الاردن وحماس: ردود فعل محتارة وصحافة تائهة ودعوات لاغلاق الملف

غزة-دنيا الوطن

تقليب صفحات الصحف الاردنية يعكس الانطباع حول حيرة الوسط الاعلامي في التعامل مع ملف الازمة الخاص بحركة حماس، فخلافا للمتوقع لم ينقلب كثير من ابرز الكتاب علي حركة حماس بعد ان قدمت السلطات الحكومية دليلها التلفزيوني الموثق بخصوص قضية تهريب الاسلحة التي تورطت بها حماس.

وبوضوح شديد تجنب كتاب كثيرون قريبون من السلطة او محسوبون عليها التطرق للموضوع لا لصالح استغلال الحدث لاتهام حماس واسترسال في اتهامها، ولا لصالح ترويج وتسويق الرواية الرسمية المتلفزة والتي كانت الي حد ما اكثر تفصيلا وصلابة من الروايات السابقة.

وبوضوح شديد بدت الانعكاسات الاعلامية والصحافية محتارة في التعامل مع هذا الملف الحساس جدا خصوصا ان احدا بكل الاحوال سواء كان قريبا من السلطة او بعيدا عنها او مستقلا لا يقبل علي الاطلاق فكرة تخزين اسلحة ومتفجرا ت تحت اي لافتة بما في ذلك لافتة حماس رغم ان الكل يجمع علي ان مسألة تهريب الاسلحة روتينية وقديمة ومكررة وحدثت كثيرا في الماضي وستحدث في المستقبل.

وعناصر الحيرة في المشهد الصحافي والاعلامي الاردني يمكن تلمسها ببساطة، فالمقالات الوحيدة التي ظهرت لصالح الرواية الرسمية كانت لبعض الاقلام المتشنجة اصلا اما ضد حماس والاسلاميين او ضد الفلسطينيين لاسباب عقائدية احيانا وسياسية احيانا اخري وشخصية في اغلب الاحيان.

وباستثناء صحيفة الرأي التي مثلت جوهر الموقف الرسمي عبر مقالات باسم محررها السياسي او باسم بعض كتابها لم تتحرك قوة الكتاب والمعلقين بنفس السرعة مع الرواية الحكومية ولم تتظهر نغمة اتهامية او انقلابية علي حماس فكل ما ظهر ضد حماس في الصحف الاردنية تحريضي او ينطوي علي نكاية بجماعة الاخوان المسلمين الوطنية مما يدلل علي ان عملية اقتناص للمشهد حصلت.

وعلي العكس ظهر في الصحف المستقلة اليومية كلام لا يناقش الحدث او الرواية الرسمية بل يرصد احساس الرأي العام بوجود خلل في صلابة القصة ويرصد ايضا ظاهرة غريبة عبر عنها احد اعضاء البرلمان البارزين وهي وجود رواية اصلب واكثر تماسكا فعلا لكن يرافقها سؤال غريب لماذا لا يصدق الناس عموما ما حصل.

ويمكن القول ان هذا السؤال يعكس حقيقتين لا بد من الاشارة لهما الاولي تتعلق برصيد حماس الفعلي في الشارع الاردني كحركة وطنية مقاومة في فلسطين لم يسبق لها ان حاولت التخريب لا في الاردن ولا في اي مكان عربي اخر، والثاني يتعلق بوجود حاضنة لحركة حماس وافكارها وبرامجها ممثلة بجماعة الاخوان المسلمين التنظيم الاكبر في البلاد والعامل في المملكة منذ خمسين سنة في اطار شراكة ملموسة مع النظام وهو نفسه التنظيم الذي اعلن قادته عندما سئلوا بأنهم لا يصدقون الرواية الرسمية وهو نفس التنظيم الذي اعلن قادته اعتقال عدد من اعضائه مما سمح بنقاش حول الخلط ما بين ما هو اخواني وما هو حماسي.

لكن الأخوان المسلمين ولأسباب غير مفهومة أحجموا حتي الآن عن إصدار بيان رسمي واحد لا هم ولا ممثليهم في البرلمان يعلنون فيه بوضوح موقفهم من مسار الأحداث، فهم لا يسعون لتسليم الحكومة حججا وبراهين تربطهم بحركة حماس مما يعني ان حلقات الغموض والإثارة بخصوص ملف الأسلحة لا زالت تشمل كل الطيف السياسي الأردني.

وبسبب أزمة الثقة التقليدية والتاريخية بين الحكومة والناس علي حد تعبير الكاتب فهد الخيطان المقرب من وزيرين علي الأقل في الحكومة معنيين بأزمة حماس هما وزيرا الخارجية والداخلية.. بسبب هذه الأزمة لم يلتفت كثيرون لما تعلنه الحكومة الأردنية حول رفض حركة حماس المشاركة في الوفد الأمني السياسي الذي حضر لعمان وإن كان الناطق الرسمي ناصر جودة قد فتح الباب أمس الأحد وبعد تصرحيات محمود الزهار الأخيرة لمناقشة أمنية مع حماس إشترط ان تسبق النقاش السياسي.

وخلافا للعادة لم تحصل الحكومة علي مساندة مباشرة وواضحة من القوي الأخري في المجتمع مثل قوي البرلمان الذي يصدر بيانات بمثل هذه المناسبات ووسط التعاطف الإسلاميين في النقابات المهنية مع حركة حماس اصلا يبقي ان حلقات الفراغ ما زالت مرصودة في المشهد ويبقي ان الحالة العامة برلمانيا وصحافيا تائهة ليس بين تصديق الرواية الرسمية او عدم تصديقها بل بين رواية رسمية لها بالضرورة جذور وبين تفاصيل تبدو غريبة او غير مفهومة او لا تتوازن مع طبيعة البيانات الرسمية التي كانت تتحدث عن شيء ضخم لم يظهر بعد فعلا علي شاشة التلفزيون.

ووسط هذا التوهان لا مجال لا للعقلاء ولا للحريصين علي الوحدة الوطنية والإستثمار والسياحة داخل الأردن إلا الدعوة لوقف التصعيد المتبادل والإستناد إلي قاعدة تقول بأن الطرفين خاسران في النتيجة من وراء هذه الأزمة وإن كان سعي الحكومة الأردنية لتسييس الموضوع قد شابه بعض الخلل الفني او غابت عنه بعض المهارات الاحترافية بعد ان قدم الأمن حيثياته ومعلوماته وفقا لرؤيته في المصالح العليا.

وعموما يعرف الجميع في عمان ان تهريب الأسلحة قائم وممكن ومنذ سنوات ويحصل في كل الإتجاهات اللبنانية والأردنية والعراقية والفلسطينية والمصرية، ويعرف الجميع ان هناك مبـررات قد يفهـــمها الناس لفكرة قيام حماس بتأمين سلاح لأغراض المقاومة لكن هناك مبررات لا يمكن فهمها لفكرة تخزين أسلحة بهدف إستخدامها علي الأرض الأردنية حصريا ووسط أردنيين نال الإرهاب من مشاعرهم ويتواجدون في محيط ملتهب ومفتوح علي كل الإحتمالات.

حماس من جهتها تعترف نسبيا بوقائع التهريب لكنها تنفي اي تفكير في التخريب والمقربون الكثر منها في عمان لا يصدقون علي الاطلاق بان حماس يمكن ان تسعي للتخريب في اي يوم من الايام لكن حتي هؤلاء المقربون يعترفون بوجود مشكلة مؤخرا اسمها حماس الداخل وحماس الخارج ويشيرون احيانا للعامل الاقليمي باعتباره طرفا في معادلة حماس وذلك قد يكون واقعا لا يمكن نفيه الا ان السلطات الاردنية تراهن عليه في تفسير وتحليل هجمتها علي من تجرأ في حماس وفكر بتغيير قواعد اللعبة مع الاردن.

ومن هنا يمكن القول ان الموقف معقد فعلا وتدخل فيه كل الاعتبارات، لكنه اصبح اكثر تعقيدا في ضوء المستجدات، فقد اثار تصريح لرجل الاعمال الاردني المسيحي سامي حنا جورج صدمة حقيقية في الاوساط السياسية والاعلامية بعد ان ظهر الاخير علي شاشة محطة الجزيرة وهو يعلن بانه ليس طرفا في المسألة وانه لا يصدق الرواية ويستغرب الزج باسمه في الموضوع مستـــعرضا وجود علاقات قديمة بينه وبين حماس، ومؤكدا بأنه عضو مؤسس في جبهة مكافحة الصهيونية وان حماس تعرف ذلك قاصدا بوضوح الاشارة الي انه لا يمكن ان يكون مثارا للاشتباه باليهودية ولا يمكن ان يكونا هدفا مرشحا للاغتيال من قبل حركة حماس حصريا خلافا لما جاء علي لسان احد المعتقلين في الاعتراف التلفزيوني.

بيان رجل الاعمال المسيحي خوري اثار التساؤلات مجددا وسمح بوجود تأملات تتحدث عن ثغرات غير مفهومة في الاعترافات المتلفزة وهي ثغرات يعتقد انها بحاجة لتفسير لكن السلطة الاردنية بكل رموزها ترفض التشكيك. وفي الواقع لم يحصل حتي الان تشكيك علني وان طرحت اسئلة واستفسارات بعنوان بعض الثغرات من طراز تأثير ما حصل علي السياحة بعد اعتراف المعتقلين بانهم رصدوا السياح في مدينة العقبة، فمنذ سنوات طويلة ورغم اكتشاف عشرات الخلايا الارهابية والاصولية لم يضرب سائح واحد من الاجانب في الاردن واسئلة من طراز تأثير الاعترافات علي الاستثمار، فليس سهلا اختيار هدف للاغتيال وهو عبارة عن رجل اعمال مسيحي قومي متعصب في الواقع ضد الصهيونية في بلد التيار الابرز فيه هو التيار الاسلامي.

حلقات الرواية باختصار لم تكتمل بعد وفي حالة استثناء التحريضيين والموتورين واصحاب الاجندة المضادة اصلا لحماس وللفلسطينيين يمكن القول ان الصوت الاعلي حتي الان في المساحة السياسية والاردنية والحزبية هو الصوت الداعي لاغلاق صفحة الخلاف والأزمة واغلاق الملف وايجاد حل سياسي دبلوماسي يوقف التداعيات ولا يسمح بالمزيد من الجدل دون ان يعني ذلك بكل الاحوال الموافقة بأي شكل وبأي حال علي المساس بالأمن الاردني.

*القدس العربي

التعليقات