مغارات وكهوف محاطة وسياج من الألغام المتقدمة في تورا بورا سيناء تأوي رجال بن لادن

مغارات وكهوف محاطة وسياج من الألغام المتقدمة في تورا بورا سيناء تأوي رجال بن لادن
غزة-دنيا الوطن

عاد جبل الحلال الذي يقع بوسط سيناء قريبا من مدينة الحسنة ويبعد نحو 60 كم إلى الجنوب من العريش إلى دائرة الضوء عقب التفجيرات الأخيرة التي استهدفت ساحل دهب على البحر الأحمر في جنوب سيناء، ثم التفجيرين الانتحاريين اللذين استهدفا القوات متعددة الجنسيات في منطقة الجورة بشمال سيناء.

كان الحديث عن هذه المنطقة الجبلية الوعرة قد اختفى منذ اغسطس/آب العام الماضي 2005 عندما أوقفت القوات الأمنية المصرية تقدمها لمطاردة الارهابيين المتحصنين فوق قمة الجبل والكهوف والمغارات التي يصعب اختراقها ومعرفة مسالكها إلا للبدو من أهالي المنطقة.

هذه القوات فوجئت في ذلك الوقت بأن المنطقة التي تتحصن فيها المجموعات المسلحة محاطة بالغام متقدمة زرعت بطريقة احترافية ويستحيل تفكيكها دون حدوث خسائر في القوات المهاجمة، وقد فقد الأمن المصري عندما حاول ذلك ضابطين كبيرين وهما لواء الشرطة محمود عادل والمقدم عمرو عبد المنعم واصيب عشرون بينهم 11 ضابطا وجنديا والباقي من البدو الذين كانوا يرافقون تلك القوات لارشادها إلى تلك الدروب والمسالك.

تحالف تجار سلاح ومخدرات وسلفيين جهاديين

ويعتقد خبراء أمنيون مصريون أن جبل الحلال أشد صعوبة من جبال "تورا بورا" الأفغانية، وانه بالفعل بمثابة "تورا بورا" سيناوية حيث يلتقي فيه المطاريد الفارون من أحكام قضائية واعتقالات، وتجار السلاح والمخدرات، ومهربو الداعرات الروسيات لاسرائيل والسلفيون الجهاديون، والذين تشير بعض المعلومات الأولية إلى أنهم يشكلون تنظيما قويا عابرا للحدود مرتبط بفكر القاعدة، متخذا وجودا قويا له في قطاع غزة.

يبعد جبل الحلال عن الحدود الاسرائيلية 200 كم و يبلغ ارتفاعه 1800 كم بعمق 60 كم ومحيط 140 كم وتعتبر صخوره وكهوفه شديدة الصعوبة على أي غريب عن المنطقة، ولا يعرف مسالكها ودروبها إلا بعض البدو.

الأمن المصري استطاع بعد تفجيرات طابا وشرم الشيخ وهجوم الجورة في اغسطس/آب الماضي، رصد سيارة أثناء خروجها من المنطقة المحاصرة وتم تبادل اطلاق النار معها، واسفرت تلك المعركة عن مقتل احد عناصر المجموعة التي دبرت ونفذت تفجيرات شرم الشيخ وهما طبيب الأسنان د.خالد مساعد سالم، وطلب مرتضى سليمان، والقبض على يونس محمد عليان الذي أدلى باعترافات مذهلة للأجهزة الامنية عن طبيعة جبل الحلال وايوائها لمجموعات مسلحة قوية وحجم الالغام الموجودة فيها.

وقد عثر في السيارة على كاميرا فيديو بها أحاديث صوتية ومشاهد لمنفذي تفجيرات شرم، والاعتداء على الجورة في 15 أغسطس من العام الماضي.

حوالي 4 آلاف ضابط وجندي وخبير متفجرات مزودين بامكانيات فنية هائلة وتساعدهم طائرات مروحية وآليات وسيارات مدرعة وجيب، فشلوا في العام الماضي في ملاحقة العناصر المسلحة اللاجئة بالجبل والذين تعتقد أجهزة الامن أنهم يجدون مساعدة لوجستية من بعض البدو في شمال سيناء.

ويشكل جبل الحلال امتدادا لكهوف ومدقات أخرى فوق قمم جبال حسنة والقسيمة وصدر الحيطان والجفجافة والجدي. وتشير بعض المصادر إلى تحصن العناصر المسلحة فيها، لتميزها بعمق استراتيجي يساعدهم على الاختفاء يمتد الى عشرات الكيلو مترات.

أسلحة حديثة والغام غير موجودة في مصر

حسن العرايشي الذي ضبطته أجهزة الأمن في حادث الجورة العام الماضي أدلى بمعلومات أخرى مهمة عن جبل الحلال الذي تشرف قمته على طريق اسفلتي وحيد يربط المنطقة بمدينة العريش وبالتالي فان الأهداف التي تمر بهذا الطريق تصبح مكشوفة وأهداف سهلة للعناصر المسلحة فوق قمة الجبل.

وتتوفر تلك العناصر على أسلحة حديثة والغام قيل انها من نفس النوعية التي استخدمت في تفجيرات شرم الشيخ، وهي من نوعيات حديثة جدا غير متوفرة في مصر، ويعتقد أنه تم ادخالها عبر الحدود، وانه يمكن تسييلها وتعبئتها في اسطوانات غاز، كما حدث في الاسطوانات التي تم تفجيرها في حادث الجورة العام الماضي.

الأجهزة الامنية المصرية التي أوقفت الزحف الى عمق جبل الحلال وتوقفت عند سفح الجبل بمنطقة المدعوكة، تعللت بحاجتها لبعض الوقت للوصول إلى حل للألغام الكثيفة التي زرع بها محبط الجبل الذي كان يتحصن به أساسا سالم خضر أبو شنوب وهو مجرم متهم بحوادث سرقة بالاكراه وعليه أحكام قضائية 25 عاما ويعرف بين أوساط بدو شمال ووسط سيناء بلقب "شيطان الجبل".

الدعم اللوجستي للمتحصنين في جبل الحلال

وقد أثيرت علامات استفهام بشأن الدعم اللوجستي الذي يحصل عليه الفارون في جبل الحلال رغم حصارهم من الأمن، فالتحريات أشارت إلى ان بعض ابناء القبائل يمدونهم بالمعلومات بوسائل غير معروفة عن تقدم قوات الأمن واماكن تمركزها، كذلك يستخدمون شاحنات صغيرة في الهروب والتنقل في الجبال الوعرة، بعد أن نجحوا في زراعة محيطها كله بالالغام التي دمرت خلال محاولة الاقتحام الامني ثلاثة مدرعات على الأقل حيث اصيب الملازم أول أحمد فاروق وأمينا الشرطة السيد حسن محمد ومحمد عبد السميع شاهين وأحد الأشخاص المدنيين ويدعى محمد عيد التيهي.

المعلومات كانت تؤكد أن شيطان الجبل يأوي تلك العناصر المسلحة، وأنه تحول إلى طبعة مصرية للملا عمر، حيث لاذ بحمايته التنظيم السلفي من معتنقي فكر القاعدة، الذي يقوم أفراده بالعمليات الانتحارية في المنطقة.

القوات المهاجمة اوقفت عمليتها تماما بعد تعرضها لبعض الهجمات، ومنها قيام شاحنة حمراء من نوع تويوتا باطلاق النار على الرائد أحمد عليان وعدد من الجنود، وقد اهتمت التحقيقات الأمنية حينئذ بكيفية اختراق الشاحنة للطوق الأمني الذي كان مفروضا على المنطقة.

ورغم ان سرية أمنية مدعومة بكاسحات للألغام استطاعت العثور على 15 لغما أرضيا تحصن وراءها المسلحون، إلا انها وجدت أن المهمة صعبة للغاية وتحتاج إلى عملية عسكرية كبيرة لانجازها لا تستطيع ان تقوم بها الشرطة، وهذا في حد ذاته يحتاج إلى اجراءات سياسية نتيجة القيود التي تضعها اتفاقية كامب ديفيد بشأن الوجود العسكري المصري في مثل تلك المناطق المتقدمة في شبه جزيرة سيناء والقريبة من الحدود الاسرائيلية وقطاع غزة.

جدير بالذكر أن الجزء الذي نجحت القوات الأمنية في اقتحامه من جبل الحلال بعد تطهير منطقتي الجميزة والمدعوكة من الألغام عثر فيه على خنادق ومخابئ تركها الهاربون للتو لاجئين إلى عمق الجبل.

ألغام تعبأ في اسطوانات غاز

وجاء في تقرير المعمل الجنائي بشأن مدرعات القوات المهاجمة التي انفجرت عند محاولة اقتحام جبل الحلال أن نوعية المتفجرات هي نفسها التي استخدمت في تفجيرات طابا وشرم الشيخ والجورة، وهي شديدة الانفجار وحديثة ولا توجد في مصر ويمكن صهرها إلى درجات حرارة عالية بدون أن تشتعل، مما يسهل استخدامها في صنع اجسام مفخخة، كما يمكن أيضا تعبئتها داخل أسطوانات عن طريق فتحات صغيرة الحجم .

ويذكر جبل الحلال وايواؤه للمجرمين والارهابيين بجبل المطاريد في الصعيد في الستينيات والذي كان يأوي الفارين من العدالة وشكل خطورة كبيرة على الأمن المصري، وكان يتزعمه مجرم لا يزال مادة للأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية حتى الآن ويسمى بخط الصعيد.

وكان هذا الجبل صداعا في رأس اسرائيل اثناء احتلالها لسيناء، وقد استعصى عليها تماما حيث لاذ بها الفدائيون الذين كانوا ينتسبون لمنظمات سيناوية ويقومون بهجمات مباغتة على قوات الاحتلال.

قبل وصول هذه العناصر السلفية المسلحة كان جبل الحلال مجرد مأوى للمطاريد، وحاول اللواء أحمد عبد الحميد محافظ شمال سيناء واللواء علاء عبد اللطيف مدير أمن شمال سيناء السابق الوصول الى حل معهم وعقدوا معهم بالفعل اجتماعا في منطقة وادي العمر عرضوا فيه مشاكلهم.

قبائل شمال ووسط سيناء .. فقر وتهميش وتمييز

القبائل البدوية في هذه شمال سيناء ووسطها معظمهم من أصول فلسطينية هجرت من صحراء النقب عام 1948 و هؤلاء البدو يشكون من التهميش والفقر الشديد وعدم اهتمام الحكومة بهم حيث ان الاستثمارات السياحية وجهت كلها لمناطق جنوب سيناء، واستمر القمع الأمني وتجاهل عاداتهم وتقاليدهم، بسبب اتهامهم بالقبام بتجارة المخدرات وتهريب السائحين لاسرائيل وتجارة السلاح، وقد هاجرت بسبب هذه الممارسات قبيلة كاملة اسمها العزازنة الى اسرائيل، وهاجر عدد كبير منهم الى وادي النيل بسبب عدم توفر فرص عمل لهم وكذلك عدم توفر المياه.

كما تجاهلت الدولة حقدهم الطبقي على بدو جنوب سيناء الذي استفادوا من ازدهار منطقتهم الاقتصادي ويتركزون في دهب ونويبع وسانت كاترين تحت تحالف قبلي يسمى "الطوارة" وفي اطار هذا الحقد الطبقي يمكن الحصول على تفسير جديد لعملية تفجيرات دهب واحتمال تورط بعض العناصر الفارة من بدو شمال ووسط سيناء فيها.

المستوى التعليمي متأخر جدا في تلك المناطق ولا يتجاوز في معظمه المرحلة الابتدائية، وبالتالي هناك تسريب مبكر للشباب جعله في ظل البطالة ينخرط في المخدرات والجريمة وسهولة تجنيد التنظيمات الارهابية له، ويلجأ بعض الشباب أيضا الى الجبل بعد تحرير محاضر عشوائية ضدهم بالتجارة في المخدرات لأنهم يوقنون أنه حتى لو برأتهم الأحكام القضائية، فان الامن سيقوم بالاعتقال الاحترازي عملا بقانون الطوارئ، ويالتالي يلجأ هؤلاء الشباب الى جبل الحلال ليكونوا اضافة مهمة الى المتحصنين داخله.

الصحف المصرية كانت قد كتبت تقارير عن المصاعب التي يعيشها سكان المنطقة الذين طالبوا بالتنمية وخلق فرص عمل ورفع الظلم عنهم بعد أن وجهت للكثيرين منهم تهم ملفقة وأخذوا أحكاما بالبراءة فعلا لكنهم يخشون من الاعتقال، وأغلبهم من بدو منطقة وسط سيناء التي تقع على مساحة 45 ألف كيلو مترا.

وقد ربطت الصحف الاسرائيلية في تعليقاتها 25/4/2006 بين غزة وسيناء في التفجيرات التي شهدتها قرية دهب، فجاء عنوان يديعوت احرونوت "المشتبه فيهم الفوريون: مؤيدو القاعدة.. صلة الارهاب بين غزة وسيناء" وقالت في تعليقها ان العلاقة بين نشطاء "الارهاب" في سيناء وفي غزة تسندها سهولة التنقل بين شبه الجزيرة والقطاع منذ الانسحاب الاسرائيلي، وذكرت معاريف ان القاعدة أصبحت أقرب من أي وقت مضى، وأشارت هآرتس إلى ان القاعدة هي المسؤولة عن التفجيرات.

التعليقات