كيف أصبحت باكستان أكبر مفرخة للمتطرفين وأهم متعاون في الحرب على الإرهاب؟

كيف أصبحت باكستان أكبر مفرخة للمتطرفين وأهم متعاون في الحرب على الإرهاب؟
غزة-دنيا الوطن

تركزت كل الأنظار على باكستان عقب الهجمات الانتحارية التي استهدفت شبكة مترو الأنفاق في لندن في 7 يوليو (تموز) 2005 عندما كشف النقاب عن أن اثنين من أربعة من المشتبه فيهم كان لديهم اتصالات مع جماعات إسلامية مسلحة. وتحولت الأنظار حول باكستان مرة أخرى عقب إحباط السلطات البريطانية مخططا إرهابيا قالت انه كان يستهدف نسف طائرات ركاب بمتفجرات سائلة. ورحبت بريطانيا من جانبها بمساعدة إسلام آباد في الكشف عن الشبكة المشاركة في المخطط. وبالنسبة لباكستان، يعتبر هذا النوع من النجاح سلاحا ذا حدين، فهو يسمح للرئيس الباكستاني برويز مشرف بالتأكيد مجددا على أهمية بلاده كحليف بارز في الحرب العالمية ضد الإرهاب، كما يعتبر ما حدث بمثابة اعتراف بأن باكستان لا تزال مركزا للإرهابيين من عدد من الدول. ليست هذه هي المرة الأولى التي تثبت فيها باكستان انها تربة خصبة للنشاط الإرهابي. فالمخطط الإرهابي الذي كشفت عنه السلطات البريطانية يوم الخميس الماضي كان الهجوم الإرهابي المزمع السادس الذي له صله بعناصر ذات علاقة بباكستان بصورة أو بأخرى. وبرز مجددا التساؤل حول ما اذا كانت باكستان تبذل جهدا كافيا للسيطرة على الجماعات الإرهابية التي تعمل على أراضيها. وتقول كريستين فير، الباحثة في معهد الولايات المتحدة للسلام بواشنطن، ربما لا يكون من الإنصاف في شيء توجيه اللوم الى باكستان بشأن مخطط أولى، معظم المشاركين فيه ببريطانيا، لكنها تعتقد ان باكستان لا تزال مكانا تتوفر فيه آيديولوجية الإرهاب والتدريب اللازم لتنفيذه وهذه في حد ذاتها مشكلة كبيرة، على حد قولها. ويقول ستيفن كوهن، الباحث بمعهد بروكينغز الأميركي، ان باكستان ظلت تستخدم الجماعات الإسلامية المتطرفة على مدى فترة طويلة لممارسة ضغوط على دول جوار، مثل الهند وأفغانستان، إلا ان ثمن هذا الاستراتيجية جاء باهظا، على حد وصفه. وأضاف قائلا إن باكستان تحصد الآن نتائج دعمها للجماعات الإسلامية على مدى سنوات، بما في ذلك جماعات شاركت في نشاطات إرهابية. ولهذا السبب تظل باكستان في نظر إدارة الرئيس جورج بوش طرفا حاسما وفي أحيان أخرى شريك مخيب للآمال في الحملة ضد الإرهاب. فمساندة الرئيس الباكستاني برويز مشرف العلنية لجهود الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب لم تكن دائما تدعمها إجراءات عملية. إلا ان ادارة بوش تحجم عن فعل أي شيء من شأنه ان يزيد الضغوط على الرئيس الباكستاني، الذي يقود دولة نووية لديها سلاح نووي ويقطنها 280 مليون نسمة. ثمة نقطة مثيرة للاهتمام تتمثل في تقلب موقف باكستان إزاء شبكة الإنتاج النووي الدولية التي كان يديرها على مدى سنوات العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان، الذي أصدر الرئيس مشرف عفوا بحقه لكنه لا يزال رهن الاعتقال المنزلي. ويقول مسؤولون باكستانيون إن بلادهم ظلت حليفا موثوقا ضد الإرهاب، كما أكدوا انه من المستحيل أن تسيطر باكستان على كل من يعمل في الأراضي الباكستانية، وأكد مسؤول طلب عدم ذكر اسمه أنهم عندما يحصلون على معلومات تقود الى إلقاء القبض على العناصر الإرهابية، فإن السلطات المعنية تعتقلهم. ويقول مسؤولون غربيون إن على الجنرال مشرف، الذي نجا من عدة محاولات اغتيال، أن يتخذ الحيطة والحذر. ويقول مارفن واينبوم، مسؤول شؤون جنوب آسيا بوزارة الخارجية الأميركية سابقا والمسؤول حاليا بمعهد الشرق الأوسط، إن نسبة التأييد له تراجعت وانه لا يمكن ان ينظر اليه كتابع للولايات المتحدة.

وتتلخص واحدة من نقاط الخلاف في استمرار اتخاذ قادة تنظيم «القاعدة»، بمن في ذلك أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، مقرا لهم في المناطق القبلية الواقعة في منطقة الحدود بين باكستان وأفغانستان. ويقول دبلوماسيون غربيون ومسؤولون عسكريون في أفغانستان ان حركة طالبان تستخدم المنطقة كقاعدة خلفية لتمردها داخل أفغانستان. وقال دبلوماسي غربي في كابل ان عناصر طالبان تتجه الى باكستان لإعادة التزود باحتياجاتهم وينقلون جرحاهم ايضا للعلاج، وأضاف أن هناك نظام اتصالات جيدا عبر الحدود. من جانبهم قال مسؤولون باكستانيون انهم نشروا قوات قوامها 80000 جندي وضابط على منطقة الحدود مع أفغانستان منذ عام 2003، لكنهم قالوا انهم واجهوا مقاومة شديدة من القبائل المستقلة هناك وفقدوا حوالي 600 جندي في القتال. وأكد مساعد مقرب من الجنرال مشرف إن الحكومة أجبرت على تخفيف نشاطها العسكري في مناطق القبائل خلال العام الحالي، وأضاف أن الجهود في هذا الاتجاه انتهت بالفشل. وأوضح أيضا أن القوات الباكستانية اضطرت الى تغيير استراتيجيتها، مؤكدا ان استراتيجية القصف واستخدام الإجراءات العسكرية لم تنجح. وبعد هجمات لندن في العام الماضي، ضغطت بريطانيا والولايات المتحدة، وهما من أقوى حلفاء باكستان على الجنرال مشرف لضرب الجماعات المتطرفة التي تعمل في تلك المناطق وفي أماكن أخرى في أراضيها. وفي الوقت الذي أوضحت فيه عمليات القبض على المشتبه فيهم التعاون الباكستاني، فإنها أشارت أيضا الي أن معسكرات تدريب الإرهابيين لا تزال ناشطة. وقد أسرعت السلطات الباكستانية بوصف جهودها الأخيرة في القبض على الإرهابيين المتوقعين بأنها دليل على «التزام باكستان بمحاربة الإرهاب».

وقالت وزارة الخارجية في بيان لها اصدرته يوم الجمعة إن «عمليات القبض تؤكد الدور الهام للغاية الذي لعبته باكستان في اكتشاف هذه الشبكة الإرهابية الدولية». وفي بيان آخر للوزارة قالت ان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير اتصل بالجنرال مشرف لشكر حكومته على «مساعدتها القيمة.» ويختلف هذا الموقف اختلافا شديدا مع ما حدث في الشهر الماضي بعد الانفجارات التي وقعت في مومباي العاصمة المالية للهند. فقد حملت الهند منظمة «عسكر طيبة» المحظورة ومقرها باكستان مسؤولية الانفجارات. وطلبت باكستان من الهند تقديم الأدلة، ووصلت العلاقات بين البلدين الى أدنى مستوى. ثم وضعت الحكومة الباكستانية، بدون تفسير في أوائل هذا الأسبوع حافظ سعيد مؤسس جماعة عسكر طيبة تحت الإقامة الجبرية. وأضاف كوهين، من معهد بروكينغز الأميركي، إن العلاقة الباكستانية تكررت كثيرا في المؤامرات الإرهابية الأخيرة، وان المتآمرين في الغرب «يتلقون التوجيه الروحي، والتمويل وفي بعض الأحيان تعليماتهم من باكستان». وكان خالد شيخ محمد الى ان تم القبض عليه في مارس 2003 هو مسؤول عمليات «القاعدة»، وكان يعيش في باكستان ويجري اتصالات مع الخلايا الإرهابية من شمال أفريقيا الى اندونيسيا. وقبل ابريل (نيسان) 2002 أدى نسف معبد يهودي في تونس بشاحنة الى مقتل 21 أشخاص. واتصل أحد من المشاركين بشيخ محمد للفت انتباهه الي الهجوم.

وفي يوليو 2003 قبض على محمد نعيم نور خان، وهو فني كومبيوتر من اصل باكستاني يعمل لحساب «القاعدة»، في باكستان في عملية مشتركة مع بريطانيا. وقالت السلطات الباكستانية إنهم عثروا على ارشيف إلكتروني لمعلومات استطلاع حول صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي في واشنطن ومقر مصرف سيتيغروب الاميركي في مانهاتن، وسوق الأوراق المالية في نيويورك ومقر شركة برودينشيال في نيو آرك. وفي اغسطس (آب) 2003، عثرت الشرطة التايلاندية على علاقة مع باكستان عندما قبضوا على رضوان عصام الدين المعروف باسم الحنبلي المتهم بتنظيم نسف النادي الليلي في بالي عام 2002 الذي أدى الى مقتل 200 شخص.

وذكر مسؤولون استخباريون انه كان يحمل كمية كبيرة من النقد تلقها من متعاونين في باكستان. وفي مارس (اذار) 2004 قبضت الشرطة البريطانية على ثمانية بريطاني المولد من اصل باكستاني وبريطاني متجنس ولد في الجزائر حصلوا على ما قيمته 1300 جنيه استرليني من الأسمدة كانوا ينوون استخدامها لنفس بارات وقطارات ومطاعم في بريطانيا.

وذكر مسؤولون باكستانيون ان زيشان صديقي، وهو بريطاني من اصل باكستاني الذي قبض عليه في العام الماضي قد ذكر للمحققين انه قضى بعض الوقت في باكستان مع اثنين من بين سبعة رجال يحاكمون الآن في مؤامرة تفجيرات عام 2004، وناقشوا بعض الأفكار لشن هجمات على شبكات الكهرباء والاتصالات في بريطانيا.

وفي ابريل (نيسان) 2005، أدين 11 باكستانيا في اسبانيا بتهمة جمع اموال وتجنيد اشخاص لخلايا ارهابية في باكستان موالية للقاعدة. والتآمر لارتكاب اعمال ارهابية. واكتشف المحققون شريط فيديو لبعض أعلى المباني في البلاد بالإضافة الى مواد دعائية إرهابية. وطبقا لتقرير برلماني بريطاني، فإن اثنين من بين أربعة من الانتحاريين الذين شاركوا في عملية يوليو 2005 على شبكة مترو الأنفاق في لندن تلقوا تدريبا على الأعمال الإرهابية في باكستان ومن المرجح انهم اجروا بعض الاتصالات مع شخصيات للقاعدة هنالك.

وقال واينبوم من معهد الشرق الأوسط، إن هذا النموذج يعكس نتائج لم تستكمل للحرب التي تقودها أميركا في افغانستان. فبعد اربع سنوات من اسقاط نظام طالبان، لا تزال «القاعدة» مستمرة في استخدام باكستان كقاعدة لها. وأضاف واينبوم «معظم شخصيات القاعدة الاساسية ذهبت الى المدن الباكستانية المزدحمة ولا سيما كراتشي. وشكلوا خلايا هناك وهذه الخلايا مرتبطة بمساجد في بريطانيا وفي اماكن اخرى.

*«نيويورك تايمز»

التعليقات