الصحافية الأميركية خطفت رغم تخفيها بزي امرأة عراقية.. وإجادتها العربية

الصحافية الأميركية خطفت رغم تخفيها بزي امرأة عراقية.. وإجادتها العربية
غزة-دنيا الوطن

جاء النداء من الهاتف الجوال العائد للمراسلة الصحافية جِل كارول على لسان رجل عراقي قال بنبرة وجلة إنه التقط الهاتف من جسد منبطح في احد شوارع بغداد. واضاف المتكلم «الشخص الذي يحمل هذا الهاتف قُتل للتو».

لكن المتحدث كان على خطأ، فالجسد الملقى في الشارع كان جثة المترجم ألان انويه، 32 سنة، الذي كان واحدا من آلاف العراقيين الذين قُتلوا خلال السنوات الأخيرة الثلاث من حرب العراق.

كان الهاتف يعود إلى كارول المراسلة التي تعمل بالقطعة والبالغة من العمر 28 سنة. وعند إجراء المكالمة كان قد مضى عليها عدة دقائق منذ ان اصبحت أول مراسلة أميركية يتم اختطافها في العراق، وغدت بذلك آخر رهينة تختطف في هذا البلد من بين 400 أجنبي اختطفوا، وبينهم 30 صحافيا. كما اختطف آلاف العراقيين في الفترة نفسها. وما زال هناك عدد كبير من الغربيين محتجزين بينهم أربعة أشخاص من منظمة «فرق تحقيق السلام المسيحية» تم اختطافهم في نهاية السنة الماضية.

ويوم الاثنين الماضي قال سائق كارول الذي تمكن من الهرب بسيارة من نوع «تويوتا كريسيدا» حمراء اللون من دون أن يلحقه أذى «لا تحتاج كل عملية اختطاف الى اكثر من 10 ثوان». وأضاف بعد مضي يومين على اختطاف الصحافية في منطقة غرب بغداد معروفة بتعاطفها مع المتمردين «كنت دائما أقول لها إن العراق هو المكان الذي لا يشعر المراسلون فيه بالراحة الآن. وكانت دائما تقول لي: لا، إذا كان هناك مكان أشعر فيه بالراحة فهو العراق».

كان قدوم كارول، وهي من ميتشيغان، إلى العراق باتفاق مع صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» المشهورة بإجرائها تغطيات واسعة للاحداث خارج الولايات المتحدة. وجاءت كارول إلى الشرق الأوسط في أكتوبر(تشرين الاول) 2002، وكتبت الى وكالات انباء وصحف اميركية وايطالية واردنية بضمنها صحيفة «واشنطن بوست»، واستمرت مهمتها عدة أسابيع في أوائل عام 2003.

وجرى اختطاف كارول في نفس المنطقة من بغداد التي اختطفت فيها موظفة الاغاثة العراقية ـ الآيرلندية مارغريت حسن التي يسود اعتقاد بين المسؤولين بأنها قتلت على يد مختطفيها عام 2004. وقد قتل عدد كبير من الأجانب على يد مختطفيهم منذ عام 2003؛ ومن بين كل الأجانب الذين اختطفوا كانت مارغريت حسن الوحيدة التي توجد قناعة بشأن مقتلها. ويقول المسؤولون العراقيون إن هناك ما يقرب من 30 عراقيا يتم اختطافهم كل يوم في بغداد. والاختطافات هي جزء من حالة غياب القانون المترافقة مع حالة عدم الاستقرار السياسي. وتم تحرير بعض المختطفين العراقيين بعد دفع فدية جمعت من أصدقاء وأقارب بينما رمي بعدد آخر منهم إلى الشوارع بعد قتلهم.

وفي بيان قالت صحيفة «مونيتور» ان كارول «صحافية بارزة» وذات خبرة في الشرق الأوسط. وأضافت «خلال الأشهر القليلة الأخيرة أصبحت مونيتور حقلا لتحقيق حرفيتها وطاقتها وتقاريرها الحيادية حول المشهد العراقي... كان ميلها نحو جمع وجهات نظر مباشرة ودقيقة من الزعماء السياسيين وراء ذهابها إلى حي العدل الواقع في غرب بغداد صباح السبت الماضي».

ودعت الصحيفة في بيانها «لإطلاق سراحها فورا بدون أن يلحقها أي أذى». وقال رئيس تحرير الصحيفة ريتشارد برغينهايم إن كارول «لها القدرة على مساعدة الآخرين كي يفهموا الأمور التي تواجه كيانات المجتمع العراقي بشكل لا يمكن تقديره. اننا نحث بشكل عاجل على جمع المعلومات المتعلقة بكارول وتتبع كل الطرق لضمان إطلاق سراحها».

ووافق الكثير من وكالات الأنباء العربية والأجنبية التي لها مراسلون في بغداد على عدم الإعلان عن الاختطاف مباشرة. وعادة تتخذ المؤسسات الإعلامية موقفا كهذا لإعطاء الفرصة للمحققين والوسطاء وغيرهم فرصة أفصل لإنهاء الاختطاف في الساعات الأولى التي تعقبه.

وعلى العكس من أغلب المراسلين الغربيين في بغداد كانت كارول تتحدث العربية بشكل جيد، ما يمكنها من التحدث إلى العراقيين العاديين وإجراء مقابلات مع المسؤولين العراقيين. وتمكنت من تعلم اللغة حينما كانت مراسلة للشؤون التجارية في الأردن. وخلال الأيام التي سبقت اختطافها جددت طلبها لمترجمها العراقي وسائقها كي يتكلما معها بالعربية فقط أثناء تنقلهم، كي تتمكن من تحسين لفظها حسبما قال بعض من زملائها.

وقبل اختطافها بقليل ملأت استمارة للحصول على منحة دراسية وضعت كارول مقترحاتها من أجل إقامة مشاريع في العراق. وفيها أظهرت فهما متميزا للبلد.

كتبت كارول ذات مرة تقول «في هذه المنطقة التي لم يتم فهمها إلا بشكل فقير، تضيع الكثير من القصص المهمة كل يوم بسبب عدم تكلم الصحافيين الأجانب اللغة العربية.. الصحافة هي خدمة عامة وأفضل طريقة لخدمة القراء إذا كنا قادرين على الكتابة والتحدث بنفس لغة البلد».

عندما تكون في مقر إقامتها ببغداد، ترتدي كارول بنطلون جينز وقميص فانيلا (تي شيرت) وسترة، لكنها عندما تخرج للتجول في أنحاء المدينة ترتدي العباءة السوداء وغطاء الرأس مثل عدد كبير من النساء العراقيات. وتتجول كارول في شوارع بغداد بنظارتها ذات الإطار الأحمر المميز دون ان يلحظها أحد. وفي ظل أوضاع العنف في العراق تقتصر حركة عدد كبير من المراسلين الصحافيين على التردد بين الفنادق والمنطقة الخضراء على متن المركبات المدرعة لتغطية نشاط المسؤولين الاميركيين وسلطات الحكومة العراقية التي تساندها الولايات المتحدة. خرجت كارول اكثر من مرة في سيارات غير مصفحة وبدون حراس مرافقين او سيارات للمتابعة الأمنية. ويقول سائقها ان خاطفيها تمكنوا من ايقاف السيارة التي كانت تقلها من دون إطلاق رصاصة واحدة. ولاعتبارات أمنية تتحفظ «واشنطن بوست» على هوية السائق وهوية الشخص الذي تلقى المكالمة على الهاتف الجوال.

كانت كارول حين اختطفت متوجهة الى مكتب السياسي السني عدنان الدليمي. ويقول زملاؤها انها كانت تعتقد ان موعد مقابلتها للدليمي كان محددا له الساعة العاشرة صباحا. وقال السائق انهم وصلوا قبل الموعد المحدد للمقابلة. انتظرت كارول، حسب توجيهات العاملين في المكتب، فترة تتراوح بين 10 و15 دقيقة ثم ابلغوها بعد ذلك بأن لا وقت للدليمي لمقابلتها بسبب انشغاله بارتباطات اخرى. الدليمي من جانبه نفى بعد عملية الخطف ان يكون لديه موعد لمقابلة كارول. فقد كان في الساعة العاشرة مشاركا في مؤتمر صحافي مع رئيس الحكومة العراقية السابق اياد علاوي. ويقول السائق ان اختطاف كارول، بعد ان فشلت في لقاء الدليمي، حدث على بعد مئات الأمتار فقط من مكتب الدليمي. ووقف واحد من الخاطفين في الطريق الذي كانت تسلكه السيارة وصاح بالسائق آمرا إياه بالتوقف. وأضاف انه اعتقد لأول وهلة ان المسلحين يحاولون إخلاء الطريق من السيارات توطئة لمرور قافلة من السيارات الى مكتب الدليمي، شأن الكثير من القوافل المسلحة للسيارات التي تظهر في شوارع بغداد يوميا. توقف السائق وأمره المسلحون بالترجل. خرج السائق من داخل السيارة ووقع على الرصيف اثر إطلاق واحد من المسلحين رصاصة باتجاهه. اقتحم بقية المسلحين السيارة حيث كارول والمترجم ألان انويه الذي وجدت جثته في نفس الحي بعد عدة ساعات وقد اطلقت رصاصتان على رأسه. جاءت اول مكالمة على الهاتف الجوال الخاص بانويه خلال حوالي نصف ساعة، وقال الشخص في الطرف الآخر انه اخذ الهاتف من جيب انويه الذي كانت جثته ملقاة في الشارع. اتصل الشخص ثلاث او اربع مرات اخرى حاثا على نقل جثة انويه من الشارع. ويقول واحد من زملاء انويه، وهو متزوج ولديه اطفال، انه اطلعه في ذلك اليوم على قرص مدمج به تسجيل موسيقي لفرقة كان واحدا من اعضائها في السابق، وقال لزميله ايضا ان بقية أعضاء الفرقة فروا منذ ذلك الوقت الى انجلترا. استمر ذلك الحديث بين انويه وزميله، وقال له زميله ان هذا قدره، ورد انويه قائلا ان الامر المهم انهم في أمان. ويتذكر زملاء آخرون حديثا مماثلا لكارول التي قالت لصديق عراقي ان «قدرها في العراق فيما يبدو». وحتى الآن لم تظهر أي مطالب او تأكيدات او مسؤولية عن الاختطاف من جهة محددة.

وظهرت في بعض شوارع حي العدل كتابات على الجدران تعكس مشاعر السكان تجاه الاميركيين مثل «اخرجوا من العراق» و«إننا نكرهكم» مكتوبة باللغة الانجليزية. وظهر عدد من الرجال في قافلة من سيارات «بي ام دبليو» و«اوبل» عبرت شوارع الحي. كان الرجال يحملون علنا مسدسات وبنادق كلاشنيكوف على مرأى من سائقي السيارات، ثم عبرت سيارة زفاف مغطاة بالورود خلفها حافلة صغيرة تحمل مجموعة من النساء وهن يغنين ويصفقن بمناسبة الزفاف. يلاحظ ان الشارع الذي شهد عملية الاختطاف مقفل جزئيا بحواجز اسمنتية. وكان يقف أمام مكتب الدليمي اكثر من عشرة رجال.

التعليقات