كلمة منير صلاح خلف في المهرجان الجماهيري بغزة بمناسبة ذكرى إستشهاد القائد الرمز صلاح خلف أبوإياد

كلمة منير صلاح خلف في المهرجان الجماهيري بغزة بمناسبة ذكرى إستشهاد القائد الرمز صلاح خلف أبوإياد
كلمة الأخ منير صلاح خلف

في المهرجان الجماهيري بمناسبة ذكرى إستشهاد القائد الرمز صلاح خلف أبوإياد

قاعة رشاد الشوا

غزة

الثلاثاء – 17-01-2006

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على الهادي الأمين

السيد الرئيس ياسر عرفات...أيها الغائب الحاضر فينا...

السيد الرئيس محمود عباس حفظه الله

الأخوات و الأخوة الحضور الكرام

خمسة عشر عاما مرت و ما زالت ذكراه تلِحُ علينا وهي التي لا تغيب عني يوماً...ذكرى الشهيد القائد المؤسس صلاح خلف أبو إياد ومن قبله ومن بعده قوافل الشهداء من رفاقه المحفورة أسمائهم في قلوبنا جميعاً...منذ حوالي عشر سنوات كانت مشاعري مختلطة بين فرح وحزن وأنا أقف لأول مرة في فلسطين...أما اليوم فأنا أقف أمامكم حائرا... فماذا أخاطبكم؟ فهل للأحياء عند ربهم رثاء؟ هل أتحدث عن مناقب الشهداء وأذكركم بالذي مضى وأختم بتحيتكم والسلام..أم أتحدث بكل صراحة مخاطبا قلوبكم وعقولكم و رسالة الشهداء ماثلة أمامي الأمر الذي قد يزعج أو يحرج البعض؟ ..لن أؤثر السلامة... وأختار أن أعمل بما علمنا به الوالد...أن نقول الحق وأن لا نخشى في قوله لومة لائم...من غير إفراط ولا تفريط...فما أسهل أن نتجاهل بعضنا البعض ونتبادل التهم وأن نخرج كل ما هو سلبي ولكن ما أصعب أن نكظم الغيظ ونرى كل ما هو جميل وأصيل في الآخر..

السيد الرئيس..الأخوات والأخوة..

إن الوفاء للشهداء الذين هم بالفعل الأكرم منا جميعا يجب أن لا يقتصر على احتفاليات اللحظة التي نقيمها بين الحين والآخر..إن الوفاء الحقيقي يكون بالاستمرار في النهج الذي رسموه لكي يصلوا بنا إلى ذلك الحلم الكبير الذي اسمه فلسطين..

فعندما فجرّ جيل الآباء ثورة الفاتح من يناير 1965 لم يكن في خاطرهم سوى البذل والعطاء..انطلقوا على إستحياء..وكانوا السباقين للعمل و الصادقين فيه..كان همهم الوحيد الهم العام..لم يهتموا بمستقبلهم الشخصي بقدر ما اهتموا بمستقبل شعبهم والطرق المؤدية إلى وضعه على الخارطة السياسية والجغرافية والحفاظ على هويته الوطنية واستقلالية القرار الفلسطيني وقد نجحوا بإمتياز في كل ما سبق وتحول اللاجىء إلى ثائر..ولكن المتغيرات على الساحة الدولية والعجز العام الذي أصاب العرب بالإضافة إلى شراسة عدونا أدت بنا إلى القبول بهذه الحالة الغريبة العجيبة من اللاحرب واللاسلم أدت بنا إلى عدم التوازن والتخبط..ولا أريد أن أكون كأدعياء الحكمة بأثر رجعي و أقول أنه كان علينا أن ننتظر... ولكن النصوص الغامضة حمالة الأوجه والداعية إلى تأجيل من غير أجل مسمى ليست بحاجة إلى تنظير أو تحليل للتدليل على خطورة المغامرة التي أقدمنا عليها.. وأمام هذا الموقف الدقيق والمتشابك تتجلى لي بوضوح رسالة الشهداء بمحاورها الأربعة...

المحور الأول: الحفاظ على م.ت.ف كممثل شرعي و وحيد للشعب الفلسطيني... وكل مهتم بالشأن الفلسطيني لا يغيب عنه كيف أُنتزع هذا الاعتراف من العرب انتزاعا... فحماية وجودها يجب أن تكون من أعلى أولوياتنا حتى وإن أضحت محاولات طمسها وشطبها رغبة عربية ودولية ولكن الجريمة في أن تكون هناك موافقة ولو ضمنية على ذلك من قبل أي جهة فلسطينية بحجة عدم الإزدواجية في الصلاحيات أو في الخطاب السياسي. فهذا الحديث ما هو إلا كلام حق يراد به باطل الآ وهو تفتيت ما تبقى من هياكل حتى ولو كانت الآن شكلية . فلماذا هذا الإصرار على تغييب دوائر م.ت.ف واعتبار مؤسسات السلطة بديلا لها؟ ..ولمصلحة من؟

إن نشئة منظمة التحرير الفلسطينية طُبِعت بظروف تاريخية معينة وشطبها الآن يعني شطب ثلثي الشعب الفلسطيني من لاجئين ونازحين والالتفاف حول قضيتهم إما بالتعويض أو التوطين أو التجاهل. إن وأد منظمة التحرير الفلسطينية هو بالضرورة وأد للحلم الفلسطيني بالعودة والتي يحاول البعض بأسم الواقعية تارة وبأسم موازين القوى تارة أخرى إلى محوها من الذاكرة. فالشعب بلا تاريخ كما يريد لنا بيريز كالإنسان المسخ بلا عقل وبلا قلب.... فالقضية الفلسطينية ليست قضية أمنية تخص الإسرائليين كما يروج لها بعض الغربيين إنما هي قضية تحرر وطني وهي مرتبطة ارتباط وثيق بمطنقتها العربية وتؤثر وتتأثر بها وهي فوق ذلك كله مؤشر ومقياس مهم لقوة أو ضعف العرب و المسلمين وذلك بمقدار دعمهم أو عزوفهم عن تأييدها...

ولكي يتحقق الحفاظ على م.ت.ف. فلابد من الإقرار بأنه لا يوجد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية..قد يتوصل إلى حل ولكن صفة هذا الحل وبناءه لن تكون ابداً عادلة أو شاملة، فمفهوم العدل يقتضي إعادة الحق لإصحابه وهذا لن يرضى به المجتمع الدولي لأن فيه نفي لوجود أعدائنا...فحل الدولتين هو حل سياسي وسطي، وعلى هذه الرؤية يجب أن تتفق جميع الفصائل وأطراف الطيف السياسي..ولكي نتفق فلابد من إرساء قواعد راسخة لمؤسساتنابعد إعادة هيكلتها لتحمينا من شرور أنفسنا من خلال وضع لوائح وأنظمة للمتابعة والمحاسبة... و لعلنا بحاجة لرفع شعار مماثل في المغزى والمعنى لشعار "التطهير قبل التحرير" الذي نادى به مصطفى النحاس لما فيه من دلالات موحية تتشابه مع واقعنا اليوم... فالفساد علاجه بسيط إذا ما توفرت أدواته المتمثلة في وجود النية والرغبة الصادقة في تطبيق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وإقامة الحد على إياد بن صلاح وجهاد بن خليل وياسر بن محمود إذا سرقوا و وضع أهل الكفاءة و الثقة معاً في المكان المناسب.

المحور الثاني هو مرتبط ارتباط وثيق بالمحور الأول وهو الحفاظ على فتح وخطها السياسي...فلطالما آمنت وما زلت أن فتح استمدت قوتها من قيم الإيمان والصدق والإخلاص التي غرسها القادة المؤسسين وترجموها إلى بذل وعطاء وانضباط فلم يبخلوا عليها حتى بدمائهم إلى أن تراءت فتح شجرة عميقة الجذور صامدة على الرغم من كل الدوائر التي دارت بها...

ويبدو لي أن بعض أبناء فتح قد نسوا أو تناسوا تلك المعاني وخاصة الانضباط فأذكرهم بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:ليس منا من لا يوقر كبيرنا أو كما قال.. وأناشدهم الالتفاف حول لجنتهم المركزية فليس من فتح من لا يحترم أعضاء هذه اللجنة وقراراتها والذي يريد أن يعترض أو يختلف أو يعارض فليفعل ذلك داخل الأطر الـتنظيمية...إن ما يصور على أنه صراع أجيال في فتح إنما هو صراع مناصب وكسب نفوذ ولا أبالغ إن قلت صراعاً لإسترضاءأعدائنا...والصراع الوحيد المقبول في فتح هو التنافس على الشهادة... فلا توجد حركة في تاريخ الشعب الفلسطيني تنافس قادتها وكوادرها على الشهادة كما هو الحال عليه في فتح ...ومن لا تعجبه اللجنة المركزية فليترك فتح وشأنها ويفكر في مستقبله كما يشاء بعيدا عن فتح وتاريخها وشرعيتها التي يريد أن يتخذه البعض غطاءً لمآربهم... فإلى كل من يشكك أو يدعو من نجوم الفضائيات أو غيرهم وحتى إن كانوا أسرى نكن لهم كل الاحترام إلى التهميش أو التقليل من اللجنة المركزية أدعوهم إلى الاستقالة - إذا كان للمناضلين استقالة-... فعدم القبول بقراراتها بدواعي الإصلاح وكلام آخر لا يراد به إلا الفتنة ولا يخدم إلا مصلحة العدو ولا يصب إلا في خانته...فهذا ليس وقت توزيع الغنائم ولا التهافت على السلطة والمناصب وخاصة أننا مازلنا نز رح تحت الاحتلال وشعبنا يعاني يومياً من إجراءاته التعسفية..

إن التمسك بالمرجعية الحركية هو السبيل الوحيد لإعادة ترميم فتح وتدعيم بناؤها ووقف نزيف الفوضى المستهجن من خطف واعتداءات وتعديات...إن دفاعي هذا عن اللجنة المركزية هو دفاع عن المؤسسة والفكرة وليس دفاعاً عن أعضائها – مع احترامي وتقديري لهم - و وفاءً لتاريخ فتح ولشهدائها وعلى رأسهم شيخها الجليل ياسر عرفات...ووفاءً لوالدي الذي طالما ردد أنه مستعد على أن يشق قلبه قبل أن يشق حركة فتح...

إن بقاء فتح بقاء لكل معاني النقاء والطهر والصدق في العمل بعيداً عن الشعارات...وكلي ثقة بأن فتح ستظل رائدة العمل الوطني إذا حافظ عليها أبناؤها الشرفاء وتقدم عقلائها بصرامة وحزم ضد الغوغاء وكل المسيئين لنضال وجهاد هذا الشعب الأبيّ... وكلي ثقة بأن حماس والجهاد والشعبية وكافة الفصائل الفلسطينية ستتعاون لتبقى فتح حامية وأمينة على المشروع الوطني لإدراكهم بأنها الوعاء الحاضن والجامع وليس كما يدعي البعض أنها تنظيم من لا تنظيم له...



المحور الثالث من رسالة الشهداء: الوحدة الوطنية ورص الصفوف...وهي نتاج ومحصلة طبيعية إذا ما أتممنا إصلاح فتح و م.ت.ف.

إن أبشع ظاهرة خرجت علينا بوضوح من بعد أوسلو ذلك التكريس الهدام والفرز البغيض بين أهلنا في الداخل والخارج والثنائيات الفئوية و الجهوية الضيقة على شاكلة لاجىء ومواطن وعائد وأصيل وفلاح ومدني وضفة وغزة...وردي على كل هذا بسيط أننا مازلنا شعب يعاني إما الاحتلال على أرضه أو الشتات في أراضي الغير و كلنا يجمعنا الحنين إلى وطن حر ومستقل نمارس فيه شخصيتنا الوطنية ومفتاح وحدتنا أن نتمسك بحق العودة لمن هم في الخارج ورفع الاحتلال على من هم في الداخل..فكلنا نسيج واحد نكمل بعضنا ويشدنا حلم الدولة و عاصمتها القدس...ومحاربة مثيري الفتن وللأسف ممن يدعون النضال لا تكون إلا بمزيد من الوحدة والالتفاف حول قيادتنا والتمسك بها والانصياع لها بكل انضباط...فالمناضل الحقيقي كما علمتمونا لا يمن بجهاده أبدا على الوطن وهو ليس بطالب وظيفة، إنما النضال هو البذل والعطاء في سبيل الله من غير توقع لعائد مادي أو حتى معنوي..."أكلت يوم أكل الثور الأبيض" كانت أحدى العبارات التي تعني الكثير لأبي إياد فيجب أن لا نشمت بضعف السلطة..فضعف السلطة ضعفا لنا جميعاً...فدوامة المزايدات والمشاحنات والفتن ستغرقنا حتماً إذا ما استبدت بنا عقلية "البديل" عوضاً عن فكرة "رفاق الخندق الواحد" واللغة الوحيدة التي يجب أن تكون بيننا ونؤسس لها هي لغة الحوار لا طغيان اللمز والجلد والتنابذ بالألقاب والبيانات المعدة سلفاً... فلتكن ألآية الثامنة والعشرون من سورة المائدة كما يقول شيخنا أحمد ياسين ) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( ...لتكن هذه الآية الكريمة شعارنا في وجه فتنة الاقتتال الداخلي التي يتمناها لنا أعداؤنا...

المحور الرابع مبني على ما سبق وهو جمع كل نقاط التلاقي بين أفراد شعبنا الواحد تحت الاحتلال وفي المنافي للخروج برؤية موحدة وصادقة مع النفس تُحدد فيها الأهداف وتُرسم فيها الخطط للوصول لتلك الأهداف...ومن أهم النقاط التي يجب أن نجتمع عليها هو التمسك بالمقاومة وعدم إسقاط خيارها واتخاذ المفاوضات سبيلا وحيدا كما هو الحال الآن... لأن المقاومة في حد ذاتها ضرورية و مهمة لتصليب الإرادة و وسيلة لردع قوات الاحتلال ولا نقول لتحرير فلسطين حتى لا نخدع أنفسنا... ولكن أي مقاومة عسكرية تخلو من رؤية سياسية تكون عبثاً و انتحاراً ولذلك علينا إيجاد بدائل عملية أو ما يطلق عليها البعض "وسائل الضعفاء" لفرض أمر واقع فلسطيني لتحويل ما يراد لنا أن يكون سجناً كبيراً إلى قلعة محصنة أو قاعدة إرتكازية...وهذا يتطلب من الجميع التفكر والتدبر لابتكار مثل هذه الوسائل لكي نتمكن نحن من اتخاذ إجراءات أحادية الجانب تمكننا لو تعنتت إسرائيل في المفاوضات أن نفرض أمراً واقعا لا يستطيع العدو الصهيوني أن يغيره...ومن جملة الأمور التي يجب علينا مراجعتها و إعادة النظر فيها ودراستها ما جرى لمؤسسات السلطة من تدمير وحصار لرئيسها وسياسة اغتيالات القادة والكوادر والاعتداءات اليومية على شعبنا و واتخاذ العبر يحتم علينا مناقشة جدوى انتقال أو على أقل تقدير إعادة توزيع الثقل السياسي ليكون متوازنا بين داخل الوطن المحتل و خارجه لسبب بديهي يرتبط بصعوبة بسط الهيبة الكاملة أو السلطة في ظل الاحتلال لأنه بحكم الواقع شئنا أم أبينا سيكون قرارنا مرتهن بقوة الغطرسة والتعنت الإسرائيلي وبشكل ما برضي إسرائيل عن سلوكنا وهذا يشوبه أخطار كثيرة أقلها أن اليد العليا دائما لإسرائيل..

في الختام لا يسعني إلا أن أشكركم جميعا وأشكر كل من ساهم من الأوفياء سواء بالتجهيز أو الدعوة لهذا الحفل الكريم وأغتنم هذه الفرصة لأحيي أبناء شعبنا الصامد في كل فلسطين من بحرها إلى نهرها ومن شمالها إلى جنوبها حتى لا نقع في شراك التفريق والتقسيم و إلى أبناء شعبنا في المخيمات ودول الشتات وإلى كل معتقلينا وأسرانا تحية...وإلى جرحانا ابتسامة أمل ودعاء...وإلى شهدائنا وعد وقسم أن نظل أوفياء للنهج الذي رسمتموه حتى يرفع شبل أو زهرة علم فلسطين على مآذن وكنائس القدس إنه على كل شيء قدير وإنها مازالت ثورة حتى النصر والشهادة...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته....

التعليقات