل حرب طويلة ومفتوحة، فالناس تترك بيوتها والاعتداءات الإسرائيلية تتزايد والغارات تستهدف المدنيين وحتى المراسلين الصحافيين، الأمر كان محزناً ومؤثراً ولا أستطيع نسيان المشاهد التدميرية والدخان المتصاعد من كافة الجهات.
إن هذه التغطية الميدانية ليست الأولى، فأنا ابنة الجنوب. وتحديداً منطقة بنت جبيل التي تتم إبادتها تماماً وبالتالي يتم اخلاؤها من سكانها.
عندما علمت أن الوضع متأزم جداً في الجنوب اخترت بملء إرادتي التوجه الى هذه المنطقة الخطرة لأنه سبق لي ان كنت موجودة هناك وقت مجزرة قانا عام 1996، ولأنني أنتمي الى الجنوب، فبإمكاني التحرك بسرعة أكثر.
إن المؤسسة لا تطلب من أحد التوجه الى خط النار، بل تترك الأمر حسب الحرية الشخصية، وأنا في هذه الأوضاع فضلّت أن أكون موجودة على الساحة الجنوبية وأقوم بالتغطية الميدانية والإعلامية المطلوبة مني دون أي تقصير، بل على العكس أنا أعشق هذا العمل وأجد نفسي في الميدان، ساحة المعارك والحروب.
2 ـ الخطر يلازمنا باستمرار ولا مفر منه وبصراحة لقد تمكنا من الهروب من الموت عدّة مرات حين كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف الطرقات التي نمرّ بها بالسيارة، وكنا دائماً عندما نقصد مكاناً معيناً لاكتشاف ما حصل به، تعود الطائرات مجدداً وتقصفه وكأنها تعلم بأن المراسلين سوف يتوجهون فوراً نحو هذا المكان.
مرّت عليّ لحظات لم أكن أشعر بوجودي على قيد الحياة وكأنني في عالم آخر، فهول المصيبة والكارثة يجعل الإنسان غير متحكم بمشاعره وأحاسيسه وأحياناً لا يستطيع أن يسيطر على مخاوفه.
3 ـ إن هذه التجربة أضافت الى رصيدي المهني الكثير لأنني أعتبر أن وجودي على خط النار في هذه الظروف أهم من وجودي وراء المكتب، وأما على الصعيد الإنساني، فإنني مثل كل شخص يعيش داخل الوطن ويتأثر بما يعاني منه.
صحافيات فرنسيات على خطوط النار!
«سيدتي» التقت في باريس بعدد من الصحافيات اللواتي سبق أن خضن تجارب تغطية الحروب في مختلف مناطق العالم، وسألناهن عن انطباعاتهن ودوافعهن لتغطية الحروب، وهل يعتقدن أن عمل مراسلات الحروب النساء يختلف عن أداء زملائهن الرجال؟
الصحافية باتريسيا أليمونيير من القناة التلفزيونية الفرنسية الأولى عادت قبل أسابيع من العراق، في رابع رحلة صحافية لها هناك منذ الاحتلال. سألناها عن الحروب التي سبق أن غطتها، ولماذا اختارت أن تكون مراسلة حربية؟ وما هي الصعوبات التي تواجهها كامرأة في مختلف الصراعات المسلحة التي تتابعها ميدانياً؟ وهل هي واعية بالمخاطر التي يمكن أن تقع فيها، وهي تقوم بمهمتها الصحافية؟
فأجابت قائلة: أول تجربة لي كمراسلة حرب تعود إلى بداية الثمانينات، حيث ذهبت لتغطية الحرب في التشاد. وفي تلك الفترة، لم تكن لدينا الوسائل المتطورة المتوفرة حالياً للاتصال بقسم التحرير. كنا نشتغل أحياناً لمدة أسبوع كامل لتحقيق موضوع تلفزيوني واحد. وبعد إتمام العمل، كنا نجد مصاعب جمة في إرساله، وكان ذلك يستغرق منا وقتاً وجهداً كبيرين. وبالتالي فقد كنا عرضة للمخاطر أكثر من اليوم. وأعتقد أن هذه هي نقطة المغايرة الأساسية في الحرب الحالية في العراق وقبلها في أفغانستان التي غطيتها أيضاً. فحالياً بإمكاننا أن نتدخل على الهواء مباشرة من مسرح العمليات هناك، عبر وسائل الاتصال بالأقمار الصناعية، ونتحادث على المباشر مع مقدمي نشرات الأخبار في استوديوهاتنا المركزية.
أما عن أسباب اختيارها لأن تكون «مراسلة حرب»، فتقول باتريسيا: في بداية الثمانينات، كانت إدارة القناة قد بدأت تشجّع النساء على دخول هذا الميدان. وأنا شخصياً لم أتردد لحظة واحدة، واخترت أن أكون في مكان الحدث. وذلك لعدة أسباب من بينها حبي الكبير للسفر، ورغبتي في الاطلاع على الأشياء بعمق.
أما ناهدة نقاد، وهي صحافية فرنسية من أصل لبناني، متخصصة في شؤون الشرق الأوسط، فإنها تعد إحدى المحققات البارزات في التلفزيون الفرنسي وتقول: أُتيحت لي الفرصة لتغطية عدة أحداث في مناطق متباعدة من العالم، مما أكسبني الخبرة اللازمة لخوض تجربة تغطية الحروب، بدءاً بالحرب الأهلية اللبنانية ووصولاً إلى النزاعات العرقية في البوسنة. وأتذكر أن أقسى تجربة كانت في لبنان، حيث أطلقت إحدى الدوريات العسكرية في بيروت الشرقية الرصاص على السيارة التي كنت على متنها برفقة فريقي الصحافي. لكننا نجونا بأعجوبة.
أما الصحافية مارين جاكمان، فهي من أكثر الصحافيات الفرنسيات حضوراً في ميادين الحروب، خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث غطت للتلفزيون الفرنسي النزاعات الطائفية في أنغولا وراوندا، وغطت الحرب في الشيشان والنزاع في كوسوفو. وفي شهر أبريل 2002 نالت جائزة أفضل مراسلة حرب عن تحقيق أعدته عن أوضاع النساء في أفغانستان. عن تجربتها الصحافية كمراسلة حرب تقول: ليست الحرب هي التي تستهويني، فهي شيء مخيف وكريه. ولكنني أحب الذهاب إلى مواقع الحروب، لأنها خير طريقة لرؤية حقيقة ما يحدث رؤية العين، ونقله للمشاهد بأمانة.
ريما مكتبي: هدفي تأدية دوري الإعلامي
على أكمل وجه
ريما مكتبي، المراسلة في قناة «العربية»، بدت متميزة بعملها وتغطيتها بفضل تحديها للأخطار ونقلها للأخبار من الأماكن الساخنة والمشتعلة.
وقد اعتبرت ريما في حديثها أنها عندما قررت دخول المجال الإعلامي كانت تعرف أن لا عودة عن هذا القرار، لأنها تجد نفسها فيه.
1 ـ يومي المهني مليء بالمشقات والمصاعب، ولا أخفي سراً إذا قلت انني أعمل لمدة 12 ساعة متواصلة دون راحة، خاصة أنني أتنقل في عدد من المناطق اللبنانية الساخنة والمشتعلة مثل الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية، ولا يقتصر عملي على التغطية الإعلامية والميدانية فقط، بل يتعداها الى أبعد من ذلك كزيارة المدارس لتفقّد النازحين والمهجرين والنزول الى الملاجئ للاطمئنان على الناس وزيارة المستشفيات.
مشاهد الدمار والخراب لا تفارق ذاكرتي منذ الهجوم الإسرائيلي على لبنان. إن إدارة القناة لا تفرض علينا الذهاب الى منطقة الخطر، لكنني أحسست بأنني يجب أن أحترم قراري المهني وأؤدي دوري الإعلامي على أكمل وجه، خاصة أن الناس بحاجة الى المعلومات الدقيقة ومعرفة كل ما يجري على الأرض.
2 ـ المخاطر موجودة في كل لحظة، بل في كل ثانية، والخوف شيء طبيعي، ولكن الشجاعة ضرورية أيضاً؛ لأنها تمكّن الانسان من السيطرة على مشاعر القلق والرعب حتى لا تظهر على الكاميرا.
لقد تعرضت عدة مرات للموت وكنت أشعر بأنني سأسقط جرّاء القصف والغارات، إنها لحظات مرعبة بكل معنى الكلمة.
كلما أنظر الى الدخان والغبار الذي يتصاعد من حول النقطة التي أقف فيها، ينتابني شعور فظيع لا أستطيع وصفه والتعبير عنه.
3 ـ أهم تجربة في حياتي وفي حياة أي مراسلة صحافية؛ لأنها أفادتني كثيراً وعلمتني الكثير إن كان على الصعيد الإنساني أو المهني، فقد اقتربت من الناس وأصبحت ملمّة بمشاكلهم ومعاناتهم، أما على الصعيد المهني، فقد تخطيت حدوداً مهمة جداً وزادت خبرتي كثيراً.
مذكرات مراسلة حرب فرنسية
تتحول إلى فيلم هوليوودي!
الصحافية الفرنسية إيزابيل إيلسن، التي غطت أحداث الحروب في مختلف بقاع الارض، خلال العشرين سنة الأخيرة، من لبنان الى العراق مروراً بأفغانستان والسلفادور ويوغوسلافيا سابقاً، كصحافية ومصورة، تقول: إن الفرق بيني كمراسلة حربية وبين زملائي من الرجال، هو أني مثلاً في مقالاتي أركز على الألم الإنساني، فأخصص مثلاً أربع أو خمس صفحات لوصف تعابير وجه طفل يتَّمته الحرب، بينما المراسلون الرجال يركزون في مقالاتهم أكثر على التحاليل العسكرية والجيو ـ استراتيجية!
وقد أصدرت هذه الصحافية التي تعد من أولى النساء اللواتي اشتغلن في هذا المجال، على الصعيد العالمي، كتاباً لقي كثيراً من الرواج والاهتمام في فرنسا وخارجها، تحت عنوان «كنت أريد أن أرى الحرب». كما أنها قامت بتأليف رواية مقتبسة من ذكريات ووقائع عملها لسنين طويلة كمراسلة حربية، ونشرتها تحت عنوان «الشيطان وأكثر». وبلغ رواجها أن أحد استوديوهات هوليوود قام باقتباسها في فيلم سينمائي من بطولة النجمة الأمريكية أندي ماكدويل، تحت عنوان Harrison_s flowers.
كاترين جانتيل:
كانوا يُنظرون إليّ وكأنني مارلين مونرو!
هي معادل جائزة «البولتزر» في فرنسا، عن مراسلاتها وتحقيقاتها التلفزيونية التي غطت بها الحروب والنزاعات المسلحة في مختلف مناطق العالم، وبالأخص في الشيشان وكوسوفو. وكانت كاترين جانتيل قد اشتهرت منذ منتصف الثمانينات بتحقيقاتها الكبرى التي كانت تعدها على القناة التلفزيونية الأولى في فرنسا، قبل أن تدخل مجال العمل كمراسلة حربية، ضمن أولى النساء الصحافيات اللواتي خضن هذه التجربة، مع انفجار الحروب العرقية في يوغوسلافيا سابقاً.
من سراييفو إلى غروزني، ومن الجزائر إلى كوسوفو، لفتت كاترين جانتيل الأنظار بتحقيقاتها التي تركِّز دوماً على إبراز الألم الإنساني، وتتميز بحس إنساني مرهف أكسبها شعبية كبيرة. وتقول في مذكراتها «على خط النار» إن فرض احترام الجميع لها واعترافهم بحِرفيتها لم يكن بالأمر السهل. ففي البداية ـ تقول ـ كان الجميع ينظرون إليَّ وكأنني مارلين مونرو جديدة قادمة لتسلية الجنود وليس لمساءلتهم واستجوابهم لإنجاز عملي الصحافي!
ليال نجيب:
أول صحافية لبنانية تقدم حياتها ثمناً لعملها
< منذ بدء العدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان، ودخول الصحفيات العربيات على خط التغطية الحربية، دفعت المصورة الصحفية ليال نجيب (23 عاماً) حياتها ثمناً لقيامها بواجبها الإعلامي، وهي التي كانت تعمل مصورة حرة، وذلك بصاروخ اسرائيلي أصاب سيارة الأجرة التي كانت تقلّها بين قرى الجنوب اللبناني المتقدمة.
< وتعتبر ليال نجيب الصحافية الأولى التي تقتل خلال العمل منذ بدء الهجوم العسكري على لبنان والذي كانت بدايته في الثاني عشر من شهر يوليو (تموز) الماضي.
أرقام... في «أجندة» المراسلات
< أكثر من 20 مراسلة عربية يعملن اليوم على خطوط النار لتغطية الحرب الدائرة في لبنان.
< بعض المؤسسات تدفع تأميناً يوازي المليون دولار على حياة المراسلين والمراسلات المعرضة للخطر.
< إحدى المراسلات وتدعى إيليان شاطري (في المؤسسة اللبنانية للإرسال) نجت من الموت مرتين، إحداهما في بعلبك أثناء تغطية عملية الإنزال الإسرائيلي والثانية في الجنوب.
< أطول فترة تغطية مباشرة قضتها ريما مكتبي (العربية) في اليوم الأول للعدوان عندما مكثت على الهواء من الساعة الرابعة بعد الظهر حتى التاسعة من صباح اليوم التالي.
اصبحت وجوه المراسلات اللواتي ينقلن لنا أحدث المعارك على الهواء مباشرة وعبر الفضائيات العربية والعالمية، مشهداً مألوفاً، ولم يعد قاصراً على ما كان يسمى قديماً بالمراسل الحربي. إنهن زميلات في عمر الزهور يتوجهن بكل ثقة إلى خطوط النار محاولات أن ينقلن بأمانة كل التفاصيل والتي تحدث، التي بسببها قد يعرضن حياتهن للخطر. «سيدتي» تلتقي في هذا التحقيق بزميلات من لبنان وباريس دون أن تنسى الإشارة الى عشرات المراسلات اللواتي لم يتسن لنا لقاؤهن منوهين بالدور الإعلامي النبيل الذي يقمن به، ومتمنين لهن ولجميع المراسلين على خطوط النار السلامة ومتمنين أن يعم السلام منطقتنا العربية والعالم
1 كيف تصفين عملك كمراسلة صحافية في زمن الحرب؟
2 ما هي المخاطر التي تتعرضين لها أثناء تغطية سير المعارك؟
3 ماذا أضافت هذه التجربة المثيرة الى حياتك المهنية والإنسانية؟
منى صليبا: قضيت أصعب اللحظات في حياتي
لم تكن مراسلة الصحافية منى صليبا التي تعمل في «المؤسسة اللبنانية للإرسال» L.b.c تعرف أنها عندما ستذهب الى الجنوب اللبناني بهدف التغطية الميدانية أنها ستبقى هناك لمدة أسبوع بسبب استمرار العمليات العسكرية على لبنان.
1 ـ عندما بدأت الحرب على لبنان وتحديداً على منطقة الجنوب، توجهت الى هذه المنطقة لتغطية الحرب، وهذا عمل طبيعي بالنسبة لأي مراسل صحافي يعمل ضمن مؤسسة إعلامية.
وهكذا كان، ولم أكن أعلم بأن هذه التغطية ستكون هذه المرة مختلفة عن كل التغطيات السابقة. فأصبحت أتنقّل بين الخيام، كفركلا، بنت جبيل، عين إبل، دبل ومناطق أخرى تقع على خط النار مثل مرجعيون وسواها.
الفترة التي عشتها كانت مرعبة وحرجة في الوقت نفسه، خاصة أن جميع المراسلات والمراسلين يعرّضون حياتهم للخطر في كل دقيقة وثانية،
هذا الشعور بالخوف والرعب يلازمني بشكل مستمر ولا أظن بأن هناك أشخاصاً لا يخافون أبداً، لأن الإنسان كتلة مشاعر وأحاسيس.
كنت أظن أن القصة ستنتهي بسرعة مثل العادة ولكنها جاءت عكس توقعاتي وتوقعات كل الناس.
أعيش حالياً كل يوم بيومه وكل لحظة بلحظتها لأن لا احد يعلم ماذا يخبئ لنا اليوم التالي في ظل هذه الأوضاع المأساوية.
2 ـ تعرضت عدة مرات لمواقف خطرة مثل اقتراب القصف الإسرائيلي من المكان الذي كنت أقف فيه لبث الرسالة الصحافية وكنت أسمع باستمرار الأصوات المخيفة، سواء أكان صوت الطائرات أم القصف.
وفي إحدى المرات، كنا نقيم في فندق عادي، وبدأ القصف، فنزلنا الى الأسفل للهروب. ولكن القصف كان حول الفندق ولم يتوقف ولا للحظة، الأمر الذي بثّ الرعب والخوف في نفوسنا جميعاً، لكن في الوقت نفسه الحرب تجمّع ولا تفرّق، لأن كل شخص يصبح يخاف أكثر على أهله وأقربائه.
وأنا شخصياً أتذكر أهلي بشكل مستمر وأحاول قدر الإمكان أن أطمئنهم عني.
لن أتخلى عن هذه المهمة وعن هذا الدور الراقي وسأبقى صامدة رغم كل الظروف، وإذا طلب مني التوجه الى أي بقعة لبنانية للتغطية الإعلامية فلن أتأخر ولا ثانية واحدة.
3 ـ من أصعب التجارب في حياتي، مع العلم أنها تجربة مفيدة جداً من الناحية المهنية والإنسانية والاجتماعية وقد جعلتني أعيش الحرب بكل تفاصيلها الدقيقة، وقرّبتني من الناس أكثر وأكثر، خاصة ان تغطيتي لم تقتصر على منطقة الجنوب فقط، بل توجهت نحو الضاحية الجنوبية لمشاهدة أفظع المشاهد ونقل الصورة بشكل دقيق.
أشعر بأن كل الناس تعيش لحظات صعبة في حياتها، وهي تجربة قاسية بالنسبة لنا جميعاً، خاصة لنا نحن المراسلين لأن عملنا وضميرنا المهني يقتضيان منا عدم التغاضي عن هذا الواجب المهني، مع العلم أن المؤسسة الإعلامية لا تلزم أحداً بالمخاطرة بحياته في سبيل التغطية الإعلامية، بل يعود هذا الأمر الى شخصية المراسل وقدراته المهنية.
من أصعب الأمور أن يعيش الصحافي مرحلة الحرب، لأن المطلوب منه عدة أمور كالمحافظة على حياته وبث الطمأنينة في نفوس أهله وأقربائه بأنه بخير ونقل الصورة بكل موضوعية وتجرّد، وتحمل العذاب والألم ومشاهد الدمار والموت... إنها من أصعب التجارب في حياتي ومن أصعب اللحظات التي عشتها وأعيشها.
كاتيا ناصر: إيصال صوت الناس واجب وليس مهنة
أما المراسلة الصحافية كاتيا ناصر، التي تعمل في قناة «الجزيرة»، فقد حزمت حقائبها وتركت مقر عملها في الدوحة لتلتحق بفريق عمل قناة «الجزيرة» في بيروت. هذه الخطوة التي لم تلق معارضة من جانب زوجها لأنه حين يدقّ ناقوس الواجب ينبغي التوجه الى العمل دون أي تردد، مع العلم أن المحطة لا تلزم مراسليها بالوجود في البقع الخطرة أو المتوترة بل نحن نختار ذلك، كما قالت كاتيا.
1 ـ أقضي يومي بالتنقل في الأماكن والمناطق المنوي تغطيتها ميدانياً، وهذا العمل شاق وخطر جداً نظراً للأوضاع الراهنة، ولكن ليس بمقدوري أن أتخلى عن دوري الإعلامي الذي يلزمني بتقديم المعلومة ونقل الصورة بكل موضوعية وتجرد.
2 ـ أذكر أنني تعرضت للخطر حين قصفت السيارة التي تقلّني ووفداً من الإعلاميين من مرجعيون الى حاصبيا بجنوب لبنان، ولكن حين نصل الى القرى المحاصرة ونلاحظ صمود الناس ومعنوياتهم المرتفعة، ثمة ما يدعونا الى التفاؤل ونسيان ذواتنا، فنحن لسنا أفضل من الأهالي الذين يتعرضون في كل لحظة الى العدوان والخطر.
لقد انقلبت حياتي رأساً على عقب وتحولت يومياتي، ولكن هذا تحصيل حاصل، ففي هذه الأوقات قد يكون التفكير بالذات أمراً سخيفاً.
3 ـ إذا كان عمل المراسل الحربي يفرض تعريض النفس للخطر، فأنا شخصياً لا أفكر في هذا الأمر حين أكون في قلب الحدث، بل إن كل اهتمامي ينصب على نقل الخبر بأمانة، فهول المجازر والقصف الذي يتعرّض له المدنيون يدفعنا الى التحلي بالشجاعة ونسيان الإحساس بالخوف.
بصراحة، في هذه اللحظة تتجردين من الإحساس ويتحول عملك الى رسالة، فما يدعونا الى التحرك ليس إدارة عملنا بل ما يتعرض له المواطنون، هنا يتحول إيصال صوت الناس الى واجب وليس الى مهنة.
نجوى قاسم: جئت الى لبنان لقضاء الإجازة الصيفية وبقيت
أما المراسلة الصحافية نجوى قاسم والتي تعمل في تلفزيون العربية، فأكدت أنها قدمت الى لبنان من مقر عملها في دبي من أجل قضاء الإجازة الصيفية مع أهلها وأقربائها في منطقة الضاحية الجنوبية، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فجاءت التوقعات مخالفة وكانت الإجازة الصيفية حارة ومرهقة بكل ما للكلمة من معنى.
1 ـ في البداية، أي أول عشرة أيام، كانت الفوضى عارمة، ولم نكن نشعر بأي تنظيم عملي، ومع الوقت بدأ التنظيم يفرض نفسه، وهذا حال كل المؤسسات الإعلامية.
اليوم، بدأنا ننظم عملنا وتغطيتنا أكثر، خاصة أن الحرب كانت مفاجئة للجميع، ولم آخذ ولا يوم راحة منذ بدايتها حتى اليوم، بل على العكس، أعيش حال استنفار دائمة وأترقب الأحداث والأخبار بتفاصيلها الدقيقة والصغيرة.
2 ـ أخطر موقف تعرضت له هو عندما بدأ قصف منطقة الضاحية ولم نكن بعد قد تركنا المنزل أنا وأهلي، فخفت كثيراً عليهم.
أما الموقف الخطر الثاني فهو عندما تعرّضت منطقة بعبدا الى القصف ومرّ الصاروخ من فوق رأسي، فلم أشعر بما يحدث.
هذه الحرب فُرضت علينا وهذا قدرنا، لذلك يجب أن نتحمل ونصبر بكل جدارة وثقة، خاصة أننا جيل الحروب المستمرة على لبنان.
3 ـ أضافت هذه التجربة زيادة إصراري على البقاء في بلدي والى جانب عملي وأهلي وأقربائي لأنني أعتبر نفسي في قلب الحدث ومعنية بالحرب مثل أي شخص لبناني.
أشعر بأنني ممزقة، فقسم مني مع الناس وقسم آخر مع أهلي، ولا يمضي يوم واحد إلا وأفكر بأهلي الذين تركوا منزلهم في الضاحية الجنوبية وهربوا نحو الجبل، ولكنني على اتصال دائم معهم.
هذه التجربة أسعدتني كثيراً لأنها جعلتني أبدو قريبة من الناس في جميع المناطق اللبنانية.
فاديا بزي: أجد نفسي
في التغطية الميدانية وعلى الأرض
أما المراسلة الحربية فاديا بزّي، والتي هي في الأساس رئيسة تحرير نشرة الأخبار على شاشة التلفزيون الجديد N.T.V فقالت إن تجربتها التي عاشتها وتعيشها حالياً من أصعب التجارب التي مرّت في حياتها. فهي عندما طُلب منها التوجه نحو الجنوب كانت تظن بأنها مسألة ساعات قليلة وسيعود كل واحد من الفريق الإعلامي الى بيته وأهله، وما كانت تعلم بأن القصة ستطول فبقيت 6 أيام متتالية في منطقة النبطية دون الشعور بالراحة والاستمتاع بالنوم.
1 ـ لقد ظهرت على الشاشة لمدة 3 أيام في الملابس ذاتها وكنت مرهقة جداً لأنني لم أكن أنام لا أنا ولا الفريق الذي كان معي، عندما وصلنا الى الجنوب وبدأنا جولتنا الميدانية اكتشفنا ان القصة ليست قصيرة، بل حرب طويلة ومفتوحة، فالناس تترك بيوتها والاعتداءات الإسرائيلية تتزايد والغارات تستهدف المدنيين وحتى المراسلين الصحافيين، الأمر كان محزناً ومؤثراً ولا أستطيع نسيان المشاهد التدميرية والدخان المتصاعد من كافة الجهات.
إن هذه التغطية الميدانية ليست الأولى، فأنا ابنة الجنوب. وتحديداً منطقة بنت جبيل التي تتم إبادتها تماماً وبالتالي يتم اخلاؤها من سكانها.
عندما علمت أن الوضع متأزم جداً في الجنوب اخترت بملء إرادتي التوجه الى هذه المنطقة الخطرة لأنه سبق لي ان كنت موجودة هناك وقت مجزرة قانا عام 1996، ولأنني أنتمي الى الجنوب، فبإمكاني التحرك بسرعة أكثر.
إن المؤسسة لا تطلب من أحد التوجه الى خط النار، بل تترك الأمر حسب الحرية الشخصية، وأنا في هذه الأوضاع فضلّت أن أكون موجودة على الساحة الجنوبية وأقوم بالتغطية الميدانية والإعلامية المطلوبة مني دون أي تقصير، بل على العكس أنا أعشق هذا العمل وأجد نفسي في الميدان، ساحة المعارك والحروب.
2 ـ الخطر يلازمنا باستمرار ولا مفر منه وبصراحة لقد تمكنا من الهروب من الموت عدّة مرات حين كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف الطرقات التي نمرّ بها بالسيارة، وكنا دائماً عندما نقصد مكاناً معيناً لاكتشاف ما حصل به، تعود الطائرات مجدداً وتقصفه وكأنها تعلم بأن المراسلين سوف يتوجهون فوراً نحو هذا المكان.
مرّت عليّ لحظات لم أكن أشعر بوجودي على قيد الحياة وكأنني في عالم آخر، فهول المصيبة والكارثة يجعل الإنسان غير متحكم بمشاعره وأحاسيسه وأحياناً لا يستطيع أن يسيطر على مخاوفه.
3 ـ إن هذه التجربة أضافت الى رصيدي المهني الكثير لأنني أعتبر أن وجودي على خط النار في هذه الظروف أهم من وجودي وراء المكتب، وأما على الصعيد الإنساني، فإنني مثل كل شخص يعيش داخل الوطن ويتأثر بما يعاني منه.
صحافيات فرنسيات على خطوط النار!
«سيدتي» التقت في باريس بعدد من الصحافيات اللواتي سبق أن خضن تجارب تغطية الحروب في مختلف مناطق العالم، وسألناهن عن انطباعاتهن ودوافعهن لتغطية الحروب، وهل يعتقدن أن عمل مراسلات الحروب النساء يختلف عن أداء زملائهن الرجال؟
الصحافية باتريسيا أليمونيير من القناة التلفزيونية الفرنسية الأولى عادت قبل أسابيع من العراق، في رابع رحلة صحافية لها هناك منذ الاحتلال. سألناها عن الحروب التي سبق أن غطتها، ولماذا اختارت أن تكون مراسلة حربية؟ وما هي الصعوبات التي تواجهها كامرأة في مختلف الصراعات المسلحة التي تتابعها ميدانياً؟ وهل هي واعية بالمخاطر التي يمكن أن تقع فيها، وهي تقوم بمهمتها الصحافية؟
فأجابت قائلة: أول تجربة لي كمراسلة حرب تعود إلى بداية الثمانينات، حيث ذهبت لتغطية الحرب في التشاد. وفي تلك الفترة، لم تكن لدينا الوسائل المتطورة المتوفرة حالياً للاتصال بقسم التحرير. كنا نشتغل أحياناً لمدة أسبوع كامل لتحقيق موضوع تلفزيوني واحد. وبعد إتمام العمل، كنا نجد مصاعب جمة في إرساله، وكان ذلك يستغرق منا وقتاً وجهداً كبيرين. وبالتالي فقد كنا عرضة للمخاطر أكثر من اليوم. وأعتقد أن هذه هي نقطة المغايرة الأساسية في الحرب الحالية في العراق وقبلها في أفغانستان التي غطيتها أيضاً. فحالياً بإمكاننا أن نتدخل على الهواء مباشرة من مسرح العمليات هناك، عبر وسائل الاتصال بالأقمار الصناعية، ونتحادث على المباشر مع مقدمي نشرات الأخبار في استوديوهاتنا المركزية.
أما عن أسباب اختيارها لأن تكون «مراسلة حرب»، فتقول باتريسيا: في بداية الثمانينات، كانت إدارة القناة قد بدأت تشجّع النساء على دخول هذا الميدان. وأنا شخصياً لم أتردد لحظة واحدة، واخترت أن أكون في مكان الحدث. وذلك لعدة أسباب من بينها حبي الكبير للسفر، ورغبتي في الاطلاع على الأشياء بعمق.
أما ناهدة نقاد، وهي صحافية فرنسية من أصل لبناني، متخصصة في شؤون الشرق الأوسط، فإنها تعد إحدى المحققات البارزات في التلفزيون الفرنسي وتقول: أُتيحت لي الفرصة لتغطية عدة أحداث في مناطق متباعدة من العالم، مما أكسبني الخبرة اللازمة لخوض تجربة تغطية الحروب، بدءاً بالحرب الأهلية اللبنانية ووصولاً إلى النزاعات العرقية في البوسنة. وأتذكر أن أقسى تجربة كانت في لبنان، حيث أطلقت إحدى الدوريات العسكرية في بيروت الشرقية الرصاص على السيارة التي كنت على متنها برفقة فريقي الصحافي. لكننا نجونا بأعجوبة.
أما الصحافية مارين جاكمان، فهي من أكثر الصحافيات الفرنسيات حضوراً في ميادين الحروب، خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث غطت للتلفزيون الفرنسي النزاعات الطائفية في أنغولا وراوندا، وغطت الحرب في الشيشان والنزاع في كوسوفو. وفي شهر أبريل 2002 نالت جائزة أفضل مراسلة حرب عن تحقيق أعدته عن أوضاع النساء في أفغانستان. عن تجربتها الصحافية كمراسلة حرب تقول: ليست الحرب هي التي تستهويني، فهي شيء مخيف وكريه. ولكنني أحب الذهاب إلى مواقع الحروب، لأنها خير طريقة لرؤية حقيقة ما يحدث رؤية العين، ونقله للمشاهد بأمانة.
ريما مكتبي: هدفي تأدية دوري الإعلامي
على أكمل وجه
ريما مكتبي، المراسلة في قناة «العربية»، بدت متميزة بعملها وتغطيتها بفضل تحديها للأخطار ونقلها للأخبار من الأماكن الساخنة والمشتعلة.
وقد اعتبرت ريما في حديثها أنها عندما قررت دخول المجال الإعلامي كانت تعرف أن لا عودة عن هذا القرار، لأنها تجد نفسها فيه.
1 ـ يومي المهني مليء بالمشقات والمصاعب، ولا أخفي سراً إذا قلت انني أعمل لمدة 12 ساعة متواصلة دون راحة، خاصة أنني أتنقل في عدد من المناطق اللبنانية الساخنة والمشتعلة مثل الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية، ولا يقتصر عملي على التغطية الإعلامية والميدانية فقط، بل يتعداها الى أبعد من ذلك كزيارة المدارس لتفقّد النازحين والمهجرين والنزول الى الملاجئ للاطمئنان على الناس وزيارة المستشفيات.
مشاهد الدمار والخراب لا تفارق ذاكرتي منذ الهجوم الإسرائيلي على لبنان. إن إدارة القناة لا تفرض علينا الذهاب الى منطقة الخطر، لكنني أحسست بأنني يجب أن أحترم قراري المهني وأؤدي دوري الإعلامي على أكمل وجه، خاصة أن الناس بحاجة الى المعلومات الدقيقة ومعرفة كل ما يجري على الأرض.
2 ـ المخاطر موجودة في كل لحظة، بل في كل ثانية، والخوف شيء طبيعي، ولكن الشجاعة ضرورية أيضاً؛ لأنها تمكّن الانسان من السيطرة على مشاعر القلق والرعب حتى لا تظهر على الكاميرا.
لقد تعرضت عدة مرات للموت وكنت أشعر بأنني سأسقط جرّاء القصف والغارات، إنها لحظات مرعبة بكل معنى الكلمة.
كلما أنظر الى الدخان والغبار الذي يتصاعد من حول النقطة التي أقف فيها، ينتابني شعور فظيع لا أستطيع وصفه والتعبير عنه.
3 ـ أهم تجربة في حياتي وفي حياة أي مراسلة صحافية؛ لأنها أفادتني كثيراً وعلمتني الكثير إن كان على الصعيد الإنساني أو المهني، فقد اقتربت من الناس وأصبحت ملمّة بمشاكلهم ومعاناتهم، أما على الصعيد المهني، فقد تخطيت حدوداً مهمة جداً وزادت خبرتي كثيراً.
مذكرات مراسلة حرب فرنسية
تتحول إلى فيلم هوليوودي!
الصحافية الفرنسية إيزابيل إيلسن، التي غطت أحداث الحروب في مختلف بقاع الارض، خلال العشرين سنة الأخيرة، من لبنان الى العراق مروراً بأفغانستان والسلفادور ويوغوسلافيا سابقاً، كصحافية ومصورة، تقول: إن الفرق بيني كمراسلة حربية وبين زملائي من الرجال، هو أني مثلاً في مقالاتي أركز على الألم الإنساني، فأخصص مثلاً أربع أو خمس صفحات لوصف تعابير وجه طفل يتَّمته الحرب، بينما المراسلون الرجال يركزون في مقالاتهم أكثر على التحاليل العسكرية والجيو ـ استراتيجية!
وقد أصدرت هذه الصحافية التي تعد من أولى النساء اللواتي اشتغلن في هذا المجال، على الصعيد العالمي، كتاباً لقي كثيراً من الرواج والاهتمام في فرنسا وخارجها، تحت عنوان «كنت أريد أن أرى الحرب». كما أنها قامت بتأليف رواية مقتبسة من ذكريات ووقائع عملها لسنين طويلة كمراسلة حربية، ونشرتها تحت عنوان «الشيطان وأكثر». وبلغ رواجها أن أحد استوديوهات هوليوود قام باقتباسها في فيلم سينمائي من بطولة النجمة الأمريكية أندي ماكدويل، تحت عنوان Harrison_s flowers.
كاترين جانتيل:
كانوا يُنظرون إليّ وكأنني مارلين مونرو!
هي معادل جائزة «البولتزر» في فرنسا، عن مراسلاتها وتحقيقاتها التلفزيونية التي غطت بها الحروب والنزاعات المسلحة في مختلف مناطق العالم، وبالأخص في الشيشان وكوسوفو. وكانت كاترين جانتيل قد اشتهرت منذ منتصف الثمانينات بتحقيقاتها الكبرى التي كانت تعدها على القناة التلفزيونية الأولى في فرنسا، قبل أن تدخل مجال العمل كمراسلة حربية، ضمن أولى النساء الصحافيات اللواتي خضن هذه التجربة، مع انفجار الحروب العرقية في يوغوسلافيا سابقاً.
من سراييفو إلى غروزني، ومن الجزائر إلى كوسوفو، لفتت كاترين جانتيل الأنظار بتحقيقاتها التي تركِّز دوماً على إبراز الألم الإنساني، وتتميز بحس إنساني مرهف أكسبها شعبية كبيرة. وتقول في مذكراتها «على خط النار» إن فرض احترام الجميع لها واعترافهم بحِرفيتها لم يكن بالأمر السهل. ففي البداية ـ تقول ـ كان الجميع ينظرون إليَّ وكأنني مارلين مونرو جديدة قادمة لتسلية الجنود وليس لمساءلتهم واستجوابهم لإنجاز عملي الصحافي!
ليال نجيب:
أول صحافية لبنانية تقدم حياتها ثمناً لعملها
< منذ بدء العدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان، ودخول الصحفيات العربيات على خط التغطية الحربية، دفعت المصورة الصحفية ليال نجيب (23 عاماً) حياتها ثمناً لقيامها بواجبها الإعلامي، وهي التي كانت تعمل مصورة حرة، وذلك بصاروخ اسرائيلي أصاب سيارة الأجرة التي كانت تقلّها بين قرى الجنوب اللبناني المتقدمة.
< وتعتبر ليال نجيب الصحافية الأولى التي تقتل خلال العمل منذ بدء الهجوم العسكري على لبنان والذي كانت بدايته في الثاني عشر من شهر يوليو (تموز) الماضي.
أرقام... في «أجندة» المراسلات
< أكثر من 20 مراسلة عربية يعملن اليوم على خطوط النار لتغطية الحرب الدائرة في لبنان.
< بعض المؤسسات تدفع تأميناً يوازي المليون دولار على حياة المراسلين والمراسلات المعرضة للخطر.
< إحدى المراسلات وتدعى إيليان شاطري (في المؤسسة اللبنانية للإرسال) نجت من الموت مرتين، إحداهما في بعلبك أثناء تغطية عملية الإنزال الإسرائيلي والثانية في الجنوب.
< أطول فترة تغطية مباشرة قضتها ريما مكتبي (العربية) في اليوم الأول للعدوان عندما مكثت على الهواء من الساعة الرابعة بعد الظهر حتى التاسعة من صباح اليوم التالي.

التعليقات