الأردن مرتاب في التحركات الإيرانية ولا يري في أولمرت شريكا

غزة-دنيا الوطن

ايران علي كل لسان فصيح او قلق او مهتم بالشأن السياسي في الاردن هذه الايام فقد اصبح الحديث عن طموحات الايرانيين وصفقتهم مع الامريكيين واخطارهم المفترضة القاسم المشترك الاعظم للسياسيين والنخب ليس في المجالسات الرسمية المهمة فقط ولكن في مجالسات الاعلاميين واحيانا المواطنين العاديين.

وعند ازمة اسلحة حماس الاخيرة مع الحكومة الاردنية ارتفعت حدة التحليل والاستعراض تحت عنوان الملف الايراني، فالاردنيون في المستوي الرسمي يخشون في الواقع وخلافا لما يقوله الكاتب البارز طارق المصاروة قلقون من برنامج (الفوضي الخلاقة) الذي يتحدث عنه المحترفون في واشنطن بين الحين والاخر وما يفهم في السياق وتحديدا من سكان الطبقات العليا في مجتمع عمان هو ان هذه العاصمة تخشي ان تتضرر او يلحق بها الاذي او تتقلص هوامش المناورة امامها او ان تضطر لدفع فروقات الحساب اذا استمر مسلسل الفوضي الخلاقة الامريكي.

وعليه تراقب عمان بحرص واهتمام بالغين كل صغيرة او كبيرة لها علاقة بحركة ايران في المنطقة واستقبالها خلال الاسابيع الاخيرة لمسؤولين ايرانيين ثم لحلفائهم من السوريين لا يبدد مظاهر ومؤشرات القلق والمخاوف، فامريكا في الوجدان السياسي الاردني غارقة في الفوضي الخلاقة فهي وعلي حد تشبيه مسؤول بارز تحدث لـ القدس العربي اشبه بسفينة عملاقة تمشي في البحر في طابقها الاول ثمة شخص يمارس الحب وفي طابقها السفلي هناك من يبدل اطارات كوشوك وفي الطابق الثاني ثمة من يرقص او يحتفل وبالنتيجة لا احد في سفينة الادارة الامريكية يعرف ما الذي يفعله الاخر ولا احد يعرف بصورة محددة من وما الذي يؤثر في القبطان في لحظة ما ويغير الاتجاه.

وفقا لهذا التشخيص الحصري لم تعد نخبة القرار في عمان تخفي قلقها فكل الاحتمالات واردة وكل شيء يمكن ان يحصل والاساس الاستراتيجي في التحالف مع الادارة الامريكية لم يعد برأي المراقبين يصلح للقياس او لقراء النصوص والمشاهد وهذا الاساس لم يعد صالحا للاسترخاء والاطمئنان.

وعليه برز مؤخرا تفكير يومي واعمق في الداخل الاردني بالملف الايراني، وبرزت استحقاقات لهذه الاولوية في التفكير والتحليل، فمستويات القرار لديها تصور ثابت يقول بان ايران البراغماتية جدا في الواقع لديها مصالح ونفوذ ولديها رغبة في التفوق اقليميا خصوصا بعدما تخلصت من صدام حسين.

وطهران في الفهم الاردن للمشهد تخطط لوجستيا وسياسيا للاقتراب اكثر ما يمكنها من اهم ملف في منطقة الشرق الاوسط وهو الصراع العربي ـ الاسرائيلي واهدافها التكتيكية من هذا الاقتراب لها علاقة مباشرة برغبتها في تحسين شروطها التفاوضية مع الادارة الامريكية فهناك جزء في التركيبة السياسية الايرانية يقبل بتقاسم النفوذ علي دول المنطقة مع اسرائيل.

وبالقياس علي هذا المنطق يري السياسيون الاردنيون بان طهران لا تفكر بالاقتراب من الحيز الجغرافي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي لكي تحرر القدس لكن لديها نظرة سياسية براغماتية وتصور عن دورها الاقليمي في السياق، وهذا التحليل الذي يدور بكثافة وسط النخبة في عمان يستعيد بعض الجذور التاريخية لاحتمالات التعاون بين الايرانيين والتيار المحافظ في الادارة الامريكية، فصفقة ايران كنترا في عهد رونالد ريغان كانت صقفة بين المحافظين ورموز التطرف في الادارة الايرانية وكانت دليلا علي حلقة اتصال ممكنة بين اسرائيليين وايرانيين.

وعمان تقول انها ترصد بكل مجساتها وجود تيار لا يستهان به داخل واشنطن يؤمن بالتحالف مع قوة مركزية في المنطقة هي ايران والمجسات نفسها ترصد دائما اراء لمنظرين ومثقفين ايرانيين يؤمنون بالاقتراب وفقا لميزان المصالح مع اسرائيل.

وفي نفس الفهم الاردني فايران موجودة بكثافة في العراق وهي متحكمة في سورية ولها دور محوري في لبنان ومؤخرا دخلت كعامل اقليمي في عمق الأزمة الفلسطينية ولها دور كبير بالتأكيد في الخليج ودور اكبر في ملف النفط في العالم وتقيم اتصالات خلفية مع دول الخليج الصغيرة مثل قطر والبحرين وحتي سلطنة عمان.

وبالتالي فان كل ذلك يشكل عناصر قلق بالنسبة للحكومة الاردنية ليس علي الاردن فقط ولكن علي النظام العربي المحوري مما يفسر اهتمام عمان باقناع كل من الرياض والقاهرة بالتحرك خصوصا بعدما فتحت قناة اتصال مقلقلة جدا بين الرياض وطهران ويقابل ذلك في التصور الاردني نظام عربي منهار ومتهتك ومشغول بالاستقطاب الثنائي والفردي وبالنكايات الصغيرة علي مستوي الزعماء والوزراء والقادة.

فوق ذلك اعلنت عمان عدة مرات عن اشارات تستهدف دورا ايرانيا يخص محاولات اختراق وتهريب سلاح في الاردن فيما ترددت معلومات عن تسليم حزب الله صواريخ واسلحة بمدي يمكن ان يطال الجغرافيا الاردنية، كما يراقب الاردنيون ما يفعله شيعة ايران في العراق حيث توجد عمليات قتل جماعية للسنة وعمليات تسجيل وتجنيس لآلاف الايرانيين وتفوق ايراني كامل في المعادلة العراقية يخلق كل هوامش المناورة امام الايرانيين في مقابل الامريكيين.

ووسط كل هذه التعقيدات في الموقف تدرك عمان الان عدة حقائق ابرزها واولها ان احتمالات توجيه ضربة عسكرية لايران لم تعد علي الاطلاق قائمة وان صفقة حول الملف النووي تم ترتيبها كمخرج للطرفين وان المجموعة التي تنادي بالتفاهم مع ايران في واشنطن تتقدم وان بعض دول الخليج الصغيرة تتحرك في الاتجاه الايراني نكاية بالسعودية فقط وان ايهود اولمرت براغماتي ونفعي بطريقة متوحشة وهو بالتالي مستعد لاي صفقة من اي نوع قد تساعده في تطبيق برنامجه الاحادي.

كما يدرك الاردنيون بان بعض المشاهد الاضافية او الهامشية تقع في نفس الدائرة، فالتحالف مع الامريكيين قائم وصلب لكن سيناريوهات السفينة العملاقة التي لايعرف كل من فيها ما يفعل الاخر عالقة في الذهـن في الوقت نفسه وحماس الخارج وضعت بيضاتها في السلة الايرانية والخطاب الديني الايراني غطاء يستخدم لاغراض سياسية كما تقول عمان بعدم وجود اسباب تمنع الايرانيين من الضغط علي الاردن لالحاقهم في دائرة سورية وحزب الله.

وفي المحصلة ما يمكن قوله باختصار ان الحكومة الاردنية اولا تهتم جدا بكل التفاصيل سابقة الذكر وتراقبها وتتابعها، وثانيا تحاول البحث عن مخارج، فمعركة الاردن وكما يفهم من خطابات الاعلام الرسمي المحلي ليس التصدي للنفوذ الايراني انما الحفاظ علي مصالح المواطن الاردني وكيانه ودوره ومستقبله مما يفسر القراءات الداخلية العنيفة التي عرضت مؤخرا تحت عنوان مصالحنا والتهديد الايراني، فاولمرت لا يقدم اي دليل علي انه شريك حقيقي في السلام او مهتم بمصالح الشريك الاردني ولا يقدم اي دليل علي ان عمليات القصف العشوائي التي يأمر بها لا تتضمن من حيث اهدافها اسقاط استفتاء محمود عباس مما يفسر في الواقع دعوة اولمرت وعباس معا للمشاركة في مؤتمر نوبل الذي يعقد الان في البتراء.

التعليقات