الاتحاد العام للكتاب ينظم ندوة هموم المثقف الفلسطيني في الوقت الراهن
غزة-دنيا الوطن
بالتعاون بين الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين ومركز الشاطئ الثقافي عقدت الندوة الثانية لمناقشة "هموم المثقف الفلسطيني في الوقت الراهن " وقد حضر اللقاء جمهور من الكتاب والمثقفين والمهتمين الذين أكدوا أهمية دور المثقف في المجتمع، وضرورة أن يتبوأ مكانته البارزة للنهوض بمجتمعه، ودعوا خلال ندوتهم الثانية إلى مواصلة اللقاءات الثقافية والخروج بآلية عمل للنهوض بواقع المثقف ، مؤكدين على الاستفادة من تجارب السلف الصالح بما يخدم المجتمع ويساهم في رقيه ، وتخلل الندوة التي حضرها عدد كبير من المثقفين والأدباء وأساتذة الجامعات والأكاديميين والمفكرين، بالإضافة إلى عدد من المسؤولين العديد من المداخلات تمحورت حول مفهوم الثقافة والمثقف ودور المثقف وهمومه ومشاكله، وكيفية النهوض بواقعه إلى الأفضل.
وافتتح الندوة حسن أحمد رئيس مجلس إدارة مركز الشاطئ الثقافي مؤكدًا على أن المثقف هو الذي يعمل على تكريس وتقوية دعائم المجتمع، وأنه بدون الوعي والثقافة الصحيحة تنهار أسس المجتمع وقيمه، معربًا عن ترحيبه بالحضور باسم مركز الشاطئ الثقافي والاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، تلاه الكاتب محمد نصار عضو الأمانة العامة للاتحاد والذي أدار الندوة، مشيرا إلى الندوة السابقة التي حملت نفس العنوان "هموم المثقف الفلسطيني في الوقت الرهن"، مستعرضًا أبرز ما جاء في تلك الندوة على أمل الخروج من هذه الجلسة إلى جلسة ثالثة بحيث تكون هناك ورشة عمل علمية متكاملة مدروسة وموضوعية حول هموم المثقف وتنشيط المشهد الثقافي.
وتحدث الأستاذ الدكتور نبيل أبو علي معربًا عن شكره لمركز الشاطئ الثقافي على اهتمامه بأهل العقول في الوقت الذي أضحت أدوات المجتمع الفلسطيني جميعًا مكشوفة والعقل فيها خفي، وأضاف: لقد شغلنا ما يشغل بال كل مثقف وكل منتمي لهذه الأرض حينما طرحنا كلمة هموم المثقف الفلسطيني في لقاء سابق، وحاولنا تشخيص الحالة، ورأينا أن المجتمع الفلسطيني لا يمكن أن ينفصل بحال من الأحوال عن المجتمع العربي، مشيرًا إلى أن المثقف العربي أيضًا مهمومًا، وأن الشريحة المنتفعة هي شريحة أدعياء الثقافة الذين التصقوا بالحكام والملوك لتحقيق مآرب شخصية ليس فيها على سلم الأهمية أو الأولويات ما يخص الشعوب العربية جميعًا.
وفي تشخيصه للحالة في المجتمع الفلسطيني أكد أبو علي أننا أحسن حالاً من حيث الظاهر من المجتمعات العربية، لأن الرقابة الحكومية غير موجودة على ما نطرح، مؤكدًا أن كل مثقف يستطيع أن يصول ويجول، لكنه أشار إلى أن المثقف الفلسطيني أضحى في ذيل القافلة، رغم ما هو متاح للمثقف من حرية قد لا تكون متاحة في مجتمعات عربية عديدة.
وأكد أنه يفترض في المثقف أن يكون على رأس الهرم، لكن ما يجري هو انتقال التسيب من المجتمع إلى المثقف، أو بالأحرى انتقال عدوى التشاؤم من المجتمع إلى المثقف حتى رأيناه يتخذ جانبًا، وأنه غير مسموح للمثقف أن يشارك في قيادة الأمة، ولا يلتفت أحد إلى رأيه، وأوضح أبو علي أنه لا يتحدث عن حالة سياسية راهنة نتجت عن الانتخابات، وإنما عن مرض بدأ محدودًا، ثم ازداد انتشاره حتى عم جميع مرافق حياة الفلسطيني، وأضاف: يفترض أن المثقف هو ضمير وعقل الأمة وهو الذي يستشعر الخطر ويبدأ المنبه ويوقظ الساسة أصحاب القرار، لكن أدعياء الثقافة هم الذين طفوا على السطح، وأصبحوا يتحدثون باسم المثقفين وينتفعون من الراهن المعيش، متسائلاً أمام ذلك ماذا يفعل المثقف الغيور الحريص الذي جاهد حتى وصل إلى الاعتقاد بقول الشاعر لقد أسمعت لو ناديت حيًا، ولكن لا حياة لمن تنادي ؟ فالأمة التي لا تحترم المثقف هي أمة في طريق خاطئ، وأضاف: حاول البعض أن يشخص الحالة على أنها عيب في المثقف وأنه هو الذي تقوقع وانعزل عن مجتمعه، حيث قلنا لعل بعض المثقفين يتكلم بلغة لا يفهمها الشارع، ولكن ما بال السواد الأعظم من المثقفين، فإن كتب لا يجد من يقرأ ما كتب، وإن تحدث لا يجد من ينصت إليه، مشيرًا إلى أن الواقع يشخص نفسه في كل حالة.وانتقد تقصير المنابر الثقافية في تعزيز الثقافة في المجتمع.
وفي حديثه حول هذه المنابر أشار أبو علي إلى الكتاب، وقال مخاطبًا الحضور: كلكم يعمل في إنتاج الكتاب، ولكن عندما تصل إلى صناعته ستجد أنه مشروعك الشخصي وتنفق عليه من قوت أبنائك، حيث نرتضي ذلك لأننا أصحاب رسالة، وأهديك الكتاب وبعد عام عندما أسألك عنه وهل قرأته ؟، فأجدك أنك لا تعلم أين وضعته، مؤكدًا أن هذا المنبر لا يلتفت إليه صاحب قرار، كما عرج على المسرح معتبرًا أنه منبر جماهيري مهم جدًا، لكنه أكد أيضًا أنه أضحي كفاكهة لا موسم لها، وأنه إذا أردنا أن نكون أكثر صراحة سنجد أنه منبر قلما يكون في يد الفلسطيني، وإذا توفر له تمويل خارجي لأداء رسالة معينة يعرض مرة أو مرتين في دكاكين مغلقة، والمسرح بذلك يفقد رسالته وأهميته للحياة، كذلك السينما فإننا لا نسمع اليوم عن دور سينما في غزة، والضفة الغربية تعاني أيضًا مثلما يعاني القطاع، أما فيما يتعلق بالانترنت: لدينا ثورة الانترنت وهو منبر ثقافي سيطغى على باقي المنابر، ورغم تأكيده على أهمية الانترنت إلا أنه أوضح أن جميع الأيدي تعبث بنا ولا نقدم لأنفسنا ما نفعل، وعزا أبو علي ذلك لأن الانترنت منبر لا سيطرة لنا عليه ولأن أبناءنا لم يجدوا من يرشدهم إلى كيفية الإفادة منه فأضحى منبرًا في أيدي أعداء الجيل والنشء لهدم هذا الجيل وهذا النشء، والمنابر الثقافية فاقدة الأهمية والدور والرسالة، داعيًا وزارة الثقافة إلى أن تأخذ بيد المثقفين حتى يضحوا مشروعًا قوميًا ويقوموا بواجبهم الوطني، منوهًا في الوقت نفسه إلى أن هناك عبثية وأيدي عابثة، بل وذهب إلى أبعد من ذلك حينما قال: هناك من يخطط إلى الوصول إلى هذه الحالة.
وحينما نتحدث عن الحضارة تأتي أهمية الوجهات السياسية فالمعلوم أن الحضارة لا تقوم إلا إذا توفر لها ضلعان الأول هو الثقافة والثاني القوة الحامية، ونحن في حاجة إلى خطة طويلة الأجل وأخرى قصير الأجل توجه الخطاب السياسي والاجتماعي والثقافي الذي نتحدث به وجهة معينة وفي النهاية تتكامل هذه الوجهة لتصنع وجه فلسطين الثقافي.
هذا وتخلل الندوة العديد من المداخلات من قبل الحضور تمحورت حول مختلف القضايا، منها تعريف مفهوم الثقافة والمثقف، بالإضافة إلى تشخيص الحالة الثقافية، وسبل النهوض بالواقع الثقافي، وأوضح الروائي محمد نصار أن المقصود بالمثقف هو الذي يقف على رأس الهرم، أي المثقف المؤثر، مشيرًا إلى أننا نمر بأزمة خطيرة جدًا في المجتمع الفلسطيني قد تكون مدمرة، وأن المثقف هو الذي سيقود العلاج.
أما حسن أحمد فأكد أن كل مثقف مؤثر، وعندما يصبح الإنسان مثقفًا فهو في صفوة المجتمع، وقال أن البيئة السياسية والاجتماعية تلعب دورًا مؤثرًا في المثقف، وأن المناخ السائد هو الذي يلعب دورًا في مدى تأثير المثقف من عدمه، لذلك فإن المعرفة شيء تراكمي إلى أن تصبح ثقافات تتوالى، وتساءل أحمد قائلاً: كيف يستطيع الإنسان أن يبدع ويصيغ هذا الشيء مكتوبًا ؟ مؤكدًا أن الذي أنتج الرسالة هو المثقف، لكنه أشار إلى أن الذي يؤديها ربما لا يكون مثقفًا، سواءً كان فنانًا أو مذيعًا، كما أكد أن المولد الحقيقي لهذه المنابر الثقافية هو المثقف الذي يصيغ المجتمع، وأن المثقف أيًا كان فإن لديه وعي، مشيرًا إلى القول السائد "البندقية غير المسيسة قاطعة طريق" مؤكدًا في الوقت ذاته أن الإنسان بالوعي وبثقافة المجتمع تصبح هذه البندقية، بندقية تشق طريق النور أمام المجتمع كما يشقها الكاتب والمثقف.
أما فايز القدوة فقد أكد في مداخلته أن طبيعة المناخ السائد في أي مجتمع تنعكس على سلوكه، وأوضح أن البيئة التي يعيش فيها الشعب الفلسطيني والمناخ السائد بأبعاده السياسية والتنظيمية والإدارية والقانونية والأخلاقية والاجتماعية نشأت فيها ثقافة سلبية، وأضاف: قد يكون هذا جلد لأنفسنا، لكنه واقع، وأوضح أن هذه الثقافة السلبية هي غياب رؤية ورسالة وخطاب والدور الذي يجب أن يقوم فيه المثقف لمواجهة الثقافة السلبية، وأكد القدوة أنه لم تتح الفرصة في ظل هذه الأزمة وكأن شعبنا يتعرض لعملية هدم منظم مشيرًا إلى أنه في مرحلة ما قبل عام 1994 وهي مرحل الاحتلال كانت هناك قيم بيننا وهي التكافل الاجتماعي، لكن هذه القيم تضاءلت الآن، مؤكدًا أننا نحتاج إلى وقفة متكاملة لمحاور أسياسية لعملية بناء ثقافي إيجابي لتوجيه المجتمع وإنقاذه مما هو فيه، ورأى القدوة أن هذه المسؤولية تقع على عاتق المثقفين الذين تكون مصالحهم وهمهم شعبهم وانتماءهم للعقيدة والشعب، وليس لانتماءات أخرى، مؤكدًا أن الضحية هو الشعب الفلسطيني في طبقاته وشرائحه المختلفة، وهذا يستوجب وقفة من المثقفين بتمرد فيما بينهم للنهوض بهذا الشعب المقاوم مما هو فيه، حتى لا تستشري ثقافة الفساد، وأكد أن الأمر ملح لأنه خطير، وإلا فإننا مقبلون على منعطف خطير في اختلافاتنا السياسية، ومن هنا لا بد أن نقف وقفة جادة مخلصة لإعادة صياغة ثقافة إيجابية لإنقاذ أنفسنا ليس كأفراد، وإنما كشعب.
أما زهدي الكيلاني فتحدث في مداخلته حول المثقف الرائد والمميز الذي يعتبر البوصلة والأم، مؤكدًا أن هذا المثقف هو الذي يتحسس النبض ويشخص الحالة ويدخل المختبرات من أجل البحث عن وسيلة علاج، مؤكدًا أن هذه مهمة النبلاء والناس العظام، وأضاف: لم أسمع أن هناك شهيد ثقافة استشهد لأنه تحدى الحالة السلبية بمختلف تشكيلاتها، وخلص الكيلاني للقول أن المثقف هو المسؤول عن علاج الحالة، وأشار إلى أن طرق التدريس تختلف، وأن المثقف هو المعني بإيجاد الطريقة الأقرب للوصول بالمواطن في الاتجاه الصحيح، وأوضح أنه إذا عجز المثقف عن إيجاد الصيغة المناسبة فهذه هي الأزمة، مؤكدًا أن المثقف يظل هو العنوان والرائد والمعني والمسؤول ولا عذر له لأنه صاحب الرسالة.
من جهته أشار الكاتب خليل حسونة إلى اهتمام الطرف الآخر بالمثقف من خلال إطلاق اسم أحد المثقفين الإسرائيليين على شارع في القدس، ورأى أن هذا على عكسنا تمامًا، حيث أن المثقف الفلسطيني مهمشًا وأنه عندما يطرح رأيه بحرية وصراحة ومصداقية يحارب ويتهم بتهم ما أنزل الله بها من سلطان، وقال: هذا ما عانينا منه كثيرًا، رغم أن المثقف يكون أكثر غيرة وحرقة ووجع من غيره، ونوه حسونة إلى أن هناك هوّة كبيرة بين المثقف والقائمين على الثقافة، منتقدًا اهتمام بعض الكتاب الفلسطينيين بالكتابة عن الأدب اللاتيني على حساب الأدب الفلسطيني والعربي، وأشار حسونة إلى تأصيل مفهوم الثقافة، وقال ما هي الثقافة التي نريد ؟ وهل هناك فرق بين المثقف وشبه المثقف ومدعي الثقافة ؟ وما هي علاقة المثقف بالسياسي ؟ وما هو مفهوم المثقف في ظل هجمة العولمة عليه ؟ وإلى أي مدى علاقة المثقف مع الآخر ؟ ومن هو الآخر ؟ هل الذي يعارضني سياسيًا، أم أنه الغربي الذي يختلف عني في العقيدة ؟ أم هو الإسرائيلي الذي يشكل بديلاً عني؟ وهل يستطيع المثقف أن يشكل الشروط الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأيديولوجية للمرحلة القادمة ؟ مؤكدًا أن المثقف يشكل محرك للفكر، وخلص حسونة للقول: إننا نحتاج إلى ثقافة وطنية عربية إسلامية حضارية حتى نصل إلى بر الأمان.
أما الكاتب عبد الوهاب أبو هاشم فقد أكد على ضرورة وصف الأشياء الوصف الصحيح وأن نعيد للثقافي مكانته حتى يصبح قويًا يحظى بمكانته التي يليق بها ويستحقها ويؤتى إليه ولا يأتي له.
وقال رزق المزعنن أن معيار الثقافة محدد بالمعرفة.. المعرفة الواعية الممأسسة على منهج، لذلك فإن الطبقة المثقفة الواعية هي التي تعي مشروعها الذي قد يكون وطنيًا أو قوميًا، وأوضح أنه لا يوجد فرق ما بين الوعي والواقع، وما بين الوعي والمشروع، مشيرًا إلى أن المثقف حتى يشار إليه يجب أن يحمل مشروعًا، وحول الفساد أكد أنه موجود في كل مكان، لكن هناك اتجاه، حيث تبحث الشعوب عن مصلحتها، ورأى أن هذه المصلحة هي أن تتحرر وتتقدم في اتجاه التحرر من قوى الهيمنة والظلم، مؤكدًا أن المثقف هو صاحب المشروع والسياسي يلحقه، ولا يمكن أن يكون هناك مثقفًا دون موقفًا سياسيًا ومعرفيًا واعيًا.
ومن ناحيته اعتبر أحمد عطية أن كلمة ثقافة هي المحتوى الفكري والموروث في وعي الإنسان الذي يدفع تصرفه وسلوكه وعاداته وتقاليده، مؤكدًا أن كل إنسان لديه ثقافة، وأن مجمل العادات والتقاليد والتفكير والمعتقدات تشكل ثقافة، وأشار عطية إلى مصدر كلمة مثقف وعرفها لغويًا، ونوه إلى أن هناك أمراضًا ثقافية دخلت على ثقافتنا الأصيلة، وأن هذه الأمراض تؤثر بالسلب في كل تغيّر على الحالة الطبيعية من الناحية الكمية والنوعية، حيث يفترض أن نناقش هذه الأمراض بتخصص، مؤكدًا على أهمية طريقة العرض وتوصيل المعلومة، بحيث يكون هناك جودة في المنتج وأن يقدم في قالب سهل يتناسب مع العصر، كما أشار إلى أهمية تشخيص الأمراض الثقافية الموجودة في مجتمعنا وإيجاد الحلول لها من خلال وعينا وإدراكنا، بدلاً من الانشغال في تعريف الثقافة والمثقف.
أما الدكتور يوسف أبو دية رئيس جامعة الأقصى السابق فقد أشار إلى نتائج دراسة علمية خلصت بنتائج مفادها أنه لتطور الأمة لابد أن يكون هناك اثني عشر عاملاً، حيث أخذ البحث العلمي الأولوية الأولى، والعقيدة الأولوية الثانية، أما الثقافة فقد احتلت الأولوية الخامسة، بينما احتل الاقتصاد المرتبة الثانية عشرة، مشيرًا إلى أن هذه العوامل تتفاعل فيما بينها، وأن هذا التفاعل هو الذي يعطي في المحصلة النهائية الثقافة، وأضاف أبو دية: إذا كانت الثقافية محورًا أساسيًا، فإن التعليم يؤثر في الثقافة، والثقافة حينها تؤثر في السياسة، والتكنولوجيا تؤثر في الثقافة، والثقافة حينها تؤثر في الاقتصاد، وخلص أبو دية للقول: إن هناك حلقة دراسية تحتاج إلى دراسة من ذوي الاختصاص، بحيث تتشكل لجنة البحث ليس من شخص مثقف فقط، ورأى أن المثقف هو جزء يجمع جميع المعارف ويصيغها بصياغة معينة، مؤكدًا على أهمية أن تتشكل حلقات الدراسة من مجموعة من الباحثين المتنوعين مثل الاجتماعيين والاقتصاديين والتربويين وغيرهم، مع المثقف ويتفاعلوا فيما بينهم حتى تكون في المحصلة دراسة موضوعية منهجية تعرض على الإخوة المسؤولين حتى يتمكنوا من نشرها بين الناس من أجل أن نتلافى الكثير من الأخطاء التي نقع فيها.
وقال محمد أبو كرش أن المثقف هو عملية وعي شاملة تاريخية تشمل الماضي مع الحاضر والمستقبل، وأضاف: عندما نتحدث عن الثقافة بشكل مجرد فنقول: نحتاج ثقافة إيجابية، وأوضح أن هذا يغض الطرف أحيانًا أو يتناسى أن هناك ثقافات تعمل وتؤثر في كل لحظة، وتعمل على تعبئة عقول الناس سواءً المحصنة ثقافيًا أم غير المحصنة، مؤكدًا أننا إذا افترضنا أن الثقافات الأخرى الغريبة والغربية هي مضرة بثقافتنا الوطنية أو الفلسطينية، فإننا في حاجة إلى عنصر الاقتصاد من أجل تقوية ثقافتنا وتعميقها، وضرب أبو كرش مثلاً على ذلك أنه عندما نريد طباعة كتاب معين نحتاج إلى الأموال من أجل طباعته.
كما أشار أبو كرش إلى أهمية أن يندمج المثقف مع المجتمع، وقال: المثقف لا يعيش في صومعة ومنعزل عن الناس.مؤكدًا أننا في أحوج الناس للتكاتف والتعاضد وأن نحب بعضنا البعض، ورأى أن الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد للود قضية.
أما الأستاذ عبد السلام حميد فقد أكد أن المجتمع الفلسطيني يعاني من أزمة قيم، وأضاف: يتحدث الجميع أن هناك فلتان أمني، لكنه في الحقيقة هو فلتان أخلاقي في الأساس، ورأى أن الفلتان في القيم نابع من التربية، مشيرًا إلى أن الخلل لدينا يكمن في نظام التعليم، منتقدًا آلية الترفيع للطلاب المتبعة في المدارس والجامعات من أجل الحفاظ على نسبة نجاح معينة، في حين أننا نجني في النهاية نتائج سلبية تنعكس على مستويات الخريجين، وأضاف أنه قبل أن نتحدث عن الثقافة التي هي أمور عليا وإن كانت ضرورية فإن هناك أهم من الثقافة وهو التعليم.
وقالت نورا حمدان من المعروف لدينا أن المجتمع هو الذي يؤثر على المثقف وهو الذي يجعله شخصًا يائسًا بما هو موجود من عادات وتقاليد سيئة في هذا المجتمع، وقالت ألا يعقل أن يكون المثقف هو نفسه المدمر لهذا المجتمع بما يحمل من ثقافات غربية وغير موجودة، وأضافت: نريد أن نجد مثقفين أمناء لديهم دافع وحزم، مؤكدةً على ضرورة أن تكون هناك حلقة وصل واتصال ما بين المجتمع والمثقفين، وأن يكملا بعضهما البعض، ورأت أنه لا يمكن الاستغناء عن المثقف لأنه الأداة التي يتكلم ويناقض ويصلح هذا المجتمع ويحميه، وفي المقابل قالت حمدان: لا بد للمجتمع أن يكون معاونًا ومحفزًا لهذا المثقف لإبداء آرائه والنظر في قضاياه.
أما الدكتور محمد حسونة المحاضر في جامعة الأقصى فقد رأى أن المثقف في مأزق هو الذي صنعه وصممه بأيديه، وعزا السبب في ذلك إلى أن المثقف وضع نفسه في روافد ثقافية مسيّجة، يرتبط كل رافد منها بالأيديولوجيا التي يعتنقها المثقف، كما أشار إلى أن الموضوعات التي يتناولها المثقف مسيّجة أيضًا، وتتلخص جميعها في الهم السياسي، مع بعد المثقف كل البعد عن حسحسة النسيج الاجتماعي، مؤكدًا أن حياتنا لا تقتصر على الهم السياسي فحسب، وإنما هناك همومًا اجتماعية واقتصادية ونفسية وغيرها، ورأى حسونة أن المتلقي أمام خلطة ثقافية وثقافة متحولة، مشيرًا إلى أن إبداعات الكتاب الفلسطينيين الذين يكتبون القصص والروايات والمسرحيات غير قادرة على أن تقفز من فوق السياج السياسي إلى الموضوعات الأخرى، وتساءل حول سبل تقديم ثقافة للمتلقي من خلال الكتابات المتنوعة المختلفة التي من شأنه تعديل الأنماط السلوكية، وأشار حسونة إلى أنه لاحظ أن هناك خلطًا ما بين الثقافة والأنماط السلوكية، مبديًا اختلافه مع المتحدثين الذين رأوا أن الثقافة هي أنماطًا سلوكية، واعتبر حسونة أن الأنماط السلوكية هي ناتجة عن الثقافة.
ومن جانبه رأى الأستاذ عبد الحافظ شحادة أنه ليست هناك إشكالية ثقافية بقدر ما هناك إشكالية سياسية، وأوضح أن هناك عملية إقصاء للمثقفين ودورهم في المجتمع، وأكد شحادة أن هناك مفهومًا للثقافة وأنه يجب ألا نجهد أنفسنا كثيرًا في وضع تعريفات لها، في حين أن كل إنسان له الحق أن يضع مفهومًا إجرائياً للثقافة كما يريد، مؤكدًا في الوقت ذاته على ضرورة أن نفرق بين المتخصص في لون معين، وبين المثقف الذي يجمع بين جملة من المعارف بالإضافة إلى الجانب التخصصي أو المتبحر فيه، ونوه شحادة إلى ثقافة التبرير المنتشرة في المجتمع، كما أشار إلى أن المثقف هو الذي قاد الثورات في العالم، مؤكدًا في الوقت نفسه أن رأس الهرم السياسي يستطيع أن يصنع المجتمع من خلال إبراز دور المثقفين.
وتحدث عبد الله أبو الهنود وكيل مساعد هيئة التوجيه السياسي والوطني على أهمية الثقافة والدور الذي يلعبه المثقفون في المجتمع، وأوضح أنه منذ عشرة أعوام مضت ونحن نتحدث عن المثقف ودوره ومن هو المثقف ولم نستطع أن نشخص المسألة بشكل واضح ودقيق وحاسم، متسائلاً حول الأسباب التي أدت إلى ألا يكون للمثقف دورًا فاعلاً في المجتمع ليساهم في استنهاض المجتمع باتجاه المصالح العليا للشعب الفلسطيني؟ وأضاف أين الدور الضاغط من أجل أن يأخذ المثقفون دورهم الفاعل والمميز للنهوض بالمجتمع الفلسطيني ؟ وأكد أبو الهنود أن الثقافة لها مجالات واسعة، وقال: جئت اليوم لأستمع إلى فكرة جاءت في ذهني ويمكن من خلال الإصلاحات الثقافية أن نبلورها، مشيرًا إلى أننا اليوم في مرحلة وحقبة جديدة من الزمن السياسي والثقافي والمجتمعي.
أما الفنان المسرحي علي أبو ياسين فقد أكد أن هناك أزمة ثقافية على مستوى العالم العربي ككل وليست مقتصرة على المجتمع الفلسطيني، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك حينما قال: إننا أفضل حالاً من المجتمعات العربية، سواءً من ناحية تجسيد الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، أو من الناحية الثقافية، وعلل على ذلك بالمقالات السياسية التي تنشر في الصحف الفلسطينية والتي تعبر وتشخص الحالة وتنتقد، ورأى أنها أكبر دليل على أنه يوجد لدينا حرية في التعبير وحرية ثقافة، كما أشار أبو ياسين إلى أن اللقاءات الثقافية التي تعقد في بعض البلدان العربية لا يحضرها سوى عدد قليل جدًا من المثقفين، بينما اللقاءات الثقافية التي تعقد لدينا يحضرها عدد كبير من المثقفين، مؤكدًا أن هناك اهتمامًا بالثقافة في مجتمعنا، هذا فضلاً عن أن مستوى العمل الإبداعي الأدبي الفلسطيني أعلى بكثير من الأعمال الأدبية الأخرى، أما العروض المسرحية التي تقام في المسارح القومية فهي لا تشهد إقبالاً، مقارنة بالمسارح التجارية، مؤكدًا أن لدينا مبدعين على كافة الأصعدة الفنية والأدبية، لكن ينقصنا الإعلان عنهم، مشيرًا إلى أن هناك تقصيرًا من الإعلام بحقهم ولم ينصفهم.
وعقب الأستاذ الدكتور نبيل أبو علي على مداخلات الحضور، مؤكدًا أن مفهوم الثقافة كان في عقول أسلافنا منذ العصر الإسلامي الأول، وأنه لسنا في صدد تعريف الثقافة والمثقف، مشيرًا إلى أنها كلمة أصيلة في معجمنا العربي ولها دلالة، وأكد أبو علي أن المتعلم هو نواة، وأنه إذا أحاط من كل علم بطرف أضحى مثقفًا، مشيرًا إلى أن الثقافة في أبسط تعريفها هي الإحاطة من كل علم بطرف، ثم بعد ذلك التعاطي مع المجتمع والعيش في داخله، وأضاف أن الإشكالية ليست في مفهوم الثقافة أو أن نعرف المعرف، وإنما الإشكالية تكمن في البحث عن طريقة تعيد المثقف إلى موقع التأثير في المجتمع، مؤكدًا أنه إذا وجدنا هذه الطريقة تكون هذه اللقاءات قد أفلحت، مشددًا على ضرورة أن نبحث كل الأسباب ليحدث هذا التكامل ونعيد المثقف إلى موقع التأثير، واتفق أبو علي مع ما قاله علي أبو ياسين حول تفشى الأزمة الثقافية في الوطن العربي، وقال: هناك أزمة ثقافة ومثقفين في الوطن العربي بأسره، لكننا نعاني من حالة لها خصوصية، حيث نبحث عن دور للنشر، ولا نبحث عن شهداء في الثقافة، وأضاف: لدينا ما نحمد ونحسد عليه أنك تستطيع أن تقول ما تشاء، الأمر الذي خلط الحابل بالنابل، وخلط المثقف بغير المثقف، والإيجاب بالسلب.
وحول أسباب الأزمة قال أبو علي: قد تكون جميع الأسباب التي طرحت مجتمعة، وأضف إليها عامل الاحتلال الذي مازال موجودًا هي سبب الأزمة، لكنه تساءل: هل نبقى نتحدث عن أزمة، أم أننا نبحث عن حلول ومخرج، مؤكدًا أن هذا المجتمع لن ينهض إلا إذا تبوأ المثقف سلم الأولويات، ورأى أنه لا فرق بين مثقف وسياسي واجتماعي، وأن المثقف هو السياسي والاجتماعي إذا أحاط بباقي ألوان المعرفة، وألا يحبس نفسه في داخل الخندق ويدعي الثقافة، وهنا يصبح متخصصًا في لون معين، وأكد أبو علي أن التخصص في كل علوم المعرفة مستحيلاً، ولكن الذي أحاط بكل علم بطرف ثم تعايش مع مجتمعه، يكون قد أطل على ثقافة الماضي وثقافة السلف الصالح من الأجداد، مؤكدًا على أهمية أن نستفيد من تجارب السلف الصالح ونأخذ منها الجيد ونتجنب السلبي، وأضاف أنه ذكرت تجربة فتح ونضالها ومشروعها الذي سجل في النهاية تراجعًا، مؤكدًا أنه يجب أن نبحث أسباب التراجع، وهل كان المشروع ناجحًا في قضية تثقيف وخلق مشروع ثقافي ولا أقول مشروع سياسي ؟ مؤكدًا أن السياسة تنبع وتتدفق تحت الثقافة بكل معالمها.
بالتعاون بين الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين ومركز الشاطئ الثقافي عقدت الندوة الثانية لمناقشة "هموم المثقف الفلسطيني في الوقت الراهن " وقد حضر اللقاء جمهور من الكتاب والمثقفين والمهتمين الذين أكدوا أهمية دور المثقف في المجتمع، وضرورة أن يتبوأ مكانته البارزة للنهوض بمجتمعه، ودعوا خلال ندوتهم الثانية إلى مواصلة اللقاءات الثقافية والخروج بآلية عمل للنهوض بواقع المثقف ، مؤكدين على الاستفادة من تجارب السلف الصالح بما يخدم المجتمع ويساهم في رقيه ، وتخلل الندوة التي حضرها عدد كبير من المثقفين والأدباء وأساتذة الجامعات والأكاديميين والمفكرين، بالإضافة إلى عدد من المسؤولين العديد من المداخلات تمحورت حول مفهوم الثقافة والمثقف ودور المثقف وهمومه ومشاكله، وكيفية النهوض بواقعه إلى الأفضل.
وافتتح الندوة حسن أحمد رئيس مجلس إدارة مركز الشاطئ الثقافي مؤكدًا على أن المثقف هو الذي يعمل على تكريس وتقوية دعائم المجتمع، وأنه بدون الوعي والثقافة الصحيحة تنهار أسس المجتمع وقيمه، معربًا عن ترحيبه بالحضور باسم مركز الشاطئ الثقافي والاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، تلاه الكاتب محمد نصار عضو الأمانة العامة للاتحاد والذي أدار الندوة، مشيرا إلى الندوة السابقة التي حملت نفس العنوان "هموم المثقف الفلسطيني في الوقت الرهن"، مستعرضًا أبرز ما جاء في تلك الندوة على أمل الخروج من هذه الجلسة إلى جلسة ثالثة بحيث تكون هناك ورشة عمل علمية متكاملة مدروسة وموضوعية حول هموم المثقف وتنشيط المشهد الثقافي.
وتحدث الأستاذ الدكتور نبيل أبو علي معربًا عن شكره لمركز الشاطئ الثقافي على اهتمامه بأهل العقول في الوقت الذي أضحت أدوات المجتمع الفلسطيني جميعًا مكشوفة والعقل فيها خفي، وأضاف: لقد شغلنا ما يشغل بال كل مثقف وكل منتمي لهذه الأرض حينما طرحنا كلمة هموم المثقف الفلسطيني في لقاء سابق، وحاولنا تشخيص الحالة، ورأينا أن المجتمع الفلسطيني لا يمكن أن ينفصل بحال من الأحوال عن المجتمع العربي، مشيرًا إلى أن المثقف العربي أيضًا مهمومًا، وأن الشريحة المنتفعة هي شريحة أدعياء الثقافة الذين التصقوا بالحكام والملوك لتحقيق مآرب شخصية ليس فيها على سلم الأهمية أو الأولويات ما يخص الشعوب العربية جميعًا.
وفي تشخيصه للحالة في المجتمع الفلسطيني أكد أبو علي أننا أحسن حالاً من حيث الظاهر من المجتمعات العربية، لأن الرقابة الحكومية غير موجودة على ما نطرح، مؤكدًا أن كل مثقف يستطيع أن يصول ويجول، لكنه أشار إلى أن المثقف الفلسطيني أضحى في ذيل القافلة، رغم ما هو متاح للمثقف من حرية قد لا تكون متاحة في مجتمعات عربية عديدة.
وأكد أنه يفترض في المثقف أن يكون على رأس الهرم، لكن ما يجري هو انتقال التسيب من المجتمع إلى المثقف، أو بالأحرى انتقال عدوى التشاؤم من المجتمع إلى المثقف حتى رأيناه يتخذ جانبًا، وأنه غير مسموح للمثقف أن يشارك في قيادة الأمة، ولا يلتفت أحد إلى رأيه، وأوضح أبو علي أنه لا يتحدث عن حالة سياسية راهنة نتجت عن الانتخابات، وإنما عن مرض بدأ محدودًا، ثم ازداد انتشاره حتى عم جميع مرافق حياة الفلسطيني، وأضاف: يفترض أن المثقف هو ضمير وعقل الأمة وهو الذي يستشعر الخطر ويبدأ المنبه ويوقظ الساسة أصحاب القرار، لكن أدعياء الثقافة هم الذين طفوا على السطح، وأصبحوا يتحدثون باسم المثقفين وينتفعون من الراهن المعيش، متسائلاً أمام ذلك ماذا يفعل المثقف الغيور الحريص الذي جاهد حتى وصل إلى الاعتقاد بقول الشاعر لقد أسمعت لو ناديت حيًا، ولكن لا حياة لمن تنادي ؟ فالأمة التي لا تحترم المثقف هي أمة في طريق خاطئ، وأضاف: حاول البعض أن يشخص الحالة على أنها عيب في المثقف وأنه هو الذي تقوقع وانعزل عن مجتمعه، حيث قلنا لعل بعض المثقفين يتكلم بلغة لا يفهمها الشارع، ولكن ما بال السواد الأعظم من المثقفين، فإن كتب لا يجد من يقرأ ما كتب، وإن تحدث لا يجد من ينصت إليه، مشيرًا إلى أن الواقع يشخص نفسه في كل حالة.وانتقد تقصير المنابر الثقافية في تعزيز الثقافة في المجتمع.
وفي حديثه حول هذه المنابر أشار أبو علي إلى الكتاب، وقال مخاطبًا الحضور: كلكم يعمل في إنتاج الكتاب، ولكن عندما تصل إلى صناعته ستجد أنه مشروعك الشخصي وتنفق عليه من قوت أبنائك، حيث نرتضي ذلك لأننا أصحاب رسالة، وأهديك الكتاب وبعد عام عندما أسألك عنه وهل قرأته ؟، فأجدك أنك لا تعلم أين وضعته، مؤكدًا أن هذا المنبر لا يلتفت إليه صاحب قرار، كما عرج على المسرح معتبرًا أنه منبر جماهيري مهم جدًا، لكنه أكد أيضًا أنه أضحي كفاكهة لا موسم لها، وأنه إذا أردنا أن نكون أكثر صراحة سنجد أنه منبر قلما يكون في يد الفلسطيني، وإذا توفر له تمويل خارجي لأداء رسالة معينة يعرض مرة أو مرتين في دكاكين مغلقة، والمسرح بذلك يفقد رسالته وأهميته للحياة، كذلك السينما فإننا لا نسمع اليوم عن دور سينما في غزة، والضفة الغربية تعاني أيضًا مثلما يعاني القطاع، أما فيما يتعلق بالانترنت: لدينا ثورة الانترنت وهو منبر ثقافي سيطغى على باقي المنابر، ورغم تأكيده على أهمية الانترنت إلا أنه أوضح أن جميع الأيدي تعبث بنا ولا نقدم لأنفسنا ما نفعل، وعزا أبو علي ذلك لأن الانترنت منبر لا سيطرة لنا عليه ولأن أبناءنا لم يجدوا من يرشدهم إلى كيفية الإفادة منه فأضحى منبرًا في أيدي أعداء الجيل والنشء لهدم هذا الجيل وهذا النشء، والمنابر الثقافية فاقدة الأهمية والدور والرسالة، داعيًا وزارة الثقافة إلى أن تأخذ بيد المثقفين حتى يضحوا مشروعًا قوميًا ويقوموا بواجبهم الوطني، منوهًا في الوقت نفسه إلى أن هناك عبثية وأيدي عابثة، بل وذهب إلى أبعد من ذلك حينما قال: هناك من يخطط إلى الوصول إلى هذه الحالة.
وحينما نتحدث عن الحضارة تأتي أهمية الوجهات السياسية فالمعلوم أن الحضارة لا تقوم إلا إذا توفر لها ضلعان الأول هو الثقافة والثاني القوة الحامية، ونحن في حاجة إلى خطة طويلة الأجل وأخرى قصير الأجل توجه الخطاب السياسي والاجتماعي والثقافي الذي نتحدث به وجهة معينة وفي النهاية تتكامل هذه الوجهة لتصنع وجه فلسطين الثقافي.
هذا وتخلل الندوة العديد من المداخلات من قبل الحضور تمحورت حول مختلف القضايا، منها تعريف مفهوم الثقافة والمثقف، بالإضافة إلى تشخيص الحالة الثقافية، وسبل النهوض بالواقع الثقافي، وأوضح الروائي محمد نصار أن المقصود بالمثقف هو الذي يقف على رأس الهرم، أي المثقف المؤثر، مشيرًا إلى أننا نمر بأزمة خطيرة جدًا في المجتمع الفلسطيني قد تكون مدمرة، وأن المثقف هو الذي سيقود العلاج.
أما حسن أحمد فأكد أن كل مثقف مؤثر، وعندما يصبح الإنسان مثقفًا فهو في صفوة المجتمع، وقال أن البيئة السياسية والاجتماعية تلعب دورًا مؤثرًا في المثقف، وأن المناخ السائد هو الذي يلعب دورًا في مدى تأثير المثقف من عدمه، لذلك فإن المعرفة شيء تراكمي إلى أن تصبح ثقافات تتوالى، وتساءل أحمد قائلاً: كيف يستطيع الإنسان أن يبدع ويصيغ هذا الشيء مكتوبًا ؟ مؤكدًا أن الذي أنتج الرسالة هو المثقف، لكنه أشار إلى أن الذي يؤديها ربما لا يكون مثقفًا، سواءً كان فنانًا أو مذيعًا، كما أكد أن المولد الحقيقي لهذه المنابر الثقافية هو المثقف الذي يصيغ المجتمع، وأن المثقف أيًا كان فإن لديه وعي، مشيرًا إلى القول السائد "البندقية غير المسيسة قاطعة طريق" مؤكدًا في الوقت ذاته أن الإنسان بالوعي وبثقافة المجتمع تصبح هذه البندقية، بندقية تشق طريق النور أمام المجتمع كما يشقها الكاتب والمثقف.
أما فايز القدوة فقد أكد في مداخلته أن طبيعة المناخ السائد في أي مجتمع تنعكس على سلوكه، وأوضح أن البيئة التي يعيش فيها الشعب الفلسطيني والمناخ السائد بأبعاده السياسية والتنظيمية والإدارية والقانونية والأخلاقية والاجتماعية نشأت فيها ثقافة سلبية، وأضاف: قد يكون هذا جلد لأنفسنا، لكنه واقع، وأوضح أن هذه الثقافة السلبية هي غياب رؤية ورسالة وخطاب والدور الذي يجب أن يقوم فيه المثقف لمواجهة الثقافة السلبية، وأكد القدوة أنه لم تتح الفرصة في ظل هذه الأزمة وكأن شعبنا يتعرض لعملية هدم منظم مشيرًا إلى أنه في مرحلة ما قبل عام 1994 وهي مرحل الاحتلال كانت هناك قيم بيننا وهي التكافل الاجتماعي، لكن هذه القيم تضاءلت الآن، مؤكدًا أننا نحتاج إلى وقفة متكاملة لمحاور أسياسية لعملية بناء ثقافي إيجابي لتوجيه المجتمع وإنقاذه مما هو فيه، ورأى القدوة أن هذه المسؤولية تقع على عاتق المثقفين الذين تكون مصالحهم وهمهم شعبهم وانتماءهم للعقيدة والشعب، وليس لانتماءات أخرى، مؤكدًا أن الضحية هو الشعب الفلسطيني في طبقاته وشرائحه المختلفة، وهذا يستوجب وقفة من المثقفين بتمرد فيما بينهم للنهوض بهذا الشعب المقاوم مما هو فيه، حتى لا تستشري ثقافة الفساد، وأكد أن الأمر ملح لأنه خطير، وإلا فإننا مقبلون على منعطف خطير في اختلافاتنا السياسية، ومن هنا لا بد أن نقف وقفة جادة مخلصة لإعادة صياغة ثقافة إيجابية لإنقاذ أنفسنا ليس كأفراد، وإنما كشعب.
أما زهدي الكيلاني فتحدث في مداخلته حول المثقف الرائد والمميز الذي يعتبر البوصلة والأم، مؤكدًا أن هذا المثقف هو الذي يتحسس النبض ويشخص الحالة ويدخل المختبرات من أجل البحث عن وسيلة علاج، مؤكدًا أن هذه مهمة النبلاء والناس العظام، وأضاف: لم أسمع أن هناك شهيد ثقافة استشهد لأنه تحدى الحالة السلبية بمختلف تشكيلاتها، وخلص الكيلاني للقول أن المثقف هو المسؤول عن علاج الحالة، وأشار إلى أن طرق التدريس تختلف، وأن المثقف هو المعني بإيجاد الطريقة الأقرب للوصول بالمواطن في الاتجاه الصحيح، وأوضح أنه إذا عجز المثقف عن إيجاد الصيغة المناسبة فهذه هي الأزمة، مؤكدًا أن المثقف يظل هو العنوان والرائد والمعني والمسؤول ولا عذر له لأنه صاحب الرسالة.
من جهته أشار الكاتب خليل حسونة إلى اهتمام الطرف الآخر بالمثقف من خلال إطلاق اسم أحد المثقفين الإسرائيليين على شارع في القدس، ورأى أن هذا على عكسنا تمامًا، حيث أن المثقف الفلسطيني مهمشًا وأنه عندما يطرح رأيه بحرية وصراحة ومصداقية يحارب ويتهم بتهم ما أنزل الله بها من سلطان، وقال: هذا ما عانينا منه كثيرًا، رغم أن المثقف يكون أكثر غيرة وحرقة ووجع من غيره، ونوه حسونة إلى أن هناك هوّة كبيرة بين المثقف والقائمين على الثقافة، منتقدًا اهتمام بعض الكتاب الفلسطينيين بالكتابة عن الأدب اللاتيني على حساب الأدب الفلسطيني والعربي، وأشار حسونة إلى تأصيل مفهوم الثقافة، وقال ما هي الثقافة التي نريد ؟ وهل هناك فرق بين المثقف وشبه المثقف ومدعي الثقافة ؟ وما هي علاقة المثقف بالسياسي ؟ وما هو مفهوم المثقف في ظل هجمة العولمة عليه ؟ وإلى أي مدى علاقة المثقف مع الآخر ؟ ومن هو الآخر ؟ هل الذي يعارضني سياسيًا، أم أنه الغربي الذي يختلف عني في العقيدة ؟ أم هو الإسرائيلي الذي يشكل بديلاً عني؟ وهل يستطيع المثقف أن يشكل الشروط الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأيديولوجية للمرحلة القادمة ؟ مؤكدًا أن المثقف يشكل محرك للفكر، وخلص حسونة للقول: إننا نحتاج إلى ثقافة وطنية عربية إسلامية حضارية حتى نصل إلى بر الأمان.
أما الكاتب عبد الوهاب أبو هاشم فقد أكد على ضرورة وصف الأشياء الوصف الصحيح وأن نعيد للثقافي مكانته حتى يصبح قويًا يحظى بمكانته التي يليق بها ويستحقها ويؤتى إليه ولا يأتي له.
وقال رزق المزعنن أن معيار الثقافة محدد بالمعرفة.. المعرفة الواعية الممأسسة على منهج، لذلك فإن الطبقة المثقفة الواعية هي التي تعي مشروعها الذي قد يكون وطنيًا أو قوميًا، وأوضح أنه لا يوجد فرق ما بين الوعي والواقع، وما بين الوعي والمشروع، مشيرًا إلى أن المثقف حتى يشار إليه يجب أن يحمل مشروعًا، وحول الفساد أكد أنه موجود في كل مكان، لكن هناك اتجاه، حيث تبحث الشعوب عن مصلحتها، ورأى أن هذه المصلحة هي أن تتحرر وتتقدم في اتجاه التحرر من قوى الهيمنة والظلم، مؤكدًا أن المثقف هو صاحب المشروع والسياسي يلحقه، ولا يمكن أن يكون هناك مثقفًا دون موقفًا سياسيًا ومعرفيًا واعيًا.
ومن ناحيته اعتبر أحمد عطية أن كلمة ثقافة هي المحتوى الفكري والموروث في وعي الإنسان الذي يدفع تصرفه وسلوكه وعاداته وتقاليده، مؤكدًا أن كل إنسان لديه ثقافة، وأن مجمل العادات والتقاليد والتفكير والمعتقدات تشكل ثقافة، وأشار عطية إلى مصدر كلمة مثقف وعرفها لغويًا، ونوه إلى أن هناك أمراضًا ثقافية دخلت على ثقافتنا الأصيلة، وأن هذه الأمراض تؤثر بالسلب في كل تغيّر على الحالة الطبيعية من الناحية الكمية والنوعية، حيث يفترض أن نناقش هذه الأمراض بتخصص، مؤكدًا على أهمية طريقة العرض وتوصيل المعلومة، بحيث يكون هناك جودة في المنتج وأن يقدم في قالب سهل يتناسب مع العصر، كما أشار إلى أهمية تشخيص الأمراض الثقافية الموجودة في مجتمعنا وإيجاد الحلول لها من خلال وعينا وإدراكنا، بدلاً من الانشغال في تعريف الثقافة والمثقف.
أما الدكتور يوسف أبو دية رئيس جامعة الأقصى السابق فقد أشار إلى نتائج دراسة علمية خلصت بنتائج مفادها أنه لتطور الأمة لابد أن يكون هناك اثني عشر عاملاً، حيث أخذ البحث العلمي الأولوية الأولى، والعقيدة الأولوية الثانية، أما الثقافة فقد احتلت الأولوية الخامسة، بينما احتل الاقتصاد المرتبة الثانية عشرة، مشيرًا إلى أن هذه العوامل تتفاعل فيما بينها، وأن هذا التفاعل هو الذي يعطي في المحصلة النهائية الثقافة، وأضاف أبو دية: إذا كانت الثقافية محورًا أساسيًا، فإن التعليم يؤثر في الثقافة، والثقافة حينها تؤثر في السياسة، والتكنولوجيا تؤثر في الثقافة، والثقافة حينها تؤثر في الاقتصاد، وخلص أبو دية للقول: إن هناك حلقة دراسية تحتاج إلى دراسة من ذوي الاختصاص، بحيث تتشكل لجنة البحث ليس من شخص مثقف فقط، ورأى أن المثقف هو جزء يجمع جميع المعارف ويصيغها بصياغة معينة، مؤكدًا على أهمية أن تتشكل حلقات الدراسة من مجموعة من الباحثين المتنوعين مثل الاجتماعيين والاقتصاديين والتربويين وغيرهم، مع المثقف ويتفاعلوا فيما بينهم حتى تكون في المحصلة دراسة موضوعية منهجية تعرض على الإخوة المسؤولين حتى يتمكنوا من نشرها بين الناس من أجل أن نتلافى الكثير من الأخطاء التي نقع فيها.
وقال محمد أبو كرش أن المثقف هو عملية وعي شاملة تاريخية تشمل الماضي مع الحاضر والمستقبل، وأضاف: عندما نتحدث عن الثقافة بشكل مجرد فنقول: نحتاج ثقافة إيجابية، وأوضح أن هذا يغض الطرف أحيانًا أو يتناسى أن هناك ثقافات تعمل وتؤثر في كل لحظة، وتعمل على تعبئة عقول الناس سواءً المحصنة ثقافيًا أم غير المحصنة، مؤكدًا أننا إذا افترضنا أن الثقافات الأخرى الغريبة والغربية هي مضرة بثقافتنا الوطنية أو الفلسطينية، فإننا في حاجة إلى عنصر الاقتصاد من أجل تقوية ثقافتنا وتعميقها، وضرب أبو كرش مثلاً على ذلك أنه عندما نريد طباعة كتاب معين نحتاج إلى الأموال من أجل طباعته.
كما أشار أبو كرش إلى أهمية أن يندمج المثقف مع المجتمع، وقال: المثقف لا يعيش في صومعة ومنعزل عن الناس.مؤكدًا أننا في أحوج الناس للتكاتف والتعاضد وأن نحب بعضنا البعض، ورأى أن الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد للود قضية.
أما الأستاذ عبد السلام حميد فقد أكد أن المجتمع الفلسطيني يعاني من أزمة قيم، وأضاف: يتحدث الجميع أن هناك فلتان أمني، لكنه في الحقيقة هو فلتان أخلاقي في الأساس، ورأى أن الفلتان في القيم نابع من التربية، مشيرًا إلى أن الخلل لدينا يكمن في نظام التعليم، منتقدًا آلية الترفيع للطلاب المتبعة في المدارس والجامعات من أجل الحفاظ على نسبة نجاح معينة، في حين أننا نجني في النهاية نتائج سلبية تنعكس على مستويات الخريجين، وأضاف أنه قبل أن نتحدث عن الثقافة التي هي أمور عليا وإن كانت ضرورية فإن هناك أهم من الثقافة وهو التعليم.
وقالت نورا حمدان من المعروف لدينا أن المجتمع هو الذي يؤثر على المثقف وهو الذي يجعله شخصًا يائسًا بما هو موجود من عادات وتقاليد سيئة في هذا المجتمع، وقالت ألا يعقل أن يكون المثقف هو نفسه المدمر لهذا المجتمع بما يحمل من ثقافات غربية وغير موجودة، وأضافت: نريد أن نجد مثقفين أمناء لديهم دافع وحزم، مؤكدةً على ضرورة أن تكون هناك حلقة وصل واتصال ما بين المجتمع والمثقفين، وأن يكملا بعضهما البعض، ورأت أنه لا يمكن الاستغناء عن المثقف لأنه الأداة التي يتكلم ويناقض ويصلح هذا المجتمع ويحميه، وفي المقابل قالت حمدان: لا بد للمجتمع أن يكون معاونًا ومحفزًا لهذا المثقف لإبداء آرائه والنظر في قضاياه.
أما الدكتور محمد حسونة المحاضر في جامعة الأقصى فقد رأى أن المثقف في مأزق هو الذي صنعه وصممه بأيديه، وعزا السبب في ذلك إلى أن المثقف وضع نفسه في روافد ثقافية مسيّجة، يرتبط كل رافد منها بالأيديولوجيا التي يعتنقها المثقف، كما أشار إلى أن الموضوعات التي يتناولها المثقف مسيّجة أيضًا، وتتلخص جميعها في الهم السياسي، مع بعد المثقف كل البعد عن حسحسة النسيج الاجتماعي، مؤكدًا أن حياتنا لا تقتصر على الهم السياسي فحسب، وإنما هناك همومًا اجتماعية واقتصادية ونفسية وغيرها، ورأى حسونة أن المتلقي أمام خلطة ثقافية وثقافة متحولة، مشيرًا إلى أن إبداعات الكتاب الفلسطينيين الذين يكتبون القصص والروايات والمسرحيات غير قادرة على أن تقفز من فوق السياج السياسي إلى الموضوعات الأخرى، وتساءل حول سبل تقديم ثقافة للمتلقي من خلال الكتابات المتنوعة المختلفة التي من شأنه تعديل الأنماط السلوكية، وأشار حسونة إلى أنه لاحظ أن هناك خلطًا ما بين الثقافة والأنماط السلوكية، مبديًا اختلافه مع المتحدثين الذين رأوا أن الثقافة هي أنماطًا سلوكية، واعتبر حسونة أن الأنماط السلوكية هي ناتجة عن الثقافة.
ومن جانبه رأى الأستاذ عبد الحافظ شحادة أنه ليست هناك إشكالية ثقافية بقدر ما هناك إشكالية سياسية، وأوضح أن هناك عملية إقصاء للمثقفين ودورهم في المجتمع، وأكد شحادة أن هناك مفهومًا للثقافة وأنه يجب ألا نجهد أنفسنا كثيرًا في وضع تعريفات لها، في حين أن كل إنسان له الحق أن يضع مفهومًا إجرائياً للثقافة كما يريد، مؤكدًا في الوقت ذاته على ضرورة أن نفرق بين المتخصص في لون معين، وبين المثقف الذي يجمع بين جملة من المعارف بالإضافة إلى الجانب التخصصي أو المتبحر فيه، ونوه شحادة إلى ثقافة التبرير المنتشرة في المجتمع، كما أشار إلى أن المثقف هو الذي قاد الثورات في العالم، مؤكدًا في الوقت نفسه أن رأس الهرم السياسي يستطيع أن يصنع المجتمع من خلال إبراز دور المثقفين.
وتحدث عبد الله أبو الهنود وكيل مساعد هيئة التوجيه السياسي والوطني على أهمية الثقافة والدور الذي يلعبه المثقفون في المجتمع، وأوضح أنه منذ عشرة أعوام مضت ونحن نتحدث عن المثقف ودوره ومن هو المثقف ولم نستطع أن نشخص المسألة بشكل واضح ودقيق وحاسم، متسائلاً حول الأسباب التي أدت إلى ألا يكون للمثقف دورًا فاعلاً في المجتمع ليساهم في استنهاض المجتمع باتجاه المصالح العليا للشعب الفلسطيني؟ وأضاف أين الدور الضاغط من أجل أن يأخذ المثقفون دورهم الفاعل والمميز للنهوض بالمجتمع الفلسطيني ؟ وأكد أبو الهنود أن الثقافة لها مجالات واسعة، وقال: جئت اليوم لأستمع إلى فكرة جاءت في ذهني ويمكن من خلال الإصلاحات الثقافية أن نبلورها، مشيرًا إلى أننا اليوم في مرحلة وحقبة جديدة من الزمن السياسي والثقافي والمجتمعي.
أما الفنان المسرحي علي أبو ياسين فقد أكد أن هناك أزمة ثقافية على مستوى العالم العربي ككل وليست مقتصرة على المجتمع الفلسطيني، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك حينما قال: إننا أفضل حالاً من المجتمعات العربية، سواءً من ناحية تجسيد الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، أو من الناحية الثقافية، وعلل على ذلك بالمقالات السياسية التي تنشر في الصحف الفلسطينية والتي تعبر وتشخص الحالة وتنتقد، ورأى أنها أكبر دليل على أنه يوجد لدينا حرية في التعبير وحرية ثقافة، كما أشار أبو ياسين إلى أن اللقاءات الثقافية التي تعقد في بعض البلدان العربية لا يحضرها سوى عدد قليل جدًا من المثقفين، بينما اللقاءات الثقافية التي تعقد لدينا يحضرها عدد كبير من المثقفين، مؤكدًا أن هناك اهتمامًا بالثقافة في مجتمعنا، هذا فضلاً عن أن مستوى العمل الإبداعي الأدبي الفلسطيني أعلى بكثير من الأعمال الأدبية الأخرى، أما العروض المسرحية التي تقام في المسارح القومية فهي لا تشهد إقبالاً، مقارنة بالمسارح التجارية، مؤكدًا أن لدينا مبدعين على كافة الأصعدة الفنية والأدبية، لكن ينقصنا الإعلان عنهم، مشيرًا إلى أن هناك تقصيرًا من الإعلام بحقهم ولم ينصفهم.
وعقب الأستاذ الدكتور نبيل أبو علي على مداخلات الحضور، مؤكدًا أن مفهوم الثقافة كان في عقول أسلافنا منذ العصر الإسلامي الأول، وأنه لسنا في صدد تعريف الثقافة والمثقف، مشيرًا إلى أنها كلمة أصيلة في معجمنا العربي ولها دلالة، وأكد أبو علي أن المتعلم هو نواة، وأنه إذا أحاط من كل علم بطرف أضحى مثقفًا، مشيرًا إلى أن الثقافة في أبسط تعريفها هي الإحاطة من كل علم بطرف، ثم بعد ذلك التعاطي مع المجتمع والعيش في داخله، وأضاف أن الإشكالية ليست في مفهوم الثقافة أو أن نعرف المعرف، وإنما الإشكالية تكمن في البحث عن طريقة تعيد المثقف إلى موقع التأثير في المجتمع، مؤكدًا أنه إذا وجدنا هذه الطريقة تكون هذه اللقاءات قد أفلحت، مشددًا على ضرورة أن نبحث كل الأسباب ليحدث هذا التكامل ونعيد المثقف إلى موقع التأثير، واتفق أبو علي مع ما قاله علي أبو ياسين حول تفشى الأزمة الثقافية في الوطن العربي، وقال: هناك أزمة ثقافة ومثقفين في الوطن العربي بأسره، لكننا نعاني من حالة لها خصوصية، حيث نبحث عن دور للنشر، ولا نبحث عن شهداء في الثقافة، وأضاف: لدينا ما نحمد ونحسد عليه أنك تستطيع أن تقول ما تشاء، الأمر الذي خلط الحابل بالنابل، وخلط المثقف بغير المثقف، والإيجاب بالسلب.
وحول أسباب الأزمة قال أبو علي: قد تكون جميع الأسباب التي طرحت مجتمعة، وأضف إليها عامل الاحتلال الذي مازال موجودًا هي سبب الأزمة، لكنه تساءل: هل نبقى نتحدث عن أزمة، أم أننا نبحث عن حلول ومخرج، مؤكدًا أن هذا المجتمع لن ينهض إلا إذا تبوأ المثقف سلم الأولويات، ورأى أنه لا فرق بين مثقف وسياسي واجتماعي، وأن المثقف هو السياسي والاجتماعي إذا أحاط بباقي ألوان المعرفة، وألا يحبس نفسه في داخل الخندق ويدعي الثقافة، وهنا يصبح متخصصًا في لون معين، وأكد أبو علي أن التخصص في كل علوم المعرفة مستحيلاً، ولكن الذي أحاط بكل علم بطرف ثم تعايش مع مجتمعه، يكون قد أطل على ثقافة الماضي وثقافة السلف الصالح من الأجداد، مؤكدًا على أهمية أن نستفيد من تجارب السلف الصالح ونأخذ منها الجيد ونتجنب السلبي، وأضاف أنه ذكرت تجربة فتح ونضالها ومشروعها الذي سجل في النهاية تراجعًا، مؤكدًا أنه يجب أن نبحث أسباب التراجع، وهل كان المشروع ناجحًا في قضية تثقيف وخلق مشروع ثقافي ولا أقول مشروع سياسي ؟ مؤكدًا أن السياسة تنبع وتتدفق تحت الثقافة بكل معالمها.

التعليقات