دعاة وداعيات تزدحم بهم الموصل خوفاً على التقاليد من ثقافة الاحتلال

غزة-دنيا الوطن

لم تكن ظاهرة «الدعاة الإسلاميين» معروفة لدى العراقيين مثلما هي عليه الآن، بعد أن أخذت بالتوسع والتزايد، بخاصة في محافظات العراق ذات الغالبية السنية كالموصل والفلوجة والأنبار وتكريت. وعلى رغم «الحملة الإيمانية» التي بدأ النظام العراقي السابق تطبيقها في العراق في نهاية ثمانينات القرن المنصرم واتضحت معالمها في شكل أبرز بعد غزو صدام للكويت في 2/8/1990، وتم من خلالها إيلاء اهتمام واضح وكبير بالمساجد والجوامع وتوسيع المنهج الدراسي الديني في المدارس لمراحل الدراسة كافة، وتنظيم دورات لحفظ القرآن وإجادة تلاوته، حتى أن الدورات الدينية امتدت في واقع المجتمع العراقي الى المعتقلين في السجون وخُففت مدة محكومية السجناء المشاركين فيها. غير أن كل ذلك لم يؤد الى بروز ظواهر على صلة بالمجتمع العراقي مثل (الدعاة) أو اشاعة (النقاب) بالنسبة الى المرأة. فما الأسباب التي أدت الى هذا كله؟ وهل للوجود الاميركي كقوة احتلال دور فيه؟

احتجاج ديني...

«الوضع الذي يمر به العراق يحتاج الى صحوة دينية» ذلك ما يؤكده «الدعاة الإسلاميون» أو مريدوهم، فهم يبدون تخوفهم من الوجود الأميركي وما يمكن أن يصاحبه او يتحقق بوجوده من تغير في الثقافة والعادات والتقاليد الإسلامية وبخاصة في المدن التي تتسم بدرجة أعلى من غيرها في تمسكها بالموروث وحرصها على المحافظة على التربية الاسلامية، لذلك برزت الظاهرة وبدت أكثر وضوحاً في «المجتمع الموصلي» مما هي عليه من المدن العراقية الأخرى.

مراقبون في الموصل يعرّفون الظاهرة على أنها «وقائية»، مشيرين الى ان هدفها الحفاظ على الطابع الديني الذي تتسم به المدينة، وفي الوقت نفسه يرون انها تعكس احتجاجاً على وجود غرباء (اميركيون) في البلد، بخاصة أن دخول تلك القوات الى العراق «جاء من منطلق احتلاله وليس تحريره» فأي الجهات ترعى وتدعم الدعاة الإسلاميين؟ وكيف يمكن التأكد من عدم استغلال تلك التجمعات في أمور قد تكون بعيدة من الغرض الذي وجدت من أجله؟


الظاهرة في تزايد

يُعرف رئيس رابطة العلماء المسلمين في الموصل الشيخ صالح خليل حمودي بـ «الداعي الى الله عز وجل على بصيرة وفقاً لتقاليد الإسلام (القرآن والسنّة) وتصحيح بعض العقائد والسلوكيات وإرجاع الناس الى العمل الصالح والصحيح»، موضحاً ان «نشر الدين الإسلامي جائز أيضا وهو من صلب عمل الداعية، لكن يجب ان يتم بالحكمة والموعظة الحسنة من دون اكراه أو اجبار» مشيراً الى أيجابية ما يقوم به الدعاة من «مساعدة الناس على سلوك الطريق الصحيح وفق ما ينص عليه الدين الاسلامي».

ويشير حمودي في حديث الى «الحياة» الى ان هناك مدارس عدة ينتمي اليها الدعاة الإسلاميون في الموصل ابرزها الصوفية والسلفية والوسطية وان كان «مصبها في الدعوة واحد».

ويعتقد بأن الوجود الاميركي عزز من تنامي الظاهرة على رغم أنها لم «تكن بالغريبة عن المجتمع الموصلي المعروف بحرصه الشديد على موروثه الديني، وهي ظاهرة عُرفت في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلّم)»، لكن نهج النظام العراقي السابق في «قمع الحريات» منع بروز الظاهرة.

وكشف حمودي عن ان عدد الدعاة في الموصل كبير جداً (من دون أن يعطي رقماً تقريبياً لذلك) مضيفاً أن «هناك دعاة رجال ودعاة نساء لكن الرجال يتفوقون في عددهم على النساء».

اما في المحافظات الكردية، فلا يسمح لـ «الدعاة الإسلاميون» بإقامة مجالسهم الدينية وإلقاء المواعظ، وتعتبر السلطات المحلية هذا الإجراء جزءاً من عمليات الاحتراز الأمني التي تتبعها المنطقة لما قد يجره مثل هذا النوع من التجمعات من «بؤر» لا علاقة لها بالهدف المعلن.

وفي هذا الصدد يرى الشيخ حمودي ان «ذلك يعتمد على دور المؤسسات الدينية والمسؤولين والحرص على عقد لقاءات مع الدعاة بغية إرشادهم والابتعاد بهم عن كل ما يسيء الى أمن البلد او روح التآخي بين أطيافه» ولا يستبعد أن تكون هناك «بؤر» تخرج على المعنى المراد من تلك التجمعات»، مضيفاً: «في أي حال من الأحوال لا يمكن حسم الأمر بشكل مطلق». وأشار الى «أن عدم سماح بعض المناطق للداعية الإسلامية بالعمل أمر مخالف لأبسط قواعد الديموقراطية وحرية الفكر».


استقطاب النساء المثقفات

تقول الدكتورة أمامة محمد (50 عاماً) وهي طبيبة نسائية وداعية إسلامية في الموصل لـ «الحياة» إن «ظاهرة الداعية الإسلامية تجتذب الكثير من النساء من ذوات الشهادات والكفاءات العالية للعمل بها»، مشيرة الى أن «دروساً أسبوعية أو يومية تلقى على النساء في الجوامع وتجد الكثير من الآذان الصاغية». وتؤكد أن «أعداد النساء اللواتي يحضرن الدروس في تزايد مستمر»، مشيرة الى ارتباط الدعاة بمنظمات أو هيئات إسلامية متعددة في الموصل «لنا علاقات تعاون مع الدعاة في الفلوجة والانبار وتكريت وبغداد»، مؤكدةً «عدم وجود دعاة عرب في الموصل».

ولا يحتاج المجتمع الموصلي الى الكثير من الجهد لتبني الدعاوى الدينية، فلطالما عُرف عنه تمسكه بالتقاليد الدينية حتى أن «النقاب» الذي بدأ هو الآخر يتزايد في الآونة الأخيرة بدأ انتشاره في الموصل منذ سبعينات القرن المنصرم على رغم ان العراق كان يشهد «انفتاحاً» في ذلك الوقت على مختلف الصعد.

وتؤكد اسراء عبدالله (30 عاماً) خريجة كلية الأداب - قسم اللغة الانكليزية وآدابها أن هناك أشياء «تعلمتها من حضوري جلسات الداعية المقامة في الجوامع خصوصاً ان دراساتنا الدينية تعتمد في غالبيتها على حفظ القرآن والاحاديث النبوية».

وعن المشاركات في تلك المجالس تقول عبدالله: «هناك مستويات مختلفة فهناك المثقفات وهناك غير الحاصلات على شهادة دراسية معينة». وتضيف «قد تكون من بين الحاضرات، من تحلل الكلام أو تفهمه على غير الصورة الحقيقية له».


دعاة مستقلون وحزبيون...

ليس جميع الدعاة في الموصل مرتبطين بجهة معينة، فمنهم، ويقدرون بالثلث مستقلون بمعنى عدم ارتباطهم بجهة معينة، بينما قد ينتمي آخرون الى أحزاب سياسية مثل الحزب الإسلامي العراقي في الموصل، أو بجهات دينية مثل رابطة العلماء المسلمين ورابطة العلوم الشرعية وقسم الدعوة والارشاد في الحزب الإسلامي العراقي، إضافة الى مديرية الأوقاف في الموصل.


لكن أيحق لكل شخص أن يكون داعية؟

تقول السيدة خولة فتحي (58 عاماً) وهي داعية إسلامية لـ «الحياة» بأن هناك شروطاً لا بد من توافرها في شخص الداعية الإسلامي ومن دونها لا يمكن له الانخراط في العمل «يجب أن يكون دارساً للفقة والشريعة وحافظاً للقران الكريم وللأحاديث النبوية». وتفسر انتشار الظاهرة وتزايدها بـ «الخوف من أن يغيّر الاحتلال الأميركي من عادات وتقاليد البلد ودينه ومنع تأثيره في تنشئة الأجيال المقبلة».

وتضيف أن «قسماً من الدعاة، وهم الغالبية، منتمون الى جهات وتنظيمات حزبية او دينية معينة والقسم الآخر مستقلون وأنها لا تتبع فكراً او مدرسة دينية معينة، بل نتكلم ونتحاور بما جاء ذكره في القرآن الكريم والأحاديث النبوية»، مؤكدة أن أكثر محاضراتها تكون حول «الأمور الدينية البحتة» وتتحدث عن الحوارات والأسئلة التي تطرحها الحاضرات. وتضيف: «قد لا أتمكن من الرد على كل الأسئلة، وما لا أقوى عليه اسأل عنه المشايخ من رجال الدين». وتضيف أن «هناك نشاطات أخرى اجتماعية مثل توفير دور الحضانة ورياض الأطفال وأخرى خاصة بالمرأة تكون من ضمن عمل الداعية، وبالاعتماد على ما تقدمه بعض المنظمات والهيئات الإسلامية العربية من مساعدات مالية في هذا الخصوص».


رأي الإدارة الحكومية...

ليست الموصل مثل أية مدينة أخرى في العراق، وعلى رغم وجود مناطق قد تكون في بعض المرات أكثر التهاباً وسخونة الا ان الموصل تنفرد، مثل طبيعة مكونات مجتمعها المتعددة، بتعدد أوجه العنف فيها، وهذا ما جعل الأجهزة الحكومية بها والتابعة للحكومة المركزية في بغداد تهتم فيها ضمن خطة عمل خاصة تضع «الإرهابيين والأعمال الإرهابية» التي يقومون بها ضمن أولى تلك الأولويات.

وكان نائب محافظ الموصل أشار في حديث الى «الحياة» الى «اللقاءات» التي تعقدها محافظة الموصل مع مدير الأوقاف ورجال الدين المسؤولين الذين تنضم تحت ألويتهم منظمات ودعاة إسلاميون. وقال: «نؤكد من خلال لقاءآتنا بهم ضرورة متابعة ومعرفة ما يدور من أحاديث في المجالس الدينية كي لا نسمح بأن تكون بؤراً لأعمال أخرى لا علاقة لها بالدين»

من جهته أكد مدير الأوقاف في الموصل محمد عبدالوهاب الشّماع لـ «الحياة»: «ارتباط عمل الدعاة بوزارة الاوقاف وبوجود ثوابت معينة حددتها المديرية يجب على الداعية الالتزام بها»، مشيراً الى «صعوبة متابعة كل ما يتحدث به الدعاة بخاصة أن أعدادهم في تزايد».

التعليقات