دراسة : العالم العربي يشهد طفرة فضائية ادت الي تغيير الممارسات الاعلامية
ابوظبي –دنيا الوطن- جمال المجايدة
قالت دارسة صدرت حديثا في ابوظبي ان ظهور بعض القنوات الإخبارية الفضائية الجديدة، مثل قنوات الجزيرة والعربية وأبوظبي ادي الى تغيير الممارسات الإعلامية في المنطقة بدرجات متفاوتة، وبخاصة عبر بث الأخبار الساخنة، وتنظيم الحوارات الحية حول القضايا السياسية والشؤون الراهنة، وعبر إجراء المقابلات الجريئة مع صانعي القرار والشخصيات السياسية.
واوضحت الدارسة التي اصدرها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول الفضائيات العربية والسياسة في الشرق الأوسط للباحث محمد زياني ان
العالم العربي يشهد حاليا نوعا من الطفرة الفضائية وما تلا ظهورها من نتائج خاصة على الصعيد السياسي.
وقالت الدارسة ان الشرق الأوسط يشهد الان ثورة معلومات هائلة، وبرزت خلال الأعوام القليلة الماضية محطات تلفزيونية فضائية عربية متنوعة صاحبها زخم إعلامي غير مسبوق. وأسهمت عوامل عديدة في هذا التوسع الملحوظ في البث الفضائي في العالم العربي، ومن هذه العوامل الرئيسية التحول الليبرالي السياسي النسبي، وانتهاج سياسات الخصخصة الاقتصادية، والتحديث التقني الذي شمل ادخال تقنيات وسعت مساحة البث الإعلامي مثل الكابل والألياف البصرية والتقنية الرقمية.
وترتبط المرحلة الحالية في تاريخ الإعلام العربي بالبيئة المنفتحة التي ظهرت بعد نهاية الحرب الباردة وهي بيئة تتسم بالترابط العالمي. وتتضح هذه الحالة في اتساع رقعة اقتصادات السوق الحرة، وبروز الخصخصة كمفهوم محدد في الاقتصادات الوطنية والدولية، وانتشار المعلومات المبنية على التقنية الرقمية. وأدت إعادة الهيكلة العالمية لتدفق المعلومات خلال العقد المنصرم او نحوه الى تعزيز تطور البث الفضائي في المنطقة.
ونطقة التحول التي شكلت دافعاً لهذه التغيرات هي التغطية الحصرية التي قدمتها محطة “سي. ان. ان” لحرب الخليج الثانية عام ،1991 إذ ولدت هذه التغطية لدى الشعوب العربية وغيرها احساساً بالقوة الكامنة في وسائل الإعلام، كما دفعت بتطور البث الفضائي في العالم العربي. وفي السنوات التي تلت عام ،1991 بدأت القنوات الفضائية العربية بشغل المساحة التي درجت وسائل الإعلام الغربية على ملئها. وتبث الفضائيات العربية برامج متنوعة للمشاهدين العرب الذين أصبحت لديهم رغبة في متابعة برامج أفضل وأخبار تتمتع بقدر أكبر من المصداقية والبعد عن الرقابة الرسمية، وذلك مقارنة بالأخبار والبرامج التي تبثها وسائل الإعلام الحكومية التي تخضع لرقابة صارمة.
وأدى عقد كامل من ظهور المحطات التلفزيونية الفضائية الى افراز قنوات متنوعة في شكل الملكية وطريقة البث ومكانه.
ويضيف زياني: بعد أن أضحت مشروعات البث الفضائي العربية في أوجها، أصبحت الساحة الإعلامية في الشرق الأوسط في حالة نشاط كبير، واتسعت مكوناتها بقدر غير مسبوق. وتزيد الظروف الحالية في العالم العربي من درجة تعقد هذا الوضع، كما أدت الأحداث التي شهدها العالم مؤخراً الى إبراز الأهمية الجيوسياسية للمنطقة، ونقلت الإعلام العربي الى دائرة الاهتمام العالمي.
ومن الواضح أن البث التلفزيوني الفضائي العربي يمتد الى ما وراء الحدود الوطنية، وأن له بعداً إقليمياً. غير أن الأمر الذي لا يزال غير واضح هنا هو التأثير المستقبلي المحتمل لآليات الحراك الجديدة هذه والمتغيرات في الحياة السياسية بالشرق الأوسط والعالم العربي. والأمر الذي يتسم بأهمية خاصة في هذا الجانب ليس البث التلفزيوني الفضائي في حد ذاته، وإنما البعد السياسي للبث التلفزيوني الفضائي، وبخاصة الكيفية والمدى اللذان تؤثر فيهما الأخبار ومناقشة المعلومات والشؤون الراهنة والبرامج الأخرى ذات التوجه السياسي في المنطقة ككل، والكيفية والمدى اللذان تغيرت بهما العلاقة بين الدولة ووسائل الإعلام، وتأثير البث التلفزيوني الفضائي في العلاقات بين الدول العربية وما يسمى “الشارع العربي”، لا سيما أن البث التلفزيوني يوسع مشاركة الطبقات الاجتماعية المختلفة في النقاش العام.
ويشير الى أن المشهد الإعلامي الجديد يعتبر مغايراً تماماً للصورة التقليدية القائمة منذ أمد بعيد والمتمثلة في محطات التلفزة الخاضعة لسيطرة الدولة، إذ ظلت وسائل المعلومات العربية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسياسة، وذلك بسبب أهميتها المفترضة في الحياة السياسية الجماهيرية، كما ظلت وسائل الإعلام لفترة طويلة تعتبر أداة سياسية.
ويضيف: يجب عدم تجاهل الفوارق الدقيقة المصاحبة للمشهد الإعلامي في العالم العربي، إذ طرح وليم رو في ثمانينات القرن العشرين تصنيفاً كلاسيكياً للصحافة العربية، فصنفها الى صحافة التعبئة والصحافة الموالية والصحافة المتنوعة.
وتصنيف وليم رو للإعلام العربي يستند الى حد كبير الى وسائل الإعلام المطبوعة، ولكن يمكن توسيعه ليشمل أشكالاً أخرى من وسائل الإعلام. غير أن هذا التصنيف عفا عليه الزمن، وهذا أقل ما يمكن أن نقوله عنه، إذ يشير تحليله بقدر أكبر الى عصر كان فيه البث الإذاعي والتلفزيوني حكراً على الدولة، ويرجع التحليل الى حقبة تقع قبل ظهور البث التلفزيوني الفضائي في العالم العربي. ومنذ ذلك الحين، تغير المشهد الإعلامي في العالم العربي، ونتيجة لذلك أضحت بعض الدول تصنف ضمن فئات مختلفة ومتعددة. ومع ذلك، وكما أشار كاي حافظ حديثاً، فإن التصنيف الذي استخدمه وليم رو يمكن توسيعه ليشمل شبكات التلفزة والإذاعة، وذلك على الرغم من التغير الكبير الذي طرأ على أشكال ملكية المحطات التلفزيونية وأنماط المشاهدة بعد انتشار البث التلفزيوني الفضائي.
ويلفت الباحث الى قول محمد عايش إن هناك ثلاثة أنماط من الاتصال السياسي تهيمن حالياً على محطات التلفزة الفضائية العربية، وهذه الأنماط هي: محطات التلفزة التقليدية الخاضعة للسيطرة الحكومية، والقنوات التلفزيونية ذات المنحى الاصلاحي والخاضعة للسيطرة الحكومية، ومحطات التلفزة الليبرالية التي تدار على أساس تجاري. وقد لا يعكس هذا التصنيف التشكيلة الكاملة من الفضائيات التلفزيونية في العالم العربي، ولكنه يوفر تصنيفاً معيناً يمكن أن يساعدنا على فهم انتشار القنوات الفضائية الذي يبدو مستمراً الى ما لا نهاية له.
ويقول الباحث: إذا تم أخذ طبيعة الحياة السياسية في المنطقة في الحسبان، فإن المؤلف يذهب الى أن مجال الاتصال في العالم العربي لا يزال بعيداً عن الانفتاح. وفي الواقع فإن الإعلام العربي لا يزال مجالاً مغلقاً، ولا يزال بث المعلومات يخضع للسيطرة في العالم العربي. ويستشهد المؤلف بما أورده فياض كازان في كتاب له، فيقول: هناك تخوف من وسائل الإعلام، وهي تخضع للسيطرة بقدر الامكان، وفرضت حكومات عربية عديدة قيوداً صارمة على وسائل الإعلام، ولا يزال معظم تركيز الدول العربية وأولوياتها مقتصراً على التأثير المحلي لوسائل الإعلام، وهكذا فإن وسائل الإعلام تخضع للاستقطاب المتعمد بهدف السيطرة على الرأي العام في الكيانات المختلفة في العالم العربي. ومن المثير للاهتمام ان بعض الحكومات العربية ظلت أكثر تساهلاً في ما يتعلق بتغطية الأحداث السياسية في المنطقة مقارنة بموقفها من تغطية السياسات الداخلية. وازداد الاهتمام بالأخبار المتعلقة بالمنطقة لأسباب منها العداءات القائمة منذ أمد طويل بين بعض دول المنطقة، وقدرة وسائل الإعلام في تغطيتها لتلك الأخبار على تجاوز رقابة الدولة.
وتعد قناة الجزيرة الفضائية نموذجاً لهذه الحالة، إذ يعدها كثيرون منبراً للأصوات المنشقة ولشخصيات المعارضة العربية. وغالباً ما يؤدي ظهور الشخصيات المعارضة في البرامج التلفزيونية لهذه القناة الى إثارة أزمات دبلوماسية بين قطر والدول العربية المعنية، التي تتهم القناة بالممارسة الصحافية غير المسؤولة. وتفسر هذه التوترات الإقليمية الى حد بعيد أسباب عدم تحقق الخطة التي وضعها وزراء الإعلام العرب لإطلاق قناة فضائية عربية، وتدل هذه الديناميات على غياب الرؤية ووجود فراغ إعلامي ملحوظ على المستوى الاقليمي.
ومن الواضح أن هناك غياباً للخطاب الإعلامي العربي الحقيقي، إذ لا يحتاج المرء إلا أن ينظر الى الافتقار الصارخ الى السياسة او الاستراتيجية المتعلقة بالقنوات الفضائية بالإضافة الى غياب التنسيق الاستراتيجي في هذا المجال خلال الفترة التي شهدت انتشار الفضائيات التلفزيونية بمعدل هائل، وفي الوقت الذي أضحى من الصعب فيه تجاهل تأثيرها.
ويضيف: يتبدى الوجه الآخر لهذا الوضع في أن القنوات التلفزيونية الفضائية العربية تخصص قدراً كبيراً من الاهتمام للأخبار السياسية، وتخدم جمهوراً لديه وعي سياسي ويقدر الأخبار السياسية ذات المصداقية، ويرغب في الحصول على حوارات سياسية ذكية ومتناغمة مع الأحداث. وبالطبع، فإن الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط قد جعل السياسة مكوناً مهماً من مكونات البرامج الإعلامية.
من جهة أخرى، يدرس المؤلف أربع قوى بارزة في الوسط الإعلامي في الشرق الأوسط، ثم يتناول التغيرات التي طرأت على وضعها لاحقاً، وهذه القوى هي: الادعاء المصري بزعامة العالم العربي في المجال الإعلامي، وتركيز ملكية وسائل الإعلام الفضائية في أيدي السعودية، واستعادة لبنان مكانته كقوة إعلامية مهمة وإن كانت مجزأة بعض الشيء، وظهور مشروعات إعلامية جديدة وإخبارية.
وفي الواقع، فإن التصنيف الوارد سابقاً يعتبر جيداً، غير أنه ليس شاملاً كما ينبغي، وعلى النسق نفسه، فإن هذا الإرث الإعلامي يفهم في سياق ارتباطه بدول معينة، سواء كانت مصر او لبنان او السعودية او قطر، غير ان الريادة الإعلامية التي حققتها هذه الدول لا تضاهي دائماً وزنها السياسي الاقليمي، او قدرتها على التأثير في مجريات الحياة السياسية في المنطقة.
الأمر الأكثر أهمية هو ان الانعكاسات السياسية للشبكات الإعلامية الجديدة لم تتضح تماماً حتى الآن، وعلى الرغم من أن العديد من القنوات الناشئة مملوكة لجهات خاصة، فإن هذه الملكية الخاصة لم تضمن بالضرورة تنوع المحتوى المطروح للمشاهد او المستمع. وفي الواقع، فقد تحول البث التلفزيوني من الاحتكار الحكومي العام الى الاحتكار الخاص، ولكن بهامش ضيق نسبياً من الحرية.
قالت دارسة صدرت حديثا في ابوظبي ان ظهور بعض القنوات الإخبارية الفضائية الجديدة، مثل قنوات الجزيرة والعربية وأبوظبي ادي الى تغيير الممارسات الإعلامية في المنطقة بدرجات متفاوتة، وبخاصة عبر بث الأخبار الساخنة، وتنظيم الحوارات الحية حول القضايا السياسية والشؤون الراهنة، وعبر إجراء المقابلات الجريئة مع صانعي القرار والشخصيات السياسية.
واوضحت الدارسة التي اصدرها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول الفضائيات العربية والسياسة في الشرق الأوسط للباحث محمد زياني ان
العالم العربي يشهد حاليا نوعا من الطفرة الفضائية وما تلا ظهورها من نتائج خاصة على الصعيد السياسي.
وقالت الدارسة ان الشرق الأوسط يشهد الان ثورة معلومات هائلة، وبرزت خلال الأعوام القليلة الماضية محطات تلفزيونية فضائية عربية متنوعة صاحبها زخم إعلامي غير مسبوق. وأسهمت عوامل عديدة في هذا التوسع الملحوظ في البث الفضائي في العالم العربي، ومن هذه العوامل الرئيسية التحول الليبرالي السياسي النسبي، وانتهاج سياسات الخصخصة الاقتصادية، والتحديث التقني الذي شمل ادخال تقنيات وسعت مساحة البث الإعلامي مثل الكابل والألياف البصرية والتقنية الرقمية.
وترتبط المرحلة الحالية في تاريخ الإعلام العربي بالبيئة المنفتحة التي ظهرت بعد نهاية الحرب الباردة وهي بيئة تتسم بالترابط العالمي. وتتضح هذه الحالة في اتساع رقعة اقتصادات السوق الحرة، وبروز الخصخصة كمفهوم محدد في الاقتصادات الوطنية والدولية، وانتشار المعلومات المبنية على التقنية الرقمية. وأدت إعادة الهيكلة العالمية لتدفق المعلومات خلال العقد المنصرم او نحوه الى تعزيز تطور البث الفضائي في المنطقة.
ونطقة التحول التي شكلت دافعاً لهذه التغيرات هي التغطية الحصرية التي قدمتها محطة “سي. ان. ان” لحرب الخليج الثانية عام ،1991 إذ ولدت هذه التغطية لدى الشعوب العربية وغيرها احساساً بالقوة الكامنة في وسائل الإعلام، كما دفعت بتطور البث الفضائي في العالم العربي. وفي السنوات التي تلت عام ،1991 بدأت القنوات الفضائية العربية بشغل المساحة التي درجت وسائل الإعلام الغربية على ملئها. وتبث الفضائيات العربية برامج متنوعة للمشاهدين العرب الذين أصبحت لديهم رغبة في متابعة برامج أفضل وأخبار تتمتع بقدر أكبر من المصداقية والبعد عن الرقابة الرسمية، وذلك مقارنة بالأخبار والبرامج التي تبثها وسائل الإعلام الحكومية التي تخضع لرقابة صارمة.
وأدى عقد كامل من ظهور المحطات التلفزيونية الفضائية الى افراز قنوات متنوعة في شكل الملكية وطريقة البث ومكانه.
ويضيف زياني: بعد أن أضحت مشروعات البث الفضائي العربية في أوجها، أصبحت الساحة الإعلامية في الشرق الأوسط في حالة نشاط كبير، واتسعت مكوناتها بقدر غير مسبوق. وتزيد الظروف الحالية في العالم العربي من درجة تعقد هذا الوضع، كما أدت الأحداث التي شهدها العالم مؤخراً الى إبراز الأهمية الجيوسياسية للمنطقة، ونقلت الإعلام العربي الى دائرة الاهتمام العالمي.
ومن الواضح أن البث التلفزيوني الفضائي العربي يمتد الى ما وراء الحدود الوطنية، وأن له بعداً إقليمياً. غير أن الأمر الذي لا يزال غير واضح هنا هو التأثير المستقبلي المحتمل لآليات الحراك الجديدة هذه والمتغيرات في الحياة السياسية بالشرق الأوسط والعالم العربي. والأمر الذي يتسم بأهمية خاصة في هذا الجانب ليس البث التلفزيوني الفضائي في حد ذاته، وإنما البعد السياسي للبث التلفزيوني الفضائي، وبخاصة الكيفية والمدى اللذان تؤثر فيهما الأخبار ومناقشة المعلومات والشؤون الراهنة والبرامج الأخرى ذات التوجه السياسي في المنطقة ككل، والكيفية والمدى اللذان تغيرت بهما العلاقة بين الدولة ووسائل الإعلام، وتأثير البث التلفزيوني الفضائي في العلاقات بين الدول العربية وما يسمى “الشارع العربي”، لا سيما أن البث التلفزيوني يوسع مشاركة الطبقات الاجتماعية المختلفة في النقاش العام.
ويشير الى أن المشهد الإعلامي الجديد يعتبر مغايراً تماماً للصورة التقليدية القائمة منذ أمد بعيد والمتمثلة في محطات التلفزة الخاضعة لسيطرة الدولة، إذ ظلت وسائل المعلومات العربية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسياسة، وذلك بسبب أهميتها المفترضة في الحياة السياسية الجماهيرية، كما ظلت وسائل الإعلام لفترة طويلة تعتبر أداة سياسية.
ويضيف: يجب عدم تجاهل الفوارق الدقيقة المصاحبة للمشهد الإعلامي في العالم العربي، إذ طرح وليم رو في ثمانينات القرن العشرين تصنيفاً كلاسيكياً للصحافة العربية، فصنفها الى صحافة التعبئة والصحافة الموالية والصحافة المتنوعة.
وتصنيف وليم رو للإعلام العربي يستند الى حد كبير الى وسائل الإعلام المطبوعة، ولكن يمكن توسيعه ليشمل أشكالاً أخرى من وسائل الإعلام. غير أن هذا التصنيف عفا عليه الزمن، وهذا أقل ما يمكن أن نقوله عنه، إذ يشير تحليله بقدر أكبر الى عصر كان فيه البث الإذاعي والتلفزيوني حكراً على الدولة، ويرجع التحليل الى حقبة تقع قبل ظهور البث التلفزيوني الفضائي في العالم العربي. ومنذ ذلك الحين، تغير المشهد الإعلامي في العالم العربي، ونتيجة لذلك أضحت بعض الدول تصنف ضمن فئات مختلفة ومتعددة. ومع ذلك، وكما أشار كاي حافظ حديثاً، فإن التصنيف الذي استخدمه وليم رو يمكن توسيعه ليشمل شبكات التلفزة والإذاعة، وذلك على الرغم من التغير الكبير الذي طرأ على أشكال ملكية المحطات التلفزيونية وأنماط المشاهدة بعد انتشار البث التلفزيوني الفضائي.
ويلفت الباحث الى قول محمد عايش إن هناك ثلاثة أنماط من الاتصال السياسي تهيمن حالياً على محطات التلفزة الفضائية العربية، وهذه الأنماط هي: محطات التلفزة التقليدية الخاضعة للسيطرة الحكومية، والقنوات التلفزيونية ذات المنحى الاصلاحي والخاضعة للسيطرة الحكومية، ومحطات التلفزة الليبرالية التي تدار على أساس تجاري. وقد لا يعكس هذا التصنيف التشكيلة الكاملة من الفضائيات التلفزيونية في العالم العربي، ولكنه يوفر تصنيفاً معيناً يمكن أن يساعدنا على فهم انتشار القنوات الفضائية الذي يبدو مستمراً الى ما لا نهاية له.
ويقول الباحث: إذا تم أخذ طبيعة الحياة السياسية في المنطقة في الحسبان، فإن المؤلف يذهب الى أن مجال الاتصال في العالم العربي لا يزال بعيداً عن الانفتاح. وفي الواقع فإن الإعلام العربي لا يزال مجالاً مغلقاً، ولا يزال بث المعلومات يخضع للسيطرة في العالم العربي. ويستشهد المؤلف بما أورده فياض كازان في كتاب له، فيقول: هناك تخوف من وسائل الإعلام، وهي تخضع للسيطرة بقدر الامكان، وفرضت حكومات عربية عديدة قيوداً صارمة على وسائل الإعلام، ولا يزال معظم تركيز الدول العربية وأولوياتها مقتصراً على التأثير المحلي لوسائل الإعلام، وهكذا فإن وسائل الإعلام تخضع للاستقطاب المتعمد بهدف السيطرة على الرأي العام في الكيانات المختلفة في العالم العربي. ومن المثير للاهتمام ان بعض الحكومات العربية ظلت أكثر تساهلاً في ما يتعلق بتغطية الأحداث السياسية في المنطقة مقارنة بموقفها من تغطية السياسات الداخلية. وازداد الاهتمام بالأخبار المتعلقة بالمنطقة لأسباب منها العداءات القائمة منذ أمد طويل بين بعض دول المنطقة، وقدرة وسائل الإعلام في تغطيتها لتلك الأخبار على تجاوز رقابة الدولة.
وتعد قناة الجزيرة الفضائية نموذجاً لهذه الحالة، إذ يعدها كثيرون منبراً للأصوات المنشقة ولشخصيات المعارضة العربية. وغالباً ما يؤدي ظهور الشخصيات المعارضة في البرامج التلفزيونية لهذه القناة الى إثارة أزمات دبلوماسية بين قطر والدول العربية المعنية، التي تتهم القناة بالممارسة الصحافية غير المسؤولة. وتفسر هذه التوترات الإقليمية الى حد بعيد أسباب عدم تحقق الخطة التي وضعها وزراء الإعلام العرب لإطلاق قناة فضائية عربية، وتدل هذه الديناميات على غياب الرؤية ووجود فراغ إعلامي ملحوظ على المستوى الاقليمي.
ومن الواضح أن هناك غياباً للخطاب الإعلامي العربي الحقيقي، إذ لا يحتاج المرء إلا أن ينظر الى الافتقار الصارخ الى السياسة او الاستراتيجية المتعلقة بالقنوات الفضائية بالإضافة الى غياب التنسيق الاستراتيجي في هذا المجال خلال الفترة التي شهدت انتشار الفضائيات التلفزيونية بمعدل هائل، وفي الوقت الذي أضحى من الصعب فيه تجاهل تأثيرها.
ويضيف: يتبدى الوجه الآخر لهذا الوضع في أن القنوات التلفزيونية الفضائية العربية تخصص قدراً كبيراً من الاهتمام للأخبار السياسية، وتخدم جمهوراً لديه وعي سياسي ويقدر الأخبار السياسية ذات المصداقية، ويرغب في الحصول على حوارات سياسية ذكية ومتناغمة مع الأحداث. وبالطبع، فإن الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط قد جعل السياسة مكوناً مهماً من مكونات البرامج الإعلامية.
من جهة أخرى، يدرس المؤلف أربع قوى بارزة في الوسط الإعلامي في الشرق الأوسط، ثم يتناول التغيرات التي طرأت على وضعها لاحقاً، وهذه القوى هي: الادعاء المصري بزعامة العالم العربي في المجال الإعلامي، وتركيز ملكية وسائل الإعلام الفضائية في أيدي السعودية، واستعادة لبنان مكانته كقوة إعلامية مهمة وإن كانت مجزأة بعض الشيء، وظهور مشروعات إعلامية جديدة وإخبارية.
وفي الواقع، فإن التصنيف الوارد سابقاً يعتبر جيداً، غير أنه ليس شاملاً كما ينبغي، وعلى النسق نفسه، فإن هذا الإرث الإعلامي يفهم في سياق ارتباطه بدول معينة، سواء كانت مصر او لبنان او السعودية او قطر، غير ان الريادة الإعلامية التي حققتها هذه الدول لا تضاهي دائماً وزنها السياسي الاقليمي، او قدرتها على التأثير في مجريات الحياة السياسية في المنطقة.
الأمر الأكثر أهمية هو ان الانعكاسات السياسية للشبكات الإعلامية الجديدة لم تتضح تماماً حتى الآن، وعلى الرغم من أن العديد من القنوات الناشئة مملوكة لجهات خاصة، فإن هذه الملكية الخاصة لم تضمن بالضرورة تنوع المحتوى المطروح للمشاهد او المستمع. وفي الواقع، فقد تحول البث التلفزيوني من الاحتكار الحكومي العام الى الاحتكار الخاص، ولكن بهامش ضيق نسبياً من الحرية.

التعليقات