لبنان:يوميات الهاربين من جحيم الغارات الإسرائيلية ..حيرة و حزن وخوف من المجهول

غزة-دنيا الوطن

قال محمد عبدالكريم والدموع تنهمر من عينيه إنه يشعر بالعار لعدم تمكنه من الوصول إلى جميع أفراد عائلته لنقلهم بحافلته إلى بيروت هربا من القذائف الإسرائيلية المنهمرة على مدينة بنت جبيل التي يتساقط فيها القتلى في كل ساعة.

كان محمد يقل في حافلته طفلين و3 فتيات بالإضافة إلى زوجته، وبقي من أولاده 3 شباب كانوا في أمكنة غير معلومة حين قرر رب الأسرة مغادرة منطقة بنت جبيل. ويقف المواطن النازح في منطقة فردان في وسط العاصمة بيروت حائرا في المكان الذي سيتوجه إليه، مترددا في اللجوء إلى مدرسة قريبة وبين الانتقال إلى منطقة الجبل ليبحث عن سكن خاص" لأن الحياة في المدارس خبرناها في هجرتنا الأخيرة عام1996 حيث عشنا في غرفة غير مجهزة ومرض بعض أولادي".

وفي حي الحمراء الشهير انعدمت الحياة تقريبا وسارت السيارات مسرعة كأن رعبا يطاردها وسط إيقاع مريب لأصوات القذائف القادمة من البحر باتجاه الضاحية الجنوبية.

وقد فاقم حالة الرعب في بيروت قرار معظم السفارات الأجنبية والعربية إجلاء رعاياها عن بيروت ولبنان في خطوة تعكس في الحالات المماثلة بلوغ الخطر درجة الخط الأحمر.

سارع أهالي بيروت ممن لم يكن قد قرر النزوح حتى الآن إلى التحرك باتجاه الجبل والشمال. أما النازحون من الجنوب والضاحية فقد استقروا حيث وصلوا بعد أن تبين استحالة توجههم إلى مكان آخر باستثناء المقتدرين ماديا.

ويتبين من هذه الأمثلة أن أخطر ما يواجه الشعب اللبناني في ظل الحرب الإسرائيلية المفتوحة والمتصاعدة ساعة بساعة هو عمليات الاقتلاع التي حصلت بحق السكان في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية وبيروت وبعض مناطق البقاع لمئات آلاف السكان المدنيين على وقع الحرب الإسرائيلية المتصاعدة والتي بلغت ذروتها في توجيه القصف الجوي والبري والبحري باتجاه التجمعات السكانية والتتمادي في ملاحقة قوافل النازحين لقتلهم في الحافلات التي تقلهم بين المناطق. في حين تشكل عمليات التهديد بالقتل وتدمير القرى حالة من الرعب والقلق الشديدين في أوساط من لم يستطع مغادرة منزله حيث يعيش عشرات الآلاف حالة حصار خانق وأزمات معيشية وصحية متفاقمة.

وتقول إحصاءات غير رسمية إن ما يقارب 300 ألف مدني قد غادروا منازلهم بحثا عن أماكن آمنة، ويستعد عشرات الآلاف للرحيل خصوصا من مدن صور والنبطية وصيدا بعد انفلات القذائف الإسرائيلية باتجاه الأحياء المدنية.

وقد تم استيعاب الموجات الكبرى من النازحين في المدارس والمباني الرسمية خصوصا في بيروت ومناطق الجبل والشمال من جونيه وجبيل امتدادا إلى طرابلس.

وقد بذل عشرات الآلاف من نازحي المناطق التي تشهد عمليات عسكرية جهودا مضنية للحصول على سكن خاص سواء في المنازل الفارغة أو الفنادق والشقق المفروشة.

وقد دفع عشرات الأشخاص حياتهم ثمنا للعشوائية الإسرائيلية في القصف خصوصا في الضاحية ومدن صور والنبطية والقرى الجنوبية.

وبصعوبة متناهية بسبب انقطاع التواصل بريا وبالهاتف مع العديد من المناطق الجنوبية أمكن الحصول على معلومات تفيد بأن كل قرية من القرى المحاذية للحدود تحولت إلى مشروع مقبرة وأسلم من تبقى من السكان أمره إلى الله. أما في الضاحية الجنوبية فقد تفاقم الوضع إلى أقصى الحدود. وقال أحد أعضاء حزب الله في اتصال هاتفي مع "الوطن" إن ستالينجراد أخرى تنشأ مع الوقت في الضاحية من دون أن تكون هناك مواجهة مباشرة بين الجنود. وقال إن الطائرات الإسرائيلية حولت أحياء بكاملها إلى كتل من الحديد المختلط بالأثاث والدماء. وأشار عضو الحزب الذي يستمر في عمله بالإغاثة في الضاحية إلى أنه لم يشهد طوال نضاله الطويل مع الحزب مثل ما شهد في الضاحية الجنوبية حيث قال إن هناك قرارا بتدمير كل بناء. وأضاف: لقد فشلوا في القضاء على قيادة حزب الله ووسائل إعلامه ولذلك هم يقومون بتدمير شامل علهم يحظون بضحية قيادية من الحزب.

وقريبا من المداخل الأساسية للضاحية حيث تحولت الطرقات والساحات إلى حفر ضخمة جدا قف بضع سيارات إسعاف وتدخل سريع عاجزة عن اجتياز الدمار. وقالت معلومات من داخل الضاحية إن من تبقى من السكان إما قابع في الملاجئ أو يستعد للفرار. وتشير إلى أنه على الرغم

من إرادة هائلة تبدت عند السكان للصمود إلا أن حجم التدمير والقتل الذي حصل أودى بمعنويات العديد من السكان.

ويكافح أنصار حزب الله ومؤيدوه بضراوة للبقاء في الضاحية والنجاة من عمليات القصف. وذكر صحفي أجنبي تمكن من زيارة الضاحية لنصف ساعة أن مقاتلي الحزب وأنصاره أذهلوه عندما كانوا يواجهون غارات الطائرات الحربية برشاشاتهم الثقيلة المنتشرة هنا وهناك. ويقول المراسل إنه رأى مقاتلين ومدنيين يتجولون في لحظات القصف وكأن شيئا لا يجري.

وفي تقدير هذا المراسل أن الضاحية الجنوبية ستتحول عاجلا أم آجلا إلى منطقة ركام ودمار هائلين خصوصا إذا استمرت عمليات القصف على وتيرتها الحالية.

من الناحية الصحية علمت "الوطن" من مصادر الصليب الأحمر والدفاع المدني ومؤسسات إنسانية عاملة في الجنوب أن أوضاع المستشفيات آخذة في التدهور بسبب النقص الفادح في المواد اللازمة للعلاج وفقدان المحروقات وعدم إمكانية التواصل من المناطق الأخرى. وتشير المصادر إلى إمكانية توقف عمل العديد من المستشفيات الفرعية خصوصا في عمق الجنوب بعد عدة أيام.

ويشير أكثر من طرف إلى أن تناقصا متزايدا في المواد الغذائية بدأ يسجل في صور والنبطية والقرى التابعة لهما ناهيك عن أزمة في مناطق الحدود المواجهة مباشرة لإسرائيل.

وقد امتلأت برادات المستشفيات بالجثث وفاق عدد الجرحى طاقة المستشفيات في ظل التدفق المستمر للإصابات من مناطق المواجهة. ويبدو أن العديد من الضحايا لم تعرف هويتهم بسبب التشويه اللاحق بجثثهم.

التعليقات