لاجئون سياسيون عرب في اسرائيل: إنهم مواطنون من دول عدوة

لاجئون سياسيون عرب في اسرائيل: إنهم مواطنون من دول عدوة
غزة-دنيا الوطن

علي عمر سوداني في الثلاثين من عمره. منذ العام 2004 وهو يبحث عن دولة تنقذه من خطر الموت ومن التعذيب الذي تعرض له بعد أسره من جانب جماعة الجنجاويد. فقد والديه ولا يعرف مصير زوجته وطفله. خاطر بحياته في المرة الأولى وتسلل الى مصر، لكن وجوده غير القانوني كان يهدد بعودته الى السودان، ما يعني بالنسبة إليه «الموت المحتم». قرر المخاطرة مرة اخرى ووجد في سيناء الحدود الأسهل للهرب نحو اسرائيل.

اعتقد علي ان منحه حق اللجوء السياسي سيكون في غاية السهولة. لكن ما لم يحسب حسابه ان يجد نفسه في سجن بين عشرات السودانيين الذين قرروا الفرار الى اسرائيل... هؤلاء وعشرات من أمثالهم من دول مختلفة، صدموا بالقانون الاسرائيلي الذي لا يتعامل معهم كمواطني بقية الدول.

دولة عدو

في اسرائيل ملفات لألف شخص ممن يطلبون حق اللجوء السياسي. ربعهم تسللوا الى هناك عبر الحدود المصرية. الغالبية الساحقة منهم من افريقيا، وهناك 98 من السودان و90 من الكونغو و100 من ليبيريا وبضعة أشخاص من مصر.

قلة قليلة منهم فازت الحق. ابرزهم صحافي من دولة، رفض المسؤولون الكشف عن تفاصيل قضيته، هرب بعد تعرضه لمحاولتي قتل من عناصر المافيا لنشره تقارير صحافية عن تجارة المخدرات. وعراقيان من أصل 28 وصلوا الى اسرائيل قبل نحو ست سنوات بادعاء ملاحقتهم من جانب نظام صدام حسين وهروب بعضهم من السجون، لكن اسرائيل لم تقبل سوى اثنين بعد زواجهما من فلسطينيتين من الداخل. وهناك عربي سوري هبط بطائرته في اسرائيل وعراقيان وشخص من الطائفة البهائية في ايران، وهؤلاء جميعاً ادعوا انهم ملاحقين من سلطات بلادهم. أما السودانيون وهم الشريحة الاكبر ممن تسللوا الى اسرائيل وعددهم 98 شخصاً بينهم عائلة مؤلفة من أم وأب وستة اطفال، فلم يحظ اي منهم بحق اللجوء السياسي. ويبدو ان اسرائيل حسمت قرارها بعدم منحهم هذا الحق انطلاقاً من ان السودان «دولة عدوة». ويقضي هؤلاء وقتهم داخل السجون الاسرائيلية المخصصة للأجانب باستثناء العائلة التي تقرر ان تعيش في أحد الكيبوتسات الاسرائيلية بعد إصرار من ممثلي الأمم المتحدة. جميعهم يرفضون الكشف عن هوياتهم الشخصية. من تحدث منهم، وهم قلة، كانوا في حال من اليأس. هواجس الحياة القاسية التي مروا بها قبل وصولهم الى اسرائيل تثقل عليهم. بعضهم يتحدث عن الجرائم التي ارتكبت بحق اقرب الناس الى قلوبهم. ولكنهم وفي الوقت نفسه يجدون انفسهم مجدداً أمام وضع مقلق.

اسرائيل لن تبقيهم عندها، وعدم عودتهم الى السودان ليس امراً نهائياً، ولم تشفع لهم تصريحات ممثل الأمم المتحدة في اسرائيل، ميكي بابلي، الذي أكد لـ «الحياة» انه حريص على ضمان مكان آمن يلجأ اليه هؤلاء. الا انه اضاف: «القضية صعبة ومعقدة وكل ما رواه هؤلاء من قصص كانت صادقة وصحيحة، وفق ما حصلنا عليه من ممثلينا في الخارج، ومع هذا لم تتح لأحد منهم فرصة الحصول على حق اللجوء السياسي، ما يعني طردهم من اسرائيل... المهم بالنسبة إلينا الا يعودوا الى السودان».

علي عمر واحد من السودانيين الذين يأملون الحصول على حق اللجوء السياسي في اسرائيل.

وقع علي ضحية جرائم ارتكبت بحق السودانيين في بلدهم. ويروي من داخل سجنه الاسرائيلي: «في العاشر من شهر ايار (مايو) عام 2003 دخل قرية مكماجا في دارفور قرابة خمسمئة مسلح من الجنجاويد. حاصرونا من كل الجهات. حرقوا المزروعات. قتلوا الناس. ودبوا الرعب في قلوب الجميع. كنت وزوجتي وطفلي ابن الشهرين نجلس في بيتنا. خرجت على صراخ أمي التي ركضت تنادي علي وما إن لمحتها حتى قتلوها. خرج والدي خلفها ليرى ما يحدث فقتلوه. في هذه الأثناء هرب من المكان اخي وشقيقتاي، أما أنا فأمسكت بزوجتي وحملت طفلي وهربنا نحو الوادي. بقينا هناك ست ساعات في حالة خوف الى ان تركوا المكان. عدنا وخلال اربعة أيام جمعنا الجثث وكان عددها 67 فحرقناها ثم قمنا بدفنها. وقررت ان أغادر المكان مع عائلتي. ركبنا الحمار واتجهنا نحو قرية جونجي. وما إن نزلنا لنستريح حتى وصل رجال جنجاويد بثلاث سيارات. في كل واحدة جلس اربعة منهم. وقفوا أمامنا وشهروا السلاح علي. رفعت يدي فكبلوني وأخذوني معهم. لم يسمحوا لي بنطق كلمة واحدة حتى مع زوجتي. توسلت إليهم ان يعيدوني الى زوجتي لكنهم ضربوني بقسوة. منذ تلك اللحظة لم أشاهد زوجتي وطفلي ولا اعرف أين هما وإذا بقيا أصلاً على قيد الحياة».

ويتابع: «أخذوني للتحقيق وطلبوا مني ان اكشف لهم عن مكان اختباء المتمردين. وما إن قلت إنني لا أعرف حتى انهالوا علي بالضرب. وبعد أسبوع من التعذيب والتحقيقات نقلوني الى مقر العصابة في مدينة الجنينة وهناك ألزموني بالتوقيع على تعهد بأن أكون متعاوناً معهم ضد المتمردين ثم افرجوا عني شرط عدم مغادرة المنطقة والوصول اليهم يومياً لإثبات وجودي».

قرر علي الهرب. وصل الى مصر وحاول ان يعمل بائعاً متجولاً في «خان الخليل»، لكن الشرطة المصرية لاحقته واعتقلته مرات عدة، عندها قرر التسلل الى اسرائيل.

ما رواه علي يتطابق مع ما رواه الآخرون. كل منهم، وخصوصاً الشباب، تعرضوا لاعتقالات وتعذيب وكانوا شهوداً على قتل العشرات. عشرات القصص التي دونت في مكتب الامم المتحدة ضمن طلبات حق اللجوء السياسي. وكما قال بابلي، فإن الروايات فحصت من قبل مكتبهم في السودان وقد صادق على حق هذه الشريحة باللجوء، بموجب اتفاقية جنيف، وعدم العودة الى السودان، إلا ان الأمر بات مستحيلاً في اسرائيل.


لجنة من ثلاث وزارات

إذا كانت المسألة حسمت بالنسبة الى السودانيين بعدم إبقائهم في اسرائيل ومنحهم حق اللجوء السياسي، فإن ما يقارب تسعمئة طلب أخرى لا يزال بحثها معلقاً. وهؤلاء لا يجرىي الحديث عن حضورهم من دول «عدوة لاسرائيل»، لأن التعامل في اسرائيل مع هذه القضية، وكما يؤكد بابلي، مختلف عن بقية الدول.

حتى العام 1999 كانت قضية اللجوء السياسي غير واردة لدى المؤسسات الرسمية الاسرائيلية. كان الطلب يوجه لمكتب الامم المتحدة وهذا بدوره يجمع المعلومات عن الشخص ثم ينقلها الى جنيف. لكن هذه الاجراءات كانت صعبة ومعقدة وغير منطقية. حتى توجه بابلي، قبل سبع سنوات، الى يوسي بيلين، وزير القضاء آنذاك، وشرح أهمية الموضوع وضرورة ان تبحث اسرائيل في هذه الطلبات الآخذة في الارتفاع. وتقرر تشكيل لجنة خاصة من وزارات الخارجية والقضاء والداخلية. هذه اللجنة بدأت عملياً بحث الطلبات في العام 2002، لكن عمل كل جلسة لها يقتصر على بحث 16 ملفاً وبمعدل مئتي ملف في السنة.

وتشير إحصاءات مكتب الأمم المتحدة الى انه في العام 2003 منحت اسرائيل حق اللجوء لـ 13 شخصاً فقط وفي العام 2004 لـ 12. وهؤلاء يشكلون نسبة 1.5 في المئة من عدد الطلبات المقدمة ومعظمهم من دول افريقيا. ومقارنة مع دول أخرى، فإن اسرائيل الدولة الأقل منحاً لحق اللجوء السياسي، فمثلاً بالنسبة الى الفارين من دول افريقيا اعترفت إيطاليا بـ 66 في المئة منهم والنروج بـ 35 في المئة وكندا بـ 80 في المئة، ومصر بـ 45 في المئة وفي المرتبة ما قبل الأخيرة جاءت المانيا التي اعترفت بـ 6.7 في المئة ثم اسرائيل في ذيل القائمة واعترفت بنحو 1 في المئة فقط (النسبة التي جاءت في احصاءات السنتين تشمل غير افريقيين).

والمشكلة كما تقول المحامية عنات بن دور، من وحدة الدفاع عن حقوق اللاجئ، ان اسرائيل «تهمل هذا المجال ولا تنفذ ما جاء في اتفاقية جنيف. فهي تعالج القضية بسياستها وقوانينها الداخلية، من دون الاعتماد على القوانين الدولية. وهذا ما يؤدي الى رفض مئات الطلبات، وإن تمت الموافقة على ذلك فإان معاناة قاسية تكون بانتظارهم».

القانون الاسرائيلي، كما يقول ممثل الامم المتحدة، بابلي، لا يفي بكل الحقوق للاجئ السياسي: «المعروف ان كل لاجئ سياسي يتوجب عليه تجديد بطاقته كل سنتين. وبهذه لا توجد مشكلة. ومعروف ايضاً ان اي شخص تعترف به الدولة كلاجئ سياسي يتحول الى مواطن فيها مع ضمان كل الحقوق باستثناء حق التصويت. وهنا المشكلة كبيرة في اسرائيل». ويقول: «هناك مشكلة في الحصول على عمل ثم المشكلة الأخطر ان القانون الخاص في اسرائيل، خلافاً للقوانين الدولية، لا يعطي اللاجئ مخصصات التأمين الصحي، وهذا يعني مشكلة جدية لكل من يواجه مشكلات صحية. فالعلاج في العيادات او إجراء عمليات جراحية او البقاء في المستشفى يكون على حسابه وبمثل هذه الحالة يكون من الصعب على اللاجئ ضمان صحته لأن العمل اصلاً غير متوافر في شكل يضمن له حياة مريحة ثم ان تكاليف العلاج باهظة».

المعاناة الأكبر، في هذا الجانب، نجدها بين الافريقيين. فنسبة ليست قليلة منهم اكتشفت بعد وصولها الى اسرائيل انها تعاني «الإيدز» و «السرطان»، بموجب تقارير لوزارة الصحة. فعلاج هؤلاء المرضى يتطلب على الأقل كل شهر ألفي شيكل (450 دولاراً).

وتقول منظمة «الاطباء من أجل حقوق الانسان» التي تتابع قضايا اللاجئين: «هؤلاء بالذات يحتاجون الى رعاية فائقة واهتمام خاص. معظمهم تعرضوا لشتى صنوف التعذيب في بلادهم وما زالوا يعانون جراء ذلك حالة نفسية صعبة. وعدم ضمان التأمين الصحي يشكل خطراً جدياً على حياتهم وهذا كله يتنافى مع حقوق الانسان واللاجئ».

التعليقات