خبراء يتوقعون زلزالا سياسيا في إسرائيل بعد حرب لبنان وغزة

غزة-دنيا الوطن

قبل أن تسكت المدافع وتهدأ طبول الحرب، بدأت تسمع في أروقة السياسة الاسرائيلية هذه الأيام، أصوات تنبئ بحدوث زلزال سياسي في اسرائيل، يشبه ذلك الزلزال الذي وقع بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) في عام 1973، وتسبب في حينه بانقلاب سياسي في الحكم أتى بزعيم اليمين الليكودي مناحيم بيغين الى الحكم وأطاح حزب العمل الذي حكم اسرائيل طيلة 35 عاما.

ويعتمد أصحاب هذا الرأي على النتائج المأساوية للحرب التني يعتبرها البعض في اسرائيل جنونية التي تديرها اسرائيل ضد السلطة الفلسطينية (والتي تصاعدت خلال الشهر الماضي، في أعقاب عملية خطف الجندي جلعاد شليط)، والحرب التي يعتبرونها ايضا لا تقل جنونا على لبنان والتي تدار منذ خطف الجنديين بأيدي «حزب الله». ومع أن هؤلاء يركزون بالأساس على الحرب في لبنان، بوصفها مسلسلا متلاحقا من الاخفاقات، إلا أنهم يشيرون أيضا الى تبعات حرب التدمير في غزة والحصار الاقتصادي المتواصل منذ فوز «حماس» في الانتخابات وتشكيله الحكومة وما يرافقه من عمليات اغتيال واعتقال في الضفة الغربية. فهذه السياسة تضعف الرئيس الفلسطيني، محمود عباس (أبو مازن)، وتقوي العناصر الراديكالية وتقلل الى حد أدنى امكانية احياء المسيرة السياسية.

وحسب مصادر سياسية في القدس، فإن العقبات التي تخلقها السياسة الاسرائيلية على الجبهة الفلسطينية بدأت تثير اهتماما وقلقا واضحا في الاتحاد الأوروبي واليابان وروسيا والصين وأن مسؤولين أميركيين بدأوا يتفهمونها. ولذلك فإنهم يطرحون على إسرائيل مختلف الاقتراحات لتغيير الموقف تجاه السلطة الفلسطينية، ويقولون لها ان الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي على السلطة لن يؤدي الى سقوط حكومة «حماس» وأن هناك امكانية أفضل وأجدى نفعا، هي القبول بتحالف سياسي واسع في السلطة والتعاون معه بخطوات محسوبة.

ولكن الحرب في لبنان غطت على الأحداث في قطاع غزة والضفة الغربية. والاسرائيليون يصعدون سياستهم الخانقة على السلطة الفلسطينية لتغدو خانقة أكثر. بل بدأوا ينسخون أساليب الحرب اللبنانية في قطاع غزة (قصف البيوت بالمدافع والاتصال بالناس هاتفيا، وتحذيرهم من نسف بيوتهم وضرب شبكة الكهرباء وتفجير شبكة المياه)، وبهذا تزيد الوضع تعقيدا وتدفع به الى انفجار غير محسوبة نتائجه.

وأما بالنسبة للحرب في لبنان، فإن تلك القوى تتحدث عن حساب عسير متوقع عليها بعد أن يتوقف اطلاق النار وعن احتمال تشكيل لجنة تحقيق رسمية تفتح ملفات خطيرة ضد الحكومة، وضد قادة الجيش على السواء. وهي توضح عددا من ملامح الصراع الذي سيدور في اسرائيل حولها، ونذكر فيما يلي أبرز هذه الطروحات:

هذه الحرب لم تكن مدروسة بشكل كاف، مع ان الجيش وضع خطتها في سنة 2004 ابان قيادة موشيه يعلون لهيئة رئاسة أركان الجيش، وأجرى تدريبات أولية عليها في السنة نفسها، ثم بنى نموذجا لقرية لبنانية في حقل تابع لمقر قيادة الجيش في لواء الشمال وأجرى تدريبات ميدانية فيها عدة مرات خلال السنة الفائتة، وما زالت هذه القرية موجودة حتى اليوم وقد اعتمدوا في بنائها على صور وخرائط لبعض مواقع «حزب الله». فالجيش يواجه عقبات كأداء في الحرب في لبنان تدل على أخطاء فاحشة في التخطيط والتدريب، وتدل على خلل خطير في جهاز الاستخبارات العسكرية وتكشف نقاط ضعف في الاداء العسكري في مواجهة مقاتلي «حزب الله»، لا تتلاءم مع قوة الجيش الاسرائيلي والصرف الهائل عليه. الحكومة وافقت على إملاءات الجيش من دون أن تحاول فهم مخططاته ومن دون أن تجري الحسابات السياسية والاستراتيجية لها. وبات واضحا من الآن انها ستستصعب تحقيق أهدافها المعلنة: وهي تدمير قوة «حزب الله» العسكرية وتحويله الى حركة سياسية طائفية مهزومة وضعيفة، وتحرير الجنديين المأسورين من دون دفع ثمن بتحرير أسرى من السجون الإسرائيلية. وتبعية السياسيين هذه للجيش ستعيد الى بساط البحث مسألة العلاقة بين الجيش والحكومة. فإسرائيل هي واحدة من الديمقراطيات القليلة في العالم التي يسيطر فيها الجيش على القرار السياسي الاستراتيجي، والتي لا يخضع فيها الجيش لمراقبة جدية من القيادة السياسية أو البرلمانية. وكان بعض رؤساء حكومات اسرائيل السابقين قد تمردوا في بعض الحالات القليلة على مواقف الجيش، مثل بيغن الذي وقع على اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر ضد رغبة الجيش (لكنه كان مدعوما من الجنرالين عيزر فايتسمان وموشيه ديان) واسحق رابين، الذي وافق على اتفاقات أوسلو رغم معارضة الجيش وايهود باراك، الذي قاد الانسحاب المهرول من لبنان في عام 2000 رغم معارضة الجيش وارييل شارون، الذي انسحب من قطاع غزة رغم معارضة الجيش. لكن رئيس الوزراء الحالي ايهود أولمرت، ووزير دفاعه عمير بيرتس، لا يبديان أي اعتراض على ارادة الجيش، بل يعملان كأسيرين مقيدين لخدمة أهداف الجيش.

خضوع أولمرت وبيرتس للجيش يثير قضية أخرى حول مدى رجحان كفة الحسابات الشخصية في المعركة السياسية. والسؤال الذي بدأ يطرح الآن، هل هما يؤيدان الحرب ويظهران تحمسا لها أكثر من الجيش نفسه لكي يثبت كل منهما حضوره السياسي وقوته الحربية لكي يضمن أن ينتخب مرة ثانية في رئاسة الحزب أو الحكومة؟

هناك حساب شخصي ايضا لدى رئيس أركان الجيش، دان حالوتس. فهو أول رئيس أركان يأتي من سلاح الجو في تاريخ اسرائيل. وهذا السلاح هو الابن المدلل في اسرائيل. ولم يعط هذا المنصب كونه سلاح النخبة. فهل جاءت شدة العمليات الحربية بهدف البرهنة لبقية الجنرالات المحاربين على انه يستطيع أن يكون مثلهم بل أكثر حربية منهم؟! وهناك حساب آخر لا يتحدثون عنه كثيرا في الوقت الحاضر، لكن انفجاره وشيك. فالمعروف ان حكومة أولمرت قامت على أجندة سلامية واجتماعية. وقد توصلت الى قناعة بأن هناك ضرورة لتقليص الميزانية العسكرية بمبلغ مليار وربع المليار دولار في السنة القادمة (2007). والتقليص لن يكون في الأسلحة طبعا، ولا في القدرات الحربية، فهذه تصل موازنتها من الولايات المتحدة الأميريكية، التي تمنح اسرائيبل في كل سنة هبة قيمتها 2.4 مليار دولار تصرف كلها على الأغراض العسكرية مشروطة بأن يتم صرفها بشراء كل شيء من المصانع الأميريكية. إذن فإن التقليص سيكون بالأساس في ميزانية الرواتب والامتيازات، التي يحصل عليها الجنرالات وكبار الضباط وفي تقليص بضع مئات من الوظائف لدى كبار الضباط وطواقمهم. ومن الواضح ان هذه الحرب أسقطت برنامج تقليص ميزانية الجيش، بل ربما ستؤدي الى زيادة هذه الميزانية.

التعليقات