صور مدينة أشباح ترقبا لمرحلة ما بعد حيفا

غزة-دنيا الوطن

صور ليست أرض المعركة، لكنها صداها وسلة غبارها ومرمى لقذائفها المزاجية. حوالي 60% من أهلها هجروها، ليتوارى الباقون عن الانظار، فتشعر أنك تسير في مدينة أشباح. البعض قال إن هذا التواري هو الخوف من مرحلة «ما بعد حيفا»، التي أشار إليها الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله بعد منتصف ليل أمس الأول. على أي حال الخوف كان سيد الطرق التي قادتنا من بيروت إلى صور. حتى البعيدة منها عن احتمال القصف، فبقيت مقفرة، إلا من بضع سيارات عابرة في الرحلة الطويلة التي كانت تستغرق عادة ساعة ونصف، لتستهلك في هذه الظروف أكثر من ثلاث ساعات. هي أشبه بسياحة حربية، حيث يمكن التعرف الى قرى وبلدات لم يفكر اللبنانيون سابقا بارتيادها، لا سيما في المنطقة التي تجمع الشوف بقضاء جزين في جنوب لبنان. كنت الصحافية العربية الوحيدة بين مجموعة أجانب. كل واحد منهم تزود بخريطة للبنان واستعان بها ليتابع موقعه الجغرافي. المشهد اللافت كان مواكب السيارات الرافعة أي شيء أبيض، سواء أكان علما أم غطاء أم قميصا قطنيا أم منديلا. المهم أن يرفرف اللون الأبيض ليعكس صورة مؤلمة للنزوح المستمر من الجنوب اللبناني. أحد المواكب كان يضم أكثر من 50 سيارة. سألنا سائق إحداها من أين هو قادم، فأجاب: من بلدة البستان التي هجرها معظم سكانها بعد إلقاء الطائرات الإسرائيلية مناشير تطالب السكان بالمغادرة تمهيدا للقصف. مظاهر الدمار تطالعنا عند الاقتراب من منطقة الزهراني، وتحديدا عند مفرق بلدة الغازية حيث يتكوم مبنى تجاري. جسر مصيلح الذي يقود الى النبطية هو العلامة الثانية الفارقة. الاذاعة رفيقة الطريق. وحضورها يصبح أشد إلحاحا عندما نقترب من صور على الطريق الساحلية المألوفة. والسبب الاطلاع على آخر التطورات الأمنية. كذلك السرعة القصوى، فهي من ضرورات الجولة. لكن العين تلتقط بوادر الاصرار على الحياة من خلال العمل لردم بعض الحفر التي أحدثتها القذائف بغية قطع الطريق. الحياة لم تعد. مواعيدها بعيدة في الزمن. تشي بها لافتات زرقاء ما زالت تحتفظ ببهاء لونها، تعلن عن افتتاح «معرض الجنوب للكتاب». الموعد كان من 15 الحالي إلى 20 أغسطس (المقبل). صوت رئيس بلدية صور عبد المحسن الحسيني يناشد عبر الاذاعة أهل الخير، على مساعدة مدينته الصامدة لنجدة النازحين والتمكن من انتشال جثث القتلى من تحت الركام. يقول: «مبنى البلدية تحول الى مستوصف. ولا أحد يسأل عنا، فليستح السياسيون الذين يحتلون وسائل الاعلام، في حين أن ضحايانا على الارض، والكلاب بدأت تنهش جثثهم».

تتغير أجواء الرحلة بفعل الصورة السوداوية التي وصلت إلينا. وأيضا بسبب الحفرة الضخمة التي ابتعلت سيارة وتسببت بجنوح أخرى وتحطمها نتيجة قصف عنيف لمدخل صور الذي ترتفع فوقه لافتة كبيرة كتب عليها: «جنوب التحرير يرحب بقائد التحرير». نلحق السيارات او نراقب من أين تخرج. ندخل طريقا ترابية ضيقة بين بساتين الليمون لا تتسع للسيارة إلا بصعوبة. يأكلنا الغبار الذي يتصاعد مع كل دورة دولاب. مزيد من السيارات المحطمة على قارعة الطريق حتى ندخل المدينة لنلمح في البحر باخرة بيضاء رست لتنقل الرعايا الفرنسيين. البشر نادرون. سيارات الاعلاميين هي الوحيدة التي تعبر الشوارع باتجاه استراحة صور السياحية، حيث نقطة التمركز لجميع المراسلين المحليين والأجانب. كذلك لرعايا الدول الباحثين عن وسيلة نقل لمغادرة المدينة، وسط حضور كثيف للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة.

عند بوابة الاستراحة لوحة تعلن عن حفلة للفنانة نانسي عجرم في 27 الحالي. لكن المكان غادره الفرح واللهو وغادرته النظافة. لكنه تحول الى برج مراقبة للصواريخ التي تنطلق من بعض القرى القريبة إلى حيفا محدثة هديراً أشبه بهدير الطائرات المحلقة. نسأل عن الحرب التي نتابع تفاصيلها عن بعد، يجيب أحد عناصر الدفاع المدني: «ارتاحوا قبل قليل، فقد أمضينا ليلة صعبة وصباحاً أصعب، إذ تمكن المسعفون من انتشال جثث ضحايا دارة القدسي: امرأة وولديها وخادمتها وصديق غاني من اليونيفيل وزوجته. هؤلاء الضحايا كانوا سقطوا قبل أسبوع».

أثار العدوان الإسرائيلي محصورة في مناطق معينة من صور. أما المناطق الباقية فقد تملك سكانها الخوف بفعل الحرب النفسية التي تغير بها إسرائيل من خلال القصف النوعي الذي يوقع الضحايا بالعشرات كل مرة وبالمناشير التي تحذر السكان من البقاء. «الدم مخيف، ويبدو أن اللبنانيين فقدوا القدرة على الصمود والمخاطرة بحياتهم. من لا عمل له غادر. ومن تعنيه الحرب والصمود ما زال هنا»، يقول عنصر الدفاع المدني الذي فقد بعض رفاقه، وما زالت جثثهم في الطابق السابع من مبنى الدفاع، ايضا منذ أسبوع. الدليل المرافق هو أهم عنصر في الجولة، تولى المهمة محمد زرق، وهو شاب فلسطيني من سكان المدينة. دار بنا على الأحياء المتضررة، لنرى غرف نوم في بعض المنازل مفتوحة على الطريق، أبوابها مرمية أرضاً وأسرتها مكشوفة للغبار. التشنج يسود المدينة. يقترب منا فتى على دراجة، يعرف عن نفسه بأنه من أمن «حزب الله». يسألنا عن أسمائنا. والسبب، كما قال وبلهجة استفزازية، إن المرحلة تتطلب المزيد من المراقبة والحماية. يتكرر المشهد في «ثانوية صور الرسمية» التي تضم حوالي 600 نازح موزعين على 50 عائلة، حيث يحاول المسؤول عن لجنة التنظيم «أبو مهدي» منعنا من تبادل الحديث مع النازحين، والسبب هو الخوف من عملاء إسرائيل. ويقول: «مسؤوليتنا كبيرة، فهؤلاء أمانة في رقابنا. وإذا لم نحمهم من سيفعل؟ ليست إسرائيل بالتأكيد. الحماية تعني أيضا منع النازحين من الشكوى ومنعنا من التصوير. ولكن مع بعض عبارات الدعم والتفهم «يمشي الحال». ربما أزال توتره وجود صحافية عربية بين مجموعة من الإعلاميين الأجانب. ولا يمنع الأمر احدهم من المطالبة بحقه في التعبير، ليقول: «نحن ننام على الأرض. ولا نحصل على الطعام والدواء. فليأت التلفزيون وينقل بصدق ما يجري. نريد أن تظهر الفضائح». سيدة عجوز تسألنا: «هل تقومون بإحصاء لإعطائنا بعض المؤن الغذائية؟» لتهمس أخرى: «هل لديكم مكان في السيارة لاصطحابي معكم؟ حالنا يصعب على الكافر».

معظم هؤلاء فقد الاتصال بعائلاتهم، ولا يعرفون مصير بعض الأولاد. فقدوا وسيلة الاتصال بذويهم. مأساة التشرد المرافقة للحروب تنعكس بصورة بشعة. الزوج في مكان وزوجته في مكان آخر والأولاد ضائعون.. ولجنة التنظيم يحكمها توتر وقلق لانعدام الامكانات وندرة الاغاثة. المشهد الأبشع هو للمقبرة الجماعية. أرض مفلوحة ومثلمة بالمقابر الترابية. إكليل زهر ذابل هو الشاهد الوحيد على ما يضمه التراب. منسوب البشاعة يرتفع لأن ثلما موازيا ينتظر مجموعة جديدة من الجثث. قبور مفتوحة على الانتظار، حتى يتمكن رجال الدفاع المدني من انتشال الجثث. يصبح احتمال المشاهد أصعب مع اقتراب أصداء القصف. نتحضر للرحيل. لكن الخروج من صور لم يكن مثل دخولها. كان أشبه بالمغامرة نتيجة ازدحام السير الخانق عند مفرق الطريق الترابية الضيقة والتحليق الكثيف للطائرات الاسرائيلية. يبدو أن استراحة المحارب انتهت. ايضا نلجأ الى الصدفة. نلحق بسيارة قال سائقها إنه يعرف طريقا فرعية. إشارات تحمل أسهماً للدلالة على الطريق المؤدية الى بيروت تملأ كل زاوية. والمقبرة التي نعبر وسطها في طريق العودة تذكرنا بأننا من التراب والى التراب نعود. «رافقتكم السلامة ـ بلدية الخرايب». وصلنا الى الخط الساحلي، وبدأنا نسابق الريح والقصف. استعادت الراديو دورها. موسيقى أشبه بصفارة الأنذار وصوت المراسل يعلن قصف صور. مواكب السيارات النازحة تحمل صمودها والراية البيضاء. ربما أصبحت الحرب خلفنا، لكن روائحها ما زالت تفوح في السيارة.

التعليقات