وثائق سرية أميركية:التمرد الداخلي كان الهاجس الأكبر لصدام إبان الحرب و رفض تفجير الجسور لوقف تقدم القوات الأميركية
غزة-دنيا الوطن
عندما كانت الطائرات الحربية الأميركية تمر فوق الرؤوس بعد أسبوعين على بدء الغزو للعراق، كان الفريق رعد مجيد الحمداني يقود سيارته باتجاه بغداد للقاء مهم مع الزعيم العراقي، ليلتمس منه تعزيزات لتقوية دفاعات العاصمة العراقية والسماح له بتفجير جسر نهر الفرات الواقع في جنوب المدينة لمنع تقدم القوات الأميركية.
لكن صدام حسين ودائرته المقربة من المساعدين لهم أفكار أخرى عن كيفية خوض الحرب. فمع قناعته بأن الخطر الأساسي لنظامه يأتي من الداخل، سعى الرئيس المخلوع إلى إبقاء الجسور سليمة كي يتمكن من إرسال الوحدات العسكرية في حالة تمرد الشيعة.
كانت تلك الحادثة واحدة من الكثير من الحوادث، التي وصفت بأنها سرية في تقرير حربي أميركي، مع وثائق ومقابلات أخرى تظهر كيف كان صدام حسين مشغولا بالتهديد القادم من داخل بلده، والذي كان يشل جيشه لمحاربة التهديد القادم من الخارج.
لم يحصل الفريق الحمداني على أية مساعدة حقيقية من حيث زيادة عدد الجنود، ولم تأت الموافقة على تفجير الجسر إلا متأخرة. وتمكن العراقيون من تدمير إحدى دعامتيه، لكن الجنود الأميركيين تمكنوا لاحقا من عبوره.
وخلال المعارك لم تثبت أي من وسائل الدفاع العراقية فعالية في محاربة الغزاة، عدا «فدائيي صدام». وهم في الأخير انضموا إلى التمرد، وما زالوا يعكرون الوضع في العراق، لكن ذلك لم يحدث بالدرجة الأساسية ضمن تخطيط مسبق، أكثر مما هو ناجم عن إهمال.
وتظهر التقارير أن صدام كان شديد الحذر من الانقلابات، ويخاف من الانتفاضات ضده، وهذا ما جعله لا يثق بآمري الوحدات والجنود. ونتيجة لذلك اتخذ بنفسه قرارات حاسمة عديدة، واعتمد على ولديه للاستشارة العسكرية، وفرض إجراءات أمنيبة كانت في الحقيقة تقيد قواته. وهو قام بذلك بعدة طرق:
أولا: كان الديكتاتور العراقي سريا جدا، وأبقى المعلومات منفصلة عن بعضها البعض بالنسبة للآمرين الكبار، وهذا ما جعلهم يندهشون جدا، حينما أخبرهم قبل الحرب بثلاثة أشهر، أنه لا يمتلك أسلحة دمار شامل، وهذا ما أدى إلى إضعاف معنوياتهم، لأنهم كانوا يضعون في الحساب تلك الكميات المخزونة من الغاز السام، أو الأسلحة الجرثومية للدفاع عن الوطن.
ثانيا: وضع جنرالا في قيادة الحرس الجمهوري الخاص، على الرغم من سمعته المنتشرة بأنه غير كفء وسكير، وهذه القوات كلفت حماية العاصمة، وكان السبب وراء اختياره هو اعتباره مواليا.
ثالثا: أدار صدام حسين الحرب على مستوى مصغر، بحيث أنه لم يسمح لقادته العسكريين، بأن يحركوا القطعات بدون موافقة بغداد ومنع الاتصالات بينهم.
رابعا: كانت عمليات «فدائيي صدام» غير مرتبطة بالقادة العسكريين المسؤولين عن قوات تقليدية، ولم يسمح لوحدات الحرس الجمهوري أن تتصل بوحدات قريبة منها وتنضوي تحت نفس الفرقة. ولم يكن بإمكان القادة العسكريين أن يحصلوا حتى على خرائط دقيقة للأرض القريبة من مطار بغداد، لأن ذلك سيحدد مواقع قصور صدام حسين.
والكثير من هذه المواد موجودة في وثيقة سرية، تم إعدادها على يد ضباط أميركيين، وهي تكشف عن الكيفية التي حارب صدام حسين وآمروه بها. وللحصول على هذه المعلومات التي تدخل كمادة تاريخية عن الحرب، تم استجواب 110 مسؤولين وضابط عراقيين، دعي بعضهم إلى حفلات عشاء سخية لجعلهم يتكلمون عن أسرار الحرب، بينما تم استجواب آخرين في مراكز الاعتقال بمطار بغداد أو في سجن أبو غريب. وقال طارق عزيز نائب رئيس الوزراء السابق ضمن أحد التقارير للمحققين الأميركيين «قبل بدء الحرب بأسابيع قليلة، كان صدام ما زال يعتقد أن الأميركيين لن يستخدموا قوات برية. وظن أنهم لن يحاربوا على الأرض، لأنها ستكون مكلفة للأميركيين».
وعلى الرغم من الهزيمة الكبيرة، التي لحقت بقواته في حرب الخليج عام 1991، فإن صدام حسين لم ير الولايات المتحدة خصما أساسيا. كان خوفه الأكبر هو، أي انتفاضة شيعية مثل تلك التي هزت حكومته بعد حرب عام 1991.
وكان بعض من ضباطه الكبار قد اقترحوا استراتيجية جديدة للدفاع عن الوطن تشابه استراتيجية روسيا في هزيمتها لنابليون، ثم هتلر لاحقا عن طريق الانسحاب من أراض للعدو الغازي. ومع قبائل عراقية مسلحة تسليحا جيدا شبيهة بقوات الأنصار الروسية، ستلعب قوات مدرعة بما فيها الحرس الجمهوري دورا أقل أهمية.
لكن صدام رفض الاقتراح. فتسليح العشائر المحلية يشكل خطرا كبيرا لحكومته التي تعيش في خوف من وقوع انتفاضة شعبية ضدها.
بدلا من ذلك ركز صدام على تشكيل قوات «فدائيي صدام» شبه العسكرية والمسلحة ببنادق كلاشينكوف، وقاذفات القنابل المحمولة على الكتف مع أسلحة صغيرة أخرى تناسب دورها، لحماية مقرات حزب البعث ومواجهة المعارضة الشيعية في حالة وقوع انتفاضة، حتى قدوم وحدات أكثر تسلحا تكون قادرة على سحقهم.
وكان صدام حسين قلقا أيضا من جيرانه في الشرق. فمثل إدارة بوش، كان يشك بتطوير إيران لأسلحة نووية وأسلحة دمار شامل أخرى. وكان الجيش العراقي يقوم كل عام بمناورة عسكرية اسمها «الصقر الذهبي»، ويتم التركيز فيها على الدفاع عن حدود العراق مع إيران.
واعتبرت الولايات المتحدة أقل خطورة، لأن صدام كان مقتنعا من أن واشنطن غير مستعدة للقبول بعدد كبير من الضحايا بين صفوف جنودها. وفي عام 1991 برر الرئيس الأسبق جورج بوش عدم احتلال بغداد، لتجنب المآزق التي تنجم عن احتلال العراق، لكن صدام حسين فسر ذلك بأن الولايات المتحدة خائفة من دفع ثمن لأي عمل عسكري ضد نظامه.
وقال طارق عزيز إن «صدام كان قلقا من وقوع اضطرابات داخلية بين العشائر، أثناء قصف بغداد أو بعدها»، بينما قال مساعدون آخرون للرئيس العراقي الأسبق، إن الولايات المتحدة ستكتفي بالقصف الجوي وقد تحتل حقول النفط الجنوبية.
* خطوات لتجنب الحرب
* مع ذلك اتخذ صدام حسين بعض الخطوات لتجنب الحرب. فبينما كانت الجهود الدبلوماسية تبذل من قبل ألمانيا وفرنسا وروسيا لمنع الحرب، رفض مقترحات بعض ضباطه الكبار بتلغيم الخليج، خوفا من أن تستخدم إدارة بوش عملا من هذا النوع كحجة للهجوم، حسبما جاء في الدراسة التي أعدتها قيادة القوات المشتركة الأميركية.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2002، قال لضباطه الكبار إن العراق لا يمتلك أية أسلحة غير تقليدية، مثل الأسلحة النووية أو الكيماوية أو البيولوجية، حسبما جاء في تقرير «مجموعة استقصاء العراق»، وهي قوة مهام شكلتها وكالة الاستخبارات المركزية للتحقيق في برامج أسلحة العراق. وكان الرئيس العراقي السابق يريد أن يجعل ضباطه يعلمون أنهم لا يستطيعون الاعتماد على أسلحة الغازات السامة، أو الأسلحة الجرثومية في حالة اندلاع الحرب. وقال طارق عزيز إن الكشف عن أن خزائنهم خالية من أسلحة كهذه، زاد من الشعور بالاحباط بينهم.
ولضمان أن العراق يتجاوز الفحص، الذي سيقوم به مفتشو الأسلحة الدوليون، أمر صدام حسين بأن يقوم ضباطه الكبار بإعطاء كل التسهيلات، التي يطلبها المفتشون منهم. ثم أمر بتدمير كل الآثار الخاصة بالأسلحة غير التقليدية، التي كان العراق يغص بها مثل الأسلحة الكيماوية والعوامل البيولوجية وصواريخ سكود، حسبما جاء في تقرير مجموعة استقصاء العراق.
لكن طاعة صدام حسين للقرار الدولي لم تكن كاملة. فإعلانات العراق للأمم المتحدة بخصوص مخزون الأسلحة السرية التي يمتلكها العراق، والكيفية التي تم التخلص منها كانت قديمة وفيها فجوات. ولم يكن صدام حسين مستعدا للسماح لعلماء أسلحته بمغادرة البلد، حيث يستطيع مفتشو الأمم المتحدة أن يستجوبوهم خارج السيطرة الحكومية.
في الوقت نفسه حاول الديكتاتور العراقي السابق، أن يردع إيران والأعداء الداخليين، من خلال إبقاء قدر من الغموض حول أسلحته غير التقليدية، على الرغم من تعاونه مع مفتشي الأمم المتحدة. وسمى الجنرال الحمداني قائد الحرس الجمهوري لاحقا، هذه الاستراتيجية بـ«الردع من خلال الخوف».
وآلت هذه الاستراتيجية إلى تصور مغلوط مزدوج. فحينما تكلم وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي، في فبراير (شباط) 2003 عرض بعض الأدلة من خلال صور ومكالمات هاتفية، تم التنصت لها تبين أن العراقيين يحاولون الإسراع في تنظيف المواقع المشتبه بوجود أسلحة غير تقليدية فيها. واعتُبرت مساعي صدام حسين لإزالة أية بقايا من برامج أسلحة غير تقليدية من قبل المسؤولين الأميركيين، بأنها محاولات لإخفاء الأسلحة. وهذا ما جعل أكثر الخطوات التي قامت بها الحكومة العراقية لتقليل شبح الحرب استُخدمت ضدها، وهذا ما زاد احتمال وقوع الحرب.
وأثار تقديم باول للأدلة دهشة بعض المسؤولين العراقيين الكبار أيضا. وظن عبد التواب ملا حويش، الذي كان يشرف على الصناعة العسكرية في العراق، أن باول يعرف كل أسرار الحكومة. لكن مسؤولي إدارة بوش، كانوا مصرين جدا إلى الحد التي جعلته يشك في احتمال امتلاك العراق لأسلحة محرمة. وقال للمحققين بعد الحرب «أنا أعرف الكثير، لكنني أتساءل لماذا كانت إدارة بوش مقتنعة بأننا نمتلك هذه الأسلحة».
* الحيطة ضد وقوع انتفاضة
* مع اقتراب الحرب، اتخذ صدام حسين خطوات لقمع أية انتفاضة. إذ تم نشر وحدات فدائيي صدام شبه العسكرية في كل أنحاء الجنوب. كذلك قسم الديكتاتور العراقي السابق العراق إلى أربع مناطق، يقود كل منها واحد من حاشيته المقربة. وهدفت تلك الخطوة إلى مساعدة الحكومة إلى منع وقوع أية تهديدات لها بما فيها الانتفاضة أو أعمال الشغب. وتحت عدم ثقة صدام حسين بجيشه، تم نشر الوحدات النظامية بالقرب من كردستان أو بالقرب من الحدود الإيرانية، بعيدا عن العاصمة. ولم يبق من الجيش العراق سوى قوات الحرس الجمهوري الخاصة في بغداد. ثم فرضت مجموعة قيود جعلت آمري الوحدات أمام وضع صعب، لممارسة القيادة العسكرية.
وقال سلطان هاشم أحمد الطائي وزير الدفاع السابق، الذي تميز كضابط خلال الحرب مع إيران «أنا في الواقع أصبحت مساعدا لقصي، أقوم فقط بجمع وتوصيل المعلومات له». وجاء ذلك في جلسة استجواب، أشار فيها إلى ابن صدام الأصغر قصي.
ولحماية بغداد اختار صدام، العميد برزان عبد الغفور سليمان مجيد التكريتي، وهو ابن عم مقرب له، كي يقود قوات الحرس الجمهوري الخاصة، على الرغم من أنه لا يمتلك أية خبرة ميدانية، وفشل في كلية الأركان العسكرية، وكان معروفا عليه بالإدمان على الكحول. وحينما سئل عن مهارات هذا القائد، ضحك وزير الدفاع السابق على سؤال المحقق. مع ذلك فإن قائد الحرس الجمهوري الخاص، كان موضع مراقبة دقيقة من قبل رجال مخابرات صدام، وقال للمحققين الأميركيين لاحقا، إنه كان يتقلد أخطر عمل في العراق. وأضاف «كانوا يراقبونك حينما تذهب إلى الحمام. وكانوا يستمعون لكل شيء تقوله، ويتجسسون على كل شيء».
حينما بدأت الحرب وجد القادة الميدانيون أنفسهم مقننين بعدد كبير من التقييدات، من ضمنها منع الاتصالات الهاتفية لتقليل احتمال وقوع انقلاب عسكري.
وقال قائد فيلق الحرس الجمهوري الأول للمحققين: «كان علينا أن نستخدم وسائلنا الخاصة للتنصت، لنعرف أين مواقع الوحدات الأخرى بالنسبة لنا. نحن لم يسمح لنا بالاتصال مع الوحدات العائدة لنا».
بل وحتى مع تحرك الأميركيين السريع شمالا، لم يقيِّم صدام حسين جدية التهديد. فبينما فاجأ «فدائيي صدام» قوات التحالف بمقاومتهم الشديدة وهجماتهم المباغتة، تم في الوقت نفسه التغلب على القوات العراقية النظامية.
وفي اجتماع جرى يوم 12 أبريل (نيسان) توقع الجنرال الحمداني قائد فيلق الحرس الجمهوري الثاني، وبشكل صحيح، أن يكون الجيش الأميركي قد خطط ليمر بـ«منخفض كربلاء» في طريقه إلى بغداد. لكن وزير الدفاع السابق لم يكن مقتنعا. وحاجج بأن الهجوم من الجنوب كان خدعة، وأن الهجوم الأميركي سيبدأ من الغرب، وربما يكون تحت تحريض من إسرائيل. وفي ذلك اليوم أمر صدام حسين قادته العسكريين أن يستعدوا لهجوم أميركي يأتي من الأردن.
ومن باب الاسترضاء، مُنح الجنرال الحمداني سرية عمليات خاصة، كتعزيز لوحدته ثم أخيرا سُمح له بتدمير جسر نهر الفرات، الواقع في جنوب غربي بغداد، لكن ذلك كان بعد فوات الأوان بكثير. وقال أحد ضباط الأركان الكبار في الحرس الجمهوري للمحققين: «لم نظن أن قوات الحلفاء ستذهب صوب بغداد. كنا نعتقد أنها ستذهب إلى البصرة، وربما إلى العمارة ثم تنتهي الحرب».
* «نيويورك تايمز»
عندما كانت الطائرات الحربية الأميركية تمر فوق الرؤوس بعد أسبوعين على بدء الغزو للعراق، كان الفريق رعد مجيد الحمداني يقود سيارته باتجاه بغداد للقاء مهم مع الزعيم العراقي، ليلتمس منه تعزيزات لتقوية دفاعات العاصمة العراقية والسماح له بتفجير جسر نهر الفرات الواقع في جنوب المدينة لمنع تقدم القوات الأميركية.
لكن صدام حسين ودائرته المقربة من المساعدين لهم أفكار أخرى عن كيفية خوض الحرب. فمع قناعته بأن الخطر الأساسي لنظامه يأتي من الداخل، سعى الرئيس المخلوع إلى إبقاء الجسور سليمة كي يتمكن من إرسال الوحدات العسكرية في حالة تمرد الشيعة.
كانت تلك الحادثة واحدة من الكثير من الحوادث، التي وصفت بأنها سرية في تقرير حربي أميركي، مع وثائق ومقابلات أخرى تظهر كيف كان صدام حسين مشغولا بالتهديد القادم من داخل بلده، والذي كان يشل جيشه لمحاربة التهديد القادم من الخارج.
لم يحصل الفريق الحمداني على أية مساعدة حقيقية من حيث زيادة عدد الجنود، ولم تأت الموافقة على تفجير الجسر إلا متأخرة. وتمكن العراقيون من تدمير إحدى دعامتيه، لكن الجنود الأميركيين تمكنوا لاحقا من عبوره.
وخلال المعارك لم تثبت أي من وسائل الدفاع العراقية فعالية في محاربة الغزاة، عدا «فدائيي صدام». وهم في الأخير انضموا إلى التمرد، وما زالوا يعكرون الوضع في العراق، لكن ذلك لم يحدث بالدرجة الأساسية ضمن تخطيط مسبق، أكثر مما هو ناجم عن إهمال.
وتظهر التقارير أن صدام كان شديد الحذر من الانقلابات، ويخاف من الانتفاضات ضده، وهذا ما جعله لا يثق بآمري الوحدات والجنود. ونتيجة لذلك اتخذ بنفسه قرارات حاسمة عديدة، واعتمد على ولديه للاستشارة العسكرية، وفرض إجراءات أمنيبة كانت في الحقيقة تقيد قواته. وهو قام بذلك بعدة طرق:
أولا: كان الديكتاتور العراقي سريا جدا، وأبقى المعلومات منفصلة عن بعضها البعض بالنسبة للآمرين الكبار، وهذا ما جعلهم يندهشون جدا، حينما أخبرهم قبل الحرب بثلاثة أشهر، أنه لا يمتلك أسلحة دمار شامل، وهذا ما أدى إلى إضعاف معنوياتهم، لأنهم كانوا يضعون في الحساب تلك الكميات المخزونة من الغاز السام، أو الأسلحة الجرثومية للدفاع عن الوطن.
ثانيا: وضع جنرالا في قيادة الحرس الجمهوري الخاص، على الرغم من سمعته المنتشرة بأنه غير كفء وسكير، وهذه القوات كلفت حماية العاصمة، وكان السبب وراء اختياره هو اعتباره مواليا.
ثالثا: أدار صدام حسين الحرب على مستوى مصغر، بحيث أنه لم يسمح لقادته العسكريين، بأن يحركوا القطعات بدون موافقة بغداد ومنع الاتصالات بينهم.
رابعا: كانت عمليات «فدائيي صدام» غير مرتبطة بالقادة العسكريين المسؤولين عن قوات تقليدية، ولم يسمح لوحدات الحرس الجمهوري أن تتصل بوحدات قريبة منها وتنضوي تحت نفس الفرقة. ولم يكن بإمكان القادة العسكريين أن يحصلوا حتى على خرائط دقيقة للأرض القريبة من مطار بغداد، لأن ذلك سيحدد مواقع قصور صدام حسين.
والكثير من هذه المواد موجودة في وثيقة سرية، تم إعدادها على يد ضباط أميركيين، وهي تكشف عن الكيفية التي حارب صدام حسين وآمروه بها. وللحصول على هذه المعلومات التي تدخل كمادة تاريخية عن الحرب، تم استجواب 110 مسؤولين وضابط عراقيين، دعي بعضهم إلى حفلات عشاء سخية لجعلهم يتكلمون عن أسرار الحرب، بينما تم استجواب آخرين في مراكز الاعتقال بمطار بغداد أو في سجن أبو غريب. وقال طارق عزيز نائب رئيس الوزراء السابق ضمن أحد التقارير للمحققين الأميركيين «قبل بدء الحرب بأسابيع قليلة، كان صدام ما زال يعتقد أن الأميركيين لن يستخدموا قوات برية. وظن أنهم لن يحاربوا على الأرض، لأنها ستكون مكلفة للأميركيين».
وعلى الرغم من الهزيمة الكبيرة، التي لحقت بقواته في حرب الخليج عام 1991، فإن صدام حسين لم ير الولايات المتحدة خصما أساسيا. كان خوفه الأكبر هو، أي انتفاضة شيعية مثل تلك التي هزت حكومته بعد حرب عام 1991.
وكان بعض من ضباطه الكبار قد اقترحوا استراتيجية جديدة للدفاع عن الوطن تشابه استراتيجية روسيا في هزيمتها لنابليون، ثم هتلر لاحقا عن طريق الانسحاب من أراض للعدو الغازي. ومع قبائل عراقية مسلحة تسليحا جيدا شبيهة بقوات الأنصار الروسية، ستلعب قوات مدرعة بما فيها الحرس الجمهوري دورا أقل أهمية.
لكن صدام رفض الاقتراح. فتسليح العشائر المحلية يشكل خطرا كبيرا لحكومته التي تعيش في خوف من وقوع انتفاضة شعبية ضدها.
بدلا من ذلك ركز صدام على تشكيل قوات «فدائيي صدام» شبه العسكرية والمسلحة ببنادق كلاشينكوف، وقاذفات القنابل المحمولة على الكتف مع أسلحة صغيرة أخرى تناسب دورها، لحماية مقرات حزب البعث ومواجهة المعارضة الشيعية في حالة وقوع انتفاضة، حتى قدوم وحدات أكثر تسلحا تكون قادرة على سحقهم.
وكان صدام حسين قلقا أيضا من جيرانه في الشرق. فمثل إدارة بوش، كان يشك بتطوير إيران لأسلحة نووية وأسلحة دمار شامل أخرى. وكان الجيش العراقي يقوم كل عام بمناورة عسكرية اسمها «الصقر الذهبي»، ويتم التركيز فيها على الدفاع عن حدود العراق مع إيران.
واعتبرت الولايات المتحدة أقل خطورة، لأن صدام كان مقتنعا من أن واشنطن غير مستعدة للقبول بعدد كبير من الضحايا بين صفوف جنودها. وفي عام 1991 برر الرئيس الأسبق جورج بوش عدم احتلال بغداد، لتجنب المآزق التي تنجم عن احتلال العراق، لكن صدام حسين فسر ذلك بأن الولايات المتحدة خائفة من دفع ثمن لأي عمل عسكري ضد نظامه.
وقال طارق عزيز إن «صدام كان قلقا من وقوع اضطرابات داخلية بين العشائر، أثناء قصف بغداد أو بعدها»، بينما قال مساعدون آخرون للرئيس العراقي الأسبق، إن الولايات المتحدة ستكتفي بالقصف الجوي وقد تحتل حقول النفط الجنوبية.
* خطوات لتجنب الحرب
* مع ذلك اتخذ صدام حسين بعض الخطوات لتجنب الحرب. فبينما كانت الجهود الدبلوماسية تبذل من قبل ألمانيا وفرنسا وروسيا لمنع الحرب، رفض مقترحات بعض ضباطه الكبار بتلغيم الخليج، خوفا من أن تستخدم إدارة بوش عملا من هذا النوع كحجة للهجوم، حسبما جاء في الدراسة التي أعدتها قيادة القوات المشتركة الأميركية.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2002، قال لضباطه الكبار إن العراق لا يمتلك أية أسلحة غير تقليدية، مثل الأسلحة النووية أو الكيماوية أو البيولوجية، حسبما جاء في تقرير «مجموعة استقصاء العراق»، وهي قوة مهام شكلتها وكالة الاستخبارات المركزية للتحقيق في برامج أسلحة العراق. وكان الرئيس العراقي السابق يريد أن يجعل ضباطه يعلمون أنهم لا يستطيعون الاعتماد على أسلحة الغازات السامة، أو الأسلحة الجرثومية في حالة اندلاع الحرب. وقال طارق عزيز إن الكشف عن أن خزائنهم خالية من أسلحة كهذه، زاد من الشعور بالاحباط بينهم.
ولضمان أن العراق يتجاوز الفحص، الذي سيقوم به مفتشو الأسلحة الدوليون، أمر صدام حسين بأن يقوم ضباطه الكبار بإعطاء كل التسهيلات، التي يطلبها المفتشون منهم. ثم أمر بتدمير كل الآثار الخاصة بالأسلحة غير التقليدية، التي كان العراق يغص بها مثل الأسلحة الكيماوية والعوامل البيولوجية وصواريخ سكود، حسبما جاء في تقرير مجموعة استقصاء العراق.
لكن طاعة صدام حسين للقرار الدولي لم تكن كاملة. فإعلانات العراق للأمم المتحدة بخصوص مخزون الأسلحة السرية التي يمتلكها العراق، والكيفية التي تم التخلص منها كانت قديمة وفيها فجوات. ولم يكن صدام حسين مستعدا للسماح لعلماء أسلحته بمغادرة البلد، حيث يستطيع مفتشو الأمم المتحدة أن يستجوبوهم خارج السيطرة الحكومية.
في الوقت نفسه حاول الديكتاتور العراقي السابق، أن يردع إيران والأعداء الداخليين، من خلال إبقاء قدر من الغموض حول أسلحته غير التقليدية، على الرغم من تعاونه مع مفتشي الأمم المتحدة. وسمى الجنرال الحمداني قائد الحرس الجمهوري لاحقا، هذه الاستراتيجية بـ«الردع من خلال الخوف».
وآلت هذه الاستراتيجية إلى تصور مغلوط مزدوج. فحينما تكلم وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي، في فبراير (شباط) 2003 عرض بعض الأدلة من خلال صور ومكالمات هاتفية، تم التنصت لها تبين أن العراقيين يحاولون الإسراع في تنظيف المواقع المشتبه بوجود أسلحة غير تقليدية فيها. واعتُبرت مساعي صدام حسين لإزالة أية بقايا من برامج أسلحة غير تقليدية من قبل المسؤولين الأميركيين، بأنها محاولات لإخفاء الأسلحة. وهذا ما جعل أكثر الخطوات التي قامت بها الحكومة العراقية لتقليل شبح الحرب استُخدمت ضدها، وهذا ما زاد احتمال وقوع الحرب.
وأثار تقديم باول للأدلة دهشة بعض المسؤولين العراقيين الكبار أيضا. وظن عبد التواب ملا حويش، الذي كان يشرف على الصناعة العسكرية في العراق، أن باول يعرف كل أسرار الحكومة. لكن مسؤولي إدارة بوش، كانوا مصرين جدا إلى الحد التي جعلته يشك في احتمال امتلاك العراق لأسلحة محرمة. وقال للمحققين بعد الحرب «أنا أعرف الكثير، لكنني أتساءل لماذا كانت إدارة بوش مقتنعة بأننا نمتلك هذه الأسلحة».
* الحيطة ضد وقوع انتفاضة
* مع اقتراب الحرب، اتخذ صدام حسين خطوات لقمع أية انتفاضة. إذ تم نشر وحدات فدائيي صدام شبه العسكرية في كل أنحاء الجنوب. كذلك قسم الديكتاتور العراقي السابق العراق إلى أربع مناطق، يقود كل منها واحد من حاشيته المقربة. وهدفت تلك الخطوة إلى مساعدة الحكومة إلى منع وقوع أية تهديدات لها بما فيها الانتفاضة أو أعمال الشغب. وتحت عدم ثقة صدام حسين بجيشه، تم نشر الوحدات النظامية بالقرب من كردستان أو بالقرب من الحدود الإيرانية، بعيدا عن العاصمة. ولم يبق من الجيش العراق سوى قوات الحرس الجمهوري الخاصة في بغداد. ثم فرضت مجموعة قيود جعلت آمري الوحدات أمام وضع صعب، لممارسة القيادة العسكرية.
وقال سلطان هاشم أحمد الطائي وزير الدفاع السابق، الذي تميز كضابط خلال الحرب مع إيران «أنا في الواقع أصبحت مساعدا لقصي، أقوم فقط بجمع وتوصيل المعلومات له». وجاء ذلك في جلسة استجواب، أشار فيها إلى ابن صدام الأصغر قصي.
ولحماية بغداد اختار صدام، العميد برزان عبد الغفور سليمان مجيد التكريتي، وهو ابن عم مقرب له، كي يقود قوات الحرس الجمهوري الخاصة، على الرغم من أنه لا يمتلك أية خبرة ميدانية، وفشل في كلية الأركان العسكرية، وكان معروفا عليه بالإدمان على الكحول. وحينما سئل عن مهارات هذا القائد، ضحك وزير الدفاع السابق على سؤال المحقق. مع ذلك فإن قائد الحرس الجمهوري الخاص، كان موضع مراقبة دقيقة من قبل رجال مخابرات صدام، وقال للمحققين الأميركيين لاحقا، إنه كان يتقلد أخطر عمل في العراق. وأضاف «كانوا يراقبونك حينما تذهب إلى الحمام. وكانوا يستمعون لكل شيء تقوله، ويتجسسون على كل شيء».
حينما بدأت الحرب وجد القادة الميدانيون أنفسهم مقننين بعدد كبير من التقييدات، من ضمنها منع الاتصالات الهاتفية لتقليل احتمال وقوع انقلاب عسكري.
وقال قائد فيلق الحرس الجمهوري الأول للمحققين: «كان علينا أن نستخدم وسائلنا الخاصة للتنصت، لنعرف أين مواقع الوحدات الأخرى بالنسبة لنا. نحن لم يسمح لنا بالاتصال مع الوحدات العائدة لنا».
بل وحتى مع تحرك الأميركيين السريع شمالا، لم يقيِّم صدام حسين جدية التهديد. فبينما فاجأ «فدائيي صدام» قوات التحالف بمقاومتهم الشديدة وهجماتهم المباغتة، تم في الوقت نفسه التغلب على القوات العراقية النظامية.
وفي اجتماع جرى يوم 12 أبريل (نيسان) توقع الجنرال الحمداني قائد فيلق الحرس الجمهوري الثاني، وبشكل صحيح، أن يكون الجيش الأميركي قد خطط ليمر بـ«منخفض كربلاء» في طريقه إلى بغداد. لكن وزير الدفاع السابق لم يكن مقتنعا. وحاجج بأن الهجوم من الجنوب كان خدعة، وأن الهجوم الأميركي سيبدأ من الغرب، وربما يكون تحت تحريض من إسرائيل. وفي ذلك اليوم أمر صدام حسين قادته العسكريين أن يستعدوا لهجوم أميركي يأتي من الأردن.
ومن باب الاسترضاء، مُنح الجنرال الحمداني سرية عمليات خاصة، كتعزيز لوحدته ثم أخيرا سُمح له بتدمير جسر نهر الفرات، الواقع في جنوب غربي بغداد، لكن ذلك كان بعد فوات الأوان بكثير. وقال أحد ضباط الأركان الكبار في الحرس الجمهوري للمحققين: «لم نظن أن قوات الحلفاء ستذهب صوب بغداد. كنا نعتقد أنها ستذهب إلى البصرة، وربما إلى العمارة ثم تنتهي الحرب».
* «نيويورك تايمز»

التعليقات