الشيخ شريف شيخ أحمد.. بائع الحلويات.. ابن الصوفي.. الذي تحول إلى أقوى رجل في مقديشو

الشيخ شريف شيخ أحمد.. بائع الحلويات.. ابن الصوفي.. الذي تحول إلى أقوى رجل في مقديشو
غزة-دنيا الوطن

لـم يكن في بال الشيخ شريف شيخ أحمد، رئيس اتحاد الـمحاكم الإسلامية في الصومال، أن يصبح أقوى رجل في العاصمة الصومالية مقديشو، بعد أن غادرها عام 1991 عند اندلاع الحرب الأهلية فيها متوجها الى السودان، ثم الى ليبيا ليعود الى مقديشو بعد 10 سنوات ليجد نفسه وسط أتونها السياسي الذي يموج بالتحالفات السياسية والقبلية.

ولد الشيخ شريف في كانون الثاني 1964، في مدينة مهداي التابعة لـمحافظ شبيلي الوسطى، على بعد 120 كم الى الشمال الشرقي من العاصمة مقديشو، في بيت يعتبر من أبرز أتباع الطريقة الإدريسية في الصومال، فأبوه وجده وجده الأكبر الشيخ موسي عقلّي قادوا الطريقة الإدريسية في الصومال منذ منتصف القرن التاسع عشر.

لكن مسيرة الابن اختلفت، فلـم يصبح شيخ طريقة تقليديا، كما كان يراد له عندما كان يتلقى التعليم الإسلامي التقليدي الوحيد الذي كان متاحا في الريف الصومالي آنذاك ، فقد انتقل الى العاصمة مقديشو ليلتحق بـ"مهد مقديشو الديني ثانوية الشيخ صوفي لاحقا ، التابع للأزهر الشريف، وبعد تخرجه منه عام 1988 كانت الحرب الأهلية في الصومال على الأبواب ولـم يتمكن من الالتحاق بالجامعة. واشتغل بالتدريس على نظام الحلقات لفترة وجيزة، وكان اشتهر بتدريس النحو العربي والبلاغة، وكانت حلقاته مقصدا لطلبة التعليم الإسلامي في العاصمة مقديشو حتى عام 1991 الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية في الصومال حيث قرر الذهاب الى الخارج. حصل الشيخ شريف على منحة دراسية في السودان عام 1992، والتحق بكلية التربية والآداب بجامعة كردفان، ودرس هناك لسنتين فأصيب بحمى الـملاريا، ولـم يستطع تحمل الدراسة، فسافر الى ليبيا حيث تابع دراسته الجامعية في طرابلس وتخرج من كلية الشريعة والقانون بالجامعة الـمفتوحة عام 1998، ثم عاد الى الصومال لرؤية أهله بعد عشر سنوات من الاغتراب.

لـم يكن في خطط الشيخ شريف غير الـمساهمة في التعليم والحركة الثقافية في الصومال، فأسس جمعية "الشروق" للتراث والثقافة، كما قام بتسويق فكرة الربط بين الـمثقفين، وأسفر هذا العمل عن تأسيس نادي الخريجين عام2003 ، وانتخب أمينا عاما للنادي ولا يزال يشغل هذا الـمنصب حتى الآن . وإلى جانب ذلك، افتتح محلا لبيع الحلويات في مقديشو مع شركاء له لتدبير معيشته لأنه لـم يكن يتقاضي أجرا من نشاطاته في نادي الخريجين وجمعية الشروق اللتين كان يرأسهما.

عمل الشيخ شريف مدرسا في إحدى الـمدارس الثانوية بمنطقة ياقشيد ، شمال العاصمة، لكن وقع الحدث الذي سيحول الـمسار السياسي والقيادي للشيخ شريف، حيث اختطفت ميليشيات مسلحة أحد طلبة الـمدرسة التي كان يدرس فيها الشيخ، وبما أن الخاطفين كانوا موجودين بمنطقة الـ "سي سي" التي كان يقطنها، فقد شارك بالبحث عن الطالب الـمخطوف ومفاوضة الخاطفين. وبعد تحرير الطالب الرهينة بعد أيام، طرح الأهالي فكرة إنشاء محكمة إسلامية وقوة أمنية خاصة بالحي لردع الخاطفين والـمجرمين الآخرين، ووقع اختيارهم على الشيخ شريف، رئيسا للـمحكمة الإسلامية بمنطقة الـ "سي سي". يقول الشيخ شريف انه لـم يكن في مكان الاجتماع في ذلك اليوم، لأنه كان في حصته في الـمدرسة، وأبلغوه بما حدث بالهاتف لـم أكن أتوقع ذلك، لكنني قبلت ولـم يكن هناك وقت للتفكير أو للرفض، فالأمر كان محسوما من قبلهم . ووجد الشيخ شريف نفسه كما يقول وسط العمل السياسي والأمني في وقت ضعفت فيه سلطة زعماء الحرب، واشتدت عمليات الخطف والنهب التي تقوم بها الـميليشيات القبلية الـمسلحة، وقد تحولت منطقة الـ"سي سي" التي كانت في السابق أخطر الـمناطق في العاصمة مقديشو الى منطقة آمنة وعادت اليها الحياة من جديد .

ومن هنا، خطرت برأسه فكرة توحيد الـمحاكم الإسلامية الـمنتشرة في العاصمة لتعزيز قوتها، وعددها 13 محكمة إسلامية، كل منها تملك ميليشيات مسلحة منظمة الى جانب جهاز قضائي يقوم بمهة فصل الـمنازعات وتوثيق العقود الى جانب حماية الأمن. وبعد مفاوضات طويلة تم إنشاء اتحاد الـمحاكم الإسلامية عام 2004، وانتخب الشيخ شريف رئيسا لهذا الاتحاد الذي أصبح قوة لا يستهان بها في العاصمة.

وتأتي الصدف مرة أخرى بعد مرور أقل من عامين، ليجد الرجل نفسه وجها لوجه أمام قوة زعماء الحرب الصوماليين الذين أنشأوا في شباط الـماضي التحالف من أجل إرساء السلام ومناهضة الإرهاب ، بدعم من الولايات الـمتحدة في إطار مكافحة الإرهاب بمنطقة القرن الافريقي، وأعلن الكيان الجديد عن سعيه الى القبض علي إرهابيين أجانب من تنظيم القاعدة يختبئون في العاصمة بإيواء من الـمحاكم الإسلامية التي يرأسها الشيخ شريف، وكانت تلك هي الشرارة الأولى التي أشعلت الحرب الدائرة في مقديشو وما حولها بين ميليشيات الـمحاكم الإسلامية وميليشيات تحالف مكافحة الإرهاب. خاض الطرفان 7 معارك منذ فبراير الـماضي حققت فيها الـمحاكم الإسلامية مكاسب عسكرية لـم تكن تحلـم بها فسيطرت علي أكثر من 80% من العاصمة وبعض الطرق الهامة التي تربط العاصمة بالـمحافظات الداخلية. في مكتبه الـمتواضع بشمال العاصمة، لا يتخيل الـمرء بأنه أمام أقوى رجل في العاصمة مقديشو حاليا... ليس له سكرتير ويستقبل الـمكالـمات الهاتفية الواردة اليه بنفسه، بدءا من وسائل الإعلام الدولية وحتى الـمكالـمات العادية، وأعد لنا الشاي بنفسه عندما قابلته قبل أيام. يقول عن نفسه بأنه معتدل يؤمن بالوسطية الإسلامية، ومنفتح على الثقافات الأخرى، واستغربت بأن الترجمة العربية لرواية "شيفرة دافنشي" للكاتب دان براون كانت موضوعة على طاولته أرسلها له أحد أصدقائه هدية لكن لـم يجد وقتا لقراءتها بسبب مشاغله الأخيرة ، الى جانب بعض الـمؤلفات في التاريخ الإسلامي والأدب العربي.

يتحسر الشيخ شريف على أيامه التي كان فيها قارئا نهما يتابع الحركة الثقافية والأدبية في العالـم العربي، ويستمتع أكثر بالشعر العربي الكلاسيكي.

عندما سئل فيما إذا كان يطمح الى الرئاسة وإقامة دولة إسلامية على غرار طالبان، قال ان ما يتمناه فقط هو تحقيق الأمن والاستقرار في العاصمة، والتخلص من زعماء الحرب، ثم الناس هم الذين يقررون ماذا يريدون. وأضاف أن زعماء الحرب يبيعون الوهم للولايات الـمتحدة، ويستغرب كيف تنخدع أجهزة الـمخابرات الأميركية العتيدة بهذه الأكاذيب التي يروج لها الباحثون عن الفلوس. ويقول انه ينتظر اليوم الذي سيقول فيه الأميركيون، اننا خدعنا بالصومال. كما سبق وأن قالوا خدعنا بالعراق.

التعليقات