سيناريوهات عديدة لكيفية التعامل مع الازمة وحلها ولكن كل الطرق توصل الى غزة
سيناريوهات عديدة لكيفية التعامل مع الازمة وحلها ، ولكن كل الطرق توصل الى غزة
بقلم: عمير ربابورت-هارتس
الجنود الذين كانوا بانتظار دورهم للدخول الى غزة هذا الاسبوع، تسابقوا الى التقاط صورة تذكارية قبل العملية التي كانت بانتظارهم، لكن الحرارة التي كانت سائدة داخل العربة المصفحة جففت شفاههم ورفعت حرارتهم.
في ظروف كهذه، من المشكوك فيه أن يكون أحد قد لاحظ بأن الجيش قد ركز قواته، دون قصد مسبق، قريبا من ثلاثة مواقع تمثل الأجزاء التي تتلخص فيها نظرية الحرب الاسرائيلية، ونقطة تركيز القوات الأساسية كانت في المكان القريب من نقطة تجميع القوات الاسرائيلية اثناء الاستعداد لتوجيه الضربة الانتقامية جراء الضحايا الاسرائيليين الذين سقطوا في سنوات الخمسين. وذلك النصب التذكاري أُطلق عليه اسم أحد المنفذين لتلك العملية التي أشرف عليها قبل 52 سنة، وكان برتبة مقدم، واسمه اريك شارون.
بالقرب من ذلك المكان يقع مبنى مقر الهدنة، حيث كان ضباط مصريون واسرائيليون يلتقون فيه للتنسيق حول غزة، وذلك الى أن احتلت اسرائيل غزة عام 1967. وفي الجهة الثانية يوجد مكان للاستجمام على اسم المقدم نبي مرعي الذي قُتل في اليوم الاول لاندلاع الأحداث التي فجرت معها اتفاقات اوسلو سنة 1996 والمعروفة بانتفاضة النفق، في القدس.
الاستنتاج الذي لا يمكن الامتناع عن فهمه هو أن هذه المواقع الثلاثة تُذكر كل من يحاول التجاهل والنسيان أن عملية "أمطار الصيف"، مهما تكن ناجحة، لن تُسكت هذه القنبلة الموقوتة التي تُعرف باسم "قطاع غزة". وعلى الرغم من ذلك، مقابل ذلك الجدار، فان الاحساس يؤكد بأن معركة لها أبعاد ومضاعفات مهمة ما زالت في الطريق. ليس مصير الجندي جلعاد شليت هو الموضوع فقط على كفة المفاجأة في الاسبوع الثاني لاختطافه، بل إن الطرفين، اسرائيل وحماس، كلاهما يقاتل من اجل فرض حقائق جديدة، على الأقل للمرحلة القصيرة القادمة. اسرائيل تحاول استغلال هذه الازمة لتضع حدا لاطلاق الصواريخ، ولاعادة قوة الردع التي سُحقت هناك. لكن حماس ردت هذا الاسبوع باطلاق الصواريخ على قلب عسقلان، حيث أوضحت أنها هي الاخرى لديها أهداف تراهن عليها أكثر من مجرد الطلب باطلاق سراح سجناء من السجون الاسرائيلية. والرسالة الضمنية من ناحيتها هي أنه "لا يوجد شيء اسمه انطواء أحادي الجانب"، وأن الهدف هو تعليم اسرائيل الدرس قبل أن تفكر جديا في البدء في تنفيذ خطة الانطواء.
والى أن تُحسم هذه الجولة الحالية في المواجهة بين حماس واسرائيل، فان كلا الطرفين يلعبان لعبة "حياة وموت"، وعلى نحو أكثر دقة، فان حياة كبار قادة حماس أصبحت معلقة ومرتبطة بحياة الجندي الاسرائيلي المختطف، وأن اسرائيل قد حددت علامة الاصابة لهدفها رؤوس قادة حماس. واضافة الى ذلك، في الدائرة الواسعة، فان 1.4 مليون انسان، هم سكان قطاع غزة الواقعين تحت الحصار، هم الذين يدفعون الثمن المباشر، سواء بالنسبة للاختطاف أو بالنسبة لوجود نحو 200 ألف اسرائيلي مُهددين بالصواريخ الذين يعيشون حول منطقة قطاع غزة (بما في ذلك عسقلان)، وأن سكان القطاع هؤلاء يعيشون كرهائن تحت تهديد صواريخ القسام. فمن الذي سيتحطم أولا؟ وكيف ستنتهي هذه الدراما؟ ها هي عدة سيناريوهات لانهاء هذه الازمة، وللحقيقة، فانها كلها لا تعتبر خيالية حتى هذه اللحظة.
السيناريو الأول: توجد صفقة
الأنباء الاولى تصدر في الصحف العربية في لندن، وبعدها في اسرائيل. وحسب هذه الأنباء، فان اسرائيل تُجري مفاوضات حقيقية مع الخاطفين للجندي جلعاد، ومع أن المتحدثين باسم رئيس الوزراء ينفون ذلك باصرار، ولكن بعد مرور وقت غير طويل، يستدعي رئيس الوزراء اولمرت محرري الصحف الى مؤتمر عاجل ويشرح لهم: توجد صفقة. ويشرح لهم ايضا بأن الحفاظ على السرية لمدة 24 ساعة هو مصيري بالنسبة لحياة الجندي شليت. والرقابة، في كل الاحوال، تضع قيودا كاملة على كل التفاصيل لاسباب أمنية، وذلك في الوقت الذي يُنقل فيه شليت بسيارة مغلقة من مكان وجوده الى كرم أبو سالم بأمان. وفي بيته تعلو اصوات الفرح والسرور بعد أن يتلقوا النبأ المفرح. جلعاد في طريق العودة الى بيته. أبناء العائلة ينفجرون بالبكاء فرحين، ويبدأ التوتر والغضب الذي تراكم منذ الاختطاف بالزوال، وبعد ذلك يتصل جلعاد من طائرة وزير الدفاع (المروحية) مع عائلته "أمي، أنا في الطريق الى البيت"، ويرفع صوته ليتغلب على صوت المحركات. ودموع الفرح تخنق عبارة أفيفة شليت ويصعب عليها الكلام.
التفسير: نعم، ورغم كل العبارات الرافضة والمتكررة بأننا "لن نُجري مفاوضات مع الخاطفين"، إلا أننا نتحدث عن سيناريو محتمل وله نصيب من الواقعية. فمن وراء الكواليس تجري اتصالات غير رسمية، حيث يُديرها المصريون ويشارك فيها الأتراك على نحو غير متوقع. فليس غريبا أبدا اذا ما انتهت مشكلة شليت والاختطاف عن طريق الاتصالات وعن طريق التسوية التي لا بد من الإقدام عليها، حيث يكون كل طرف من الطرفين يمكنه الادعاء بأنه "لم يتنازل أبدا عن أي من المبادىء".
اسرائيل، على سبيل المثال، يمكنها أن توافق على اطلاق سراح عدد محدد من السجناء، وفي المستقبل فقط، وكنوع من "بادرات حسن النية" للرئيس محمود عباس، وذلك لاتاحة المجال أمام حماس للنزول عن الشجرة (شجرة المطالب العالية) ولكي تتيح المجال فيما بعد للقول بأنها أنجزت وحققت نصرا. كلما مر الوقت أكثر تحول ما يُعرف بـ "جلعاد شليت" الى مشكلة أكبر وعبء أكبر، وبالتالي، فان حماس قد توافق على هذه التسوية.
المشكلة هي أنه مهما كانت الطريقة التي سيعاد فيها شليت الى اسرائيل، ستبدو جريئة ومشجعة، وستشجع فلسطينيين مستقبلا على القيام بالمزيد من هذه المحاولات لاختطاف جنود، كما أن مشكلة اطلاق صواريخ القسام لن تُحل بهذه الطريقة، وستبقى الأمور على حالها، وتتطلب حلا منفردا.
السيناريو الثاني: الخروج لتحرير جلعاد شليت
(ن)، رجل المخابرات الاسرائيلي المسؤول عن منطقة القطاع، يحصل في نهاية الأمر على قصاصة صغيرة من المعلومات التي تنتظرها اسرائيل، من مصدر موثوق لديه، والتي سيقول له فيها هذا المصدر "الثقة" أن شليت موجود في أحد البيوت في مخيم الشبورة عند مداخل رفح، وأن خاطفيه قد اختفوا وكأن الارض ابتلعتهم، وأن اثنان منهم قد غادرا البيت في ظلام الليل ثم عادا اليه خلسة وهما يحملان كميات كبيرة من الطعام، وأن أحدا قد رآهما، وهكذا سرت الشائعة عن موقع وجوده الذي تحقق منه المصدر وتأكد من صحته.
وبعد ذلك تنتقل هذه المعلومة الدرامية لرئيس الوزراء ووزير الدفاع، في داخل ظرف مغلق ومختوم من "الشباك". وخلال وقت قصير يقوم جهاز الاستخبارات العسكرية بجمع المعلومات والتفاصيل عن البيت المذكور الكائن في وسط شارع ضيق، ويتضح أنه حتى الساعة التاسعة، فان حراسه موجودين الى جانبه باستمرار، وكذلك توجد حراسة سرية عند مدخل الشارع، ويُخرج الجيش الاسرائيلي من أرشيفه كل المعلومات عن الشارع التي كان قد جمعها في الايام التي حكم فيها القطاع، وتقوم الطائرات بدون طيار بتعديل وتحديث الصور من الجو للشارع والبيت. ويقوم رئيس الاركان وقائد المنطقة الجنوبية باستدعاء قائد وحدة الاركان الخاصة وقائد وحدة سلاح البحرية وقائد الوحدة الخاصة في الشرطة، ويضعون أمامهم تلك المعلومات السرية على الطاولة ويقولون لهم "أمامكم خمس ساعات فقط لتضعوا خطة أولية لعملية انقاذ، معا أو على نحو منفرد"، وخلال 24 ساعة يراقب اولمرت تجربة ومناورة تقوم بها وحدة الاركان الخاصة مع البحرية ووحدة الانقاذ الخاصة للشرطة. "الخطة جيدة"، هكذا يحدد اولمرت ويوافق بقلب مشحون على البدء بعملية الانقاذ.
ومع مرور 12 ساعة من شد الاعصاب والقلق والتوتر يكون رئيس الوزراء بانتظار المعلومات عن نتائج الانقاذ. حيث ان المكان مليء بالناس، فمن غير الممكن الوصول الى البيت دون ان تُكتشف القوة المنقذة، وان اخطارا كبيرة تحيق وتحدق بكل القوة المنقذة وان الاحتمالات لاعادة الجندي شليت سالما الى بيته ضئيلة جدا. ونذكر ان محاولة انقاذ الجندي الاسرائيلي نحشون فاكسمان في شهر تشرين اول 1994، الذي كان محتجزا في احد البيوت المنعزلة تقريبا وفي قرية غير آهلة بالسكان على النحو الذي نراه هنا، قرية "بيرنبالا" كانت العملية قد نفذت في ظروف افضل بكثير، ومع ذلك، فقد فشلت، وقتل فاكسمان، وعليه، فان الحادث الذي نحن بصدده، فان اولمرت سيسمح بالقيام بعملية (انقاذ) احتمالات نجاحها اقل بكثير من تلك التي جرت سنة 1994، اذا لم يكن هناك مبرر آخر للقيام بذلك.
السيناريو الثالث: نصر الله يدخل الى الصورة
بعد مرور 23 يوم على حصار قطاع غزة دون رجوع جلعاد الى بيته، فان معلومة (نبأ) مفاجيء يصدم اسرائيل وهي غير مستعدة له: فمنشور يوزع في غزة يقول بان "الجندي (جلعاد) لم يعد في ايدينا". وبعد وقت غير طويل يعلن زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، بان "بيانا هاما سيعلن خلال اليوم. وفور ذلك تبدأ وسائل الاعلام الاسرائيلية بوتيرة "البث المباشر" والمتواصل، لكن نصرالله يبدأ بإزالة الضباب شيئا فشيئا، وكما يجب أن يفعل. وفي نهاية النهار، يتضح أن حماس تمكنت من تهريب الجندي المختطف بواسطة نفق من رفح الى مصر، ومن هناك تم نقله الى العريش، ثم وضع على احدى سفن الشحن الغربية وانتهى به المطاف الى لبنان. ومن هناك يعلن نصر الله أن ثمن اطلاق سراح جلعاد ازداد وارتفع. وهناك يطلب مقابل اطلاق سراحه اطلاق سراح 2000 من السجناء الفلسطينيين على الأقل، وكذلك سيطلب اطلاق سراح المعتقل اللبناني سمير قنطار الموجود في السجن الاسرائيلي منذ قتل عائلة هيرن في نهاريا عام 1979.
وهنا يعاني رئيس الوزراء اولمرت من الغضب، ويعلن بأنه لن يوافق أبدا على اطلاق سراح سجناء، وتبدأ الجبهة الشمالية بالتوتر والتصعيد، وتبدأ طائرات سلاح الجو في التحليق على خط الحدود، وصواريخ الكاتيوشا تسقط على مستوطنات الشمال، وهناك يعلن نصر الله عن إنذار جديد: "اذا لم يتم الافراج عن معتقلين خلال 24 ساعة، فان ضررا سيقع للجندي".
وتتواصل الاجتماعات والبحث في وزارة الدفاع طوال الليل، وفي نهاية الأمر يتم الاتفاق على الرد على الانذار بانذار مقابل: اذا ما أصيب جلعاد، فان اسرائيل ستهاجم بيروت وتضرب زعماء حزب الله، وتستمر حرب الأعصاب لمدة شهرين.
إن نقل جلعاد الى لبنان سيكون تطورا سيئا للغاية من جانب اسرائيل. ومن هنا ستكون احتمالات اعادته الى اسرائيل أصعب، دون الموافقة على اجراء "صفقة مهينة" لاسرائيل مع نصر الله. والشيء الذي يقلل الضرر هو أن سيناريو من هذا النوع قليل الاحتمال، بل ربما هو بمستوى صفر. فالمصريون بدأوا في تعزيز قواتهم العسكرية على طول الحدود مع القطاع ومحور فيلادلفيا على نحو واضح، ونشاطاتهم تبدأ بأسلوب جديد. واسرائيل من ناحيتها تعمل من اجل منع تهريب الجندي عن طريق البحر بكل حرص، لا يمكن السماح لأي وسيلة بحرية الخروج من غزة. ومن ناحية الخاطفين، فان خطرا كبيرا يواجههم في حالة قرروا مغادرة المكان الذي يحتجزون فيه الجندي المختطف بسبب غمر القطاع بالمخبرين وعملاء اسرائيل المنتشرين في كل مكان الذين سيبلغون عن كل حركة مشبوهة.
وفي كل الاحوال، اذا ما تمكن هؤلاء من نقل جلعاد شليت الى مكان آخر رغم كل هذه الاجراءات والاحتياطات، ونقلوه مثلا الى لبنان، فان اسرائيل ستواصل ممارسة الضغط الكبير والمتواصل على السلطة الفلسطينية بصورة عامة، وعلى حماس بصورة خاصة، وستواصل التمسك بقرارها اعادة الجندي دون أي مقابل. ذلك في البداية على الأقل، ولكن في نهاية الأمر، فان ميزان التهديد والخوف بين اسرائيل وحزب الله، والمخاوف بأن يقوم حزب الله بمهاجمة المواقع والمستوطنات الاسرائيلية القريبة من الحدود الشمالية ردا على هجوم اسرائيلي على بيروت، فان هذه الأحداث قد تؤدي الى الموافقة على عقد صفقة تبادل أسرى مع نصر الله، والذي لم يتم دفعه لحماس، سيكون أغلى ثمنا في لبنان.
السيناريو الرابع: حرب اختطاف
تقوم وحدة كوماندو بحرية بنصب كمين لسيارة رئيس الوزراء الفلسطيني هنية، غير بعيد عن شاطىء بحر غزة، وتسحبه من السيارة وتختفي. وخلال دقائق يُذاع الخبر في كل وسائل الاعلام. والانتقام الفلسطيني لن يتأخر. خلية تابعة لحماس تخرج في طريقها من قرية حوسان وتكمن لعضو كنيست اسرائيلي في الطريق وتخطفه، وفورا يظهرون على شاشة "الجزيرة" ويقولون بأنه "اذا لم يتم اطلاق سراح هنية خلال ساعات، فان عضو الكنيست لن يبقى على قيد الحياة".
وفي نفس الوقت، فان المجموعة التي تمكنت من اختطاف جلعاد ستعود للتسلل من جديد الى اسرائيل عبر نفق آخر لم يتم اكتشافه بعد، وتتمكن من خطف جندي آخر. وحزب الله سينضم الى هذا الاحتفال وسيحاول خطف جندي من لبنان ليقلل الضغط على حماس في غزة.
حزب الله يحاول منذ وقت طويل تنفيذ عملية اختطاف على الحدود الشمالية، حتى يتمكن من الافراج عن سمير قنطار، وحالته ودوافعه النفسية تزداد وتقوى في هذه الظروف، وقوات الجيش الاسرائيلي متنبهة ومستعدة جيدا على الحدود الشمالية. وكذلك فان الفلسطينيين على قدر كبير من الاهتمام لمحاولات تنفيذ عمليات اختطاف اضافية. اذا ما انفجرت حرب الاختطاف من كلا الطرفين، فان هذا سيزيد من تعقيد الاوضاع، لكنه لن يغيرها على نحو جذري.
السيناريو الخامس: الخاطفين يطلقون النار
هكذا ايضا يمكن أن يحدث، لا سمح الله. فحسب المعلومات الاستخبارية التي نتلقاها، فان الخاطفين قاموا باطلاق النار على شليت لدى سماعهم أصوات غريبة أشعرتهم بالذعر بسبب محاولة اسرائيلية لمداهمة البيت السري الذي تختبيء فيه المجموعة مع الجندي شليت. فهم لدى سماعهم اصواتا غريبة وبسبب التوتر ظنوا أن وحدة اسرائيلية خاصة تريد مهاجمتهم وتخليص جلعاد، أو أنهم يقرروا قتل جلعاد بدم بارد لكي يتخلصوا من "حبة البطاطا الساخنة التي في أيديهم". وبعد ان يتأكدوا أن اسرائيل فعلا لا تريد الافراج عن سجناء فلسطينيين ولا حتى التفاوض على ذلك.
وهم لن يذيعوا بيانا حول مقتله. ولكن لأصحاب القرار، لا يوجد أدنى شك: جلعاد لم يعد موجودا. أو أن يقوم هؤلاء، حُراس جلعاد، باطلاق النار عليه كرد فعل على نبأ يسمعونه عن مقتل ستة من المواطنين الأبرياء في غارة شنها الجيش الاسرائيلي على منطقة بيت لاهيا شمالي القطاع، وعند ذلك، قد يدعي الخاطفون أن جلعاد أصيب بالغارة التي شنتها الطائرات الاسرائيلية على أحد الأهداف الفلسطينية، مع أن أحدا لن يصدق تلك الرواية أبدا.
إن رفض اسرائيل اجراء المفاوضات مع الخاطفين، على الأقل حسب البيانات العلنية، قد يدفع هؤلاء في لحظة يأس الى المس به، وعليه، فان كل يوم يمر يزيد من أخطار حدوث ذلك. وكان من الأجدر اعطاء الفلسطينيين الاحساس بأنه ربما "يوجد ما يمكن التحدث حوله"، حتى وإن كانت اسرائيل لا تريد اجراء مفاوضات حقيقية معهم، رغم الفتاوى الاسلامية الكثيرة التي أُسمعت هذا الاسبوع والتي تقول كلها أنه يحظر قتله.
إن الاعلان عن مقتل شليت سيكون شرارة جديدة لبداية مرحلة جديدة من التصعيد الخطير للاوضاع، واسرائيل ستنفذ حقيقة تهديداتها بتصفية قادة حماس وان خالد مشعل سيدفع ثمن المغامرة التي قادها حين يهاجم في سوريا. وسيكون رد حماس قوي وتبدأ العمليات الانتحارية داخل الخط الاخضر والتي ستجعل اسرائيل اكثر جنونا. وهنا، قد يفكر السوريون باطلاق صاروخ ارض _ ارض باتجاه اسرائيل، ولسبب كهذا، فان "الاسد" قد يخسر سلطته في سوريا.
حتى وان لم نذهب بعيدا جدا، فان عدم اعادة شليت حيا لاسرائيل ستكون سببا في تهديم ودمار حماس على نحو متدرج. لكن اسرائيل - مع ذلك - لن تتمكن من تدمير قاعدة التأييد الجماعيرية الكبيرة التي حصلت عليها حتى الان او تلك التي ستزداد حين تتصاعد هذه المواجهة معها، وان هذا سيكون سببا في احداث جو من الفوضى العارمة والعامة داخل مناطق السلطة والتي ستعود اسرائيل لترى نفسها ملزمة بالتدخل لوضع حد لهذه الفوضى وهذه المأساة التي سيطالب العالم كله اسرائيل بوضع حد لها ولمنع تدهور اكبر للاوضاع.
السيناريو السادس: ضرب متواصل
ينتهي الصيف، ويأتي الشتاء بعد الخريف، والكل بات على اعتاب عشية عيد رأس السنة العبرية سنة 2007 ولا احد يعرف مصير جلعاد غير رسالة واحدة كانت قد وصلت عن طريق الصليب الاحمر قبل اربعة اشهر، ولا شيء تغير منذ ذلك الحين، وكذلك، فان وتيرة الصدام والقتال والضرب خفت حدتها عما كانت في الاشهر الستة الاولى، وهذا سيكون السيناريو الوحيد الذي اذا جرى سيكون هو الذي لم ينهي موضوع الصواريخ من جهة ولم يعد جلعاد شليت الى بيته وأهله، وسوف نسمع بان "يوفال ديسكن" رئيس جهاز الشاباك كان قد توقع نتيجة كهذه منذ اشهر عديدة، ولكن لم يسمع أحد لرأيه. ولكن لخاطفي جلعاد لا يوجد نفس طويل بهذا القدر، ومن المشكوك به اذا تمكنوا - حتى - من الصبر والاحتمال لاسابيع فقط. ولاسرائيل كذلك، لا يوجد كل الوقت الذي تريده لمثل هذه النتيجة، واذا رفض الاباء الموافقة على فتح السنة الدراسية في شهر ايلول القادم في سديروت وعسقلان بسبب استمرار الصواريخ فهذا سيكون سببا لعدم قدرة الحكومة التسليم مع هذا الاتجاه والتطور. ورغم أن الانذار الاول سبق له وان انتهى وقته منذ صباح الثلاثاء الماضي دون حدوث أي تطور فعلي يؤثر على حياة شليت، فلا احد يعرف كيف ينتهي ذلك.
السيناريو السابع: خضوع حماس
بعد مرور خمسة اسابيع ونصف على بداية هذه الازمة، وحيث أن لا توجد كهرباء في حوالي 80 في المائة من البيوت في غزة، والسيارات واقفة لعدم وجود الوقود حتى لسيارات رجال الشرطة، والصيادين في البيوت لانهم لا يستطيعون الخروج للبحر للصيد ولجلب الاكل لاولادهم، فان مظاهرة أمام المبنى المهدم لرئيس الوزراء اسماعيل هينة (رغم انهم سيصبون جام غضبهم على اسرائيل) وفي الوقت الذي سيطرت فيه مشاعر خيبة الامل من المجتمع الدولي الذي لم يتحرك لانقاذهم منذ مدة وقبل هذه القضية، وسيبدأ طلب المجموعة الدولية بـ "اطلقوا سراح جلعاد اولا".
وعلى الفور، يقرر القائد "محمد ضيف" قائد الذراع العسكري لحركة حماس الاستجابة لرجاء وطلب رئيس الوزراء هنية ان يطلق سراح جلعاد دون مقابل، ورئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل يعطي موافقته على هذه الخطوة عن طريق السكوت وعدم التعقيب، وهنا فان الفلسطينيين يفاجئون اسرائيل بهذا الموقف.
فهذا هو السيناريو الاكثر تفاؤلا لعملية "امطار الصيف" فهذا سيعيد شليت حيا سليما لاسرائيل، وسيثبت بان الاختطاف لا يجدي، وقد ينتج عنه ايضا توقف اطلاق الصواريخ على جنوب اسرائيل بما في ذلك عسقلان وسديروت وغيرهما، وتتحقق الاهداف الاستراتيجية للعملية ولغيرها في هذا السياق، الا ان هذا الانجرار وراء احلام من هذا النوع، لن يكون سهلا ولا احد في هيئة الاركان الاسرائيلية يتوقعه مهما كانت آلة الضغط الاسرائيلية العسكرية شديدة وقاسية.
السيناريو الثامن: وقف اطلاق نار شامل
المحادثات/ المفاوضات السرية الجارية بوساطة مصرية - تركية، والشعور المتبادل باليأس وعدم القدرة على تنفيذ المطالب لكل طرف من حالة الحرب المستمرة، فان الطرفين سيوافقان على هدنة ووقف لاطلاق نار متبادل لمدة سنة، والفلسطينيون يقررون تنفيذ وثيقة الاسرى، واسرائيل تتراخى وتهدأ، وتبدأ بيانات وتسريبات اعلامية تأتي من كلا الطرفين. وكخطوة للدلالة على القبول والاطمئنان، فان الجيش الاسرائيلي سيوافق على الخروج من غزة ويوافق على وقف عمليات الاستهداف والتصفية. وتفتح معابر المنطار وايرز للبضائع والمسافرين من الاتجاهين، ويبدأ الوضع الاقتصادي - فورا - بالتحسن، وتبادر مصر وفرنسا للدعوة الى عقد مؤتمر دولي باشتراك اسرائيل والفلسطينيين، وفيه يعرب ويعلن الطرفين عن مبادرات حُسن نية لتحسين العلاقات.
وفي اليمين يصرخون ضد سياسة الحكومة الاسرائيلية، ويدعون بوجود "مناورة فلسطينية خادعة" لاسرائيل.
وفي الجانب الفلسطيني، فان هذا سيكون علامة على وجود ضغط كبير وعظيم على قيادة حماس لوقف اطلاق النار، حتى وان كانت لا تعني موافقة تامة على التسوية السياسية المقترحة، ولذلك فان مواجهة عسكرية قوية بين الجانبين قد تكون السبب والدافع الذي لا يرد لجلب كل طرف الى نقطة المهادنة التي لا يريد الوصول اليها واظهار تأييده لها الان، حتى ولو على المدى القصير.
بقلم: عمير ربابورت-هارتس
الجنود الذين كانوا بانتظار دورهم للدخول الى غزة هذا الاسبوع، تسابقوا الى التقاط صورة تذكارية قبل العملية التي كانت بانتظارهم، لكن الحرارة التي كانت سائدة داخل العربة المصفحة جففت شفاههم ورفعت حرارتهم.
في ظروف كهذه، من المشكوك فيه أن يكون أحد قد لاحظ بأن الجيش قد ركز قواته، دون قصد مسبق، قريبا من ثلاثة مواقع تمثل الأجزاء التي تتلخص فيها نظرية الحرب الاسرائيلية، ونقطة تركيز القوات الأساسية كانت في المكان القريب من نقطة تجميع القوات الاسرائيلية اثناء الاستعداد لتوجيه الضربة الانتقامية جراء الضحايا الاسرائيليين الذين سقطوا في سنوات الخمسين. وذلك النصب التذكاري أُطلق عليه اسم أحد المنفذين لتلك العملية التي أشرف عليها قبل 52 سنة، وكان برتبة مقدم، واسمه اريك شارون.
بالقرب من ذلك المكان يقع مبنى مقر الهدنة، حيث كان ضباط مصريون واسرائيليون يلتقون فيه للتنسيق حول غزة، وذلك الى أن احتلت اسرائيل غزة عام 1967. وفي الجهة الثانية يوجد مكان للاستجمام على اسم المقدم نبي مرعي الذي قُتل في اليوم الاول لاندلاع الأحداث التي فجرت معها اتفاقات اوسلو سنة 1996 والمعروفة بانتفاضة النفق، في القدس.
الاستنتاج الذي لا يمكن الامتناع عن فهمه هو أن هذه المواقع الثلاثة تُذكر كل من يحاول التجاهل والنسيان أن عملية "أمطار الصيف"، مهما تكن ناجحة، لن تُسكت هذه القنبلة الموقوتة التي تُعرف باسم "قطاع غزة". وعلى الرغم من ذلك، مقابل ذلك الجدار، فان الاحساس يؤكد بأن معركة لها أبعاد ومضاعفات مهمة ما زالت في الطريق. ليس مصير الجندي جلعاد شليت هو الموضوع فقط على كفة المفاجأة في الاسبوع الثاني لاختطافه، بل إن الطرفين، اسرائيل وحماس، كلاهما يقاتل من اجل فرض حقائق جديدة، على الأقل للمرحلة القصيرة القادمة. اسرائيل تحاول استغلال هذه الازمة لتضع حدا لاطلاق الصواريخ، ولاعادة قوة الردع التي سُحقت هناك. لكن حماس ردت هذا الاسبوع باطلاق الصواريخ على قلب عسقلان، حيث أوضحت أنها هي الاخرى لديها أهداف تراهن عليها أكثر من مجرد الطلب باطلاق سراح سجناء من السجون الاسرائيلية. والرسالة الضمنية من ناحيتها هي أنه "لا يوجد شيء اسمه انطواء أحادي الجانب"، وأن الهدف هو تعليم اسرائيل الدرس قبل أن تفكر جديا في البدء في تنفيذ خطة الانطواء.
والى أن تُحسم هذه الجولة الحالية في المواجهة بين حماس واسرائيل، فان كلا الطرفين يلعبان لعبة "حياة وموت"، وعلى نحو أكثر دقة، فان حياة كبار قادة حماس أصبحت معلقة ومرتبطة بحياة الجندي الاسرائيلي المختطف، وأن اسرائيل قد حددت علامة الاصابة لهدفها رؤوس قادة حماس. واضافة الى ذلك، في الدائرة الواسعة، فان 1.4 مليون انسان، هم سكان قطاع غزة الواقعين تحت الحصار، هم الذين يدفعون الثمن المباشر، سواء بالنسبة للاختطاف أو بالنسبة لوجود نحو 200 ألف اسرائيلي مُهددين بالصواريخ الذين يعيشون حول منطقة قطاع غزة (بما في ذلك عسقلان)، وأن سكان القطاع هؤلاء يعيشون كرهائن تحت تهديد صواريخ القسام. فمن الذي سيتحطم أولا؟ وكيف ستنتهي هذه الدراما؟ ها هي عدة سيناريوهات لانهاء هذه الازمة، وللحقيقة، فانها كلها لا تعتبر خيالية حتى هذه اللحظة.
السيناريو الأول: توجد صفقة
الأنباء الاولى تصدر في الصحف العربية في لندن، وبعدها في اسرائيل. وحسب هذه الأنباء، فان اسرائيل تُجري مفاوضات حقيقية مع الخاطفين للجندي جلعاد، ومع أن المتحدثين باسم رئيس الوزراء ينفون ذلك باصرار، ولكن بعد مرور وقت غير طويل، يستدعي رئيس الوزراء اولمرت محرري الصحف الى مؤتمر عاجل ويشرح لهم: توجد صفقة. ويشرح لهم ايضا بأن الحفاظ على السرية لمدة 24 ساعة هو مصيري بالنسبة لحياة الجندي شليت. والرقابة، في كل الاحوال، تضع قيودا كاملة على كل التفاصيل لاسباب أمنية، وذلك في الوقت الذي يُنقل فيه شليت بسيارة مغلقة من مكان وجوده الى كرم أبو سالم بأمان. وفي بيته تعلو اصوات الفرح والسرور بعد أن يتلقوا النبأ المفرح. جلعاد في طريق العودة الى بيته. أبناء العائلة ينفجرون بالبكاء فرحين، ويبدأ التوتر والغضب الذي تراكم منذ الاختطاف بالزوال، وبعد ذلك يتصل جلعاد من طائرة وزير الدفاع (المروحية) مع عائلته "أمي، أنا في الطريق الى البيت"، ويرفع صوته ليتغلب على صوت المحركات. ودموع الفرح تخنق عبارة أفيفة شليت ويصعب عليها الكلام.
التفسير: نعم، ورغم كل العبارات الرافضة والمتكررة بأننا "لن نُجري مفاوضات مع الخاطفين"، إلا أننا نتحدث عن سيناريو محتمل وله نصيب من الواقعية. فمن وراء الكواليس تجري اتصالات غير رسمية، حيث يُديرها المصريون ويشارك فيها الأتراك على نحو غير متوقع. فليس غريبا أبدا اذا ما انتهت مشكلة شليت والاختطاف عن طريق الاتصالات وعن طريق التسوية التي لا بد من الإقدام عليها، حيث يكون كل طرف من الطرفين يمكنه الادعاء بأنه "لم يتنازل أبدا عن أي من المبادىء".
اسرائيل، على سبيل المثال، يمكنها أن توافق على اطلاق سراح عدد محدد من السجناء، وفي المستقبل فقط، وكنوع من "بادرات حسن النية" للرئيس محمود عباس، وذلك لاتاحة المجال أمام حماس للنزول عن الشجرة (شجرة المطالب العالية) ولكي تتيح المجال فيما بعد للقول بأنها أنجزت وحققت نصرا. كلما مر الوقت أكثر تحول ما يُعرف بـ "جلعاد شليت" الى مشكلة أكبر وعبء أكبر، وبالتالي، فان حماس قد توافق على هذه التسوية.
المشكلة هي أنه مهما كانت الطريقة التي سيعاد فيها شليت الى اسرائيل، ستبدو جريئة ومشجعة، وستشجع فلسطينيين مستقبلا على القيام بالمزيد من هذه المحاولات لاختطاف جنود، كما أن مشكلة اطلاق صواريخ القسام لن تُحل بهذه الطريقة، وستبقى الأمور على حالها، وتتطلب حلا منفردا.
السيناريو الثاني: الخروج لتحرير جلعاد شليت
(ن)، رجل المخابرات الاسرائيلي المسؤول عن منطقة القطاع، يحصل في نهاية الأمر على قصاصة صغيرة من المعلومات التي تنتظرها اسرائيل، من مصدر موثوق لديه، والتي سيقول له فيها هذا المصدر "الثقة" أن شليت موجود في أحد البيوت في مخيم الشبورة عند مداخل رفح، وأن خاطفيه قد اختفوا وكأن الارض ابتلعتهم، وأن اثنان منهم قد غادرا البيت في ظلام الليل ثم عادا اليه خلسة وهما يحملان كميات كبيرة من الطعام، وأن أحدا قد رآهما، وهكذا سرت الشائعة عن موقع وجوده الذي تحقق منه المصدر وتأكد من صحته.
وبعد ذلك تنتقل هذه المعلومة الدرامية لرئيس الوزراء ووزير الدفاع، في داخل ظرف مغلق ومختوم من "الشباك". وخلال وقت قصير يقوم جهاز الاستخبارات العسكرية بجمع المعلومات والتفاصيل عن البيت المذكور الكائن في وسط شارع ضيق، ويتضح أنه حتى الساعة التاسعة، فان حراسه موجودين الى جانبه باستمرار، وكذلك توجد حراسة سرية عند مدخل الشارع، ويُخرج الجيش الاسرائيلي من أرشيفه كل المعلومات عن الشارع التي كان قد جمعها في الايام التي حكم فيها القطاع، وتقوم الطائرات بدون طيار بتعديل وتحديث الصور من الجو للشارع والبيت. ويقوم رئيس الاركان وقائد المنطقة الجنوبية باستدعاء قائد وحدة الاركان الخاصة وقائد وحدة سلاح البحرية وقائد الوحدة الخاصة في الشرطة، ويضعون أمامهم تلك المعلومات السرية على الطاولة ويقولون لهم "أمامكم خمس ساعات فقط لتضعوا خطة أولية لعملية انقاذ، معا أو على نحو منفرد"، وخلال 24 ساعة يراقب اولمرت تجربة ومناورة تقوم بها وحدة الاركان الخاصة مع البحرية ووحدة الانقاذ الخاصة للشرطة. "الخطة جيدة"، هكذا يحدد اولمرت ويوافق بقلب مشحون على البدء بعملية الانقاذ.
ومع مرور 12 ساعة من شد الاعصاب والقلق والتوتر يكون رئيس الوزراء بانتظار المعلومات عن نتائج الانقاذ. حيث ان المكان مليء بالناس، فمن غير الممكن الوصول الى البيت دون ان تُكتشف القوة المنقذة، وان اخطارا كبيرة تحيق وتحدق بكل القوة المنقذة وان الاحتمالات لاعادة الجندي شليت سالما الى بيته ضئيلة جدا. ونذكر ان محاولة انقاذ الجندي الاسرائيلي نحشون فاكسمان في شهر تشرين اول 1994، الذي كان محتجزا في احد البيوت المنعزلة تقريبا وفي قرية غير آهلة بالسكان على النحو الذي نراه هنا، قرية "بيرنبالا" كانت العملية قد نفذت في ظروف افضل بكثير، ومع ذلك، فقد فشلت، وقتل فاكسمان، وعليه، فان الحادث الذي نحن بصدده، فان اولمرت سيسمح بالقيام بعملية (انقاذ) احتمالات نجاحها اقل بكثير من تلك التي جرت سنة 1994، اذا لم يكن هناك مبرر آخر للقيام بذلك.
السيناريو الثالث: نصر الله يدخل الى الصورة
بعد مرور 23 يوم على حصار قطاع غزة دون رجوع جلعاد الى بيته، فان معلومة (نبأ) مفاجيء يصدم اسرائيل وهي غير مستعدة له: فمنشور يوزع في غزة يقول بان "الجندي (جلعاد) لم يعد في ايدينا". وبعد وقت غير طويل يعلن زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، بان "بيانا هاما سيعلن خلال اليوم. وفور ذلك تبدأ وسائل الاعلام الاسرائيلية بوتيرة "البث المباشر" والمتواصل، لكن نصرالله يبدأ بإزالة الضباب شيئا فشيئا، وكما يجب أن يفعل. وفي نهاية النهار، يتضح أن حماس تمكنت من تهريب الجندي المختطف بواسطة نفق من رفح الى مصر، ومن هناك تم نقله الى العريش، ثم وضع على احدى سفن الشحن الغربية وانتهى به المطاف الى لبنان. ومن هناك يعلن نصر الله أن ثمن اطلاق سراح جلعاد ازداد وارتفع. وهناك يطلب مقابل اطلاق سراحه اطلاق سراح 2000 من السجناء الفلسطينيين على الأقل، وكذلك سيطلب اطلاق سراح المعتقل اللبناني سمير قنطار الموجود في السجن الاسرائيلي منذ قتل عائلة هيرن في نهاريا عام 1979.
وهنا يعاني رئيس الوزراء اولمرت من الغضب، ويعلن بأنه لن يوافق أبدا على اطلاق سراح سجناء، وتبدأ الجبهة الشمالية بالتوتر والتصعيد، وتبدأ طائرات سلاح الجو في التحليق على خط الحدود، وصواريخ الكاتيوشا تسقط على مستوطنات الشمال، وهناك يعلن نصر الله عن إنذار جديد: "اذا لم يتم الافراج عن معتقلين خلال 24 ساعة، فان ضررا سيقع للجندي".
وتتواصل الاجتماعات والبحث في وزارة الدفاع طوال الليل، وفي نهاية الأمر يتم الاتفاق على الرد على الانذار بانذار مقابل: اذا ما أصيب جلعاد، فان اسرائيل ستهاجم بيروت وتضرب زعماء حزب الله، وتستمر حرب الأعصاب لمدة شهرين.
إن نقل جلعاد الى لبنان سيكون تطورا سيئا للغاية من جانب اسرائيل. ومن هنا ستكون احتمالات اعادته الى اسرائيل أصعب، دون الموافقة على اجراء "صفقة مهينة" لاسرائيل مع نصر الله. والشيء الذي يقلل الضرر هو أن سيناريو من هذا النوع قليل الاحتمال، بل ربما هو بمستوى صفر. فالمصريون بدأوا في تعزيز قواتهم العسكرية على طول الحدود مع القطاع ومحور فيلادلفيا على نحو واضح، ونشاطاتهم تبدأ بأسلوب جديد. واسرائيل من ناحيتها تعمل من اجل منع تهريب الجندي عن طريق البحر بكل حرص، لا يمكن السماح لأي وسيلة بحرية الخروج من غزة. ومن ناحية الخاطفين، فان خطرا كبيرا يواجههم في حالة قرروا مغادرة المكان الذي يحتجزون فيه الجندي المختطف بسبب غمر القطاع بالمخبرين وعملاء اسرائيل المنتشرين في كل مكان الذين سيبلغون عن كل حركة مشبوهة.
وفي كل الاحوال، اذا ما تمكن هؤلاء من نقل جلعاد شليت الى مكان آخر رغم كل هذه الاجراءات والاحتياطات، ونقلوه مثلا الى لبنان، فان اسرائيل ستواصل ممارسة الضغط الكبير والمتواصل على السلطة الفلسطينية بصورة عامة، وعلى حماس بصورة خاصة، وستواصل التمسك بقرارها اعادة الجندي دون أي مقابل. ذلك في البداية على الأقل، ولكن في نهاية الأمر، فان ميزان التهديد والخوف بين اسرائيل وحزب الله، والمخاوف بأن يقوم حزب الله بمهاجمة المواقع والمستوطنات الاسرائيلية القريبة من الحدود الشمالية ردا على هجوم اسرائيلي على بيروت، فان هذه الأحداث قد تؤدي الى الموافقة على عقد صفقة تبادل أسرى مع نصر الله، والذي لم يتم دفعه لحماس، سيكون أغلى ثمنا في لبنان.
السيناريو الرابع: حرب اختطاف
تقوم وحدة كوماندو بحرية بنصب كمين لسيارة رئيس الوزراء الفلسطيني هنية، غير بعيد عن شاطىء بحر غزة، وتسحبه من السيارة وتختفي. وخلال دقائق يُذاع الخبر في كل وسائل الاعلام. والانتقام الفلسطيني لن يتأخر. خلية تابعة لحماس تخرج في طريقها من قرية حوسان وتكمن لعضو كنيست اسرائيلي في الطريق وتخطفه، وفورا يظهرون على شاشة "الجزيرة" ويقولون بأنه "اذا لم يتم اطلاق سراح هنية خلال ساعات، فان عضو الكنيست لن يبقى على قيد الحياة".
وفي نفس الوقت، فان المجموعة التي تمكنت من اختطاف جلعاد ستعود للتسلل من جديد الى اسرائيل عبر نفق آخر لم يتم اكتشافه بعد، وتتمكن من خطف جندي آخر. وحزب الله سينضم الى هذا الاحتفال وسيحاول خطف جندي من لبنان ليقلل الضغط على حماس في غزة.
حزب الله يحاول منذ وقت طويل تنفيذ عملية اختطاف على الحدود الشمالية، حتى يتمكن من الافراج عن سمير قنطار، وحالته ودوافعه النفسية تزداد وتقوى في هذه الظروف، وقوات الجيش الاسرائيلي متنبهة ومستعدة جيدا على الحدود الشمالية. وكذلك فان الفلسطينيين على قدر كبير من الاهتمام لمحاولات تنفيذ عمليات اختطاف اضافية. اذا ما انفجرت حرب الاختطاف من كلا الطرفين، فان هذا سيزيد من تعقيد الاوضاع، لكنه لن يغيرها على نحو جذري.
السيناريو الخامس: الخاطفين يطلقون النار
هكذا ايضا يمكن أن يحدث، لا سمح الله. فحسب المعلومات الاستخبارية التي نتلقاها، فان الخاطفين قاموا باطلاق النار على شليت لدى سماعهم أصوات غريبة أشعرتهم بالذعر بسبب محاولة اسرائيلية لمداهمة البيت السري الذي تختبيء فيه المجموعة مع الجندي شليت. فهم لدى سماعهم اصواتا غريبة وبسبب التوتر ظنوا أن وحدة اسرائيلية خاصة تريد مهاجمتهم وتخليص جلعاد، أو أنهم يقرروا قتل جلعاد بدم بارد لكي يتخلصوا من "حبة البطاطا الساخنة التي في أيديهم". وبعد ان يتأكدوا أن اسرائيل فعلا لا تريد الافراج عن سجناء فلسطينيين ولا حتى التفاوض على ذلك.
وهم لن يذيعوا بيانا حول مقتله. ولكن لأصحاب القرار، لا يوجد أدنى شك: جلعاد لم يعد موجودا. أو أن يقوم هؤلاء، حُراس جلعاد، باطلاق النار عليه كرد فعل على نبأ يسمعونه عن مقتل ستة من المواطنين الأبرياء في غارة شنها الجيش الاسرائيلي على منطقة بيت لاهيا شمالي القطاع، وعند ذلك، قد يدعي الخاطفون أن جلعاد أصيب بالغارة التي شنتها الطائرات الاسرائيلية على أحد الأهداف الفلسطينية، مع أن أحدا لن يصدق تلك الرواية أبدا.
إن رفض اسرائيل اجراء المفاوضات مع الخاطفين، على الأقل حسب البيانات العلنية، قد يدفع هؤلاء في لحظة يأس الى المس به، وعليه، فان كل يوم يمر يزيد من أخطار حدوث ذلك. وكان من الأجدر اعطاء الفلسطينيين الاحساس بأنه ربما "يوجد ما يمكن التحدث حوله"، حتى وإن كانت اسرائيل لا تريد اجراء مفاوضات حقيقية معهم، رغم الفتاوى الاسلامية الكثيرة التي أُسمعت هذا الاسبوع والتي تقول كلها أنه يحظر قتله.
إن الاعلان عن مقتل شليت سيكون شرارة جديدة لبداية مرحلة جديدة من التصعيد الخطير للاوضاع، واسرائيل ستنفذ حقيقة تهديداتها بتصفية قادة حماس وان خالد مشعل سيدفع ثمن المغامرة التي قادها حين يهاجم في سوريا. وسيكون رد حماس قوي وتبدأ العمليات الانتحارية داخل الخط الاخضر والتي ستجعل اسرائيل اكثر جنونا. وهنا، قد يفكر السوريون باطلاق صاروخ ارض _ ارض باتجاه اسرائيل، ولسبب كهذا، فان "الاسد" قد يخسر سلطته في سوريا.
حتى وان لم نذهب بعيدا جدا، فان عدم اعادة شليت حيا لاسرائيل ستكون سببا في تهديم ودمار حماس على نحو متدرج. لكن اسرائيل - مع ذلك - لن تتمكن من تدمير قاعدة التأييد الجماعيرية الكبيرة التي حصلت عليها حتى الان او تلك التي ستزداد حين تتصاعد هذه المواجهة معها، وان هذا سيكون سببا في احداث جو من الفوضى العارمة والعامة داخل مناطق السلطة والتي ستعود اسرائيل لترى نفسها ملزمة بالتدخل لوضع حد لهذه الفوضى وهذه المأساة التي سيطالب العالم كله اسرائيل بوضع حد لها ولمنع تدهور اكبر للاوضاع.
السيناريو السادس: ضرب متواصل
ينتهي الصيف، ويأتي الشتاء بعد الخريف، والكل بات على اعتاب عشية عيد رأس السنة العبرية سنة 2007 ولا احد يعرف مصير جلعاد غير رسالة واحدة كانت قد وصلت عن طريق الصليب الاحمر قبل اربعة اشهر، ولا شيء تغير منذ ذلك الحين، وكذلك، فان وتيرة الصدام والقتال والضرب خفت حدتها عما كانت في الاشهر الستة الاولى، وهذا سيكون السيناريو الوحيد الذي اذا جرى سيكون هو الذي لم ينهي موضوع الصواريخ من جهة ولم يعد جلعاد شليت الى بيته وأهله، وسوف نسمع بان "يوفال ديسكن" رئيس جهاز الشاباك كان قد توقع نتيجة كهذه منذ اشهر عديدة، ولكن لم يسمع أحد لرأيه. ولكن لخاطفي جلعاد لا يوجد نفس طويل بهذا القدر، ومن المشكوك به اذا تمكنوا - حتى - من الصبر والاحتمال لاسابيع فقط. ولاسرائيل كذلك، لا يوجد كل الوقت الذي تريده لمثل هذه النتيجة، واذا رفض الاباء الموافقة على فتح السنة الدراسية في شهر ايلول القادم في سديروت وعسقلان بسبب استمرار الصواريخ فهذا سيكون سببا لعدم قدرة الحكومة التسليم مع هذا الاتجاه والتطور. ورغم أن الانذار الاول سبق له وان انتهى وقته منذ صباح الثلاثاء الماضي دون حدوث أي تطور فعلي يؤثر على حياة شليت، فلا احد يعرف كيف ينتهي ذلك.
السيناريو السابع: خضوع حماس
بعد مرور خمسة اسابيع ونصف على بداية هذه الازمة، وحيث أن لا توجد كهرباء في حوالي 80 في المائة من البيوت في غزة، والسيارات واقفة لعدم وجود الوقود حتى لسيارات رجال الشرطة، والصيادين في البيوت لانهم لا يستطيعون الخروج للبحر للصيد ولجلب الاكل لاولادهم، فان مظاهرة أمام المبنى المهدم لرئيس الوزراء اسماعيل هينة (رغم انهم سيصبون جام غضبهم على اسرائيل) وفي الوقت الذي سيطرت فيه مشاعر خيبة الامل من المجتمع الدولي الذي لم يتحرك لانقاذهم منذ مدة وقبل هذه القضية، وسيبدأ طلب المجموعة الدولية بـ "اطلقوا سراح جلعاد اولا".
وعلى الفور، يقرر القائد "محمد ضيف" قائد الذراع العسكري لحركة حماس الاستجابة لرجاء وطلب رئيس الوزراء هنية ان يطلق سراح جلعاد دون مقابل، ورئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل يعطي موافقته على هذه الخطوة عن طريق السكوت وعدم التعقيب، وهنا فان الفلسطينيين يفاجئون اسرائيل بهذا الموقف.
فهذا هو السيناريو الاكثر تفاؤلا لعملية "امطار الصيف" فهذا سيعيد شليت حيا سليما لاسرائيل، وسيثبت بان الاختطاف لا يجدي، وقد ينتج عنه ايضا توقف اطلاق الصواريخ على جنوب اسرائيل بما في ذلك عسقلان وسديروت وغيرهما، وتتحقق الاهداف الاستراتيجية للعملية ولغيرها في هذا السياق، الا ان هذا الانجرار وراء احلام من هذا النوع، لن يكون سهلا ولا احد في هيئة الاركان الاسرائيلية يتوقعه مهما كانت آلة الضغط الاسرائيلية العسكرية شديدة وقاسية.
السيناريو الثامن: وقف اطلاق نار شامل
المحادثات/ المفاوضات السرية الجارية بوساطة مصرية - تركية، والشعور المتبادل باليأس وعدم القدرة على تنفيذ المطالب لكل طرف من حالة الحرب المستمرة، فان الطرفين سيوافقان على هدنة ووقف لاطلاق نار متبادل لمدة سنة، والفلسطينيون يقررون تنفيذ وثيقة الاسرى، واسرائيل تتراخى وتهدأ، وتبدأ بيانات وتسريبات اعلامية تأتي من كلا الطرفين. وكخطوة للدلالة على القبول والاطمئنان، فان الجيش الاسرائيلي سيوافق على الخروج من غزة ويوافق على وقف عمليات الاستهداف والتصفية. وتفتح معابر المنطار وايرز للبضائع والمسافرين من الاتجاهين، ويبدأ الوضع الاقتصادي - فورا - بالتحسن، وتبادر مصر وفرنسا للدعوة الى عقد مؤتمر دولي باشتراك اسرائيل والفلسطينيين، وفيه يعرب ويعلن الطرفين عن مبادرات حُسن نية لتحسين العلاقات.
وفي اليمين يصرخون ضد سياسة الحكومة الاسرائيلية، ويدعون بوجود "مناورة فلسطينية خادعة" لاسرائيل.
وفي الجانب الفلسطيني، فان هذا سيكون علامة على وجود ضغط كبير وعظيم على قيادة حماس لوقف اطلاق النار، حتى وان كانت لا تعني موافقة تامة على التسوية السياسية المقترحة، ولذلك فان مواجهة عسكرية قوية بين الجانبين قد تكون السبب والدافع الذي لا يرد لجلب كل طرف الى نقطة المهادنة التي لا يريد الوصول اليها واظهار تأييده لها الان، حتى ولو على المدى القصير.

التعليقات