حزب التحرير فرع العراق يصدر بيانا حول مؤتمر القدس - طهران
بسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
كتـاب مفتـوح
إلى مؤتمر القدس ـ طهران
(المنعقد في 17 من ربيع الأول 1427هـ - 15/04/2006)
الإخوة الكرام:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الكتاب هو كلمة حق، بإذن الله، نوجهها إليكم لإنارة الطريق للعاملين، الصادقين المخلصين، للأرض الطبية المباركة، فلسطين، وبخاصة وأن مؤتمركم ينعقد مع عبق الذكرى العظيمة، العزيزة على قلب كل مسلم، ذكرى حدث عظيم أخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، الذي تجتمعون تحت اسم مسراه ومعراجه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة الكرام:
كنا نحب أن ينعقد المؤتمر باسم فلسطين، كل فلسطين وليس فقط باسم القدس، حتى لا يكون الاسم مدخلاً إلى الذين في قلوبهم مرض، فيجعلون الأمر يتعلق بالقدس وحسب، ويسكتون عن باقي فلسطين. صحيح إن القدس أبرز موضع في فلسطين، ويجوز في اللغة إطلاق الجزء ويراد الكل، ولكننا نحب دوماً أن نسد كل ثغرة يمكن أن تكون مدخلاً للمكر السيئ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّـيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ .
وعليه فإننا نوجه كتابنا هذا إلى مؤتمركم باعتباره مؤتمراً لفلسطين، كل فلسطين، وأن القدس قلبها النابض، لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه عند كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ويشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
إننا، أيها الإخوة، ندرك أن فلسطين، وقلبها النابض القدس، لا يعيدها مؤتمر يصرخ خطباؤه في جنباته بأعلى صوتهم شوقاً لفلسطين، فهذا لن يعيد شبراً منها ذا سيادة وسلطان، وإنما تحتاج إلى صيحة خليفة رشد وعدل، يُقاتَل من ورائه ويُتَّقى به، يستنفر بصيحة الحق التي يطلقها جيوشَ الإسلام للزحف إلى فلسطين، فيصل أسماعَ كيان يهود صليلُ السيوف، قبل أن تصلهم أصوات الحروف.
ومع ذلك فقد قررّنا إرسال هذا الكتاب لكم لعل كلماته تكون لكم بصائر، فتدفعكم إلى التماس السبيل الحق نحو إزالة كيان يهود، وإعادة فلسطين كاملة إلى ديار الإسلام.
الإخوة الكرام:
لقد بدأت فلسطين درةً في تاريخ المسلمين منذ أن ربطها الله سبحانه مع بيته الحرام برباط واحد عندما أسرى برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ . فجعلها أرضاً طيبةً مباركةً. وقد شد قلوب المسلمين إلى حاضرة فلسطين (بيت المقدس) بأن جعلها قبلتهم الأولى قبل أن يولي الله المسلمين قبلتهم الثانية (الكعبة المشرفة) بعد الهجرة بستة عشر شهراً. كان ذلك قبل أن تصبح فلسطين تحت سلطان الإسلام عندما فتحها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 15 للهجرة، وتسلمها من سفرونيوس وأعطاه عهدته المشهورة (العهدة العمرية) التي كان من نصوصها، بناءًَ على طلب النصارى فيها، (أن لا يساكنهم فيها يهود).
لقد كانت فلسطين درةً في تاريخ المسلمين قبل أن تفتح وبعد أن فتحت، فكانت مركز الثقل في بلاد المسلمين، كلما اعتدى عليها معتدٍ تحطَّم فيها مهما طال عدوانه. كانت مقبرةً للصليبيين، والتتار، وستكون لأعداء الله يهود كذلك بإذن الله. فيها كانت معارك فاصلة مع الصليبيين والتتار: حطين (583 هـ ـ 1187م)، وعين جالوت (658 هـ ـ 1260م)، وستتبعها بإذن الله معارك فاصلة أخرى مع يهود لإعادة فلسطين خالصةً نقيةً إلى ديار الإسلام.
لقد بدأت قضية فلسطين تتحرك دولياً في العصر الحديث منذ عهد الخليفة العثماني عبد الحميد، حيث سعى دهاقنة يهود بالتعاون مع دول الكفر آنذاك، وبخاصة بريطانيا إلى أن يجدوا لهم موطئاً في فلسطين، وحاولوا أن يستغلوا الأزمة المالية في دولة الخلافة العثمانية، فعرض هرتزل كبير يهود آنذاك في 1901 م دفع أموالٍ لخزينة الدولة مقابل ذلك، فرفض الخليفة عبد الحميد مقابلته، وكانت كلمة الخليفة المشهورة للصدر الأعظم لينقلها لهرتزل جواباً لعرضه: «انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطواتٍ جديةً في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين... فهي ليست ملك يميني... بل ملك الأمة الإسلامية... لقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه... فليحتفظ اليهود بملايينهم... وإذا مزّقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن. أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة». وقد صدق توقعه، رحمه الله، فبعد أن قُضي على الخلافة في 28 رجب 1342هـ الموافق للثالث من آذار 1924م، جاء من الحكام العملاء في بلاد المسلمين من نفذ أوامر الكفار المستعمرين بتمكين اليهود من احتلال فلسطين، بل والهيمنة على غير فلسطين.
أيها الإخوة:
لقد كانت هذه البذرة الفاسدة المفسدة هي أول خطوة قام بها الكفار المستعمرون وبخاصة أميركا ويهود، بالتعاون مع الحكام في بلاد المسلمين، وبخاصة المحيطون بفلسطين، أقول كانت هذه هي الخطوة الأولى: اغتصاب معظم فلسطين وإقامة كيان لليهود فيها.
هذه كانت الخطوة الأولى من الخطر الفظيع الذي حل بفلسطين، الأرض الطيبة المباركة.
ولقد كانت الخطوات اللاحقة هي كذلك خطراً وأي خطر بل أشد خطراً، وهي العمل على اعتراف المسلمين، وبخاصة العرب، وعلى الأخص الأخص أهل فلسطين أنفسهم، ليستقر كيان يهود في فلسطين بأمنٍ وأمان.
لقد تعلم الكفار المستعمرون درساً لم ينسوه من الحروب الصليبية، فعلموا أن أوروبا بقَضِّها وقضيضها غزت قلب بلاد المسلمين، فلسطين، في عدوان كبير أعدت له ممالكها وشعوبها وجموعهم حول شعار الصليب، واحتلوا أجزاء كبيرة من بلاد الشام، لكنهم لم يستقر لهم قرار، ولم يعترف بهم أهل البلاد، واستمر قتالهم سنين طوالاً ناهزت المئتين، ثم اقتلعوهم من جذورهم وردوهم بخزي وخيبة، مكلَّلين بالعار والشنار، دون أن يستقر لهم في فلسطين قرار. لقد علم الكفار من ذلك أن الاحتلال لبلاد المسلمين، إن بقي جسماً غريباً لا يعترف به أهل المنطقة، فإن هذا الاحتلال سيزول ويزال مهما طال الزمن واستطال، فإن الصليبيين قُلعوا من فلسطين وطُردوا شر طردة بعد قرنين، أي بعد أجيال وأجيال!! هذا الدرس تعلَّمه الكفار المستعمرون، وتعلَّمه يهود، فعلموا أن احتلال بلاد المسلمين بالقوة لن يوفر للمحتلين لا أمناً ولا أماناً ولا طمأنينة ولا استقراراً، وخلصوا من ذلك إلى أن المهم ليس أن يغتصبوا أرضاً للمسلمين بل أن يستقروا فيها، والطريق لاستقرارهم هو أن تهضمهم المنطقة وأن يعترف بهذا الاغتصاب أهل المنطقة.
ومن هنا جاءت الخطوات اللاحقة، وكانت أولاها اتفاقات الهدنة في 1949م، وهي كانت بمثابة الاعتراف بالكيان المغتصب لفلسطين، لأن عقد اتفاقية معه يعني الاعتراف به ضمناً. ثم تتالت الخطوات بعدها بالاجتماعات السرية وشبة السرية بين الحكام، ودولة يهود، إلى أن وصل الحكام إلى أن ينشئوا منظمة التحرير الفلسطينية ليجعلوها هي تتولى مهمة الاعتراف بكيان يهود في فلسطين وليس هم وحدهم.
وبدأ السير حثيثاً بحروب فجائية أو صناعية أو تحريكية، يتبع كلَّ واحدة تنازلاتٌ هي أسوأ من أختها، وكانوا كل مرة ينهزمون أمام يهود، تارة بسبب غفلتهم وعميق سكرتهم، وتارة بتآمرهم وفظيع خيانتهم، وهكذا كانت حروب 1956، 1967، 1973، 1982 فأعطوا كيان يهود حجماً أكبر من حجمه، وجعلوه يتغنى ويقول (هزمنا سبع جيوش في حرب الاستقلال! في 48، وهزمنا جيوشاً ستة في ستة أيام بل في ست ساعات، ورابطنا في قمم الجولان والكيلو 101 على طريق القاهرة السويس بعد هزيمة أقوى جيشين من جيوش العرب، ودخلنا عمق بيروت وشرَّدنا المنظمة،...). وهكذا تغنَّى كيان يهود بانتصاراته، وهي ليست انتصارات بقدر ما هي دعم من الكفار المستعمرين، وخيانات من الحكام في بلاد المسلمين، وإلا فاليهود لا يقوون على القتال بحق، فهم كما وصفهم الله سبحانه وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ وما داموا في هذه الحروب لم يولوا الأدبار، فإذن هو ليس قتالاً بحق من الحكام معهم بل هو تآمر وفرار أمامهم.
وكانت كل حرب تخلِّف وراءها تنازلاً: على أثر 1956م أصبح قطاع غزة تحت احتلال يهود، وبعد 1967 كان قرار 242 وهو أول الاعتراف الرسمي بكيان يهود في فلسطين 1948م حيث أصبحت القضية هي الاحتلال 1967 وصار هذا معلناً من الحكام دون خفاء. ثم بعد 1973م أضيفت قرارات أدهى وأمر 338، 339 وقد رُكِّز فيهما نهائياً دون لف أو دوران أن (إسرائيل) دولة في فلسطين، وأن أقصى ما يريده العرب أن تنسحب من أراضٍ احتلتها في 1967،ويعيشون معها بأمان وسلام، وبعد 1982م كانت وثيقة ماكلوسكي مع رئيس المنظمة، واعترفت فيها المنظمة علناً بقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين والتي تنص صراحةً على دولة (إسرائيل).
ثم بدأ الاعتراف بكيان يهود باتفاقات علنية ثنائية وليس بغطاء الأمم المتحدة التي كانوا يضللون الناس بها ويقولون إن تلك القرارات هي دولية من الأمم المتحدة، فهم الآن قد زال حياؤهم وأصبحوا ليسوا بحاجة إلى أي ورقة توت تغطي عوراتهم، وهكذا كانت اتفاقية كامب دايفيد في 1977، ومؤتمر الجزائر 1988 الذي تبنت المنظمة فيه إقامة دولة بجانب دولة (إسرائيل)، وأزيل علناً تحرير فلسطين. ثم كان مؤتمر مدريد 1991 الذي جمع دول الطوق! مصر والأردن ولبنان وسوريا ومنظمة التحرير ودولة يهود، أي كان إعلاناً باعتراف هذه الدول بكيان يهود، فكانت اتفاقية أوسلو الأولى 1993 والثانية غزة – أريحا 1994، حيث تكرَّس الاعتراف لدولة يهود، الأمر الذي كان الكفار المستعمرون ويهود لا يحلمون مجرد حلم بأن أهل فلسطين سيعترفون باغتصاب يهود لأرضهم وإقامة دولة عليها، ومقابل ماذا؟ مقابل احتمال أن ينسحب اليهود من أجزاء مما احتل في 1967، لتقام لهم دولة أو شبه دولة، بشيء من السيادة في بعض بعض فلسطين!!
ثم (كرَّت) المسبحة، فأعلنت اتفاقية وادي عربة، وتتابعت أخوات أوسلو مع السلطة، واي ريفر، شرم الشيخ، خارطة الطريق... ولازالت سوريا تطالب بأن تنسحب دولة يهود من الجولان ويعترف النظام السوري بدولة يهود، ولكن كيان يهود يريد اعترافاً من سوريا دون أن ينسحب من الجولان، وهو يرى أنه ليس في عجلةٍ من أمره، فهو يحتل الجولان والجبهة هادئة مع يهود من جهة سوريا فلا مقاومة ولا قتال، أي أن التشدد في عمل اتفاقية مع سوريا هو من كيان يهود وليس من النظام السوري، فهذا النظام يريد اتفاقاً مثل الذين سبقوه بالاتفاق، مصر والأردن، سواء بأن ينسحب اليهود ويمنعوا الجيش السوري من السيطرة على ما ينسحب يهود منه كما عملوا مع مصر، أو ينسحبوا شكلياً ثم (يستأجرون) ما انسحبوا منه كما عملوا مع الأردن، بل يريدون هذه المرة اتفاقاً مع سوريا دون أن ينسحبوا من كامل الجولان بأية كيفية تحفظ ماء الوجه للنظام السوري.
ثم اكتمل اعتراف الدول العربية، حتى البعيدة عن حدود فلسطين، وذلك بعد قمة بيروت 2002 حيث أعلنت القمة مبادرتها التي جعلت القضية عند العرب علناً وصراحةً فيما احتل 1967 وأن المحتل 1948 هو دولة (إسرائيل)! وبالرغم من إعلانهم هذا بضياع الحق في فلسطين إلا أنهم سمّوا قمتهم في بيروت (قمة الحق العربي)!!
ثم إن أميركا وأوروبا وكيان يهود رأوا أن الذين اعترفوا بكيان يهود، سواء الأنظمة أو السلطة، يرفعون شعارات العلمانية، وأن الذين يرفعون شعارات الإسلام لازالوا غير مُعترِفين، وخشوا أن يسبب هذا (وجع رأس) لكيان يهود، فبدأوا بوضع الخطط للوصول إلى اعتراف (الحركات الإسلامية) باسم الإسلام المعتدل، لكن كيف؟ لقد تفتَّق ذهنهم عن خطة خبيثة بأن يشركوا من يسمونهم معتدلين في مؤسسات الأنظمة القائمة وفي السلطة الفلسطينية، وعندها تصبح هذه (الحركات) جزءاً من المؤسسات الرسمية فتترك صخب المعارضة، وتلين جنوبها ليس لذكر الله بل للتعامل مع يهود والاعتراف بهم.
وكانت الوسيلة هي الانتخابات، وهم يعرفون أن رجال الأنظمة والسلطة قد أزكمت رائحة فسادهم الأنوف، فأي انتخابات ستقود إلى نجاح المنادين بالإسلام، ليس ليقضوا على تلك الأنظمة وارتباطها، بل ليشاركوا في مؤسساتها وكياناتها!
وهكـذا كان، فأدخلوا (الإسلام المعتدل) في مؤسسات الأنظمة كما لاحظنا في مصر وغيرها، بل الأشد والأدهى هو ما استطاعوه في فلسـطـين بأن أجروا انتخابات في ظل احتلال يهود، وبإذنهم، وبرعاية مكثفة من أميركا وأوروبا، ليجعلوا مَنْ ينادون بالإسلام يتولون المجلس التشريعي والسلطة القائمة أصلاً على اتفاقية أوسلو، وبهذا يصبح المسلمون ينادون بفلسطين 1967 وليس بفلسطين 1948، وتصبح الجريمة ليس الاعتراف بكيان يهود في 1948 بل باحتلال كيان يهود لأراضي 1967!
وبالتالي يكتمل الطوق على ضياع فلسطين باسم العلمانيين ثم الآن باسم الإسلاميين كذلك.
أيها الإخوة:
إن الأصل أن يكون مؤتمركم هذا هو لقول كلمة الحق، أو على الأقل لسماع كلمة الحق، فحريٌّ بنا (وبكم كذلك) أن نضع النقاط على الحروف، فمؤتمركم هو من أجل قضية مباركة، مسرى رسول الله ، ومكان معراجه، وهذه لا يناسبها التأويل واللف والدوران، حتى وإن كره فلان أو غضب علاّن، بل إن المبتغى أن لا يغضب الملك الديّان سبحانه وتعالى. هذا هو الواجب على المسلم أن يرضي الله ورسوله، لا أن يسعى لرضى من حاربوا الله ورسوله.
فكيف يكون التعامل مع هذه القضية العزيزة على قلب كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله؟:
أولاً: إن الاعتراف بكيان يهـود في أي جزء من فلسـطين، صغر أم كبر، هو خيانة الله ورسوله والمؤمنين. فأرض فلسطين فتحها المسلمون بدمائهم فلم يبقَ شبر منها لم يختلط بدماء شهيد أو غبار فرس أو قدم مجاهد. وهي أرض رقبتها للمسلمين، كل المسلمين، لا يملك لا فلسطيني ولا عربي ولا أي مسلم مهما كان عِرْقه ولَونُه أن يتنازل عن أي شبر فيها، فهي ليست ملكه يتصرف ببيعها للكفار كما يشاء، وبالتالي فإن الاعتراف بأي شبر منها ليهود هو بمثابة حرب على الله ورسوله والمؤمنين.
والاعتراف، أيها الإخوة، ليس فقط بإعلان السفراء بل هو كذلك بأساليب متعددة:
1- فالولاء والتبعية للكفار المستعمرين الذين أنشأوا دولة يهود هو اعتراف بدولة يهود،
2- والتفاوض مع كيان يهود، والالتقاء بمسئولي هذا الكيان، مهما كان موضوع التفاوض والالتقاء: خدماتياً أو أمنياً أو سياسياً، هو اعتراف،
3- وعقد الاتفاق، أي اتفاق، مع هذا الكيان هو اعتراف،
4- ونقل القضية من احتلال فلسطين في 1948 إلى احتلال كيان يهود للضفة وغزة في 1967 هو اعتراف،
5- والموافقة على القرارات الدولية التي تقر بكيان يهود هو اعتراف،
6- وجعل قضية اللاجئين قضية إنسانية لإعادة اللاجئين إلى فلسطين في ظل (دولة إسرائيل) بدل إعادة فلسطين إلى اللاجئين والقضاء على (دولة إسرائيل)، هو اعتراف،
7- وملاحقة واعتقال من ينادون بإزالة كيان يهود هو اعتراف،
8- وملاحقة واعتقال من يقول إن اتفاقية كامب دايفيد وأوسلو ووادي عربة وأخواتها خيانة لله ورسوله والمؤمنين، هو اعتراف،
9- وكل تضليل للمسلمين وتزوير للحقائق، أو ترويض لأهل فلسطين باللف والدوران ليقبلوا تقاسم فلسطين في دولتين لليهود، وللسلطة، كل هذا هو اعتراف،
10- والدعوة إلى الاستفتاء على قبول كيان لليهود في فلسطين هو تمهيد للاعتراف مع قلة حياء، لأن قبول كيان يهود هو جريمة كبرى، فهو حرام شرعاً، تحريماً مغلظاً، والحرام يبقى حراماً وفق الشرع، وليس وفق نتيجة استفتاء، فلا يستفتى على قبول الخمر!
11- وكل افتراء على الله ورسوله بتصوير اتفاق الهدنة أو الصلح مع يهود هو مثل صلح الحديبية، هو اعتراف مضاف إليه شدة وقاحة، حيث إن الفرق شاسع بين صلح الحديبية وأي اتفاق مع يهود وذلك:
• لأن رسول الله عقد اتفاقاً مع كفار وهم على أرضهم لَم يحتلوا أرض المسلمين، فكفار مكة كان كيانهم قائماً على أرضهم قبل فتح الإسلام لها أي مثل اتفاقية مع فنـزويلا مثلاً لم تحتل أرضاً للمسلمين.
• ولأن رسول الله لم يعقد اتفاقاً مع قريش ينهي حالة الحرب معهم، بل كان الاتفاق محدوداً بمدة.
• ولأن رسول الله عقد اتفاقاً معهم لتحييدهم عن مساعدة يهود خيبر في حرب الرسول لهم حيث كانوا شديدي العداوة للرسول والمسلمين؛ لذلك فإن الرسول رجع من صلح الحديبية وتوجه لقتال يهود خيبر.
• ولأن الرسول عقد اتفاقاً مع قريش ذات الهيمنة على العرب ليعترفوا بكيان المسلمين، فيزول العائق الذي كان يمنع باقي القبائل العربية من الدخول في الإسلام.
فكان صلحاً محدداً بمدة، لم يُنهِ حرباً مع الكفار، بل هو لإعلاء شأن الدولة الإسلامية في الجزيرة، وللقضاء على كيان يهود في خيبر، ولإزالة العائق لدخول قبائل العرب في الإسلام حيث كانت تخشى (قريش)، وهو اتفاق مع كفار على أرضهم وليس مع كيان قائم على اغتصاب أرضنا، وقبل هذا وذاك هو بوحي من الله سبحانه، فهو نصر وفتح مبين.
فأين هذا من إقرار يهود على احتلال أرض المسلمين؟ وأي أرض؟ إنها الأرض المباركة، مسرى رسول الله ومعراجه، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين التي تشد لها الرحال؟!
ثانياً: إن الحل لهذه القضية واضح لكل ذي عينين، فهو القضاء على كيان يهود وإعادة فلسطين كاملة إلى ديار الإسلام، هذا هو الحل وحده وليس شيئاً آخر، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُم ْ فكل من أخرج المسلمين من أرضهم يجب إخراجه من الأرض التي احتلها ولا حل وسط في الموضوع. فلا تقاسم للمكان معهم بل إخراجهم، وهذا يعني القضاء على كيانهم وعودة فلسطين كاملة إلى ديار الإسلام.
وقد يقول قائل: وهل من الممكن القضاء على كيان يهود؟
ولهذا القائل نقول: نعم إن الإمكانية موجودة، يؤكد هذا كتاب الله وسنة رسوله ثم الواقع العملي:
أما كتاب الله فقوله سبحانه عن قتال يهود لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ فالمطلوب هو قتال المسلمين لليهود، نقول (قتال) وليس (مسرح قتال).
وأما حديث رسول الله ، فقوله : (( ستقاتلون يهود وتقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود )) للدلالة على أن الرعب سيملأ قلوب يهود لكثرة القتل فيهم، حتى إن أحدهم لو اختبأ وراء صخرة أو شجرة، فإنه يظن أن الشجرة أو الصخرة ستنقل خبره لجند المسلمين إلا الشجر الذي يقدسه اليهود وهو شجر الغرقد فيطمئن اليهودي بالاختفاء وراءه، وكل هذا لبيان هول الهزيمة التي تحل بيهود.
أما الواقع العملي، فما نشهده من الملاحم البطولية بين شباب فلسطين وفتيانهم، وبين جنود اليهود المدججين بالسلاح، فهم لا يجرؤون على الخروج من دباباتهم ومجابهتهم!
ثم هذه الجيوش الجرارة للمسلمين الرابضة في ثكناتها، وهم كلهم يتوقون للقتال ويشتاقون للجنة، ولكنهم ممنوعون من حكامهم لنصرة إخوانهم.
بالإضافة إلى أمة تتسابق لرفد هذه الجيوش عند زحفها في سبيل الله إلى فلسطين.
فوعد من الله بأن اليهود لن يُنصروا في قتال،
وبشرى رسول الله بأننا سنقاتل يهود وننتصر عليهم،
ثم جيوش كبيرة موجودة في بلاد المسلمين،
وأمة كلها مدد لهذه الجيوش في القتال،
وجبن مستشرٍ في يهود لا يفارقهم،
أوَ كلَّ هذا لا يجعل القضاء على كيان يهود ممكناً؟! بل هو ممكن وممكن بإذن الله.
ثم لنفرض جدلاً أن الإمكانية غير متوفرة اليوم، فلا أقل من إبقاء حالة الحرب قائمةً بيننا وبين يهود، دون مفاوضة أو اعتراف، إلى أن يأتي لفلسطين فرسانها في ظل دولة خلافة للمسلمين على منهاج النبوة، تعيد أمجادهم، وتحقق وعد الله وبشرى رسوله فتقضي على كيان يهود وتعيد فلسطين كاملةً إلى ديار الإسلام.
فإذا لم يستطع هذا الجيل أن يحرر فلسطين، فلا أقل من أن يسلّمها للأجيال اللاحقة، دون بيعها ليهود أو تنازل أو تفريط بأي شبر منها، فإن هذه الأمة لا تعدم الرجال بل إن الخير فيها إلى يوم القيامة.
أيها الإخوة:
هذا كتابنا نوجهه إليكم، صادقين معكم، مخلصين لله ولرسوله والمؤمنين، وللأرض الطيبة المباركة فلسطين، وللقدس، المسرى والمعراج للرسول الصادق الأمين.
ونختم هذا الكتاب بما بدأنا به: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
17 من ربيع الأول 1427هـ
حزب التحرير في العراق
15/04/2006م
كتـاب مفتـوح
إلى مؤتمر القدس ـ طهران
(المنعقد في 17 من ربيع الأول 1427هـ - 15/04/2006)
الإخوة الكرام:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الكتاب هو كلمة حق، بإذن الله، نوجهها إليكم لإنارة الطريق للعاملين، الصادقين المخلصين، للأرض الطبية المباركة، فلسطين، وبخاصة وأن مؤتمركم ينعقد مع عبق الذكرى العظيمة، العزيزة على قلب كل مسلم، ذكرى حدث عظيم أخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، الذي تجتمعون تحت اسم مسراه ومعراجه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة الكرام:
كنا نحب أن ينعقد المؤتمر باسم فلسطين، كل فلسطين وليس فقط باسم القدس، حتى لا يكون الاسم مدخلاً إلى الذين في قلوبهم مرض، فيجعلون الأمر يتعلق بالقدس وحسب، ويسكتون عن باقي فلسطين. صحيح إن القدس أبرز موضع في فلسطين، ويجوز في اللغة إطلاق الجزء ويراد الكل، ولكننا نحب دوماً أن نسد كل ثغرة يمكن أن تكون مدخلاً للمكر السيئ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّـيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ .
وعليه فإننا نوجه كتابنا هذا إلى مؤتمركم باعتباره مؤتمراً لفلسطين، كل فلسطين، وأن القدس قلبها النابض، لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه عند كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ويشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
إننا، أيها الإخوة، ندرك أن فلسطين، وقلبها النابض القدس، لا يعيدها مؤتمر يصرخ خطباؤه في جنباته بأعلى صوتهم شوقاً لفلسطين، فهذا لن يعيد شبراً منها ذا سيادة وسلطان، وإنما تحتاج إلى صيحة خليفة رشد وعدل، يُقاتَل من ورائه ويُتَّقى به، يستنفر بصيحة الحق التي يطلقها جيوشَ الإسلام للزحف إلى فلسطين، فيصل أسماعَ كيان يهود صليلُ السيوف، قبل أن تصلهم أصوات الحروف.
ومع ذلك فقد قررّنا إرسال هذا الكتاب لكم لعل كلماته تكون لكم بصائر، فتدفعكم إلى التماس السبيل الحق نحو إزالة كيان يهود، وإعادة فلسطين كاملة إلى ديار الإسلام.
الإخوة الكرام:
لقد بدأت فلسطين درةً في تاريخ المسلمين منذ أن ربطها الله سبحانه مع بيته الحرام برباط واحد عندما أسرى برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ . فجعلها أرضاً طيبةً مباركةً. وقد شد قلوب المسلمين إلى حاضرة فلسطين (بيت المقدس) بأن جعلها قبلتهم الأولى قبل أن يولي الله المسلمين قبلتهم الثانية (الكعبة المشرفة) بعد الهجرة بستة عشر شهراً. كان ذلك قبل أن تصبح فلسطين تحت سلطان الإسلام عندما فتحها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 15 للهجرة، وتسلمها من سفرونيوس وأعطاه عهدته المشهورة (العهدة العمرية) التي كان من نصوصها، بناءًَ على طلب النصارى فيها، (أن لا يساكنهم فيها يهود).
لقد كانت فلسطين درةً في تاريخ المسلمين قبل أن تفتح وبعد أن فتحت، فكانت مركز الثقل في بلاد المسلمين، كلما اعتدى عليها معتدٍ تحطَّم فيها مهما طال عدوانه. كانت مقبرةً للصليبيين، والتتار، وستكون لأعداء الله يهود كذلك بإذن الله. فيها كانت معارك فاصلة مع الصليبيين والتتار: حطين (583 هـ ـ 1187م)، وعين جالوت (658 هـ ـ 1260م)، وستتبعها بإذن الله معارك فاصلة أخرى مع يهود لإعادة فلسطين خالصةً نقيةً إلى ديار الإسلام.
لقد بدأت قضية فلسطين تتحرك دولياً في العصر الحديث منذ عهد الخليفة العثماني عبد الحميد، حيث سعى دهاقنة يهود بالتعاون مع دول الكفر آنذاك، وبخاصة بريطانيا إلى أن يجدوا لهم موطئاً في فلسطين، وحاولوا أن يستغلوا الأزمة المالية في دولة الخلافة العثمانية، فعرض هرتزل كبير يهود آنذاك في 1901 م دفع أموالٍ لخزينة الدولة مقابل ذلك، فرفض الخليفة عبد الحميد مقابلته، وكانت كلمة الخليفة المشهورة للصدر الأعظم لينقلها لهرتزل جواباً لعرضه: «انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطواتٍ جديةً في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين... فهي ليست ملك يميني... بل ملك الأمة الإسلامية... لقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه... فليحتفظ اليهود بملايينهم... وإذا مزّقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن. أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة». وقد صدق توقعه، رحمه الله، فبعد أن قُضي على الخلافة في 28 رجب 1342هـ الموافق للثالث من آذار 1924م، جاء من الحكام العملاء في بلاد المسلمين من نفذ أوامر الكفار المستعمرين بتمكين اليهود من احتلال فلسطين، بل والهيمنة على غير فلسطين.
أيها الإخوة:
لقد كانت هذه البذرة الفاسدة المفسدة هي أول خطوة قام بها الكفار المستعمرون وبخاصة أميركا ويهود، بالتعاون مع الحكام في بلاد المسلمين، وبخاصة المحيطون بفلسطين، أقول كانت هذه هي الخطوة الأولى: اغتصاب معظم فلسطين وإقامة كيان لليهود فيها.
هذه كانت الخطوة الأولى من الخطر الفظيع الذي حل بفلسطين، الأرض الطيبة المباركة.
ولقد كانت الخطوات اللاحقة هي كذلك خطراً وأي خطر بل أشد خطراً، وهي العمل على اعتراف المسلمين، وبخاصة العرب، وعلى الأخص الأخص أهل فلسطين أنفسهم، ليستقر كيان يهود في فلسطين بأمنٍ وأمان.
لقد تعلم الكفار المستعمرون درساً لم ينسوه من الحروب الصليبية، فعلموا أن أوروبا بقَضِّها وقضيضها غزت قلب بلاد المسلمين، فلسطين، في عدوان كبير أعدت له ممالكها وشعوبها وجموعهم حول شعار الصليب، واحتلوا أجزاء كبيرة من بلاد الشام، لكنهم لم يستقر لهم قرار، ولم يعترف بهم أهل البلاد، واستمر قتالهم سنين طوالاً ناهزت المئتين، ثم اقتلعوهم من جذورهم وردوهم بخزي وخيبة، مكلَّلين بالعار والشنار، دون أن يستقر لهم في فلسطين قرار. لقد علم الكفار من ذلك أن الاحتلال لبلاد المسلمين، إن بقي جسماً غريباً لا يعترف به أهل المنطقة، فإن هذا الاحتلال سيزول ويزال مهما طال الزمن واستطال، فإن الصليبيين قُلعوا من فلسطين وطُردوا شر طردة بعد قرنين، أي بعد أجيال وأجيال!! هذا الدرس تعلَّمه الكفار المستعمرون، وتعلَّمه يهود، فعلموا أن احتلال بلاد المسلمين بالقوة لن يوفر للمحتلين لا أمناً ولا أماناً ولا طمأنينة ولا استقراراً، وخلصوا من ذلك إلى أن المهم ليس أن يغتصبوا أرضاً للمسلمين بل أن يستقروا فيها، والطريق لاستقرارهم هو أن تهضمهم المنطقة وأن يعترف بهذا الاغتصاب أهل المنطقة.
ومن هنا جاءت الخطوات اللاحقة، وكانت أولاها اتفاقات الهدنة في 1949م، وهي كانت بمثابة الاعتراف بالكيان المغتصب لفلسطين، لأن عقد اتفاقية معه يعني الاعتراف به ضمناً. ثم تتالت الخطوات بعدها بالاجتماعات السرية وشبة السرية بين الحكام، ودولة يهود، إلى أن وصل الحكام إلى أن ينشئوا منظمة التحرير الفلسطينية ليجعلوها هي تتولى مهمة الاعتراف بكيان يهود في فلسطين وليس هم وحدهم.
وبدأ السير حثيثاً بحروب فجائية أو صناعية أو تحريكية، يتبع كلَّ واحدة تنازلاتٌ هي أسوأ من أختها، وكانوا كل مرة ينهزمون أمام يهود، تارة بسبب غفلتهم وعميق سكرتهم، وتارة بتآمرهم وفظيع خيانتهم، وهكذا كانت حروب 1956، 1967، 1973، 1982 فأعطوا كيان يهود حجماً أكبر من حجمه، وجعلوه يتغنى ويقول (هزمنا سبع جيوش في حرب الاستقلال! في 48، وهزمنا جيوشاً ستة في ستة أيام بل في ست ساعات، ورابطنا في قمم الجولان والكيلو 101 على طريق القاهرة السويس بعد هزيمة أقوى جيشين من جيوش العرب، ودخلنا عمق بيروت وشرَّدنا المنظمة،...). وهكذا تغنَّى كيان يهود بانتصاراته، وهي ليست انتصارات بقدر ما هي دعم من الكفار المستعمرين، وخيانات من الحكام في بلاد المسلمين، وإلا فاليهود لا يقوون على القتال بحق، فهم كما وصفهم الله سبحانه وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ وما داموا في هذه الحروب لم يولوا الأدبار، فإذن هو ليس قتالاً بحق من الحكام معهم بل هو تآمر وفرار أمامهم.
وكانت كل حرب تخلِّف وراءها تنازلاً: على أثر 1956م أصبح قطاع غزة تحت احتلال يهود، وبعد 1967 كان قرار 242 وهو أول الاعتراف الرسمي بكيان يهود في فلسطين 1948م حيث أصبحت القضية هي الاحتلال 1967 وصار هذا معلناً من الحكام دون خفاء. ثم بعد 1973م أضيفت قرارات أدهى وأمر 338، 339 وقد رُكِّز فيهما نهائياً دون لف أو دوران أن (إسرائيل) دولة في فلسطين، وأن أقصى ما يريده العرب أن تنسحب من أراضٍ احتلتها في 1967،ويعيشون معها بأمان وسلام، وبعد 1982م كانت وثيقة ماكلوسكي مع رئيس المنظمة، واعترفت فيها المنظمة علناً بقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين والتي تنص صراحةً على دولة (إسرائيل).
ثم بدأ الاعتراف بكيان يهود باتفاقات علنية ثنائية وليس بغطاء الأمم المتحدة التي كانوا يضللون الناس بها ويقولون إن تلك القرارات هي دولية من الأمم المتحدة، فهم الآن قد زال حياؤهم وأصبحوا ليسوا بحاجة إلى أي ورقة توت تغطي عوراتهم، وهكذا كانت اتفاقية كامب دايفيد في 1977، ومؤتمر الجزائر 1988 الذي تبنت المنظمة فيه إقامة دولة بجانب دولة (إسرائيل)، وأزيل علناً تحرير فلسطين. ثم كان مؤتمر مدريد 1991 الذي جمع دول الطوق! مصر والأردن ولبنان وسوريا ومنظمة التحرير ودولة يهود، أي كان إعلاناً باعتراف هذه الدول بكيان يهود، فكانت اتفاقية أوسلو الأولى 1993 والثانية غزة – أريحا 1994، حيث تكرَّس الاعتراف لدولة يهود، الأمر الذي كان الكفار المستعمرون ويهود لا يحلمون مجرد حلم بأن أهل فلسطين سيعترفون باغتصاب يهود لأرضهم وإقامة دولة عليها، ومقابل ماذا؟ مقابل احتمال أن ينسحب اليهود من أجزاء مما احتل في 1967، لتقام لهم دولة أو شبه دولة، بشيء من السيادة في بعض بعض فلسطين!!
ثم (كرَّت) المسبحة، فأعلنت اتفاقية وادي عربة، وتتابعت أخوات أوسلو مع السلطة، واي ريفر، شرم الشيخ، خارطة الطريق... ولازالت سوريا تطالب بأن تنسحب دولة يهود من الجولان ويعترف النظام السوري بدولة يهود، ولكن كيان يهود يريد اعترافاً من سوريا دون أن ينسحب من الجولان، وهو يرى أنه ليس في عجلةٍ من أمره، فهو يحتل الجولان والجبهة هادئة مع يهود من جهة سوريا فلا مقاومة ولا قتال، أي أن التشدد في عمل اتفاقية مع سوريا هو من كيان يهود وليس من النظام السوري، فهذا النظام يريد اتفاقاً مثل الذين سبقوه بالاتفاق، مصر والأردن، سواء بأن ينسحب اليهود ويمنعوا الجيش السوري من السيطرة على ما ينسحب يهود منه كما عملوا مع مصر، أو ينسحبوا شكلياً ثم (يستأجرون) ما انسحبوا منه كما عملوا مع الأردن، بل يريدون هذه المرة اتفاقاً مع سوريا دون أن ينسحبوا من كامل الجولان بأية كيفية تحفظ ماء الوجه للنظام السوري.
ثم اكتمل اعتراف الدول العربية، حتى البعيدة عن حدود فلسطين، وذلك بعد قمة بيروت 2002 حيث أعلنت القمة مبادرتها التي جعلت القضية عند العرب علناً وصراحةً فيما احتل 1967 وأن المحتل 1948 هو دولة (إسرائيل)! وبالرغم من إعلانهم هذا بضياع الحق في فلسطين إلا أنهم سمّوا قمتهم في بيروت (قمة الحق العربي)!!
ثم إن أميركا وأوروبا وكيان يهود رأوا أن الذين اعترفوا بكيان يهود، سواء الأنظمة أو السلطة، يرفعون شعارات العلمانية، وأن الذين يرفعون شعارات الإسلام لازالوا غير مُعترِفين، وخشوا أن يسبب هذا (وجع رأس) لكيان يهود، فبدأوا بوضع الخطط للوصول إلى اعتراف (الحركات الإسلامية) باسم الإسلام المعتدل، لكن كيف؟ لقد تفتَّق ذهنهم عن خطة خبيثة بأن يشركوا من يسمونهم معتدلين في مؤسسات الأنظمة القائمة وفي السلطة الفلسطينية، وعندها تصبح هذه (الحركات) جزءاً من المؤسسات الرسمية فتترك صخب المعارضة، وتلين جنوبها ليس لذكر الله بل للتعامل مع يهود والاعتراف بهم.
وكانت الوسيلة هي الانتخابات، وهم يعرفون أن رجال الأنظمة والسلطة قد أزكمت رائحة فسادهم الأنوف، فأي انتخابات ستقود إلى نجاح المنادين بالإسلام، ليس ليقضوا على تلك الأنظمة وارتباطها، بل ليشاركوا في مؤسساتها وكياناتها!
وهكـذا كان، فأدخلوا (الإسلام المعتدل) في مؤسسات الأنظمة كما لاحظنا في مصر وغيرها، بل الأشد والأدهى هو ما استطاعوه في فلسـطـين بأن أجروا انتخابات في ظل احتلال يهود، وبإذنهم، وبرعاية مكثفة من أميركا وأوروبا، ليجعلوا مَنْ ينادون بالإسلام يتولون المجلس التشريعي والسلطة القائمة أصلاً على اتفاقية أوسلو، وبهذا يصبح المسلمون ينادون بفلسطين 1967 وليس بفلسطين 1948، وتصبح الجريمة ليس الاعتراف بكيان يهود في 1948 بل باحتلال كيان يهود لأراضي 1967!
وبالتالي يكتمل الطوق على ضياع فلسطين باسم العلمانيين ثم الآن باسم الإسلاميين كذلك.
أيها الإخوة:
إن الأصل أن يكون مؤتمركم هذا هو لقول كلمة الحق، أو على الأقل لسماع كلمة الحق، فحريٌّ بنا (وبكم كذلك) أن نضع النقاط على الحروف، فمؤتمركم هو من أجل قضية مباركة، مسرى رسول الله ، ومكان معراجه، وهذه لا يناسبها التأويل واللف والدوران، حتى وإن كره فلان أو غضب علاّن، بل إن المبتغى أن لا يغضب الملك الديّان سبحانه وتعالى. هذا هو الواجب على المسلم أن يرضي الله ورسوله، لا أن يسعى لرضى من حاربوا الله ورسوله.
فكيف يكون التعامل مع هذه القضية العزيزة على قلب كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله؟:
أولاً: إن الاعتراف بكيان يهـود في أي جزء من فلسـطين، صغر أم كبر، هو خيانة الله ورسوله والمؤمنين. فأرض فلسطين فتحها المسلمون بدمائهم فلم يبقَ شبر منها لم يختلط بدماء شهيد أو غبار فرس أو قدم مجاهد. وهي أرض رقبتها للمسلمين، كل المسلمين، لا يملك لا فلسطيني ولا عربي ولا أي مسلم مهما كان عِرْقه ولَونُه أن يتنازل عن أي شبر فيها، فهي ليست ملكه يتصرف ببيعها للكفار كما يشاء، وبالتالي فإن الاعتراف بأي شبر منها ليهود هو بمثابة حرب على الله ورسوله والمؤمنين.
والاعتراف، أيها الإخوة، ليس فقط بإعلان السفراء بل هو كذلك بأساليب متعددة:
1- فالولاء والتبعية للكفار المستعمرين الذين أنشأوا دولة يهود هو اعتراف بدولة يهود،
2- والتفاوض مع كيان يهود، والالتقاء بمسئولي هذا الكيان، مهما كان موضوع التفاوض والالتقاء: خدماتياً أو أمنياً أو سياسياً، هو اعتراف،
3- وعقد الاتفاق، أي اتفاق، مع هذا الكيان هو اعتراف،
4- ونقل القضية من احتلال فلسطين في 1948 إلى احتلال كيان يهود للضفة وغزة في 1967 هو اعتراف،
5- والموافقة على القرارات الدولية التي تقر بكيان يهود هو اعتراف،
6- وجعل قضية اللاجئين قضية إنسانية لإعادة اللاجئين إلى فلسطين في ظل (دولة إسرائيل) بدل إعادة فلسطين إلى اللاجئين والقضاء على (دولة إسرائيل)، هو اعتراف،
7- وملاحقة واعتقال من ينادون بإزالة كيان يهود هو اعتراف،
8- وملاحقة واعتقال من يقول إن اتفاقية كامب دايفيد وأوسلو ووادي عربة وأخواتها خيانة لله ورسوله والمؤمنين، هو اعتراف،
9- وكل تضليل للمسلمين وتزوير للحقائق، أو ترويض لأهل فلسطين باللف والدوران ليقبلوا تقاسم فلسطين في دولتين لليهود، وللسلطة، كل هذا هو اعتراف،
10- والدعوة إلى الاستفتاء على قبول كيان لليهود في فلسطين هو تمهيد للاعتراف مع قلة حياء، لأن قبول كيان يهود هو جريمة كبرى، فهو حرام شرعاً، تحريماً مغلظاً، والحرام يبقى حراماً وفق الشرع، وليس وفق نتيجة استفتاء، فلا يستفتى على قبول الخمر!
11- وكل افتراء على الله ورسوله بتصوير اتفاق الهدنة أو الصلح مع يهود هو مثل صلح الحديبية، هو اعتراف مضاف إليه شدة وقاحة، حيث إن الفرق شاسع بين صلح الحديبية وأي اتفاق مع يهود وذلك:
• لأن رسول الله عقد اتفاقاً مع كفار وهم على أرضهم لَم يحتلوا أرض المسلمين، فكفار مكة كان كيانهم قائماً على أرضهم قبل فتح الإسلام لها أي مثل اتفاقية مع فنـزويلا مثلاً لم تحتل أرضاً للمسلمين.
• ولأن رسول الله لم يعقد اتفاقاً مع قريش ينهي حالة الحرب معهم، بل كان الاتفاق محدوداً بمدة.
• ولأن رسول الله عقد اتفاقاً معهم لتحييدهم عن مساعدة يهود خيبر في حرب الرسول لهم حيث كانوا شديدي العداوة للرسول والمسلمين؛ لذلك فإن الرسول رجع من صلح الحديبية وتوجه لقتال يهود خيبر.
• ولأن الرسول عقد اتفاقاً مع قريش ذات الهيمنة على العرب ليعترفوا بكيان المسلمين، فيزول العائق الذي كان يمنع باقي القبائل العربية من الدخول في الإسلام.
فكان صلحاً محدداً بمدة، لم يُنهِ حرباً مع الكفار، بل هو لإعلاء شأن الدولة الإسلامية في الجزيرة، وللقضاء على كيان يهود في خيبر، ولإزالة العائق لدخول قبائل العرب في الإسلام حيث كانت تخشى (قريش)، وهو اتفاق مع كفار على أرضهم وليس مع كيان قائم على اغتصاب أرضنا، وقبل هذا وذاك هو بوحي من الله سبحانه، فهو نصر وفتح مبين.
فأين هذا من إقرار يهود على احتلال أرض المسلمين؟ وأي أرض؟ إنها الأرض المباركة، مسرى رسول الله ومعراجه، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين التي تشد لها الرحال؟!
ثانياً: إن الحل لهذه القضية واضح لكل ذي عينين، فهو القضاء على كيان يهود وإعادة فلسطين كاملة إلى ديار الإسلام، هذا هو الحل وحده وليس شيئاً آخر، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُم ْ فكل من أخرج المسلمين من أرضهم يجب إخراجه من الأرض التي احتلها ولا حل وسط في الموضوع. فلا تقاسم للمكان معهم بل إخراجهم، وهذا يعني القضاء على كيانهم وعودة فلسطين كاملة إلى ديار الإسلام.
وقد يقول قائل: وهل من الممكن القضاء على كيان يهود؟
ولهذا القائل نقول: نعم إن الإمكانية موجودة، يؤكد هذا كتاب الله وسنة رسوله ثم الواقع العملي:
أما كتاب الله فقوله سبحانه عن قتال يهود لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ فالمطلوب هو قتال المسلمين لليهود، نقول (قتال) وليس (مسرح قتال).
وأما حديث رسول الله ، فقوله : (( ستقاتلون يهود وتقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود )) للدلالة على أن الرعب سيملأ قلوب يهود لكثرة القتل فيهم، حتى إن أحدهم لو اختبأ وراء صخرة أو شجرة، فإنه يظن أن الشجرة أو الصخرة ستنقل خبره لجند المسلمين إلا الشجر الذي يقدسه اليهود وهو شجر الغرقد فيطمئن اليهودي بالاختفاء وراءه، وكل هذا لبيان هول الهزيمة التي تحل بيهود.
أما الواقع العملي، فما نشهده من الملاحم البطولية بين شباب فلسطين وفتيانهم، وبين جنود اليهود المدججين بالسلاح، فهم لا يجرؤون على الخروج من دباباتهم ومجابهتهم!
ثم هذه الجيوش الجرارة للمسلمين الرابضة في ثكناتها، وهم كلهم يتوقون للقتال ويشتاقون للجنة، ولكنهم ممنوعون من حكامهم لنصرة إخوانهم.
بالإضافة إلى أمة تتسابق لرفد هذه الجيوش عند زحفها في سبيل الله إلى فلسطين.
فوعد من الله بأن اليهود لن يُنصروا في قتال،
وبشرى رسول الله بأننا سنقاتل يهود وننتصر عليهم،
ثم جيوش كبيرة موجودة في بلاد المسلمين،
وأمة كلها مدد لهذه الجيوش في القتال،
وجبن مستشرٍ في يهود لا يفارقهم،
أوَ كلَّ هذا لا يجعل القضاء على كيان يهود ممكناً؟! بل هو ممكن وممكن بإذن الله.
ثم لنفرض جدلاً أن الإمكانية غير متوفرة اليوم، فلا أقل من إبقاء حالة الحرب قائمةً بيننا وبين يهود، دون مفاوضة أو اعتراف، إلى أن يأتي لفلسطين فرسانها في ظل دولة خلافة للمسلمين على منهاج النبوة، تعيد أمجادهم، وتحقق وعد الله وبشرى رسوله فتقضي على كيان يهود وتعيد فلسطين كاملةً إلى ديار الإسلام.
فإذا لم يستطع هذا الجيل أن يحرر فلسطين، فلا أقل من أن يسلّمها للأجيال اللاحقة، دون بيعها ليهود أو تنازل أو تفريط بأي شبر منها، فإن هذه الأمة لا تعدم الرجال بل إن الخير فيها إلى يوم القيامة.
أيها الإخوة:
هذا كتابنا نوجهه إليكم، صادقين معكم، مخلصين لله ولرسوله والمؤمنين، وللأرض الطيبة المباركة فلسطين، وللقدس، المسرى والمعراج للرسول الصادق الأمين.
ونختم هذا الكتاب بما بدأنا به: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
17 من ربيع الأول 1427هـ
حزب التحرير في العراق
15/04/2006م

التعليقات