هكذا صيغت وثيقة الأسرى في الزنازين و الفورة

غزة-دنيا الوطن

لم تكن الحوارات التي كانت تدور بين مختلف الفصائل ضمن لقاءات ثنائية أو في لجان المتابعة في غزة تحمل ولو حتى بريق أمل، بإمكانية النجاح حينما تحادث النائب مروان البرغوثي، أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية، مع قياديين من حركة حماس، من بينهم الشيخ عبد الخالق النتشة عضو الهيئة القيادية للحركة، يتواجدون معه في سجن هداريم الإسرائيلي، حول الحاجة الملحة للتوصل إلى اتفاق وطني يعمل أولاً على تفادي الحرب الأهلية التي بات شبحها يخيم على الأجواء، وثانياً على إخراج الشعب الفلسطيني من مأزقه السياسي والاقتصادي.

كان ذلك قبل خمسة أسابيع من نشر وثيقة الوفاق الوطني التي وقعها قادة أسرى من خمسة فصائل فلسطينية في سجن "هداريم"، وهي المدة الزمنية التي استغرقها إبرام هذه الوثيقة التي بدأت بخطوط عامة مرت في محادثات ثنائية وجماعية في "الفورة" والزنازين وبسلسلة من النقاشات والحوارات، تبعتها تعديلات وإضافات وأحياناً أزمات إلى أن خرجت بصيغتها النهائية لتقدم في اليوم نفسه إلى الرئيس محمود عباس، وقادة الفصائل الموقعة عليها.

الصدفة وحدها هي التي جمعت البرغوثي والنتشة، ومعهما عبد الرحيم ملوح، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأيضاً الشيخ بسام السعدي، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في سجن هداريم، وهو ما مكنهم من الاتصال المتواصل لبلورة وصياغة ووضع الصيغة النهائية للوثيقة، أما مصطفى بدارنة، القيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فقد تم الاتصال به من خلال طرق الأسرى وقد وقع الخمسة على الوثيقة.

توجه البرغوثي بداية الى حركة حماس وقال محاميه خضر شقيرات الذي يزور البرغوثي بشكل متواصل في سجنه، لـ "الأيام" : قال الاخ مروان إن هناك حاجة لشيء يفيد في الخروج من الازمة الحالية، وهو ما يستدعي شيئاً كبيراً وليس وثيقة شكلية تقتصر على الشعارات والمواقف العامة. وأضاف : كان الاخ مروان يستشعر خطورة المرحلة لاسيما إثر الاشتباكات الداخلية في غزة، وكان أشد ما يخشاه ان ندخل في حرب اهلية تقودنا الى ما يشبه ما حدث في الحالة الصومالية.

يجمع سجن "هداريم" العديد من قادة "حماس"، فإضافة الى الشيخ النتشة يقبع في السجن ايضا روحي مشتهى وهو من مؤسسي حركة حماس، وعبد الناصر عيسى ويحيى السنوار وهما من القيادات العسكرية للحركة، إضافة الى علي العامودي وموسى دودين وآخرين.

ويحظى البرغوثي باحترام كبير في اوساط قيادات حركة حماس مكنه من إبرام سلسلة من التفاهمات معهم على مدى السنوات الماضية، وخلافاً لاجواء التراشق الكلامي والاتهامات التي كانت تغطي الفضائيات والمواقع الالكترونية بين قياديين من الحركتين في الخارج فان الأجواء في السجن كانت اخوية وايجابية، وهو ما قادها في نهاية الامر لأن تكون الحوارات فعالة وناجحة.

الاحاديث الاولية بين البرغوثي وقياديي حركة حماس اظهرت حرصاً اكيداً على تجنب اي صراع داخلي والبحث الحثيث عن الخروج من المأزق السياسي والاقتصادي، وقال شقيرات: تم الاتفاق على ان يقوم الاخ مروان باعداد ورقة تتضمن الخطوط الرئيسة لتفاهم تتم دراسته ومناقشته وتعديله.

ويشير شقيرات الى ان "حماس" كانت شريكاً رئيسياً في بلورة وصياغة بنود الوثيقة، وقال: كانت هناك العديد من البنود التي ادخلت "حماس" تعديلات عليها وبنود اخرى اضافتها الى الوثيقة .. بطبيعة الحال فلم تكن عملية بلورة البنود او صياغتها بالعملية السهلة، اذ استغرقت ساعات طويلة من العمل الجدي بطريقة يشعر من خلالها الجميع بانه حقق المصلحة العليا للشعب الفلسطيني دون التنازل عن مواقفه السياسية.

لا يساور شقيرات ادنى شك بأن قيادة "حماس" في السجون كانت على اتصال مع قيادتها في الخارج بشأن ما يجري، ويشير الى ان قيادة حركة فتح ممثلة بالرئيس عباس كانت مطلعة على تفاصيل ما يجري، وعبر أحد أركان مكتبه انه كان يتم وضع الرئيس في صورة التطورات اولاً بأول ويتم التشاور معه بشأنها وأخذ توجيهاته وملاحظاته عليها لارسالها الى مروان البرغوثي.

ولكن شقيرات يقول: في بداية الامر لم تكن هناك ثمة آمال كبيرة لامكانية إحداث اتفاق.

لربما كانت الاخفاقات المتتالية للحوارات الجارية في رام الله وغزة هي التي قادت الى خفض سقف التوقعات، ولكن الامر لم يكن كذلك في حوار "هداريم".

وتسمح طبيعة ترتيبات "فُسح" الاسرى في "هداريم" باتصالات متواصلة بينهم، فالمعتقلون الـ120 الذين يقبعون في هذا السجن المركزي يخرجون في استراحة "فورة" مرتين يومياً، الاولى ما بين الساعة السابعة الى العاشرة والنصف صباحاً، والثانية ما بين الواحدة والثالثة والنصف ظهراً. وفيما بين الساعة العاشرة والنصف وحتى الثانية عشرة قبل الظهر يمكن للاسرى تبادل الزيارات فيما بينهم في الزنازين.

هذه الترتيبات مكنت البرغوثي والنتشة من الاتصال والحوار والنقاش المتواصل بأجواء من الحرص على المصلحة العامة وايضا بما يحقق الشراكة بين الحركتين باعتبارهما القطبين في الساحة الفلسطينية، وهو ما تطلب من الطرفين تقديم مواقف تساهم في انجاح الحوار. وقال شقيرات "في بعض الاحيان كانت الامور تصل الى طريق مسدودة، ولكن هذا لم يمنع مواصلة المحاولة" وأضاف: كان هناك حرص على ان لا يسجل اي تفاهم يتم التوصل اليه لجهة على حساب الاخرى، وانما كان الحرص على ان يسجل الانجاز للجميع وكانت شراكة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى بعيداً عن الفئوية والفصائلية والحسابات الشخصية.

ولدى بروز تقدم في المواقف باتجاه امكانية التوصل الى تفاهم تم توسيع الحلقة قليلاً لتشمل حركة الجهاد الاسلامي التي كانت على الدوام جزءاً من الاتفاقات الفصائلية المهمة كالهدنة وترتيبات الانسحاب من غزة، علماً بأن في سجن هداريم عدداً من قيادات الحركة المهمين مثل الشيخ بسام السعدي والشيخ عبد الرحمن شهاب وثابت المرداوي وخالد الزواوي.

وقد ضم الحوار ايضاً عبد الرحيم ملوح ممثلاً عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أما ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مصطفى بدارنة الموجود في سجن آخر فقد تم الاتصال به من خلال الطرق التي يعتمدها المعتقلون في الاتصال فيما بينهم.

الاجتماع الموسع

مع التقدم في الحوارات الثنائية التي كانت تجري في الزنازين تمت الدعوة الى اجتماع موسع لممثلي الفصائل المشاركة في صياغة الوثيقة، وقال شقيرات: بعد نقاش مطول تم الطلب من الاخ مروان تقديم مشروع وثيقة يستند الى المواقف التي تم التوافق عليها في خلال جلسات الحوار الثنائية او الجلسة العامة..ومع استكمال صياغة مسودة الوثيقة قدمها الاخ مروان للمشاركين.

وأضاف: تم ادخال العديد من التعديلات على المسودة سيما من قبل حركة حماس، وكذلك باقي الفصائل قدمت تعديلات قبل ان تخرج الوثيقة بصيغة شبه نهائية، ومن ثم اخذ كل فصيل فترة 10 ايام للتشاور مع قيادته بشأن الوثيقة والرجوع بالرد عليها.

وتابع: حدثت بعض التعديلات الاضافية بعد تشاور كل فصيل مع قيادته قبل ان يتم اقرارها بشكلها النهائي، وتوقيعها من قبل القياديين الخمسة في السجون الاسرائيلية ومن ثم رفعها بالصيغة النهائية الى الرئيس ابو مازن وقيادة الفصائل الخمسة الموقعة عليها.

تطورات الاحداث المتسارعة سيما الاشتباكات الداخلية في قطاع غزة سرعت في إعداد هذه الوثيقة التي سلمت في أسرع وقت تسمح الظروف في اليوم نفسه الى الرئيس عباس في رام الله وتم ارسالها في نفس اليوم إلى خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي كان في الدوحة، ورمضان شلح الامين العام لحركة الجهاد الاسلامي المتواجد في الخارج، وإلى رئيس الوزراء اسماعيل هنية وبقية قادة الفصائل.

وفي حال لم تتوصل الفصائل في حوارها الوطني خلال 10 ايام الى اتفاق فيما بينها فان هذه الوثيقة ستكون محل استفتاء شعبي هو الاول في تاريخ الشعب الفلسطيني يجيب فيه الشعب الفلسطيني في الاراضي الفلسطينية بـ "نعم" او "لا" على هذه الوثيقة.

التعليقات