عاجل

  • 5 شهداء وعدة مصابين جراء غارة إسرائيلية على نقطة شرطة في محيط موقع الـ 17 غرب مدينة غزة

تفجيرات فنادق عمان ضاعفت ضائقة العراقيين في الأردن وعقّدت حياة الأثرياء النازحين والفقراء وأغنياء الحرب

تفجيرات فنادق عمان ضاعفت ضائقة العراقيين في الأردن وعقّدت حياة الأثرياء النازحين والفقراء وأغنياء الحرب
غزة-دنيا الوطن

تجاوز الشارع الأردني ومئات الآلاف من ضيوفه العراقيين تداعيات تفجيرات عمان الانتحارية التي نفذها أربعة عراقيين، بينهم سيدة قيد الاعتقال بعد أن خانها حزامها الناسف. إلا أن الهاجس الأمني لا يزال سيد الموقف في ظل شكوك المملكة باحتمالات دخول عناصر إرهابية جديدة عبر الحدود مع العراق، ومن طريق الجو.

الحوارات التي أجريت بين السلطات في البلدين عقب تفجيرات 9/11/2005، كان آخرها قبل اسبوعين بين مسؤولين أمنيين كبار، وساهمت في تطويق ذيول الحادث، عبر سلسلة من التطمينات التي مفادها أن الأردن لن يسمح لأحد بتعكير صفو إقامة العراقيين في الأردن، أو تخريب العلاقات الثنائية، بعد تسجيل بعض الحوادث عقب الانفجارات مثل اعتداءات على سيارات بعض العراقيين، وملاسنات الكلامية وردود فعل عفوية.

لكن عمان تشددت في مسائل دخول العراقيين وإقامتهم، لأن لديها مخاوف حقيقية من استمرار عمليات تزوير جوازات وأختام رسمية وتهريب أسلحة ومتفجرات عبر الحدود، بسبب الفوضى وانعدام الأمن في العراق، منذ سقوط نظام صدام حسين في نيسان (ابريل) 2003.

والجالية العراقية تشكو من المبالغة في التضييق والاستجواب، ومن اضطرار أفرادها الانتظار لأيام على المعبر الحدودي، ومن إرجاع يومي لمسافرين لمجرد شكوك بأن اوراقهم الثبوتية مزيفة. وهناك خشية لدى بعض الساسة من البلدين من أن حالة «الرهاب» الأمني الأردني، والإفراط في الشك، قد تعمّق انطباعات سلبية شعبية عراقية تجاه الأردن وتستغل من ق القوى السياسية الجديدة المهيمنة على المشهد المحلي العراقي، والمناوئة لأي تقارب سياسي مع الأردن الذي يبقى منفذ العراقيين الأول ومحطة مهمة لجهود اعادة الاعمار.

نقطة التحول كانت قبل أسابيع، عندما منعت السلطات الأردنية مرور أعضاء بارزين في الحزب الإسلامي العراقي بقيادة محسن عبدالحميد كانوا في طريقهم إلي قطر لحضور ندوة ثقافية، بحجة أن جوازاتهم مزورة. وأجريت سلسلة من الاتصالات على أعلى المستويات، وبعد أقل من ساعة سمح لهم بالدخول، وبالجوازات نفسها التي ختمت بختم ممنوع الدخول.

وقبل ذلك منع دخول وفد أساتذة جامعيين كانوا في طريقهم إلى ألمانيا لحضور مؤتمر، وبحوزتهم تأشيرات دخول صالحة. ومنع أيضاً دخول تجار جملة سبق أن دخلوا مرات عدة. ووصلت شكاوى عدة من أن رجال الأمن يسمحون فقط بدخول الموظفين الرسميين، أو ممن يحملون موافقات دخول رسمية، أو إقامات سنوية صالحة.

أزاء ذلك، أرسلت السلطات العراقية أخيراً كتباً رسمية عدة احتجت فيها على مظاهر التشديد على عملية دخول العراقيين من خلال مطار الملكة علياء الدولي، الذي كان المنفذ السريع والمعتمد للنخبة السياسية والاقتصادية العراقية، وايضاً على الحدود البرية «حيث أصبح كل عراقي مشكوكاً فيه».

وقال مسؤول أردني إن الحكومة تسعى جاهداً الى ايجاد معادلة لتحقيق توازن بين ضرورة حماية المصالح الوطنية والأمن، والإبقاء على الوجه الإنساني للأردن وتشجيع الانفتاح الاقتصادي، بمواجهة خطر إرهاب القاعدة الآتي من العراق، واستمرار عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات وتزوير الوثائق.

وقال لـ «الحياة» ان «هذه التحديات مجتمعة خلقت حالة من الخوف لدى الرسميين على الحدود، وطغى حس التأهب والتوجس والشك على كل الاعتبارات الاخرى، لدى معظم موظفي الإقامة والحدود والجمارك، لان أحداً منهم لا يريد أن يشعر بالذنب من أن مشروعاً إرهابياً محتملاً دخل من خلالهم، كما مر الانتحاريون العراقيون الثلاثة برفقة ساجدة الريشاوي، زوجة احد الانتحاريين العراقيين التي خانها حزامها الناسف داخل الفندق ولم ينفجر ليلة المجزرة». وأضاف: «وفي هذه الحالة، قد تقع مبالغات في بعض التصرفات».

لقد ولت الى غير رجعة سياسة الحدود المفتوحة مع العراق، وتسهيلات الإقامة الموقتة، والتي سهلت لجوء ما بين 250 ألف عراقي بحسب التقديرات الرسمية، و700 الف بحسب التقديرات المستقلة، خلال العامين الماضيين، ضمن آخر موجة تدفق بشري ارتبطت بغياب الاستقرار السياسي في المنطقة.

التدابير الأمنية قننت من عملية دخول العراقيين عبر حدود الكرامة، إلى معدل 150 مسافراً يومياً، مقارنة بأكثر من ألفي شخص، وبعد عمليات تفتيش مضنٍ ودقيق. وسمح لكل عائلة بالإبقاء على سيارة خاصة واحدة في الأردن، بلوحات عراقية بيض، مقابل كفالة مصرفية بقيمتها السوقية، ومنع دخول كل المركبات الصالون التي تحمل لوحات موقتة سوداً.

وطاولت الاجراءات حق الاقامة الموقتة في المملكة ضمن المهلة الممنوحة والتي كان معظم العراقيين يتحايل عليها (ثلاثة اشهر عند الدخول، وبعدها تمدد لثلاثة اشهر اخرى)، اذ كانوا يغادرون يغادرون الي أقرب نقطة حدود للحصول على ختم خروج واعادة دخول، وبدء الكرة من جديد لمدة ستة شهور أخرى.

عدد من الذين حاولوا العودة أعطوا إذن اقامة لمدة 48 ساعة او شهر، قبل ان يصبحوا في عداد المخالفين، وصار هناك تشديد عند اعادة تجديد إذن الاقامة السنوي الممنوح لأكثر من 75 ألف شخص.

أما محاولة دخول عراقيين عبر الحدود الأردنية مع سورية فهي شبه مستحيلة منذ أكثر من شهرين. وكذلك منع دخول العشرات من الذين وصلوا من طريق الجو، عبر ثلاث رحلات يومية منتظمة بين مطاري عمان وبغداد، ورحلتين أسبوعيتين تربطان عمان مع اربيل والبصرة.

ويقول سائقو سيارات الأجرة العراقيون الذين يعملون على خط عمان - بغداد، ان الرحلة بين العاصمتين كانت تستغرق سابقاً بين ثماني وعشر ساعات. أما الآن، فيضطرون أن ينتظروا مع الركاب، أحياناً نحو أربعة أيام في المنطقة العازلة بين الحدودين العراقية والأردنية، في انتظار دورهم، مما يرهق ركابهم، ويعرض حياتهم للخطر بسبب انتشار قطاع طرق وعمليات المقاومة.

إزاء ذلك، انتشرت طرق جديدة في أوساط العراقيين المخالفين لشروط الإقامة للتحايل على السلطات وتمديد الاقامات الموقتة من خلال استصدار شهادات من بعض المستشفيات الأردنية تفيد بأن الوضع الصحي ل «س» أو «ص» من الناس «صعب وحرج» وبأنه في حاجة الى البقاء في المستشفى لمدة شهر آخر، تمدّد بعد ذلك الإقامة الموقتة لمدة شهر آخر وهلم جراً.

وقالت نهلة أحمد، أم لثلاثة اطفال من منطقة الانبار، انها استطاعت تمديد اقامتها لثلاث مرات، كل مرة لمدة شهر، بعد انتهاء مهلة الستة شهور الأولى، من خلال دفع مبلغ 10 دنانير (15 دولاراً اميركياً) الى مستشفى خاص يفيد بأن ابنها ما زال في حاجة الى شهر لتلقي علاج ضد مرض السرطان: «كل واحد فينا أصبح مضطراً لاستعمال الحيلة الخاصة به لتمديد الاقامة».

آخرون يتعرضون لعمليات ابتزاز على أيدي بعض ممن يدعون أن لديهم واسطة تساعد على استصدار إقامات وتصويب أحوال، أو من خلال عروض لعقد قران صوري على فتيات وشباب أردنيين لضمان إقامة سنوية من دون الحاجة إلى استثمار عشرات الألوف من الدنانير للحصول عليها.

وقالت مهدية صالح، 24 سنة، أم لطفلين من مدينة الصدر في ضواحي بغداد، إنها وعائلتها أصبحتا في خانة العراقيين المخالفين للإقامة بعد أن جربت كل أنواع الحيل القانونية الممكنة.

وأضافت والدموع تنحدر على خديها: «ككثيرين غيري، اشعر الآن بالخوف على مصيري، ومصير عائلتي لأنه لم يبق لدينا أي خيارات أخرى لتمديد الإقامة أو الحصول على إذن إقامة سنوي بعد هذه العملية الإرهابية التي ساوت بين الجيد والسيىء وظلمت من لا حيلة لهم».

وشكا آخرون يقفون في طابور طويل أمام مديرية شؤون الإقامة والحدود من المزاجية في تطبيق الإجراءات.

لكن أردن ما بعد 9/11/2005 اختلف على الجميع، مواطنين وأجانب.

وقضية العراقيين جزء صغير من المشهد العام المليء بحواجز تدقيق الهويات على الطريق السريع بين عمان ونقطة الكرامة، وتفتيش الكتروني لزوار الفنادق وأمتعتهم، ولزوار المؤسسات الرسمية، والوزارات، ومرتادي مراكز التسوق (المولات والسوبرماركت) الكبيرة، وبعض المستشفيات، والملاهي الليلية، ومطاعم الوجبات الغربية السريعة. وأجواء من الترقب والشك والاشاعات زادت بعدما قررت كل من السفارات البريطانية والكندية والأسترالية يوم 7/1/2006 إغلاق بعثاتها في عمان حتى إشعار آخر، بسبب تهديدات محتملة، لتعود عن قرارها بعد مرور 48 ساعة.

وعلى رغم التضييق الأخير على دخول العراقيين وإقامتهم، فإن عمان تبقى منزلهم الثاني، لحين استتباب الأمن في العراق، وتوفير المياه والكهرباء. وخلال السنتين الماضيتين دخل الأردن أكثر 55 ألف عائلة، معظمهم من الأثرياء، بعضهم ممن اطلق عليهم لقب «الحواسم»، أي اغنياء الحرب، والكثير من الطبقة الوسطى، من مدرسين وأطباء ومهندسين، أصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي المتغير في المملكة، وساهموا، ولو جزئياً، في بلوغ نسب نمو اقتصادي بلغ 7.5 في المئة في الأشهر الستة الأولى من عام 2005 مقارنة بـ 6 في المئة في الفترة نفسها من العام الماضي، على أكتاف طفرة قطاع الإنشاءات والخدمات وتجارة التجزئة. لهم مطاعمهم المفضلة، وأماكن اجتماعية يلتقون فيها.

وشهدت عمان طلباً يعدّ سابقة على شراء الأراضي والشقق السكنية.

ويقول عراقيون إن الأردن المحافظ اجتماعياً ودينياً، يبقى خيارهم الأول بسبب تشابه العادات والتقاليد، وبحكم قرب الجغرافيا، وروابط التاريخ والسياسة والاقتصاد التي نسجت عبر عقود، اذ استضافت عمان الكثير من العائلات والساسة منذ الإطاحة بالملكية عام 1958.

واستمرت موجة النزوح بعد فرض العقوبات الاقتصادية على العراق عام 1990، عندما أغلقت معظم الدول العربية المجاورة الأبواب في وجه العراق بسبب المواقف السياسية من صدام، وانقطعت المواصلات الجوية مع العالم، وقننت تأشيرات الدخول إلى كل دول العالم.

ويعمل حالياً اكثر من 832 عراقياً في جامعات الأردن ألـ 19 الخاصة، وهناك 40 فناناً تشكيلياً، و600 مستثمر حجم استثماراتهم بالملايين.

وعلى رغم الطفرة الاقتصادية التي ساعد العراقيون على دفعها، فإن عدداً كبيراً من الأردنيين، بخاصة ذوي الدخل المتوسط، والمتدني، والعاطلين من العمل، يعتبرون أن تأزم أوضاعهم مرده إلى كثافة الوجود العراقي في بلدهم. فالتضخم في تصاعد، وهناك طبقة جديدة من المستهلكين تغيرت حياتهم من «كفاف إلى غنى فاحش» من دون سابق إنذار، وأثر ذلك في زيادة المستوردات، وتنامي العجز التجاري.

التعليقات