تقرير اسرائيلي:حماس قد تخلي الحلبة السياسية في حال أدارت إسرائيل تفاوضاً مباشراً مع منظمة التحرير
قبل الانتخابات للمجلس التشريعي، لم تكن عملية السلام أكثر من وهم قضائي. بالرغم من أن العملية لم تُدفن رسميا ولم يلغ أي طرف على نحو مُعلن شيئا من وثائقه الأساسية - اعلان المباديء والاتفاقات التي تصحبه (اوسلو) أو "خريطة الطريق" التي أرست دعائمها "الرباعية" - فان العملية موجودة في جمود تام منذ انتهاء محادثات طابا في بداية عام 2001. قبل أن تُعلَم نتائج الانتخابات في المناطق الفلسطينية ساد اسرائيل رأي أنه لا يوجد احتمال الإحياء المجدد للعملية السياسية في المستقبل المنظور.
لهذا لا يهم كثيرا أن خسرت فتح في الانتخابات، لأنها حتى لو كانت انتصرت، لما كانت لديها رغبة أو صلاحية لتجاوز خط التنازلات الذي رُسم في الماضي. ويضاف الى ذلك أن قدرة فتح على إبداء المرونة كانت ستحاصرها حماس القوية التي تشارك مشاركة تامة في المؤسسات السياسية الفلسطينية - وهو سيناريو تكهن به أكثر المحللين. بكلمات اخرى، لم تكن هناك عملية سلام قبل الانتخابات ولم يكن يتوقع أن تكون بعدها. برنامج العمل المتوقع للفترة التي تلت الانتخابات لم ينحصر في صنع السلام بل في ادارة النزاع، ومن هذه الناحية لا يُغير انتصار حماس شيئا.
إن ما يتغير مع فوز حماس بالسلطة هو طابع اللاعب الرائد في الجانب الفلسطيني وصورته، وهو شيء يُبسط في واقع الأمر، وعلى نحو هزلي، تحدي ادارة النزاع. يواجه اسرائيل الآن خصم فلسطيني، خلافا لسلفه - فتح، لا يكشف عن استعداد ما لتليين اللغة التي يصف بها أهدافه النهائية - القضاء على اسرائيل - أو الوسائل التي سيأخذ بها لاحراز الغاية، وفي ضمنها الارهاب.
البديل غير المرغوب فيه الاول الذي يواجه اسرائيل - الاعتراف بامكانية أن تستطيع حماس، على إثر انتصارها الانتخابي، أن تعمل كلاعب شرعي في الساحة الاقليمية والدولية في النزاع الاسرائيلي - الفلسطيني من غير أن تُغير على نحو معلن أهدافها وطرقها المعلنة.
من اجل نفي هذا البديل يجب على اسرائيل أن تضطر حماس الى واحد من اثنين: إما أن تفشل، وتفقد بذلك تأييد الشعب الفلسطيني، وإما أن تتغير (من اجل منع الفشل) وأن تصبح بذلك طرفا في المحادثات تستطيع اسرائيل القبول به كشرعي. بيد أن العمل الأكثر جدوى الذي تستطيع اسرائيل الأخذ به للتسبب لواحدة من هاتين النتيجتين، هو قطع أي علاقة بالسلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حماس، ووقف تحويل أي مساعدة اليها.
إن خطوات كهذه ستجعل من الصعب على حماس أو ربما تمنعها أي امكانية لتحقيق وعودها بتحسين عمل السلطة الفلسطينية، وبخاصة تقديم الأمن العام والرفاهة للسكان. المشكلة هي أنه اذا نجحت اسرائيل بذلك، فان هذا "النجاح" سيصبح عائقا أمامها: لأن اسرائيل ستتهم بأن سياستها قد زادت المعاناة والفقر بين السكان الفلسطينيين. إن هذه النتيجة غير المرغوب فيها هي الطرف الثاني من المعضلة التي يجب أن تواجهها اسرائيل.
هذه المشكلة، في هذا المقام، تربض عند مدخل حكومات اخرى أعلنت عن حماس كمنظمة ارهابية ولهذا دُفع مراقبون اجانب، من الفور بعد الانتخابات في السلطة الفلسطينية، الى أن يأملوا أن تحل حماس نفسها هذه المشكلة عندهم بزيادة اعتدالها عن رغبة منها. هذا الأمل أُدرج في نظرية فحواها أن الواقع السلطوي يفرض على الحركات السياسية أن تتصرف بمسؤولية حتى لو كانت ذات ايديولوجية متشددة جذورها عميقة.
لا يجب أن نُخرج من نطاق الامكان تطورا كهذا في حالة حماس ايضا، كما تشير تصريحات ما لناطقين حاولوا بعد الانتصار في الانتخابات أن يصوغوا لمنظمتهم صورة أقل تهديدا. من جهة ثانية، ليس تطور كهذا غير ممتنع بالضرورة، كما يدل تاريخ الثورة الايرانية، والنظام الاسلامي في السودان ونظام طالبان في افغانستان.
حتى لو تم تغير الصورة المفروض هذا، فسيمر وقت طويل الى أن يكون في الامكان تعرُّف تغير حقيقي في الادراك. الى أن تنضج عملية كهذه، لن تريد اسرائيل ولن تستطيع الأخذ بسياسة "اجلس ولا تفعل". مع عدم وجود دلائل على كون العكس صحيحا، فان فرض عمل موجهي اسرائيل سيكون، في شبه اليقين، أن السلطة الفلسطينية بقيادة حماس لن تُغير نفسها في المستقبل المنظور من غير أن تتغير الظروف التي تدفعها وتحفزها على التغير، تغيرا جديا.
ولما كان لاسرائيل قدرة محدودة على إرغام حماس على التغير تغيرا مباشرا، فانها قد تحاول التسبب لتغييرات في طابعها بضغوط غير مباشرة، أي بمحاولة اقناع الرأي العام الفلسطيني. من ناحية نظرية يمكن لهذه الجهود أن تشتمل لا على عقوبات فقط بل على حوافز ايضا.
مثلا، تستطيع اسرائيل أن تزن اقتراح تجديد التفاوض السياسي بشرط أن تعترف حماس باسرائيل، وأن تُجيز اتفاقات موجودة، وأن تتخلى عن الارهاب، وتندد به، وأن تحل ما تسميه اسرائيل وخريطة الطريق "البنى التحتية للارهاب"، أي عصاباتها المسلحة وعصابات منظمات فلسطينية اخرى. على رغم أن حماس نفسها قد عارضت معارضة دائمة التفاوض مع اسرائيل، فانها يمكن أن تستجيب لاقتراح كهذا. لكن احتمال ذلك يبدو واهيا لكون حماس تُلح في أنه يمكن وزن نشاطات كهذه اذا ما حصل أصلا، فقط بعد أن تستجيب اسرائيل لقائمة شروط متشددة لحماس. بمقابلة ذلك، هناك احتمال أن يثير اقتراح كهذا لاسرائيل ضغطا عاما يدفع الى اعتدال ما.
هناك امكان آخر قد تزنه اسرائيل هو الالتفاف على حماس واقتراح ادارة تفاوض مباشر مع منظمة التحرير الفلسطينية، التي ما تزال تسودها منظمة فتح والتي هي المحادث الفلسطيني الرسمي في الدورات السابقة من التفاوض. أو أن تقترح اسرائيل تفاوضا مع محمود عباس، الذي ما يزال رسميا المسؤول عن الشؤون الخارجية والأمن في السلطة الفلسطينية بفعل عمله رئيسا منتخبا للسلطة. ولكن حتى اذا وافقت حماس على عدم معارضة اجراء سياسي كهذا، لاسباب مرونة تكتيكية، فان العملية ستخدم غايات اسرائيل فقط اذا ما تم الحصول على اتفاق تقبله اسرائيل وجزء كبير كافٍ من الجمهور الفلسطيني ليضطر حماس الى قبول هذا الاتفاق أو الى اخلاء وسط الحلبة السياسية.
إن دورة اخرى من التفاوض العقيم ستزيد من عمق الاشمئزاز من خصوم حماس، في حين أن حماس لن تُصاب بأذى بل ستقوى في تصميمها العقائدي. وعلى ذلك يميل ميزان التقديرات الى اتجاه استنتاج أنه لا توجد لاسرائيل مصلحة في ادارة تفاوض مع أي جهة فلسطينية ما عدا الممثلة ذات الصلاحية التي هي حماس الآن.
ليس من المفاجيء اذا أن أكثر الاقتراحات لتغيير حماس انحصرت في وسائل ضغط تجعل من الصعب عليها السيطرة، وخاصة القطيعة الدبلوماسية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية. استعملت اسرائيل عوامل قطيعة كهذه من فورها مع العِلم بنتائج الانتخابات للمجلس التشريعي عندما استقر رأيها على تعويق تحويل اموال الضرائب والجمارك التي تجبيها من اجل السلطة وتقييد أو تعويق حركة البضائع من خلال معبر كارني لمدد زمنية.
ابتدأت اسرائيل ايضا تفاوضا لاقناع دول اخرى بالامتناع عن علاقات سياسية ومساعدة مالية للسلطة الفلسطينية التي ترأسها منظمة ارهابية، بحسب تعريف حكومة الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي.
تمت اجراءات كهذه في اطار منطق الضغط غير المباشر. السلطة الفلسطينية متعلقة بمصادر خارجية بنسبة تقرب من نصف موازنتها السنوية، التي تقف عند نحو ثلاثة مليارات دولار، وتبلغ المساعدة الخارجية للفرد الآن الى نحو 500 دولار للعام، أي ما يقرب من نصف الناتج المحلي الخام للفرد في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ربما لا تستجيب حماس نفسها للتعبيرات المالية للمعارضة الاسرائيلية أو الدولية - برغم أن بعض الناطقين عن الحركة قد أصبحوا عبروا عن تفهم الحاجة الى تحسين الصورة السلبية التي علقت بها في العالم - لكن الافتراض هو أن الاقتطاع من المساعدة الخارجية سيفضي الى ألا تستطيع السلطة دفع الرواتب وتقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، وستكون النتيجة شعورا عاما بالمرارة يضطر حماس الى أن تُعرّف نفسها من جديد بمفاهيم تكون أكثر قبولا عند اسرائيل والدول المانحة.
لكن عوائق كثيرة تواجه هذا التوجه. الاول هو أن الأمر غير قابل للتنفيذ. فالجبهة الدبلوماسية الموحدة التي اشترطت كل صلة بقادة حماس بأن تُغير المنظمة طابعها، انحلت حتى قبل أن تتم صياغتها، عندما حصل قادة حماس على دعوات رسمية لزيارة لا الدول الاسلامية فقط مثل ايران وتركيا، بل روسيا وجنوب افريقيا ايضا.
وفيما يتعلق بالمساعدة، أعلنت بعض الدول المانحة، وبخاصة الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، أن اقامة حكومة حماس سيؤثر بالتأكيد في المساعدة الرسمية التي تُقدمها الى السلطة (برغم أن الاتحاد الاوروبي قد أجاز زيادة "طواريء" لـ 140 مليون دولار لحكومة فتح الانتقالية بعد الانتخابات وحول 78 مليونا بعد تعيين المجلس الوزاري الجديد لحماس)، لكنها ستعوض من تقليص المساعدة بدعم أكبر للمنظمات الدولية، والاتحادات، وجهات اخرى تُقدم "مساعدة انسانية" في الضفة الغربية وفي قطاع غزة.
اذا كان هذا شكل الأمور، فان تأثير إنقاص المساعدة الرسمية وزيادة المساعدة غير الرسمية في الاقتصاد الفلسطيني، في نهاية الحساب، يتوقع أن يكون غير طائل. يضاف الى ذلك أنه يوجد احتمال معقول لأن تنجح حماس في الوقت نفسه في الحصول على مساعدة مباشرة كبيرة من مصادر اخرى بالاضافة الى الدول التي منحت حتى الآن - ايران أو منتجات النفط العربية مثل العربية السعودية. وعلى ذلك هناك احتمال ضئيل أن تستطيع اسرائيل، حتى اذا ما واصلت وضع يدها على اموال ضرائب السلطة الفلسطينية، قيادة معركة دولية مجدية للضغط المالي للفلسطينيين، الذي يجبي من حماس نتيجة سياسية مطلوبة.
وثانيا، ربما لا ينجح إرغام اقتصادي في أن يكون قابل للتنفيذ. من المفهوم أن وقف تحويل الاموال ليس وسيلة الضغط الاقتصادي الوحيدة التي تستطيع اسرائيل استعمالها. يوجد على الأقل امكان افتراضي لاستعمال وسائل أكثر التواءا، مثل منع الإمداد بالكهرباء، والماء والوقود. تستطيع اسرائيل نظريا لا أن تتسبب فقط بضائقة اقتصادية أشد في المناطق بل بمعاناة عميقة ومتصلة ايضا. لكن إرغاما كهذا لن يفضي بالضرورة الى "النجاح" بمفهوم ضغط عام لـ "الاستقامة" مع اسرائيل لا تستطيع السلطة الصمود له.
انه قد يفضي بنفس المقدار ايضا الى زيادة الغُلو في الجمهور الفلسطيني أو، الى انهيار تام للنظام العام في مناطق السلطة، وستكون النتيجة فوضى لن تُجدي بالضرورة على تقديم أهداف اسرائيل الأمنية وأهدافها الاخرى. وثالثا (وهو الأهم)، ليس مما يقبله العقل أبدا أن تستطيع اسرائيل تحقيق سياسة كهذه، فضلا عن أن تواصلها لوقت طويل.
والسبب هو، أن المعايير المعمول بها اليوم في النظام الدولي وفي اسرائيل لن تُجيز سلوكا كهذا، وبيقين مع انعدام نشاط ارهابي كثيف من الفلسطينيين نحو اسرائيل. إن المعايير نفسها تُذكر في كل نقاش حول عقوبات اقتصادية، والتعليل الأقوى المضاد للعقوبات هو أنه لا ينبغي التسبب بمعاناة للسكان بسبب أفعال قياداتهم أو اخفاقاتها. يوجد لهذا التعليل قوة كبيرة عندما يكون الحديث عن حكومة لم تُنتخب انتخابا ديمقراطيا وتفرض وجودها وسياستها على السكان الذين لا يؤيدونها بالضرورة، ويفقد هذا التعليل من قوته الاخلاقية عندما تكون الحال حال حكومة - مثل تلك التي ترأسها حماس - اختيرت في انتخابات ديمقراطية وبرنامجها الحزبي معروف واضح للجمهور.
وكذلك ايضا، اذا لم يكن هناك تهديد حقيقي جاد مثل حرب شاملة بقيادة حماس موجهة الى اسرائيل، لن تستطيع اسرائيل أن تُسوغ في نظر مواطنيها وفي نظر العالم سياسة تجويع الفلسطينيين لكي يخضعوا ويضطروا حماس الى الخضوع. حتى في وضع غالٍ كهذا، ستفضي خطورة التهديد بالتأكيد الى عمل مضاد عسكري واسع، لا الى سياسة موجهة من التجويع وتدمير وسائل العيش.
خلافا للرأي السائد في البلاد وفي العالم، الضرورات المتصادمة التي نشأت مع فوز حماس في الانتخابات لم تنشيء واقعا سياسيا جديدا تماما. إن فوز حماس بالسلطة في السلطة الفلسطينية شحذ فقط وزاد من عِظم المعضلة التي تواجهها اسرائيل على الأقل منذ أن فشل التفاوض السياسي واندلعت الانتفاضة الثانية في عام 2000.
لم تستطع اسرائيل في ايام سلطة فتح برئاسة ياسر عرفات ادارة تفاعل مُجدٍ مع الفلسطينيين، ولم تستطع كذلك أن تُغير طرف التحادث الفلسطيني بطرق تُمكّن من تفاعل مُجدٍ، على رغم أنها كررت استخدامها من آن لآخر وسائل إرغام أو عقوبة كتلك التي توزن أو تُطبق الآن على حماس. لم تستطع اسرائيل آنذاك ايضا استعمال وسائل أكثر تشددا بسبب القيود والضرورات الداخلية والدولية على تصرفاتها.
عندما وجدت اسرائيل نفسها بين طرفي المعضلة، استخدمت أكثر فأكثر وسائل من جانب واحد (الانفصال، وجدار الفصل، والتحصن في المواقع) والتي لم تهدف الى إحداث تغييرات في السياسة الفلسطينية بل الى الدفاع عن اسرائيل منها، ولتكن التطورات في السلطة ما كانت. إن انتصار حماس يقيم هذه المعضلة على صورة أكثر حدة وسيصعب على اسرائيل أكثر أن تستعمل الحيلة بين البديلين.
إن الواقع اليومي سيفرض على اسرائيل نشاطا ملتويا غير متصل يشتمل على تنسيق تقني في المستويات الدنيا مع موظفي السلطة الفلسطينية أو السلطات المحلية. ولكن بمفاهيم استراتيجية أوسع، عدم القدرة على الاختيار من بين البدائل المتصادمة، والذي أصبح أكثر حدة مع فوز حماس، يفضي الى استنتاج أن النتيجة الأكثر توقعا لنصر حماس - اذا لم يطرأ تغير غير متوقع على موقف الحركة الأساسي - ستكون أن تواصل اسرائيل الطريقة التي ابتدأت السير فيها، أي، الالتفاف على المعضلة وادارة النزاع بوسائل من جانب واحد.
بقلم: مارك هيلر
مركز يافي للدراسات الإستراتيجية
لهذا لا يهم كثيرا أن خسرت فتح في الانتخابات، لأنها حتى لو كانت انتصرت، لما كانت لديها رغبة أو صلاحية لتجاوز خط التنازلات الذي رُسم في الماضي. ويضاف الى ذلك أن قدرة فتح على إبداء المرونة كانت ستحاصرها حماس القوية التي تشارك مشاركة تامة في المؤسسات السياسية الفلسطينية - وهو سيناريو تكهن به أكثر المحللين. بكلمات اخرى، لم تكن هناك عملية سلام قبل الانتخابات ولم يكن يتوقع أن تكون بعدها. برنامج العمل المتوقع للفترة التي تلت الانتخابات لم ينحصر في صنع السلام بل في ادارة النزاع، ومن هذه الناحية لا يُغير انتصار حماس شيئا.
إن ما يتغير مع فوز حماس بالسلطة هو طابع اللاعب الرائد في الجانب الفلسطيني وصورته، وهو شيء يُبسط في واقع الأمر، وعلى نحو هزلي، تحدي ادارة النزاع. يواجه اسرائيل الآن خصم فلسطيني، خلافا لسلفه - فتح، لا يكشف عن استعداد ما لتليين اللغة التي يصف بها أهدافه النهائية - القضاء على اسرائيل - أو الوسائل التي سيأخذ بها لاحراز الغاية، وفي ضمنها الارهاب.
البديل غير المرغوب فيه الاول الذي يواجه اسرائيل - الاعتراف بامكانية أن تستطيع حماس، على إثر انتصارها الانتخابي، أن تعمل كلاعب شرعي في الساحة الاقليمية والدولية في النزاع الاسرائيلي - الفلسطيني من غير أن تُغير على نحو معلن أهدافها وطرقها المعلنة.
من اجل نفي هذا البديل يجب على اسرائيل أن تضطر حماس الى واحد من اثنين: إما أن تفشل، وتفقد بذلك تأييد الشعب الفلسطيني، وإما أن تتغير (من اجل منع الفشل) وأن تصبح بذلك طرفا في المحادثات تستطيع اسرائيل القبول به كشرعي. بيد أن العمل الأكثر جدوى الذي تستطيع اسرائيل الأخذ به للتسبب لواحدة من هاتين النتيجتين، هو قطع أي علاقة بالسلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حماس، ووقف تحويل أي مساعدة اليها.
إن خطوات كهذه ستجعل من الصعب على حماس أو ربما تمنعها أي امكانية لتحقيق وعودها بتحسين عمل السلطة الفلسطينية، وبخاصة تقديم الأمن العام والرفاهة للسكان. المشكلة هي أنه اذا نجحت اسرائيل بذلك، فان هذا "النجاح" سيصبح عائقا أمامها: لأن اسرائيل ستتهم بأن سياستها قد زادت المعاناة والفقر بين السكان الفلسطينيين. إن هذه النتيجة غير المرغوب فيها هي الطرف الثاني من المعضلة التي يجب أن تواجهها اسرائيل.
هذه المشكلة، في هذا المقام، تربض عند مدخل حكومات اخرى أعلنت عن حماس كمنظمة ارهابية ولهذا دُفع مراقبون اجانب، من الفور بعد الانتخابات في السلطة الفلسطينية، الى أن يأملوا أن تحل حماس نفسها هذه المشكلة عندهم بزيادة اعتدالها عن رغبة منها. هذا الأمل أُدرج في نظرية فحواها أن الواقع السلطوي يفرض على الحركات السياسية أن تتصرف بمسؤولية حتى لو كانت ذات ايديولوجية متشددة جذورها عميقة.
لا يجب أن نُخرج من نطاق الامكان تطورا كهذا في حالة حماس ايضا، كما تشير تصريحات ما لناطقين حاولوا بعد الانتصار في الانتخابات أن يصوغوا لمنظمتهم صورة أقل تهديدا. من جهة ثانية، ليس تطور كهذا غير ممتنع بالضرورة، كما يدل تاريخ الثورة الايرانية، والنظام الاسلامي في السودان ونظام طالبان في افغانستان.
حتى لو تم تغير الصورة المفروض هذا، فسيمر وقت طويل الى أن يكون في الامكان تعرُّف تغير حقيقي في الادراك. الى أن تنضج عملية كهذه، لن تريد اسرائيل ولن تستطيع الأخذ بسياسة "اجلس ولا تفعل". مع عدم وجود دلائل على كون العكس صحيحا، فان فرض عمل موجهي اسرائيل سيكون، في شبه اليقين، أن السلطة الفلسطينية بقيادة حماس لن تُغير نفسها في المستقبل المنظور من غير أن تتغير الظروف التي تدفعها وتحفزها على التغير، تغيرا جديا.
ولما كان لاسرائيل قدرة محدودة على إرغام حماس على التغير تغيرا مباشرا، فانها قد تحاول التسبب لتغييرات في طابعها بضغوط غير مباشرة، أي بمحاولة اقناع الرأي العام الفلسطيني. من ناحية نظرية يمكن لهذه الجهود أن تشتمل لا على عقوبات فقط بل على حوافز ايضا.
مثلا، تستطيع اسرائيل أن تزن اقتراح تجديد التفاوض السياسي بشرط أن تعترف حماس باسرائيل، وأن تُجيز اتفاقات موجودة، وأن تتخلى عن الارهاب، وتندد به، وأن تحل ما تسميه اسرائيل وخريطة الطريق "البنى التحتية للارهاب"، أي عصاباتها المسلحة وعصابات منظمات فلسطينية اخرى. على رغم أن حماس نفسها قد عارضت معارضة دائمة التفاوض مع اسرائيل، فانها يمكن أن تستجيب لاقتراح كهذا. لكن احتمال ذلك يبدو واهيا لكون حماس تُلح في أنه يمكن وزن نشاطات كهذه اذا ما حصل أصلا، فقط بعد أن تستجيب اسرائيل لقائمة شروط متشددة لحماس. بمقابلة ذلك، هناك احتمال أن يثير اقتراح كهذا لاسرائيل ضغطا عاما يدفع الى اعتدال ما.
هناك امكان آخر قد تزنه اسرائيل هو الالتفاف على حماس واقتراح ادارة تفاوض مباشر مع منظمة التحرير الفلسطينية، التي ما تزال تسودها منظمة فتح والتي هي المحادث الفلسطيني الرسمي في الدورات السابقة من التفاوض. أو أن تقترح اسرائيل تفاوضا مع محمود عباس، الذي ما يزال رسميا المسؤول عن الشؤون الخارجية والأمن في السلطة الفلسطينية بفعل عمله رئيسا منتخبا للسلطة. ولكن حتى اذا وافقت حماس على عدم معارضة اجراء سياسي كهذا، لاسباب مرونة تكتيكية، فان العملية ستخدم غايات اسرائيل فقط اذا ما تم الحصول على اتفاق تقبله اسرائيل وجزء كبير كافٍ من الجمهور الفلسطيني ليضطر حماس الى قبول هذا الاتفاق أو الى اخلاء وسط الحلبة السياسية.
إن دورة اخرى من التفاوض العقيم ستزيد من عمق الاشمئزاز من خصوم حماس، في حين أن حماس لن تُصاب بأذى بل ستقوى في تصميمها العقائدي. وعلى ذلك يميل ميزان التقديرات الى اتجاه استنتاج أنه لا توجد لاسرائيل مصلحة في ادارة تفاوض مع أي جهة فلسطينية ما عدا الممثلة ذات الصلاحية التي هي حماس الآن.
ليس من المفاجيء اذا أن أكثر الاقتراحات لتغيير حماس انحصرت في وسائل ضغط تجعل من الصعب عليها السيطرة، وخاصة القطيعة الدبلوماسية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية. استعملت اسرائيل عوامل قطيعة كهذه من فورها مع العِلم بنتائج الانتخابات للمجلس التشريعي عندما استقر رأيها على تعويق تحويل اموال الضرائب والجمارك التي تجبيها من اجل السلطة وتقييد أو تعويق حركة البضائع من خلال معبر كارني لمدد زمنية.
ابتدأت اسرائيل ايضا تفاوضا لاقناع دول اخرى بالامتناع عن علاقات سياسية ومساعدة مالية للسلطة الفلسطينية التي ترأسها منظمة ارهابية، بحسب تعريف حكومة الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي.
تمت اجراءات كهذه في اطار منطق الضغط غير المباشر. السلطة الفلسطينية متعلقة بمصادر خارجية بنسبة تقرب من نصف موازنتها السنوية، التي تقف عند نحو ثلاثة مليارات دولار، وتبلغ المساعدة الخارجية للفرد الآن الى نحو 500 دولار للعام، أي ما يقرب من نصف الناتج المحلي الخام للفرد في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ربما لا تستجيب حماس نفسها للتعبيرات المالية للمعارضة الاسرائيلية أو الدولية - برغم أن بعض الناطقين عن الحركة قد أصبحوا عبروا عن تفهم الحاجة الى تحسين الصورة السلبية التي علقت بها في العالم - لكن الافتراض هو أن الاقتطاع من المساعدة الخارجية سيفضي الى ألا تستطيع السلطة دفع الرواتب وتقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، وستكون النتيجة شعورا عاما بالمرارة يضطر حماس الى أن تُعرّف نفسها من جديد بمفاهيم تكون أكثر قبولا عند اسرائيل والدول المانحة.
لكن عوائق كثيرة تواجه هذا التوجه. الاول هو أن الأمر غير قابل للتنفيذ. فالجبهة الدبلوماسية الموحدة التي اشترطت كل صلة بقادة حماس بأن تُغير المنظمة طابعها، انحلت حتى قبل أن تتم صياغتها، عندما حصل قادة حماس على دعوات رسمية لزيارة لا الدول الاسلامية فقط مثل ايران وتركيا، بل روسيا وجنوب افريقيا ايضا.
وفيما يتعلق بالمساعدة، أعلنت بعض الدول المانحة، وبخاصة الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، أن اقامة حكومة حماس سيؤثر بالتأكيد في المساعدة الرسمية التي تُقدمها الى السلطة (برغم أن الاتحاد الاوروبي قد أجاز زيادة "طواريء" لـ 140 مليون دولار لحكومة فتح الانتقالية بعد الانتخابات وحول 78 مليونا بعد تعيين المجلس الوزاري الجديد لحماس)، لكنها ستعوض من تقليص المساعدة بدعم أكبر للمنظمات الدولية، والاتحادات، وجهات اخرى تُقدم "مساعدة انسانية" في الضفة الغربية وفي قطاع غزة.
اذا كان هذا شكل الأمور، فان تأثير إنقاص المساعدة الرسمية وزيادة المساعدة غير الرسمية في الاقتصاد الفلسطيني، في نهاية الحساب، يتوقع أن يكون غير طائل. يضاف الى ذلك أنه يوجد احتمال معقول لأن تنجح حماس في الوقت نفسه في الحصول على مساعدة مباشرة كبيرة من مصادر اخرى بالاضافة الى الدول التي منحت حتى الآن - ايران أو منتجات النفط العربية مثل العربية السعودية. وعلى ذلك هناك احتمال ضئيل أن تستطيع اسرائيل، حتى اذا ما واصلت وضع يدها على اموال ضرائب السلطة الفلسطينية، قيادة معركة دولية مجدية للضغط المالي للفلسطينيين، الذي يجبي من حماس نتيجة سياسية مطلوبة.
وثانيا، ربما لا ينجح إرغام اقتصادي في أن يكون قابل للتنفيذ. من المفهوم أن وقف تحويل الاموال ليس وسيلة الضغط الاقتصادي الوحيدة التي تستطيع اسرائيل استعمالها. يوجد على الأقل امكان افتراضي لاستعمال وسائل أكثر التواءا، مثل منع الإمداد بالكهرباء، والماء والوقود. تستطيع اسرائيل نظريا لا أن تتسبب فقط بضائقة اقتصادية أشد في المناطق بل بمعاناة عميقة ومتصلة ايضا. لكن إرغاما كهذا لن يفضي بالضرورة الى "النجاح" بمفهوم ضغط عام لـ "الاستقامة" مع اسرائيل لا تستطيع السلطة الصمود له.
انه قد يفضي بنفس المقدار ايضا الى زيادة الغُلو في الجمهور الفلسطيني أو، الى انهيار تام للنظام العام في مناطق السلطة، وستكون النتيجة فوضى لن تُجدي بالضرورة على تقديم أهداف اسرائيل الأمنية وأهدافها الاخرى. وثالثا (وهو الأهم)، ليس مما يقبله العقل أبدا أن تستطيع اسرائيل تحقيق سياسة كهذه، فضلا عن أن تواصلها لوقت طويل.
والسبب هو، أن المعايير المعمول بها اليوم في النظام الدولي وفي اسرائيل لن تُجيز سلوكا كهذا، وبيقين مع انعدام نشاط ارهابي كثيف من الفلسطينيين نحو اسرائيل. إن المعايير نفسها تُذكر في كل نقاش حول عقوبات اقتصادية، والتعليل الأقوى المضاد للعقوبات هو أنه لا ينبغي التسبب بمعاناة للسكان بسبب أفعال قياداتهم أو اخفاقاتها. يوجد لهذا التعليل قوة كبيرة عندما يكون الحديث عن حكومة لم تُنتخب انتخابا ديمقراطيا وتفرض وجودها وسياستها على السكان الذين لا يؤيدونها بالضرورة، ويفقد هذا التعليل من قوته الاخلاقية عندما تكون الحال حال حكومة - مثل تلك التي ترأسها حماس - اختيرت في انتخابات ديمقراطية وبرنامجها الحزبي معروف واضح للجمهور.
وكذلك ايضا، اذا لم يكن هناك تهديد حقيقي جاد مثل حرب شاملة بقيادة حماس موجهة الى اسرائيل، لن تستطيع اسرائيل أن تُسوغ في نظر مواطنيها وفي نظر العالم سياسة تجويع الفلسطينيين لكي يخضعوا ويضطروا حماس الى الخضوع. حتى في وضع غالٍ كهذا، ستفضي خطورة التهديد بالتأكيد الى عمل مضاد عسكري واسع، لا الى سياسة موجهة من التجويع وتدمير وسائل العيش.
خلافا للرأي السائد في البلاد وفي العالم، الضرورات المتصادمة التي نشأت مع فوز حماس في الانتخابات لم تنشيء واقعا سياسيا جديدا تماما. إن فوز حماس بالسلطة في السلطة الفلسطينية شحذ فقط وزاد من عِظم المعضلة التي تواجهها اسرائيل على الأقل منذ أن فشل التفاوض السياسي واندلعت الانتفاضة الثانية في عام 2000.
لم تستطع اسرائيل في ايام سلطة فتح برئاسة ياسر عرفات ادارة تفاعل مُجدٍ مع الفلسطينيين، ولم تستطع كذلك أن تُغير طرف التحادث الفلسطيني بطرق تُمكّن من تفاعل مُجدٍ، على رغم أنها كررت استخدامها من آن لآخر وسائل إرغام أو عقوبة كتلك التي توزن أو تُطبق الآن على حماس. لم تستطع اسرائيل آنذاك ايضا استعمال وسائل أكثر تشددا بسبب القيود والضرورات الداخلية والدولية على تصرفاتها.
عندما وجدت اسرائيل نفسها بين طرفي المعضلة، استخدمت أكثر فأكثر وسائل من جانب واحد (الانفصال، وجدار الفصل، والتحصن في المواقع) والتي لم تهدف الى إحداث تغييرات في السياسة الفلسطينية بل الى الدفاع عن اسرائيل منها، ولتكن التطورات في السلطة ما كانت. إن انتصار حماس يقيم هذه المعضلة على صورة أكثر حدة وسيصعب على اسرائيل أكثر أن تستعمل الحيلة بين البديلين.
إن الواقع اليومي سيفرض على اسرائيل نشاطا ملتويا غير متصل يشتمل على تنسيق تقني في المستويات الدنيا مع موظفي السلطة الفلسطينية أو السلطات المحلية. ولكن بمفاهيم استراتيجية أوسع، عدم القدرة على الاختيار من بين البدائل المتصادمة، والذي أصبح أكثر حدة مع فوز حماس، يفضي الى استنتاج أن النتيجة الأكثر توقعا لنصر حماس - اذا لم يطرأ تغير غير متوقع على موقف الحركة الأساسي - ستكون أن تواصل اسرائيل الطريقة التي ابتدأت السير فيها، أي، الالتفاف على المعضلة وادارة النزاع بوسائل من جانب واحد.
بقلم: مارك هيلر
مركز يافي للدراسات الإستراتيجية

التعليقات