منابر الـمساجد .. أبواق سياسية واتهامات بالجملة تصل حد التخوين والتكفير

غزة-دنيا الوطن

"باتت خطب الجمعة "الخلافية"، حسب وصف البعض، والتي انتشرت بشدة قبيل الانتخابات التشريعية، وبعد تشكيل "حماس" للحكومة، باتت تثير بلبلة في الشارع الفلسطيني، لدرجة أن حركة فتح دعت، أول من أمس، لصلاة في العراء في مخيم جباليا أداها عشرون ألف مواطن، احتجاجاً على تحول الـمساجد لـمنابر "تثير الفتنة بين الـمواطنين"، وأن العديد من الـمواطنين عبروا صراحة عن قرارهم بعدم الصلاة فيما وصفوها بـ "الـمساجد الحمساوية".

ويشدد الشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس والديار الفلسطينية، على أن دور الـمساجد "توحيدي لا تفريقي"، مشيراً إلى أهمية تناول القضايا السياسية التي لا يمكن فصلها عن الدين، ولكن بصورة تدعم وحدة الصف الفلسطيني، داعياً جميع الفصائل الفلسطينية إلى توحيد الجهود من أجل الـمصلحة العامة، وهو "مطلب أساسي من مطالب ديننا الحنيف".

ويقول صبري، في حديث هاتفي معه: للـمسجد رسالة تربوية، لابد أن تركز على العقيدة، ومعالجة شؤون الـمسلـمين لبيان أحكام الدين فيها، لأن الرسول (ص) كان يركز على الـمستجدات، لتبيان حكم الشرع فيها .. نحن حريصون على تفعيل الدور الأساسي للـمسجد في توعية الـمسلـمين وتدعيم مكارم الأخلاق، مشدداً على ضرورة "الاهتمام بتأهيل خطباء الـمساجد من الناحية العلـمية، ومن ناحية أساليب الوعظ والخطابة".

وكشفت النائب في الـمجلس التشريعي، الدكتورة نجاة أبو بكر من حركة "فتح"، عن نية العديد من نواب الـمجلس، استجواب وزير الأوقاف، عبر توجيه أسئلة حول استخدام الـمساجد كمنابر تسهم في تأجيج الفتنة والصراع الداخلي الفلسطيني، وتقول في حديث لـ "الأيام": كل سبت تردني العديد من الشكاوى حول خطب الجمعة، التي بات يركز فيها الخطباء على شتم منظمة التحرير الفلسطينية، وحركة فتح، وتخوينهما، والتشهير بأشخاص بعينهم، مشيرة إلى أن "الـمساجد باتت تمارس، وعبر عملية منظمة، دوراً تشهيرياً وتحريضياً، بدلاً من الوعظ والإرشاد، وبتر نار الفتنة"، مشددة على أن بعض الـمساجد لـم تعد "مكاناً للصفاء بين العبد وربه، بل مكاناً للتحريض، والشتائم".

وتنوه أبو بكر إلى أن معظم الخطباء "باتوا يتجاهلون معاناتنا بسبب الاحتلال، فلا ذكر للجدار، والإهانات على الحواجز العسكرية، وإجبار النساء على نزع ثيابهن عندها، وأنا واحدة ممن تعرضن لهذه الإهانات، قبل أيام، ورفضت خلع ثيابي لو قتلت .. هناك تجاهل لـمثل هذا القضايا التي تمس شرف وكرامة الفلسطينيات والفلسطينيين، مسلـمين وغير مسلـمين".

وشددت أبو بكر على خطورة "تهم التكفير، التي باتت توزع عبر منابر الـمساجد على الـمسلـمين"، وتقول: نحن مسلـمون، ولسنا بحاجة لـمن يؤسلـمنا، أو يزاود علينا في علاقتنا مع الله عز وجل .. ما يحدث في الـمساجد يتعارض مع الحديث النبوي الشريف "من كفر مسلـماً فقد كفر".

وتشير أبو بكر إلى أن ما يحدث في الـمساجد، يعبر عن أن "الأخوة في "حماس"، وفي الحكومة، باتوا يستخدمونها لتمرير مشروعهم السياسي، ولتصدير أزمتهم الداخلية، التي هي أزمة شعب بأكمله، وتحويلها باتجاه الاقتتال الداخل، عبر الـمنابر"، وتقول: من الواضح أنهم غير قادرين على إدارة الصراع، وأنهم لا يملكون برنامجاً وطنياً، لذا نراهم يركزون على الشتائم والسباب، وتوزيع التهم، وسياسة تكميم الأفواه، متجاهلين قول الرسول الكريم "بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا، سددوا ولا تفرقوا".

وحذرت أبو بكر من ظاهرة اعتلاء وزراء في الحكومة، منابر الـمساجد، لتمرير مشروع حزبوي ضيق، وتقول: من الـمفترض أن الوزير، أو الـمسؤول، موضع اتفاق، لا اختلاف .. لكن من الواضح أنهم اعتادوا أن يكونوا خطباء، لا رجال سياسة .. الـمشكلة أنهم باتوا يستسهلون الترويج لأفكار خلافية، تتجه بالجميع نحو صراع داخلي، بدلاً من الاهتمام بشؤون ومشاكل الـمواطنين، وتسخير الـمساجد لخدمة هذا الـمواطن الـمقهور بفعل عدة عوامل، أولها الاحتلال.

وحول اعتلاء وزراء في الحكومة لـمنابر الـمساجد، يقول نايف الرجوب، وزير الأوقاف: الوزراء، وأعضاء الـمجلس التشريعي محصنون، ولا يمكن لـمدير في الأوقاف منعهم من ذلك، شريطة أن يمتلكوا الـمعرفة الشرعية التي تؤهلهم لذلك، والالتزام بقواعد وأركان الخطبة، وعدم استخدام الـمنابر لأمور قد توتر الشارع، وتثير البلبلة، مؤكداً على أن "النواب والوزراء يمثلون الأمة، ويمكن لهم مخاطبتها عبر الـمساجد، خاصة بعد أخذ الإذن من خطيب الـمسجد، أو مديرية الأوقاف".

ورفض الرجوب "استغلال الـمنابر بما يضر بالوحدة الوطنية"، وقال في حديث لـ "الأيام": لا شك في انتشار حالة من الاحتقان في الشارع الفلسطيني، تعبر عنها الـمناكفات الـمستمرة عبر وسائل الإعلام، وفي الجامعات، وتحت قبة الـمجلس التشريعي أيضاً، لكن هذا يجب ألا ينعكس على الـمساجد، التي نرفض رفضاً قاطعاً أن تستغل بشكل سلبي، تنتشر معه عبر بيوت الله عز وجل، الشتائم، واتهامات التشهير والتخوين، وتخصيص الحديث بالسلب عن أناس بعينهم، أو جهات رسمية وغير رسمية بعينها، مشيراً إلى أن "شكاوى عدة وردت للوزارة بهذا الخصوص، وبناء عليها، اتخدت إجراءات عقابية، بالإنذار، والنقل، وغير ذلك، بحق الخطباء الذين لا يلتزمون بالضوابط والآداب العامة"، مشدداً على أن "هذه الـمخالفات لا تخص فصيلاً بعينه، بل تنطبق على جميع الألوان والأطياف الفلسطينية".

ويتابع الرجوب: الأساس أن نجنب الـمساجد الدخول في حالة الاحتقان هذه، فلبيوت الله رسالة نبيلة لا يليق بها أن تتحول إلى مكان للشتائم، والـمناكفات .. نحن في خندق واحد، ونعاني الأمرّين من عدو واحد، ولا بد من رص الصفوف، ولذلك لن نتهاون على الإطلاق مع أي خطيب يتجاوز حدود اللياقة، وأركان الخطبة، ويشهر، ويشتم، ويكفر، مع أن هذا لا يمنع أن من حق كل إمام وخطيب الانتقاد، لكن بشكل بناء، بعيداً عن الشتائم، والتشهير، والإساءة لأي كان.

التعليقات