قائد شهداء الأقصى في شمال القطاع: تقنية تصنيع الصواريخ وصلت للضفة الفلسطينية
غزة ـدنيا الوطن- رحمة ثابت
هل رأى رئيس الحكومة الإسرائيلية أرئيل شارون أن تحويل قطاع غزة لسجن كبير لا يكفي لتجسيم خطط حكومته وحلولها المنفردة؟ لذا قرر العودة للتنكيل بالفلسطينيين, ومنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية بعد الانسحاب, أم جاء قرار السيطرة النارية على منطقتي بيت حانون وبيت لاهيا تحت مسمى (المنطقة العازلة) رداً على استمرار إطلاق الصواريخ الفلسطينية من شمال قطاع غزة أم هو اغتنام للفرص لخلط الأوراق في المنطقة وإحراج سياسة السلطة ورئيسها التي تميزت بالتوافق والتهدئة ,ودفعهم باتجاه مواجهات فلسطينية ـ فلسطينية قد تنزلق بهم إلى حرب أهلية.
ولعل إقامة المنطقة الأمنية في شمال القطاع بطول عشرة وعرض ثلاثة كيلومترات يأتي كندمً على الانسحاب من قطاع غزة,وتعويض عن الضغوط التي مورست على القيادة الإسرائيلية .
والسؤال هنا هل نجحت أهداف هذا الإجراء الأمني الاحتلالي إذ بات من الواضح لنا جميعاً إمكانية إفشال إقامة "المنطقة الأمنية" في شمال القطاع ,فالفلسطينيون صامدون في بيوتهم وكذلك قوات الأمن الوطني في مواقعهم فبدت الخطة الإسرائيلية يائسة ومعقدة, وقد تجلى هذا بوضوح من خلال رصد معاناة أهالي بيت حانون وبيت لاهيا شمال القطاع. لكن هذا لا ينفي التضحيات وحجم الأضرار التي يتكبدها المواطنون هناك..هذا التقرير رصد الواقع من كل جوانبه وتداعياته:
خوف .. معاناة .. ترقب
سعيد أبو صلاح "43 عاماً" يروي لنا قصته قائلاً: "عائلتي عانت الكثير طوال السنوات الخمس الماضية جراء استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لمنزلي المحاذي للحدود الفاصلة, وقد كانت قوات الاحتلال تهدف إلى تهجيرنا عبر استهدافها لأرضي حيث قامت بإبادة قطيع من الأبقار تعود ملكيتها لي ولأخي أمام أعيننا والتي كانت مصدر رزقنا الوحيد".
ويتابع أبو صلاح :"واليوم تعود إسرائيل لإكمال ما بدأت به من عدوان ضد مزارع بيت حانون ببنائها الجدار الفاصل حول المدينة , حيث التهم ما يقارب 12 ألف دونم باعتبارها أراضي ساخنة إذ عملت على جعلها حقول ألغام ممنوع الاقتراب منها, معتبراً أن إسرائيل تحاول تعويض خسارتها جراء انسحابها من القطاع خاصة وأن الجدار الفاصل تعدى حدود ال67 المتفق عليها".
أما عائلة سويلم فلا تقل معاناتها عن عائلة أبو صلاح فمن جهته قال يوسف سويلم أنه لجأ إلى ترك منزله الذي يجاور الحدود الفاصلة نظراً لعدم قدرته هو وأسرته على العيش في الأجواء التي تفرضها قوات الاحتلال عليهم من قطع الكهرباء والمياه والإطلاق المتواصل للرصاص والقذائف.
أما السيدة روحية جمعة عفيفي صاحبة إحدى الأراضي الزراعية المحاذية للمنطقة العازلة أبدت تخوفاً واضحاً من أن تفقد أرضها الزراعية جراء استخدامها من قبل الفصائل لإطلاق الصواريخ, معربة عن معارضتها الشديدة لإطلاق الصواريخ من داخل المزارع والمناطق المأهولة بالسكان.
ويذكر أن المنطقة المشمولة بالقرار الإسرائيلي تعتبر من الأراضي الزراعية المؤهلة من الدرجة الأولى حيث تتميز بزراعتها التصديرية, إضافة إلى وجود أكثر من خمسة آلاف عامل يعملون في أراضيها مهددين بتركهم لاماكن عملهم خوفاً من استهداف طائرات الاستطلاع والمدفعية لهم.
عشوائية وسوء تصرف
هدى الكفارنة "أم حسام" والتي فقدت منزلها حيث تقيم حاليا في منزل أختها إضافة لإصابة ابنها شادي "28 عاماً" بجروح بالغة جراء سقوط أحد صواريخ المقاومة على منزلهم وهم نائمين, قالت بأن ما يعانيه أهالي الشمال من أزمة هو نتيجة سوء تصرف مطلقي الصواريخ وعشوائيتهم في التنفيذ, حيث صرخت قائلة "ابني هو ضحية صواريخ الفصائل المسلحة "متهمة مسئول ألوية الناصر صلاح الدين بالمسؤولية عما حصل لهم, موضحة أنهم رفضوا تحمل مسؤولية ما حدث وأن هناك جماعات من مطلقي الصواريخ يستفيدون شخصياً من إشعال الوضع.
أما المواطن علاء أبو عودة فقد أبدى موافقته على أن يأتي إطلاق الصواريخ في الوقت والمكان المناسبين, مؤكداً على انه ليس من مصلحتنا إطلاق الصواريخ خصوصاً في هذه المرحلة, مطالباً بالعمليات النوعية داخل إسرائيل والتي توقع خسائر فادحة وليس ما نشهده حالياً من استخدام منازل ومزارع أهالي الشمال كبش محرقة لإطلاق صواريخهم التي لا تعود علينا إلا بالضرر.
وفي استطلاع للرأي سريع شمل جملة من أهالي بيت لاهيا وبيت حانون والذين أبدوا فيه معارضتهم لإطلاق الصواريخ من بين مزارعهم خاصة في هذه المرحلة, لأنها تأتي بنتيجة عكسية مطالبين الفصائل ومطلقي الصواريخ الأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة, خاصة في ظل الحديث عن الآثار المدمرة للاقتصاد الفلسطيني التي ستخلفها إقامة المنطقة العازلة والتي ستصل إلى 100 مليون دولار خلال الشهور الأربعة الأولى من إقامتها حيث تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في تلك المنطقة نحو 20 ألف دونم.
جماعات منظمة
النقيب عبد القادر ماضي احد أفراد الأمن الوطني المرابطين بالقرب من المنطقة العازلة, أوضح بأن صمودهم يأتي في سياق المحافظة على كيان السلطة الوطنية الفلسطينية ,إضافة إلى أن هناك أوامر عسكرية من قبل وزارة الداخلية تقضي بضرورة بقائهم في أماكنهم, إلا انه أكد على إتباعهم لبعض إجراءات السلامة محافظة على حياتهم تتمثل في تشكيل فرق تستطلع تحركات الجيش الإسرائيلي مما يجعلهم في عملية كر وفر أو ما يسمى بعملية إعادة الانتشار في حالة استهداف المنطقة العازلة بالقصف.
وفي إجابة له على سؤال يتعلق بمدى قدرتهم على السيطرة وفرض الأمن ومنع إطلاق الصواريخ أجاب ماضي :"نحن قادرون على الاتصال والتواصل مع الفصائل, ولقد قمنا بإبطال عدة عمليات لإطلاق الصواريخ إضافة لمصادرة عدد لا بأس به من الصواريخ" منبهاً الفصائل لضرورة إدراك ما تشكله هذه الصواريخ من خطورة على المصلحة العامة.
وفيما يتعلق بنجاح بعض الفصائل في الوصول للمنطقة العازلة وإطلاق الصواريخ رغم وجود أفراد الأمن الوطني, علق ماضي أنهم مسيطرون على 90% من الأراضي وأن الفصائل تطلق الصواريخ من داخل المناطق المأهولة بالسكان وليس من المناطق الحدودية المسيطر عليها.
مضيفاً أنه تم إقامة العديد من الحواجز على طول المنطقة المؤدية للشمال ,حيث يتم تفتيش جميع العربات المتوجهة نحو المنطقة العازلة ويتم توقيف كل من يشتبه به, مطالباً الجميع بتحمل مسؤولياته والمحافظة على الانجازات التي تم تحقيقها, واصفاً مطلقي الصواريخ بأنهم جماعات منظمة بقرار سياسي تهدف إلى إحراج السلطة ولا تضع أي اعتبار للمصلحة العامة.
تقصير شعبي وجماهيري
وفي نفس السياق وصف توفيق أبو خوصة المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية والأمن الوطني صمود أهالي الشمال بأنه عامل أساسي لأنه يعتمد على البعد الذاتي فهم أصحاب حق, ولكن هناك عوامل أخرى لتعزيز الصمود تقع على عاتق السلطة والشعب والمؤسسات,نظراً لأن أهالي الشمال لا يستطيعوا مواجهة الأزمة منفردين.
وأكمل قائلاً:" هناك تقصير واضح على الصعيد الشعبي والجماهيري خاصة في ظل إصابة الفصائل بحمى الانتخابات وتناسيها لمعاناة أهلنا هناك, أمّا على الصعيد السياسي والأمني فما تزال القضية مطروحة نظراً لخطورة الوضع الذي سينعكس سلباً على قطاع غزة بأكمله في حال إقامة المنطقة العازلة".
ولتحديد المسؤول عن تدهور التهدئة الحاصلة على الأرض, أجاب :" إطلاق الصواريخ هو أحد العوامل التي ساهمت وأعطت إسرائيل الذرائع لاستمرار العدوان وإقامة المنطقة العازلة".
وأكمل :"المشكلة لا تنحصر فقط في إطلاق الصواريخ لأنها مشكلة شاملة تتمثل في استمرار العدوان الإسرائيلي وإبقاء المنطقة في مربع الصراع العسكري, وهو المربع الأسهل والأفضل للجيش الإسرائيلي حيث أنه ساحة حسم للمعركة, فنحن لا نشكل أي وزن في ميزان القوة لديهم, منتقداً الفصائل التي تقوم بخرق التهدئة وتكبّد الفلسطينيين خسائر فادحة, واصفاً الأوضاع بأنها حالة وطنية شاملة في الضفة والقطاع تتشعب منها عدة ممارسات خاطئة تحت شعار المقاومة كالاتجار في المخدرات وعمليات الخطف وقطع الطريق".
وحول سؤال يتعلق بأولويات المؤسسة الأمنية هل هي منع إطلاق الصواريخ, أم تحقيق الأمن الفردي والمجتمعي والقضاء على فوضى السلاح , أجاب أبو خوصة أن السلطة ليس لديها أولويات معينة, فهي تقوم قدر استطاعتها بمنع إطلاق الصواريخ والسيطرة على حالة الفلتان التي تفشت مؤخراً في أوساط المجتمع الفلسطيني.
لغة الموت
وللرد على الاتهامات الموجهة لمطلقي الصواريخ من شمال قطاع غزة صرح قائد كتائب شهداء الأقصى في شمال قطاع غزة سالم ثابت أن موضوع إطلاق الصواريخ يقرأه كل شخص حسب مزاجه ومصلحته الخاصة, مؤكداً على أن الفصائل نجحت في تحقيق نتائج عسكرية وسياسية قريبة وبعيدة المدى, تجلت في الانسحاب الإسرائيلي من غزة بفعل التضحيات التي قدمها الفلسطينيون طوال سنوات الانتفاضة, وحالياً يتم الحديث في أروقة مكاتب الأمن الإسرائيلي عن خطة لإخلاء مدينة اشدروت من ساكنيها بفعل صواريخ المقاومة, موضحاً أن الصواريخ أوجدت نوعاً من التوازن في الرعب بين الفلسطينيين والصهاينة خاصة في ظل خروج العديد من المظاهرات داخل إسرائيل للمطالبة بإيقاف إطلاق الصواريخ.
ويرى ثابت أن إسرائيل لا تقدم أي تنازل بدون ضغوطات, أو قوة عسكرية, وهذا تم ترجمته في جنوب لبنان حيث انسحب الإسرائيليون بفعل ضربات حزب الله, وهذا ينطبق على القطاع, فإسرائيل هي حكومة موت وقتل ولا تفهم غير هذه اللغة لذا فالخيار المسلح هو الخيار الوحيد معها.
خطة مبيتة واتهامات متبادلة
وفيما يتعلق بالانتقادات الموجهة من أهالي الشمال لمطلقي الصورايخ ووصفهم لهم بأنهم سبب معاناتهم, رد ثابت بأن أهالي الشمال لم يحملوا المقاومة سبب معاناتهم داعياً كل من يحاول ترويج وتسويق المفاهيم الإسرائيلية بما فيها تلك المتعلقة بصورايخ المقاومة والتي حسب رأيهم تلحق الضرر بأهالي الشمال, وبمصالحهم الفعلية أن ينظروا إلى الممارسات الإسرائيلية في طولكرم وجنين والخليل ونابلس وهي مناطق لا ينطلق منها اى صاروخ.
ويرى ثابت أن خطة إقامة المنطقة الأمنية في الشمال خطة قديمة تغنى بها وزير الحرب في أعقاب عملية نتانيا علما أن منفذها ليس من الشمال.
وأكد ثابت على التزام الفصائل عامة وكتائب شهداء الأقصى خاصة بالتهدئة المعلنة في القاهرة, والتي اتضح فيما بعد أنها من طرف واحد والتي استمرت لشهرين فقط لنشهد بعد ذلك ممارسات احتلالية بحق أهلنا في الضفة فنحن لا نقبل اى تجزئة لشعبنا تحت ظل اى مسمى, منتقدا مواقف السلطة واستنكارها لضربات المقاومة وشجبها لهذه العمليات بمناسبة وغير مناسبة, فالسلطة تحرج نفسها بنفسها عندما تغض الطرف عن قتل الأبرياء وهدم البيوت فوق ساكنيها, وترفع الطرف الأخر لتلقي باللوم على المقاومة, فهل هذا يعني أن دماء الشعب الفلسطيني لم تصل حتى هذه اللحظة للثمن الكافي الذي يمكن أن تشترى به الإحراج والشجب والاستنكار.
ورفض ثابت بشدة كل ما يتردد حول تلقي مطلقي الصورايخ أجورا مادية لقاء عملهم, واصفا هذه الاتهامات بأنها دعاية إسرائيلية تقف ورائها المخابرات الإسرائيلية, وبعض دعاة الهزيمة للنيل من طهارة ونقاء المجاهدين الذين يقدمون أرواحهم رخيصة إيمانا منهم بعدالة قضيتهم, فلا توجد أموال يمكن أن يراهن عليها المرء مقابل حياته فإطلاق الصواريخ ليس باللعبة خاصة في ظل استهداف طائرات الاستطلاع والمدفعية الإسرائيلية لهم.
تقنية الصواريخ في الضفة
ويشهد قطاع غزة إطلاقا مكثفا للصورايخ محلية الصنع وبالتحديد من شماله على الرغم من انه لم يعد هناك اى شكل من أشكال الاحتلال المباشر, إلا أن ثابت يرى بان الاحتلال مازال جاثما على أرضنا لذا ستبقى المقاومة, وستستمر الصواريخ التي تنطلق من الشمال تحديدا نظرا للطبيعة الجغرافية, فالشمال هو الأقرب للمدن الإسرائيلية إضافة إلى انطلاق الصواريخ من جميع أنحاء القطاع.
وللتعليق على ما يتناقله أهالي الشمال من أن صواريخ المقاومة لا تخرج من الضفة الغربية, نظرا لقدرة ساكنيها على منع الفصائل المسلحة إذ يرون فيها ضرراً على مصالحهم والمصلحة العامة, رد ثابت بأن هذا مفهوم مغلوط عند البعض فالمقاومة لم ولن تدخل في حرب مع شعبنا من اجل تحديد مدى ضعفها أو قوتها في غزة والضفة, فالمقاومة لاتقبل أن يصاب احد المواطنين بالسوء موضحا أن ما يمنع إطلاق الصواريخ في الضفة هو مسألة فنية لا أكثر تتعلق بتصنيع الصواريخ, مؤكدا على أن تقنية تصنيع الصواريخ وصلت للضفة وانه منذ فترة قريبة تم إطلاق صاروخين من نوع أقصى 3 من مدينة جنين باتجاه الأراضي المحتلة عام 48م وستكون هذه الصواريخ احد أدوات المقاومة هناك.
لذا فان إقامة المنطقة الأمنية في شمال القطاع لن تسهم إلا في زيادة التوتر وإرجاع الأمور إلى المربع الأول, لذا على الجميع تحمل مسؤولياته كما يتوجب على مطلقي الصواريخ أن يدركوا إبعاد وتكاليف هذه التصرفات, التي تنعكس سلباً على حياة الفلسطينيين, وتعطي الذرائع لإسرائيل لإبقاء احتلالها للضفة, واستمرار حصارها للقطاع وترجمة تهديدها في شمال غزة.
هل رأى رئيس الحكومة الإسرائيلية أرئيل شارون أن تحويل قطاع غزة لسجن كبير لا يكفي لتجسيم خطط حكومته وحلولها المنفردة؟ لذا قرر العودة للتنكيل بالفلسطينيين, ومنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية بعد الانسحاب, أم جاء قرار السيطرة النارية على منطقتي بيت حانون وبيت لاهيا تحت مسمى (المنطقة العازلة) رداً على استمرار إطلاق الصواريخ الفلسطينية من شمال قطاع غزة أم هو اغتنام للفرص لخلط الأوراق في المنطقة وإحراج سياسة السلطة ورئيسها التي تميزت بالتوافق والتهدئة ,ودفعهم باتجاه مواجهات فلسطينية ـ فلسطينية قد تنزلق بهم إلى حرب أهلية.
ولعل إقامة المنطقة الأمنية في شمال القطاع بطول عشرة وعرض ثلاثة كيلومترات يأتي كندمً على الانسحاب من قطاع غزة,وتعويض عن الضغوط التي مورست على القيادة الإسرائيلية .
والسؤال هنا هل نجحت أهداف هذا الإجراء الأمني الاحتلالي إذ بات من الواضح لنا جميعاً إمكانية إفشال إقامة "المنطقة الأمنية" في شمال القطاع ,فالفلسطينيون صامدون في بيوتهم وكذلك قوات الأمن الوطني في مواقعهم فبدت الخطة الإسرائيلية يائسة ومعقدة, وقد تجلى هذا بوضوح من خلال رصد معاناة أهالي بيت حانون وبيت لاهيا شمال القطاع. لكن هذا لا ينفي التضحيات وحجم الأضرار التي يتكبدها المواطنون هناك..هذا التقرير رصد الواقع من كل جوانبه وتداعياته:
خوف .. معاناة .. ترقب
سعيد أبو صلاح "43 عاماً" يروي لنا قصته قائلاً: "عائلتي عانت الكثير طوال السنوات الخمس الماضية جراء استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لمنزلي المحاذي للحدود الفاصلة, وقد كانت قوات الاحتلال تهدف إلى تهجيرنا عبر استهدافها لأرضي حيث قامت بإبادة قطيع من الأبقار تعود ملكيتها لي ولأخي أمام أعيننا والتي كانت مصدر رزقنا الوحيد".
ويتابع أبو صلاح :"واليوم تعود إسرائيل لإكمال ما بدأت به من عدوان ضد مزارع بيت حانون ببنائها الجدار الفاصل حول المدينة , حيث التهم ما يقارب 12 ألف دونم باعتبارها أراضي ساخنة إذ عملت على جعلها حقول ألغام ممنوع الاقتراب منها, معتبراً أن إسرائيل تحاول تعويض خسارتها جراء انسحابها من القطاع خاصة وأن الجدار الفاصل تعدى حدود ال67 المتفق عليها".
أما عائلة سويلم فلا تقل معاناتها عن عائلة أبو صلاح فمن جهته قال يوسف سويلم أنه لجأ إلى ترك منزله الذي يجاور الحدود الفاصلة نظراً لعدم قدرته هو وأسرته على العيش في الأجواء التي تفرضها قوات الاحتلال عليهم من قطع الكهرباء والمياه والإطلاق المتواصل للرصاص والقذائف.
أما السيدة روحية جمعة عفيفي صاحبة إحدى الأراضي الزراعية المحاذية للمنطقة العازلة أبدت تخوفاً واضحاً من أن تفقد أرضها الزراعية جراء استخدامها من قبل الفصائل لإطلاق الصواريخ, معربة عن معارضتها الشديدة لإطلاق الصواريخ من داخل المزارع والمناطق المأهولة بالسكان.
ويذكر أن المنطقة المشمولة بالقرار الإسرائيلي تعتبر من الأراضي الزراعية المؤهلة من الدرجة الأولى حيث تتميز بزراعتها التصديرية, إضافة إلى وجود أكثر من خمسة آلاف عامل يعملون في أراضيها مهددين بتركهم لاماكن عملهم خوفاً من استهداف طائرات الاستطلاع والمدفعية لهم.
عشوائية وسوء تصرف
هدى الكفارنة "أم حسام" والتي فقدت منزلها حيث تقيم حاليا في منزل أختها إضافة لإصابة ابنها شادي "28 عاماً" بجروح بالغة جراء سقوط أحد صواريخ المقاومة على منزلهم وهم نائمين, قالت بأن ما يعانيه أهالي الشمال من أزمة هو نتيجة سوء تصرف مطلقي الصواريخ وعشوائيتهم في التنفيذ, حيث صرخت قائلة "ابني هو ضحية صواريخ الفصائل المسلحة "متهمة مسئول ألوية الناصر صلاح الدين بالمسؤولية عما حصل لهم, موضحة أنهم رفضوا تحمل مسؤولية ما حدث وأن هناك جماعات من مطلقي الصواريخ يستفيدون شخصياً من إشعال الوضع.
أما المواطن علاء أبو عودة فقد أبدى موافقته على أن يأتي إطلاق الصواريخ في الوقت والمكان المناسبين, مؤكداً على انه ليس من مصلحتنا إطلاق الصواريخ خصوصاً في هذه المرحلة, مطالباً بالعمليات النوعية داخل إسرائيل والتي توقع خسائر فادحة وليس ما نشهده حالياً من استخدام منازل ومزارع أهالي الشمال كبش محرقة لإطلاق صواريخهم التي لا تعود علينا إلا بالضرر.
وفي استطلاع للرأي سريع شمل جملة من أهالي بيت لاهيا وبيت حانون والذين أبدوا فيه معارضتهم لإطلاق الصواريخ من بين مزارعهم خاصة في هذه المرحلة, لأنها تأتي بنتيجة عكسية مطالبين الفصائل ومطلقي الصواريخ الأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة, خاصة في ظل الحديث عن الآثار المدمرة للاقتصاد الفلسطيني التي ستخلفها إقامة المنطقة العازلة والتي ستصل إلى 100 مليون دولار خلال الشهور الأربعة الأولى من إقامتها حيث تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في تلك المنطقة نحو 20 ألف دونم.
جماعات منظمة
النقيب عبد القادر ماضي احد أفراد الأمن الوطني المرابطين بالقرب من المنطقة العازلة, أوضح بأن صمودهم يأتي في سياق المحافظة على كيان السلطة الوطنية الفلسطينية ,إضافة إلى أن هناك أوامر عسكرية من قبل وزارة الداخلية تقضي بضرورة بقائهم في أماكنهم, إلا انه أكد على إتباعهم لبعض إجراءات السلامة محافظة على حياتهم تتمثل في تشكيل فرق تستطلع تحركات الجيش الإسرائيلي مما يجعلهم في عملية كر وفر أو ما يسمى بعملية إعادة الانتشار في حالة استهداف المنطقة العازلة بالقصف.
وفي إجابة له على سؤال يتعلق بمدى قدرتهم على السيطرة وفرض الأمن ومنع إطلاق الصواريخ أجاب ماضي :"نحن قادرون على الاتصال والتواصل مع الفصائل, ولقد قمنا بإبطال عدة عمليات لإطلاق الصواريخ إضافة لمصادرة عدد لا بأس به من الصواريخ" منبهاً الفصائل لضرورة إدراك ما تشكله هذه الصواريخ من خطورة على المصلحة العامة.
وفيما يتعلق بنجاح بعض الفصائل في الوصول للمنطقة العازلة وإطلاق الصواريخ رغم وجود أفراد الأمن الوطني, علق ماضي أنهم مسيطرون على 90% من الأراضي وأن الفصائل تطلق الصواريخ من داخل المناطق المأهولة بالسكان وليس من المناطق الحدودية المسيطر عليها.
مضيفاً أنه تم إقامة العديد من الحواجز على طول المنطقة المؤدية للشمال ,حيث يتم تفتيش جميع العربات المتوجهة نحو المنطقة العازلة ويتم توقيف كل من يشتبه به, مطالباً الجميع بتحمل مسؤولياته والمحافظة على الانجازات التي تم تحقيقها, واصفاً مطلقي الصواريخ بأنهم جماعات منظمة بقرار سياسي تهدف إلى إحراج السلطة ولا تضع أي اعتبار للمصلحة العامة.
تقصير شعبي وجماهيري
وفي نفس السياق وصف توفيق أبو خوصة المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية والأمن الوطني صمود أهالي الشمال بأنه عامل أساسي لأنه يعتمد على البعد الذاتي فهم أصحاب حق, ولكن هناك عوامل أخرى لتعزيز الصمود تقع على عاتق السلطة والشعب والمؤسسات,نظراً لأن أهالي الشمال لا يستطيعوا مواجهة الأزمة منفردين.
وأكمل قائلاً:" هناك تقصير واضح على الصعيد الشعبي والجماهيري خاصة في ظل إصابة الفصائل بحمى الانتخابات وتناسيها لمعاناة أهلنا هناك, أمّا على الصعيد السياسي والأمني فما تزال القضية مطروحة نظراً لخطورة الوضع الذي سينعكس سلباً على قطاع غزة بأكمله في حال إقامة المنطقة العازلة".
ولتحديد المسؤول عن تدهور التهدئة الحاصلة على الأرض, أجاب :" إطلاق الصواريخ هو أحد العوامل التي ساهمت وأعطت إسرائيل الذرائع لاستمرار العدوان وإقامة المنطقة العازلة".
وأكمل :"المشكلة لا تنحصر فقط في إطلاق الصواريخ لأنها مشكلة شاملة تتمثل في استمرار العدوان الإسرائيلي وإبقاء المنطقة في مربع الصراع العسكري, وهو المربع الأسهل والأفضل للجيش الإسرائيلي حيث أنه ساحة حسم للمعركة, فنحن لا نشكل أي وزن في ميزان القوة لديهم, منتقداً الفصائل التي تقوم بخرق التهدئة وتكبّد الفلسطينيين خسائر فادحة, واصفاً الأوضاع بأنها حالة وطنية شاملة في الضفة والقطاع تتشعب منها عدة ممارسات خاطئة تحت شعار المقاومة كالاتجار في المخدرات وعمليات الخطف وقطع الطريق".
وحول سؤال يتعلق بأولويات المؤسسة الأمنية هل هي منع إطلاق الصواريخ, أم تحقيق الأمن الفردي والمجتمعي والقضاء على فوضى السلاح , أجاب أبو خوصة أن السلطة ليس لديها أولويات معينة, فهي تقوم قدر استطاعتها بمنع إطلاق الصواريخ والسيطرة على حالة الفلتان التي تفشت مؤخراً في أوساط المجتمع الفلسطيني.
لغة الموت
وللرد على الاتهامات الموجهة لمطلقي الصواريخ من شمال قطاع غزة صرح قائد كتائب شهداء الأقصى في شمال قطاع غزة سالم ثابت أن موضوع إطلاق الصواريخ يقرأه كل شخص حسب مزاجه ومصلحته الخاصة, مؤكداً على أن الفصائل نجحت في تحقيق نتائج عسكرية وسياسية قريبة وبعيدة المدى, تجلت في الانسحاب الإسرائيلي من غزة بفعل التضحيات التي قدمها الفلسطينيون طوال سنوات الانتفاضة, وحالياً يتم الحديث في أروقة مكاتب الأمن الإسرائيلي عن خطة لإخلاء مدينة اشدروت من ساكنيها بفعل صواريخ المقاومة, موضحاً أن الصواريخ أوجدت نوعاً من التوازن في الرعب بين الفلسطينيين والصهاينة خاصة في ظل خروج العديد من المظاهرات داخل إسرائيل للمطالبة بإيقاف إطلاق الصواريخ.
ويرى ثابت أن إسرائيل لا تقدم أي تنازل بدون ضغوطات, أو قوة عسكرية, وهذا تم ترجمته في جنوب لبنان حيث انسحب الإسرائيليون بفعل ضربات حزب الله, وهذا ينطبق على القطاع, فإسرائيل هي حكومة موت وقتل ولا تفهم غير هذه اللغة لذا فالخيار المسلح هو الخيار الوحيد معها.
خطة مبيتة واتهامات متبادلة
وفيما يتعلق بالانتقادات الموجهة من أهالي الشمال لمطلقي الصورايخ ووصفهم لهم بأنهم سبب معاناتهم, رد ثابت بأن أهالي الشمال لم يحملوا المقاومة سبب معاناتهم داعياً كل من يحاول ترويج وتسويق المفاهيم الإسرائيلية بما فيها تلك المتعلقة بصورايخ المقاومة والتي حسب رأيهم تلحق الضرر بأهالي الشمال, وبمصالحهم الفعلية أن ينظروا إلى الممارسات الإسرائيلية في طولكرم وجنين والخليل ونابلس وهي مناطق لا ينطلق منها اى صاروخ.
ويرى ثابت أن خطة إقامة المنطقة الأمنية في الشمال خطة قديمة تغنى بها وزير الحرب في أعقاب عملية نتانيا علما أن منفذها ليس من الشمال.
وأكد ثابت على التزام الفصائل عامة وكتائب شهداء الأقصى خاصة بالتهدئة المعلنة في القاهرة, والتي اتضح فيما بعد أنها من طرف واحد والتي استمرت لشهرين فقط لنشهد بعد ذلك ممارسات احتلالية بحق أهلنا في الضفة فنحن لا نقبل اى تجزئة لشعبنا تحت ظل اى مسمى, منتقدا مواقف السلطة واستنكارها لضربات المقاومة وشجبها لهذه العمليات بمناسبة وغير مناسبة, فالسلطة تحرج نفسها بنفسها عندما تغض الطرف عن قتل الأبرياء وهدم البيوت فوق ساكنيها, وترفع الطرف الأخر لتلقي باللوم على المقاومة, فهل هذا يعني أن دماء الشعب الفلسطيني لم تصل حتى هذه اللحظة للثمن الكافي الذي يمكن أن تشترى به الإحراج والشجب والاستنكار.
ورفض ثابت بشدة كل ما يتردد حول تلقي مطلقي الصورايخ أجورا مادية لقاء عملهم, واصفا هذه الاتهامات بأنها دعاية إسرائيلية تقف ورائها المخابرات الإسرائيلية, وبعض دعاة الهزيمة للنيل من طهارة ونقاء المجاهدين الذين يقدمون أرواحهم رخيصة إيمانا منهم بعدالة قضيتهم, فلا توجد أموال يمكن أن يراهن عليها المرء مقابل حياته فإطلاق الصواريخ ليس باللعبة خاصة في ظل استهداف طائرات الاستطلاع والمدفعية الإسرائيلية لهم.
تقنية الصواريخ في الضفة
ويشهد قطاع غزة إطلاقا مكثفا للصورايخ محلية الصنع وبالتحديد من شماله على الرغم من انه لم يعد هناك اى شكل من أشكال الاحتلال المباشر, إلا أن ثابت يرى بان الاحتلال مازال جاثما على أرضنا لذا ستبقى المقاومة, وستستمر الصواريخ التي تنطلق من الشمال تحديدا نظرا للطبيعة الجغرافية, فالشمال هو الأقرب للمدن الإسرائيلية إضافة إلى انطلاق الصواريخ من جميع أنحاء القطاع.
وللتعليق على ما يتناقله أهالي الشمال من أن صواريخ المقاومة لا تخرج من الضفة الغربية, نظرا لقدرة ساكنيها على منع الفصائل المسلحة إذ يرون فيها ضرراً على مصالحهم والمصلحة العامة, رد ثابت بأن هذا مفهوم مغلوط عند البعض فالمقاومة لم ولن تدخل في حرب مع شعبنا من اجل تحديد مدى ضعفها أو قوتها في غزة والضفة, فالمقاومة لاتقبل أن يصاب احد المواطنين بالسوء موضحا أن ما يمنع إطلاق الصواريخ في الضفة هو مسألة فنية لا أكثر تتعلق بتصنيع الصواريخ, مؤكدا على أن تقنية تصنيع الصواريخ وصلت للضفة وانه منذ فترة قريبة تم إطلاق صاروخين من نوع أقصى 3 من مدينة جنين باتجاه الأراضي المحتلة عام 48م وستكون هذه الصواريخ احد أدوات المقاومة هناك.
لذا فان إقامة المنطقة الأمنية في شمال القطاع لن تسهم إلا في زيادة التوتر وإرجاع الأمور إلى المربع الأول, لذا على الجميع تحمل مسؤولياته كما يتوجب على مطلقي الصواريخ أن يدركوا إبعاد وتكاليف هذه التصرفات, التي تنعكس سلباً على حياة الفلسطينيين, وتعطي الذرائع لإسرائيل لإبقاء احتلالها للضفة, واستمرار حصارها للقطاع وترجمة تهديدها في شمال غزة.

التعليقات