بيـان صـادر عــن حركـة التحريــر الوطنـي الفلسطينـي في لبنـان

بيــــان صــــادر عـــــن

حركـــــة التحريـــــر الوطنـــي الفلسطينــــي لبنــــان

بمناسبــــة الذكــــرى الثامنــــة والثلاثــــين

لمعركــــة الكرامـــة الخالـــدة

إن لواقعة الكرامة صدى أزلي. فمنذ خلق الفلسطيني كانت الكرامة. عاشت فيه. نمتْ في أحضانه، مجسّدة معاني الثبات على درب التضحية والوفاء.

إن في هذا الإنسان من الفضيلة والنبل ما يكفي ليكون وسام الأحرار والشرفاء في العالم. فملحمة الكرامة نموذجاً خلاقاً للتضحية بأبهى مظاهرها، وللعنفوان بأقصى أبعاده. هي هذا الفلسطيني.

هذه الواقعة الخالدة كانت لحظة انبثاق تاريخية للهويّة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بأبعادها ومحدداتها، انطلاقاً من هزيمة النظام العربي الرسمي وعجزه عن تحقيق هدف تحرير فلسطين، والنكسة التي تجاوزته إلى الجماهير العربية والإسلامية. فالشهيد الخالد ياسر عرفات الذي تصدى مع مجموعة صغيرة من الفدائيين الأبطال – مئة وخمسين مقاتلاً، أعلن يومها بداية الزمن الفلسطيني، كردّ على سياسية النكران والتجاهل التي مارسها العدو ضد شعبنا على مدى عقدين من الزمن.

وعليه، فقد أسست هذه الكرامة الأسطورية لكل مسيرتنا المظفرة ولكل ما حملته من محطات وإنجازات عظيمة على درب الحرية، معمّدة بالدماء الطاهرة والعذابات والصبر، وكرست معادلة الارادة والتضحية في مواجهة آلة القوة والعدوان.

يـــــا أبنـــــاء شعبنـــــا الفلسطينـــــي العظيــــــم:

إن عظمة حركة التاريخ الفلسطيني الحديث – فتح – برزت من خلال قدرتها على تعديل الخلل الفادح في موازين القوى، من خلال اختيارها الواقعية السياسية الموازية لخيار الكفاح المسلح، كحق شرعي لشعب يناضل في سبيل تقرير مصيره وبناء الدولة الديمقراطية العصرية التي عاصمتها القدس وعودة اللاجئين إلى وطنهم وديارهم. فحركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح شكلت من نموذج بنائها الفريد إطاراً يجمع فئات الشعب الفلسطيني وتوجهاتهم في وحدة نضالية – حضارية نادرة، مجمعة على الهدف المقدس من خلال الممارسة العملية. وما تحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر في الكرامة سوى الدليل النوعي على صوابية فكر الحركة ونهجها. ملحمة الفتح في الكرامة عدّلت مسار الهزيمة التي انتجتها نكسة العام 1967 الى إيمان بالقدرة العربية على الصمود والنصر، وشكلت فاتحة لملاحم أخرى كثيرة عسكرية وسياسية، ولا يمكن حصرها.

فالتدقيق بالمسيرة الكفاحية لشعبنا الفلسطيني يقودنا الى استكشاف الترابط العضوي بين حركة فتح الرائدة والطليعية مع كل موقف ومنعطف ومحطة صمود خاضتها أو صنعتها. وليس غريباً أن نرى حركة فتح وبشخص الشهيد الخالد ياسر عرفات في قلب الميدان وأمام قادتها ومناضليها فدائياً وقائداً ورمزاً للإرادة الوطنية والعنفوان المبني على الإيمان بشعب عظيم وقضية عادلة. من هذه الحركة انبثقت العمليات البطولية داخل الأراضي المحتلة عام 1948 والتي طالت كل مكان تواجد فيه العدو.

هو تاريخ يبدأ منذ الطلقة الأولى مروراً بسلسلة لا تنتهي من الكفاح والتضحيات. لكن الكرامة كانت شرارة العمل الإستشهادي، يوم أطعم أبطالنا لحوم أبدانهم لجنازير دبابات العدو، وحيث سجل الشهيد ربحي إسمه في سجل الخالدين كأول استشهادي في الثورة الفلسطينية المعاصرة.

يـــــا أبنـــــاء الفتــــح وجماهيرهـــــا المخلصـــــون:

وإذ نستلهم من شهر آذار ذكرى ملحمة الكرامة، فإن الشهيدة دلال المغربي ورفاقها وكل من سبقها ولحقها، هم أبناء هذه المدرسة العملاقة ، لأن المقاومة والصمود شكلا الوجه المضيء لهذه الحركة رغم ضراوة وقوة المشروع الصهيوني العنصري وانفلات السياسية الأميركية العدوانية من الضوابط الإنسانية والأخلاقية، والتي شهدنا آخر فصولها بالأمس في أريحا.

فبوصلة حركتنا الرائدة لم تحد يوماً عن الإشارة الى ما هو مصلحة لشعبنا، ودائماًُ بتحديد أولوية الصراع مع العدو المتغطرس والعنصري، الذي لم يتردد يوماً عن محاولة شطب شعبنا وقضيته عن خارطة الوجود.

ومن خلال وعي حركتنا المبكر للطبيعة الاستعمارية للمشروع الصهيوني، فإن طيف الكرامة الخالدة كان ولا يزال حاملاً غصن الزيتون والبندقية، حيث نؤمن بتنوّع الخيارات لصالح وحدة الهدف، فلا نفرّق بين صمود القائد الشهيد ياسر عرفات وإخوته في الكرامة عن صموده في كامب ديفيد.

إن حركة آلاف الشهداء من القادة والمناضلين، ملهمة شرفاء العالم وأحراره، تستحق اهتمام أبنائها والغيورين على مسيرتها.

لذلك فإن انتظام عمل المؤسسات والأطر الداخلية فيها هو دليل قناعة بأهمية الحركة ودورها الريادي في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني. هذه الحركة التي تفرغت لسنوات طويلة لخدمة شعبنا وقيادة مشروعه الوطني بحاجة الآن الى إعادة بناء وتفعيل داخلي، لإيماننا بأن شعبنا وقواه الحيّة يكونا فاعلين من خلال قوة وصلابة الحركة ودورها المميّزين.

يـــــا أبنـــــاء الفتـــــح وأنصــــارها الأوفيــــاء:

لقد جسّدتم بدمائكم وأعماركم هويتنا الوطنية التي باتت حقيقة ساطعة في ذاكرة العالم وثقافته، وأعطيتم للكيانية الفلسطينية مكاناً بين الأمم العظيمة، رغم فداحة الخسائر ووحشية العدو الغاصب، الذي يمثل رأس حربة المشروع الإستعماري لفلسطين والمنطقة كلها. لقد حققتم إنجاز الخصوصية الوطنية لشعبنا من خلال استقلالية قرارنا. أجل، لقد سجل قادة حركتنا قدرة خلاقة في حماية فتح وقضية شعبنا عامة من الإرتهان والإلحاق السياسي – يكفي أن ثلثي لجنتها المركزية سقطوا شهداء. كما حافظتم وبإخلاص على رباط الأخوة والانتماء مع أهلنا في الوطن العربي كله، وبنيتم أوسع الصلات مع العالمين الإسلامي والدولي.

لقد أعطيتم أمثولة نادرة في أصول الديمقراطية والتزمتم كل ما تقتضيه موجبات تكريسها، وتعاملتم دائماً كطليعة لشعب الجبارين، بعيداً عن التحزب والفصائلية الضيقة، لإيمانكم الدائم بأهمية الوحدة الوطنية والتنوّع في البيت الوطني. لقد التزمتم الثوابت الوطنية وصنتم مواثيقها وحملتم حق عودة اللاجئين في مبادئكم.

وعليه فإن حركتكم – فتح باقية معكم في الموقع الذي عهدتموها، تواصل وإاياكم نهج الكرامة ودرب مبدعها الشهيد الخالد ياسر عرفات وإخوته الشهداء. فلا يهمها الصفة الرسميّة التي تتحدث منها لأن المهم هو الغاية والهدف النبيل الذي تسعى لتحقيقه.

إن كل ما أنجزه شعبنا وحققه في مسيرته العظيمة، هو من روح الكرامة الخالدة. لذلك فإن ذكرى هذه الملحمة تستحق النقش على لوح الذهب الفلسطيني، وتسجيلها يوماً وطنياً كعنوان لذاكرتنا المعاصرة.

فالتحية لروح الشهيد الخالد ياسر عرفات وإخوته، الذين أعلنوا نهاية التراجع أمام العدو وافتتحوا زمن الوجود الفلسطيني.

التحية لشعبنا العظيم الذي يمثل جوهر الكرامة والإرادة والتضحية. التحية لشهداء المسيرة الأبرار، ولجرحانا الصابرين. التحية لأسرانا ومعتقلينا البواسل.

وإنهــــــا لثــــــورة حتـــــى النصــــــر

حركـــــة التحريــــر الوطنــــي

الفلسطينــــي – فتح

لبنــــان

21/3/2006

التعليقات