النص الكامل لتقرير فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين:دولتان لشعبين والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين
غزة-دنيا الوطن
أورد تقرير اصدره "فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين" تصورا مفصلا لملامح حل سياسي للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي يقوم على خيار الدولتين , ويؤكد ضرورة امتلاك الدولة الفلسطينية مقومات سيادية يحددها في الاستقلال ضمن حدود الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية باعتبارها العاصمة الفلسطينية بالاضافة إلى حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة والتعويض.
وفيما يلي النص الكامل للتقرير الذي نشرته أمس صحيفة "الغد" الأردنية بالتزامن مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية:
تنطلق مهمة فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين وتتمحور حول تعزيز العمل والسعي إلى اقامة دولة فلسطينية، تعيش بسلام جنباً الى جنب مع اسرائيل. ويؤمن هذا الفريق بأن الوقت الراهن، بما يتميز به من معطيات وظروف، يملي على جميع من يؤيد وينادي بإقامة هذه الدولة الشروع بترجمة هذا التأييد الى وضع تصور عملي لطبيعتها وخصائصها. من هذا المنطلق، قام "فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين" بوضع مسودة تجسد تصوره ورؤيته لما ستكون عليه الدولة الفلسطينية المرتقبة، مؤمناً بشكل راسخ ان الاستقلال عن الاحتلال لا يشكل بحد ذاته نهاية المطاف، وانه يجب ان تسهم إقامة الدولة الفلسطينية وتعمل على توفير السبل والوسائل الكفيلة بتمتع الشعب الفلسطيني بحريته الكاملة، واستعادته لكرامته الوطنية.
ان "فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين" يرى بأن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، تعيش بسلام جنباً الى جنب مع اسرائيل، هو الحل العملي الوحيد لإنهاء الصراع بين اسرائيل والشعب الفلسطيني. ومن هذا المنطلق، يؤيد الفريق اقامة هذه الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، على ان تكون عاصمتها القدس الشرقية، وأن تتمتع هذه الدولة بمقومات سياسية حيوية، تضمن للشعب الفلسطيني تحقيق طموحاته وآماله الوطنية المشروعة في الاستقلال وتقرير المصير.
يجب ان تمثل ولادة الدولة الفلسطينية لا السلام الذي يغّيب الحرب، بل نهاية الصراع بين اسرائيل وباقي دول وشعوب المنطقة. وعليه، يجب على هذه الدولة الديمقراطية الفتية ان تكون باكورة الديمقراطية في المنطقة، ونموذجها الذي يحتذى به، كما يجب ان تفي بعهد شراكتها في السلام مع اسرائيل، وصداقتها للولايات المتحدة الاميركية.
كما يقع على عاتق الدولة الفلسطينية الفتية مهمة إحياء وترسيخ الشعور بالكرامة الوطنية لدى الانسان الفلسطيني، وخلق احساس التمتع بخدمات هذا الوطن، والمقدرة على المشاركة الفاعلة في العملية السياسية على كل الأصعدة، المحلية والإقليمية والعالمية.
كما يجب ان تكون الدولة الفلسطينية دولة ديمقراطية تعددية، يتمتع فيها أبناؤها بحقوق وفرص عمل متساوية. ومن ناحية ثانية، يجب ان تعمل الدولة على سن وتطبيق القوانين التي تشجع وتنظم التجارة الحرة والاستثمار الدولي.
ويتطلع فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين إلى ان تضطلع الدولة الفلسطينية بدور ايجابي ورائد في حفظ الاستقرار في المنطقة، وان تمشي في ركب المجموعة القليلة من الدول التي اختارت "اللاعسكرية" هوية لها.
ويحث "فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين" على تبني المبادئ الواردة في تصوره للدولة، واعتمادها جوهراً لمنهاج تثقيف وتعليم الأجيال الفلسطينية القادمة.
أولا: الحدود السياسية، والقدس، وقضية اللاجئين:
تتم الموافقة على اعتماد حدود فلسطين حصراً بين ممثلي حكومتي اسرائيل والشعب الفلسطيني المنتخبتين من قبل شعبيهما، وفق ما ورد في قرارات الشرعية الدولية واللجنة الرباعية ومبادئ خارطة الطريق، وان اي تعديل لهذه الحدود يجب ان يتم باتفاق الطرفين.
عند اعتماد الحدود، يجب ان تتمتع الدولة الفلسطينية بالاستقلال الكامل، وبالسيادة الكاملة على كامل أراضيها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى كل ما يتعلق بأجوائها ومياهها الإقليمية، وثرواتها الباطنية ومعادنها ومواردها ومصادرها الطبيعية. وكي تكون قادرة على الحياة والاستمرار، وتفي بتطلعات وطموحات وقناعات شعبها، يجب ان تكون أراضي هذه الدولة متصلة، بما يؤمن عبور الناس والبضائع بشكل طبيعي بين الضفة والقطاع. كذلك، ان تمنح، أسوة بباقي دول العالم، عضوية كاملة في الأمم المتحدة، كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة على أراضيها في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.
أما فيما يتعلق بمدينة القدس، فلا بد من الإشارة الى أهميتها ومركزيتها في حاضر ومستقبل الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، والى مكانتها المقدسة لدى الملايين من الطوائف المسيحية واليهودية والإسلامية في العالم كله على حد سواء. ولذلك، يجب ان تبقى القدس مدينة غير مقسمة.
من هذا المنطلق، فإن أي حل للصراع القائم بين اسرائيل والشعب الفلسطيني لا يعمل على انهاء النزاع على وضعية هذه المدينة سوف يسهم في تأجيج الصراع، وتحويله الى حروب طاحنة ستستمر عقوداً قادمة.
ان هذه الخصوصية تملي التوصل الى حل يحفظ للجميع مكانة هذه المدينة في قلوبهم.
أما في ما يتعلق بالشعب الفلسطيني بشكل خاص، فإن فقدانه لقدسه الشرقية، بما تمثله من جذور وأواصر وتواصل ديني أولا، واجتماعي واقتصادي وتراثي وثقافي ثانياً، يعتبر انتزاعاً له من أسباب الوجود، وهو ما يزعزع كيان دولته الموعودة. من هنا، يجب ان تكون القدس الشرقية عاصمة سياسية لدولة فلسطين، والقدس الغربية عاصمة سياسية لدولة اسرائيل، مع الإبقاء على المدينة عاصمة روحية موحدة للطوائف كافة حفاظاًعلى ما تحتويه من أماكن مقدسة للأديان السماوية الثلاثة، وعلى ان يشكل مجلس بلدي مشترك للمدينة يقوم بهذه المهمة.
أما موضوع اللاجئين الفلسطينيين، فلا بد ان تتم معالجته عبر مفاوضات بين حكومتي فلسطين واسرائيل لتأمين حقوقهم بالعودة وبالتعويض، وفق قرار الأمم المتحدة رقم 194. وبغض النظر عما ستفضي اليه المفاوضات، فإنه يجب أن تكون الدولة الفلسطينية ملاذهم أينما وجدوا، ومن اي مكان من انحاء العالم أتوا. كما يجب ان ترحب بهم وتفتح لهم ابوابها، وتكون على استعداد كامل لتقديم انواع المساعدة كافة التي يحتاجونها.
ثانياً: خصائص الدولة الفلسطينية:
أ– التعددية:
ان محنة الشعب الفلسطيني التي ابتلي بها في تاريخه الحديث جعلت منه شعباً مميزاً ضمن إطار محيط تراثه العربي الشامل، توحده تجربته الغنية المشتركة عبر مأساة صراعه مع اسرائيل، والهوية السياسية والثقافية المشتركة بين ابنائه ايضاً. كما تجمعه وحدة التطلع الى انهاء الاحتلال، واقامة دولة مستقلة قادرة على تجسيد وتحقيق ما حرم من التمتع به من حقوقه الانسانية والوطينة المشروعة.
وضمن هذا الإطار الموحد، تعيش فئات تختلف في اصولها ومعتقداتها ومفاهيمها الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والحياتية والطبقية، شأنها شأن باقي شعوب العالم. هذه التعددية عامل صحي وإيجابي على الدولة الفلسطينية الاعتزاز به، لأن الأطر التقليدية للديمقراطية، وفق ما خلصت اليه التجارب التاريخية، لم تكن ضمانة بحد ذاتها لتعددية يتمتع بموجبها المواطنون جميعاً بفرص المشاركة والمساهمة في الحياة المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. من هنا، فإن على الدولة الفلسطينية وضع الضوابط والأسس التي تحافظ على هذه التعددية بما يخدم الوطن، وأن تفرض القيود وتحدد معالم مسيرتها، بحيث يكون الانتماء الى الوطن واعلاء شأنه هو الأساس.
ان هذه التعددية تخلق للشعب الفلسطيني خيارات واسعة جراء التنوع الثقافي والاقتصادي والديني والاجتماعي والسياسي، وهو بالتالي عنصر حيوي وهام يمهد الطريق للدولة الفلسطينية لتغدو مجتمعاً مبنياً على تكريس مكامن طاقاته البشرية، كما سوف تجعل من دولة فلسطين نموذجاً جديداً لتعامل الوطن مع مواطنيه في الشرق الأوسط، من حيث العمل والحرص على تنمية الثروة البشرية على غرار ما قامت به بعض الدول الفقيرة في شرقي آسيا، والتي عوضت فقرها بالموارد الطبيعية عن طريق تركيزها على تطوير ثرواتها البشرية.
ومن الأهمية بمكان اعتبار شأن حماية حقوق المرأة والطفل أمراً حيوياً وأساسياً ضمن نهج هذه الاستراتيجية الوطنية. ان حق الانسان في عيش كريم يتمتع فيه بالحرية غير المنقوصة، وبالاستقلالية والعدالة والمساواة، يعتبر رديفاً ملازماً لأي استقلال وحرية حقيقيين. وفي هذا الصدد، قد يكون من المفيد جداً قراءة ودراسة ما قامت به حكومة جنوب افريقيا على صعيد القوانين والإجراءات الدستورية لحماية المرأة والطفل والأقليات فيها بعد سقوط النظام العنصري.
لقد لعب الدين والإيمان ومازالا، وسيبقيان يلعبان دوراً كبيراً وحيوياً في ثقافة الشعب الفلسطيني، وهما متجذران ومتأصلان في نفوس أفراده. الا ان كون المجتمع الفلسطيني مجتمعا تعدديا، يمتاز بخليط من الأفراد الذي يجمعهم إيمان بالله الواحد وتميزهم معتقدات دينية مختلفة، فإن فصل الدين عن الدولة أمر مهم جداً في الدولة الفلسطينية، بمعنى انه من الواجب الحفاظ على الأسس الموحدة للإيمان بين الشعب، والابتعاد عن زج أنف الدولة في تفاصيل طقوس ممارستها. فلا يجوز لها فرض معتقد أو دين معين على أبناء الشعب كافة، أو محاباة طائفة على أخرى في سن قوانين لصالح معتقداتها. وبما ان العاطفة الدينية تهيمن على دول منطقة الشرق الأوسط، بما فيها اسرائيل وعدد من الدول العربية، ويتم استغلالها من قبل بعض الحكومات التي تسهم في تعميق الخلاف بين الطوائف خدمة لمصالحها، فإن الحاجة ماسة إلى وجود نظام علماني يحترم التمايز الديني، ويعمل على تحقيق المساواة بين أفراد مجتمعه.
ب- الديمقراطية:
ان تطبيق الديمقراطية المبنية على أسس التعددية هو في الواقع حاجة حيوية ومطلوبة، خدمة لاستقرار الدولة الفلسطينية وتمكينها من لعب دورها الإقليمي على أتم وجه. وتطبيق مثل هذه الديمقراطية يملي ضرورة ان تعمل المؤسسات السياسية انطلاقاً من التعددية الحزبية، بعيداً عن اي استثناءات عقائدية معينة، وضرورة اجراءات انتخابات دورية تنال موافقة المواطنين، كما يملي وجود سلطة قضائية مستقلة، تعمل على تطبيق القانون بشكل عادل وبلا انحياز، اضافة الى ضمان حقوق المواطنين الأساسية، كحرية التعبير وحق التجمع.
ان مدى صدقية الدولة الفلسطينية في قدرتها على التعبير عن التطلعات والطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني لا تكمن في جماليات السيادة فقط، بل تتمثل في تعزيز دور المواطن العادي، وتمكينه من المشاركة في الانتخابات والعملية السياسية الأشمل. والشعب الفلسطيني، بما تتمتع به قضيته من تأييد وتعاطف عالميين، سوف تتاح له فرصة نادرة لبناء جمهورية دستورية ديمقراطية حقيقية.
من هنا، ينبغي على الفلسطينيين تحاشي وقوع دولتهم في أخطاء طريقة الحكم الفاشلة في العالم العربي، وهم الذين ناضلوا كثيراً في سبيل خلق نموذج للحكم يقتدي به الآخرون. كما ينبغي على الدولة الفلسطينية ان لا تقوم على أساس ديكتاتورية الحزب الواحد، وأن لا تمثل طائفة من ذوي النفوذ المالي أو مجموعة من المتنفذين، بل يجب ان توفر هذه الدولة لمواطنيها البنى السياسية والدستورية الكفيلة بتأمين السبل كافة الضرورية للمضي قدماً في تنفيذ برامجهم السياسية والإنمائية والإصلاحية.
وكي تتكلل الديمقراطية بالنجاح في دولة فلسطين، يجب ان تتفق الفصائل الرئيسة كافة، بما فيها المعارضة، على العمل وفق الأنظمة المرعية نفسها، والالتزام بالقانون نفسه. وهذا يعني ان يبقى استخدام القوة حصراً في يد الدولة، عبر مؤسسة وطنية محايدة سياسياً، وتعمل على حفظ الأمن والسلام لدى انتقال السلطة عقب انتخابات سلمية وعادلة. وهذا أيضا يعني انفراد الدولة في التحكم بسلاح الأجهزة الأمنية، وان يخضع هذا السلاح لمراقبة من قبل جهاز قضائي مستقل، ومجلس تشريعي منتخب.
ان سيادة القانون حصن منيع في وجه أي شخص أو مجموعة قد تحاول الانتقاص من الديمقرطية، عن طريق تحويلها الى واجهة براقة يختبئ وراءها تسلط الحزب الواحد، أو من خلال فئات تسعى للفوز في الانتخابات بنوايا دفينة، تسعى من خلالها إلى تحديد من يحق له أو لا يحق له الاشتراك في الانتخابات اللاحقة. ويجب ان تتم حماية المؤسسات الدستورية الديمقراطية من أي عملية تغيير تستند إلى نتائج دورة انتخابية واحدة، أو على عواطف خلقتها ظروف آنية عابرة.
ان الشعب الفلسطيني ومجتمعه قادران على انشاء نظام سياسي ديمقراطي حقيقي في دولة مستقلة؛ فقد تمت انتخابات العام 2006 بنجاح، رغم قصر فترة الإعداد، وصعوبة الظروف الحياتية تحت الاحتلال العسكري، ومحدودية المساعدات الخارجية. رغم هذا كله، فقد كانت هناك حملات انتخابية تنافسية لأحزاب متعددة، وانتهت الانتخابات بمصادقة المراقبين الدوليين كافة على نزاهتها وعدالتها.
ان مثل هذه التجربة الانتخابية قد جاءت نتيجة عقود من النضج السياسي وتطوره لدى الشعب الفلسطيني، وهو الذي أرسى أسس الثقافة الديمقراطية لديه، وهذا يعزز بقوة الاعتقاد بمقدرت هذا الشعب على اعادة هذه التجربة الانتخابية مستقبلا، وبشكل دائم.
الا ان تحقيق هدف اقامة هذه الديمقراطية المثالية في الدولة الفلسطينية لا يمكن له ان يتم بين ليلة وضحاها، بل هو يحتاج إلى سنوات يتم فيها تكريس جهود الفلسطينيين وجيرانهم والأسرة الدولية بغية تطوير ديمقراطية واضحة الأسس والمعالم في فلسطين. ومن المعروف انه لا يوجد دولة في العالم استطاعت إنجاز كل ما تصبو اليها نفسها، من تحقيق العدالة والشفافية وحكم القانون ومقومات الديمقراطية، الا ان الدول الديمقراطية تنشئ عادة المؤسسات التي تعمل وتسعى دائماً إلى تحقيق هذه المبادئ والاهداف. من هنا، فإنه لا يجوز السماح لأي نكسة او عجز أن يعطلا مسيرة بناء الديمقراطية وتحقيق أهدافها اذا ما أريد لها ان تكون حقيقية.
يتمتع الفلسطينيون ببداية واعدة، يمكن لهم الانطلاق منها نحو التطور السياسي، الا ان تحقيق ديمقراطية عملية كاملة في دولتهم يحتاج ليس فقط الى تمتعهم بالاستقلال السياسي، بل الى دعم خارجي كبير أيضا، ويمكن لحكومات ومؤسسات ومنظمات حكومية وغير حكومية من كل انحاء العالم تقديم مساعدة حيوية لمساعدة الشعب الفلسطيني وحكومته لتمكينهما من بناء نظام سياسي ديمقراطي في دولتهما.
ان دولة فلسطينية ديمقراطية لن تكون شريكاً لإسرائيل في تحقيق السلام وصديقاً للولايات المتحدة فحسب، بل نموذجاً يحتذى به لدى دول المنطقة.
ج- اللاعسكرية:
يجب ان يأخذ الفلسطينيون موضوع جعل دولتهم لا عسكرية بشكل جدي، وهذا يعني ان تعتمد الدولة على حرس وطني محايد سياسياً، وذلك لضمان تحقيق الاستقرار الداخلي، وتطبيق القانون والنظام والأمن العام، بالإضافة الى حرس حدود تكون مهمته حراسة المعابر المؤدية الى الدولة الفلسطينية، من دون الحاجة الى جيش نظامي. إذ ستكون الدولة الفلسطينية الموعودة دولة صغيرة مقسومة، على الأقل، الى قسمين هما الضفة والقطاع، ولايمكن لها - والوضع هكذا - ان تتفوق في أي نزاع عسكري مع جيرانها. ويمكن ويجب تأمين الاستقرار الداخلي من خلال حرس وطني متماسك ومحايد سياسياً، يضطلع بمهمة توفير الخدمات كافة التي يحتاجها الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، ومن خلال موقعه ومسلكه يستطيع ان يعزز الكرامة الوطنية والإحساس بالخدمة الوطنية.
من ناحية أخرى، ينبغي على الدولة الفلسطينية السعي الى الحصول على حماية من حلف شمال الأطلسي، بما لا يتعارض أبداً مع عضويتها في جامعة الدول العربية، وذلك لضمان سلامة أراضيها من اي اعتداء خارجي. وقد ألمح الفلسطينيون في مفاوضات سابقة إلى أنه لا مانع لديهم من حصول اسرائيل على الحماية نفسها، وذلك حفاظاً على سلامة اراضيها من جهة، وضمان عدم استردادها لأي من الاراضي الفلسطينية التي كانت تحتلها في الماضي من جهة ثانية. هذه الضمانات تسهم الى حد كبير في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
إن قيام دولة فلسطينية لا عسكرية سوف يمهد الطريق أمام الجهود المبذولة لإنجاح التنمية البشرية والاقتصادية، والتي يجب ان تحتل أولوية الاهتمامات، وسوف تعود عليها بالفائدة الاقتصادية الجمة، وتوفر لها المصادر المجانية للاستثمار في مجال التعليم وغيره من الادوات المطلوبة لهذا الغرض.
د- القيام بدور إيجابي لتوطيد الاستقرار في المنطقة:
هذا في الواقع دور مكمل لسياسة اعتماد دولة لا عسكرية؛ إذ يؤمن "فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين" ان على دولة فلسطين لعب دور حيوي في استقرار المنطقة.
لقد عانى الفلسطينيون من تجربة الحروب والاحتلال والتشرد والنفي ما عانوه خلال معظم القرن السابق، وعرفوا أكثر من غيرهم عدم جدوى حل الخلاف بين الشعوب بالعنف، ومدى الحاجة الى خلق نظام قانوني دولي يقوم بحماية الشعوب بشكل فاعل ومحايد. ان على الفلسطينيين ان يتجنبوا التورط في نزاعات لن يكسبوا منها شيئاً، وان يتبنوا ثقافة رفض الحرب والعنف كوسيلة لحل النزاعات الدولية، والتمسك بمبدأ القانون والمشاركة الدولية.
وبإمكان دولة فلسطين ايضا المساهمة في استقرار المنطقة من خلال سن القوانين والسياسات التي تعمل على تسهيل وتنظيم تجارة السوق المفتوحة مع جيرانها كافة، وتطبيق تلك السياسات أيضا، بالإضافة الى تشجيع الاستثمار والشراكة من قبل دول العالم أجمع.
خاتمة:
ان هذا التصور الذي يقدمه "فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين" لمعالم وخصائص الدولة الفلسطينية الموعودة هو في الواقع مساهمة منه في رفد الحوار الوطني الفلسطيني، وتمكينه من التوصل الى بناء دولة فلسطينية قادرة على تقديم الخدمات الاساسية للشعب الفلسطيني من جهة، وعلى لعب دور ايجابي في استقرار المنطقة من جهة ثانية، وذات موقع محترم ضمن الأسرة الدولية من جهة ثالثة.
أورد تقرير اصدره "فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين" تصورا مفصلا لملامح حل سياسي للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي يقوم على خيار الدولتين , ويؤكد ضرورة امتلاك الدولة الفلسطينية مقومات سيادية يحددها في الاستقلال ضمن حدود الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية باعتبارها العاصمة الفلسطينية بالاضافة إلى حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة والتعويض.
وفيما يلي النص الكامل للتقرير الذي نشرته أمس صحيفة "الغد" الأردنية بالتزامن مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية:
تنطلق مهمة فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين وتتمحور حول تعزيز العمل والسعي إلى اقامة دولة فلسطينية، تعيش بسلام جنباً الى جنب مع اسرائيل. ويؤمن هذا الفريق بأن الوقت الراهن، بما يتميز به من معطيات وظروف، يملي على جميع من يؤيد وينادي بإقامة هذه الدولة الشروع بترجمة هذا التأييد الى وضع تصور عملي لطبيعتها وخصائصها. من هذا المنطلق، قام "فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين" بوضع مسودة تجسد تصوره ورؤيته لما ستكون عليه الدولة الفلسطينية المرتقبة، مؤمناً بشكل راسخ ان الاستقلال عن الاحتلال لا يشكل بحد ذاته نهاية المطاف، وانه يجب ان تسهم إقامة الدولة الفلسطينية وتعمل على توفير السبل والوسائل الكفيلة بتمتع الشعب الفلسطيني بحريته الكاملة، واستعادته لكرامته الوطنية.
ان "فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين" يرى بأن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، تعيش بسلام جنباً الى جنب مع اسرائيل، هو الحل العملي الوحيد لإنهاء الصراع بين اسرائيل والشعب الفلسطيني. ومن هذا المنطلق، يؤيد الفريق اقامة هذه الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، على ان تكون عاصمتها القدس الشرقية، وأن تتمتع هذه الدولة بمقومات سياسية حيوية، تضمن للشعب الفلسطيني تحقيق طموحاته وآماله الوطنية المشروعة في الاستقلال وتقرير المصير.
يجب ان تمثل ولادة الدولة الفلسطينية لا السلام الذي يغّيب الحرب، بل نهاية الصراع بين اسرائيل وباقي دول وشعوب المنطقة. وعليه، يجب على هذه الدولة الديمقراطية الفتية ان تكون باكورة الديمقراطية في المنطقة، ونموذجها الذي يحتذى به، كما يجب ان تفي بعهد شراكتها في السلام مع اسرائيل، وصداقتها للولايات المتحدة الاميركية.
كما يقع على عاتق الدولة الفلسطينية الفتية مهمة إحياء وترسيخ الشعور بالكرامة الوطنية لدى الانسان الفلسطيني، وخلق احساس التمتع بخدمات هذا الوطن، والمقدرة على المشاركة الفاعلة في العملية السياسية على كل الأصعدة، المحلية والإقليمية والعالمية.
كما يجب ان تكون الدولة الفلسطينية دولة ديمقراطية تعددية، يتمتع فيها أبناؤها بحقوق وفرص عمل متساوية. ومن ناحية ثانية، يجب ان تعمل الدولة على سن وتطبيق القوانين التي تشجع وتنظم التجارة الحرة والاستثمار الدولي.
ويتطلع فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين إلى ان تضطلع الدولة الفلسطينية بدور ايجابي ورائد في حفظ الاستقرار في المنطقة، وان تمشي في ركب المجموعة القليلة من الدول التي اختارت "اللاعسكرية" هوية لها.
ويحث "فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين" على تبني المبادئ الواردة في تصوره للدولة، واعتمادها جوهراً لمنهاج تثقيف وتعليم الأجيال الفلسطينية القادمة.
أولا: الحدود السياسية، والقدس، وقضية اللاجئين:
تتم الموافقة على اعتماد حدود فلسطين حصراً بين ممثلي حكومتي اسرائيل والشعب الفلسطيني المنتخبتين من قبل شعبيهما، وفق ما ورد في قرارات الشرعية الدولية واللجنة الرباعية ومبادئ خارطة الطريق، وان اي تعديل لهذه الحدود يجب ان يتم باتفاق الطرفين.
عند اعتماد الحدود، يجب ان تتمتع الدولة الفلسطينية بالاستقلال الكامل، وبالسيادة الكاملة على كامل أراضيها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى كل ما يتعلق بأجوائها ومياهها الإقليمية، وثرواتها الباطنية ومعادنها ومواردها ومصادرها الطبيعية. وكي تكون قادرة على الحياة والاستمرار، وتفي بتطلعات وطموحات وقناعات شعبها، يجب ان تكون أراضي هذه الدولة متصلة، بما يؤمن عبور الناس والبضائع بشكل طبيعي بين الضفة والقطاع. كذلك، ان تمنح، أسوة بباقي دول العالم، عضوية كاملة في الأمم المتحدة، كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة على أراضيها في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.
أما فيما يتعلق بمدينة القدس، فلا بد من الإشارة الى أهميتها ومركزيتها في حاضر ومستقبل الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، والى مكانتها المقدسة لدى الملايين من الطوائف المسيحية واليهودية والإسلامية في العالم كله على حد سواء. ولذلك، يجب ان تبقى القدس مدينة غير مقسمة.
من هذا المنطلق، فإن أي حل للصراع القائم بين اسرائيل والشعب الفلسطيني لا يعمل على انهاء النزاع على وضعية هذه المدينة سوف يسهم في تأجيج الصراع، وتحويله الى حروب طاحنة ستستمر عقوداً قادمة.
ان هذه الخصوصية تملي التوصل الى حل يحفظ للجميع مكانة هذه المدينة في قلوبهم.
أما في ما يتعلق بالشعب الفلسطيني بشكل خاص، فإن فقدانه لقدسه الشرقية، بما تمثله من جذور وأواصر وتواصل ديني أولا، واجتماعي واقتصادي وتراثي وثقافي ثانياً، يعتبر انتزاعاً له من أسباب الوجود، وهو ما يزعزع كيان دولته الموعودة. من هنا، يجب ان تكون القدس الشرقية عاصمة سياسية لدولة فلسطين، والقدس الغربية عاصمة سياسية لدولة اسرائيل، مع الإبقاء على المدينة عاصمة روحية موحدة للطوائف كافة حفاظاًعلى ما تحتويه من أماكن مقدسة للأديان السماوية الثلاثة، وعلى ان يشكل مجلس بلدي مشترك للمدينة يقوم بهذه المهمة.
أما موضوع اللاجئين الفلسطينيين، فلا بد ان تتم معالجته عبر مفاوضات بين حكومتي فلسطين واسرائيل لتأمين حقوقهم بالعودة وبالتعويض، وفق قرار الأمم المتحدة رقم 194. وبغض النظر عما ستفضي اليه المفاوضات، فإنه يجب أن تكون الدولة الفلسطينية ملاذهم أينما وجدوا، ومن اي مكان من انحاء العالم أتوا. كما يجب ان ترحب بهم وتفتح لهم ابوابها، وتكون على استعداد كامل لتقديم انواع المساعدة كافة التي يحتاجونها.
ثانياً: خصائص الدولة الفلسطينية:
أ– التعددية:
ان محنة الشعب الفلسطيني التي ابتلي بها في تاريخه الحديث جعلت منه شعباً مميزاً ضمن إطار محيط تراثه العربي الشامل، توحده تجربته الغنية المشتركة عبر مأساة صراعه مع اسرائيل، والهوية السياسية والثقافية المشتركة بين ابنائه ايضاً. كما تجمعه وحدة التطلع الى انهاء الاحتلال، واقامة دولة مستقلة قادرة على تجسيد وتحقيق ما حرم من التمتع به من حقوقه الانسانية والوطينة المشروعة.
وضمن هذا الإطار الموحد، تعيش فئات تختلف في اصولها ومعتقداتها ومفاهيمها الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والحياتية والطبقية، شأنها شأن باقي شعوب العالم. هذه التعددية عامل صحي وإيجابي على الدولة الفلسطينية الاعتزاز به، لأن الأطر التقليدية للديمقراطية، وفق ما خلصت اليه التجارب التاريخية، لم تكن ضمانة بحد ذاتها لتعددية يتمتع بموجبها المواطنون جميعاً بفرص المشاركة والمساهمة في الحياة المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. من هنا، فإن على الدولة الفلسطينية وضع الضوابط والأسس التي تحافظ على هذه التعددية بما يخدم الوطن، وأن تفرض القيود وتحدد معالم مسيرتها، بحيث يكون الانتماء الى الوطن واعلاء شأنه هو الأساس.
ان هذه التعددية تخلق للشعب الفلسطيني خيارات واسعة جراء التنوع الثقافي والاقتصادي والديني والاجتماعي والسياسي، وهو بالتالي عنصر حيوي وهام يمهد الطريق للدولة الفلسطينية لتغدو مجتمعاً مبنياً على تكريس مكامن طاقاته البشرية، كما سوف تجعل من دولة فلسطين نموذجاً جديداً لتعامل الوطن مع مواطنيه في الشرق الأوسط، من حيث العمل والحرص على تنمية الثروة البشرية على غرار ما قامت به بعض الدول الفقيرة في شرقي آسيا، والتي عوضت فقرها بالموارد الطبيعية عن طريق تركيزها على تطوير ثرواتها البشرية.
ومن الأهمية بمكان اعتبار شأن حماية حقوق المرأة والطفل أمراً حيوياً وأساسياً ضمن نهج هذه الاستراتيجية الوطنية. ان حق الانسان في عيش كريم يتمتع فيه بالحرية غير المنقوصة، وبالاستقلالية والعدالة والمساواة، يعتبر رديفاً ملازماً لأي استقلال وحرية حقيقيين. وفي هذا الصدد، قد يكون من المفيد جداً قراءة ودراسة ما قامت به حكومة جنوب افريقيا على صعيد القوانين والإجراءات الدستورية لحماية المرأة والطفل والأقليات فيها بعد سقوط النظام العنصري.
لقد لعب الدين والإيمان ومازالا، وسيبقيان يلعبان دوراً كبيراً وحيوياً في ثقافة الشعب الفلسطيني، وهما متجذران ومتأصلان في نفوس أفراده. الا ان كون المجتمع الفلسطيني مجتمعا تعدديا، يمتاز بخليط من الأفراد الذي يجمعهم إيمان بالله الواحد وتميزهم معتقدات دينية مختلفة، فإن فصل الدين عن الدولة أمر مهم جداً في الدولة الفلسطينية، بمعنى انه من الواجب الحفاظ على الأسس الموحدة للإيمان بين الشعب، والابتعاد عن زج أنف الدولة في تفاصيل طقوس ممارستها. فلا يجوز لها فرض معتقد أو دين معين على أبناء الشعب كافة، أو محاباة طائفة على أخرى في سن قوانين لصالح معتقداتها. وبما ان العاطفة الدينية تهيمن على دول منطقة الشرق الأوسط، بما فيها اسرائيل وعدد من الدول العربية، ويتم استغلالها من قبل بعض الحكومات التي تسهم في تعميق الخلاف بين الطوائف خدمة لمصالحها، فإن الحاجة ماسة إلى وجود نظام علماني يحترم التمايز الديني، ويعمل على تحقيق المساواة بين أفراد مجتمعه.
ب- الديمقراطية:
ان تطبيق الديمقراطية المبنية على أسس التعددية هو في الواقع حاجة حيوية ومطلوبة، خدمة لاستقرار الدولة الفلسطينية وتمكينها من لعب دورها الإقليمي على أتم وجه. وتطبيق مثل هذه الديمقراطية يملي ضرورة ان تعمل المؤسسات السياسية انطلاقاً من التعددية الحزبية، بعيداً عن اي استثناءات عقائدية معينة، وضرورة اجراءات انتخابات دورية تنال موافقة المواطنين، كما يملي وجود سلطة قضائية مستقلة، تعمل على تطبيق القانون بشكل عادل وبلا انحياز، اضافة الى ضمان حقوق المواطنين الأساسية، كحرية التعبير وحق التجمع.
ان مدى صدقية الدولة الفلسطينية في قدرتها على التعبير عن التطلعات والطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني لا تكمن في جماليات السيادة فقط، بل تتمثل في تعزيز دور المواطن العادي، وتمكينه من المشاركة في الانتخابات والعملية السياسية الأشمل. والشعب الفلسطيني، بما تتمتع به قضيته من تأييد وتعاطف عالميين، سوف تتاح له فرصة نادرة لبناء جمهورية دستورية ديمقراطية حقيقية.
من هنا، ينبغي على الفلسطينيين تحاشي وقوع دولتهم في أخطاء طريقة الحكم الفاشلة في العالم العربي، وهم الذين ناضلوا كثيراً في سبيل خلق نموذج للحكم يقتدي به الآخرون. كما ينبغي على الدولة الفلسطينية ان لا تقوم على أساس ديكتاتورية الحزب الواحد، وأن لا تمثل طائفة من ذوي النفوذ المالي أو مجموعة من المتنفذين، بل يجب ان توفر هذه الدولة لمواطنيها البنى السياسية والدستورية الكفيلة بتأمين السبل كافة الضرورية للمضي قدماً في تنفيذ برامجهم السياسية والإنمائية والإصلاحية.
وكي تتكلل الديمقراطية بالنجاح في دولة فلسطين، يجب ان تتفق الفصائل الرئيسة كافة، بما فيها المعارضة، على العمل وفق الأنظمة المرعية نفسها، والالتزام بالقانون نفسه. وهذا يعني ان يبقى استخدام القوة حصراً في يد الدولة، عبر مؤسسة وطنية محايدة سياسياً، وتعمل على حفظ الأمن والسلام لدى انتقال السلطة عقب انتخابات سلمية وعادلة. وهذا أيضا يعني انفراد الدولة في التحكم بسلاح الأجهزة الأمنية، وان يخضع هذا السلاح لمراقبة من قبل جهاز قضائي مستقل، ومجلس تشريعي منتخب.
ان سيادة القانون حصن منيع في وجه أي شخص أو مجموعة قد تحاول الانتقاص من الديمقرطية، عن طريق تحويلها الى واجهة براقة يختبئ وراءها تسلط الحزب الواحد، أو من خلال فئات تسعى للفوز في الانتخابات بنوايا دفينة، تسعى من خلالها إلى تحديد من يحق له أو لا يحق له الاشتراك في الانتخابات اللاحقة. ويجب ان تتم حماية المؤسسات الدستورية الديمقراطية من أي عملية تغيير تستند إلى نتائج دورة انتخابية واحدة، أو على عواطف خلقتها ظروف آنية عابرة.
ان الشعب الفلسطيني ومجتمعه قادران على انشاء نظام سياسي ديمقراطي حقيقي في دولة مستقلة؛ فقد تمت انتخابات العام 2006 بنجاح، رغم قصر فترة الإعداد، وصعوبة الظروف الحياتية تحت الاحتلال العسكري، ومحدودية المساعدات الخارجية. رغم هذا كله، فقد كانت هناك حملات انتخابية تنافسية لأحزاب متعددة، وانتهت الانتخابات بمصادقة المراقبين الدوليين كافة على نزاهتها وعدالتها.
ان مثل هذه التجربة الانتخابية قد جاءت نتيجة عقود من النضج السياسي وتطوره لدى الشعب الفلسطيني، وهو الذي أرسى أسس الثقافة الديمقراطية لديه، وهذا يعزز بقوة الاعتقاد بمقدرت هذا الشعب على اعادة هذه التجربة الانتخابية مستقبلا، وبشكل دائم.
الا ان تحقيق هدف اقامة هذه الديمقراطية المثالية في الدولة الفلسطينية لا يمكن له ان يتم بين ليلة وضحاها، بل هو يحتاج إلى سنوات يتم فيها تكريس جهود الفلسطينيين وجيرانهم والأسرة الدولية بغية تطوير ديمقراطية واضحة الأسس والمعالم في فلسطين. ومن المعروف انه لا يوجد دولة في العالم استطاعت إنجاز كل ما تصبو اليها نفسها، من تحقيق العدالة والشفافية وحكم القانون ومقومات الديمقراطية، الا ان الدول الديمقراطية تنشئ عادة المؤسسات التي تعمل وتسعى دائماً إلى تحقيق هذه المبادئ والاهداف. من هنا، فإنه لا يجوز السماح لأي نكسة او عجز أن يعطلا مسيرة بناء الديمقراطية وتحقيق أهدافها اذا ما أريد لها ان تكون حقيقية.
يتمتع الفلسطينيون ببداية واعدة، يمكن لهم الانطلاق منها نحو التطور السياسي، الا ان تحقيق ديمقراطية عملية كاملة في دولتهم يحتاج ليس فقط الى تمتعهم بالاستقلال السياسي، بل الى دعم خارجي كبير أيضا، ويمكن لحكومات ومؤسسات ومنظمات حكومية وغير حكومية من كل انحاء العالم تقديم مساعدة حيوية لمساعدة الشعب الفلسطيني وحكومته لتمكينهما من بناء نظام سياسي ديمقراطي في دولتهما.
ان دولة فلسطينية ديمقراطية لن تكون شريكاً لإسرائيل في تحقيق السلام وصديقاً للولايات المتحدة فحسب، بل نموذجاً يحتذى به لدى دول المنطقة.
ج- اللاعسكرية:
يجب ان يأخذ الفلسطينيون موضوع جعل دولتهم لا عسكرية بشكل جدي، وهذا يعني ان تعتمد الدولة على حرس وطني محايد سياسياً، وذلك لضمان تحقيق الاستقرار الداخلي، وتطبيق القانون والنظام والأمن العام، بالإضافة الى حرس حدود تكون مهمته حراسة المعابر المؤدية الى الدولة الفلسطينية، من دون الحاجة الى جيش نظامي. إذ ستكون الدولة الفلسطينية الموعودة دولة صغيرة مقسومة، على الأقل، الى قسمين هما الضفة والقطاع، ولايمكن لها - والوضع هكذا - ان تتفوق في أي نزاع عسكري مع جيرانها. ويمكن ويجب تأمين الاستقرار الداخلي من خلال حرس وطني متماسك ومحايد سياسياً، يضطلع بمهمة توفير الخدمات كافة التي يحتاجها الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، ومن خلال موقعه ومسلكه يستطيع ان يعزز الكرامة الوطنية والإحساس بالخدمة الوطنية.
من ناحية أخرى، ينبغي على الدولة الفلسطينية السعي الى الحصول على حماية من حلف شمال الأطلسي، بما لا يتعارض أبداً مع عضويتها في جامعة الدول العربية، وذلك لضمان سلامة أراضيها من اي اعتداء خارجي. وقد ألمح الفلسطينيون في مفاوضات سابقة إلى أنه لا مانع لديهم من حصول اسرائيل على الحماية نفسها، وذلك حفاظاً على سلامة اراضيها من جهة، وضمان عدم استردادها لأي من الاراضي الفلسطينية التي كانت تحتلها في الماضي من جهة ثانية. هذه الضمانات تسهم الى حد كبير في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
إن قيام دولة فلسطينية لا عسكرية سوف يمهد الطريق أمام الجهود المبذولة لإنجاح التنمية البشرية والاقتصادية، والتي يجب ان تحتل أولوية الاهتمامات، وسوف تعود عليها بالفائدة الاقتصادية الجمة، وتوفر لها المصادر المجانية للاستثمار في مجال التعليم وغيره من الادوات المطلوبة لهذا الغرض.
د- القيام بدور إيجابي لتوطيد الاستقرار في المنطقة:
هذا في الواقع دور مكمل لسياسة اعتماد دولة لا عسكرية؛ إذ يؤمن "فريق العمل الاميركي من أجل فلسطين" ان على دولة فلسطين لعب دور حيوي في استقرار المنطقة.
لقد عانى الفلسطينيون من تجربة الحروب والاحتلال والتشرد والنفي ما عانوه خلال معظم القرن السابق، وعرفوا أكثر من غيرهم عدم جدوى حل الخلاف بين الشعوب بالعنف، ومدى الحاجة الى خلق نظام قانوني دولي يقوم بحماية الشعوب بشكل فاعل ومحايد. ان على الفلسطينيين ان يتجنبوا التورط في نزاعات لن يكسبوا منها شيئاً، وان يتبنوا ثقافة رفض الحرب والعنف كوسيلة لحل النزاعات الدولية، والتمسك بمبدأ القانون والمشاركة الدولية.
وبإمكان دولة فلسطين ايضا المساهمة في استقرار المنطقة من خلال سن القوانين والسياسات التي تعمل على تسهيل وتنظيم تجارة السوق المفتوحة مع جيرانها كافة، وتطبيق تلك السياسات أيضا، بالإضافة الى تشجيع الاستثمار والشراكة من قبل دول العالم أجمع.
خاتمة:
ان هذا التصور الذي يقدمه "فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين" لمعالم وخصائص الدولة الفلسطينية الموعودة هو في الواقع مساهمة منه في رفد الحوار الوطني الفلسطيني، وتمكينه من التوصل الى بناء دولة فلسطينية قادرة على تقديم الخدمات الاساسية للشعب الفلسطيني من جهة، وعلى لعب دور ايجابي في استقرار المنطقة من جهة ثانية، وذات موقع محترم ضمن الأسرة الدولية من جهة ثالثة.

التعليقات