عاجل

  • مجلس الوزراء: وزارة المالية سَتُصدر بيانًا تفصيليًا حول صرف دفعة من الراتب قبل العيد

رجل الظل..قصة اغتيال الشهيد عاطف بسيسو بقلم:عبدالله عيسى

عمليات خاصة

في عام 1985 اكتشف جهاز الأمن الموحد مجموعة فلسطينية دخلت بجوازات سفر مغربية مزورة, أقامت في ضاحية " المرسى " في تونس العاصمة و تنتمي المجموعة إلى تنظيم " أبو نضال " , و كانت " ضاحية المرسى " تتواجد بها منازل و مكاتب بعض قيادات منظمة التحرير الفلسطينية, و تم إبلاغ أجهزة الأمن التونسية من خلال سفارة فلسطين في تونس, و لكن المعلومات وصلت متأخرة فقد قامت أجهزة الأمن التونسية" بتمشيط " ضاحية " المرسى " بحثا عن المجموعة التي غادرت الأراضي التونسية و لم تحقق أهدافها آنذاك..

و جاءت العملية الثانية , في عام 1986, بعد أن تلقت أجهزة الأمن المغربية معلومات مسبقة من إحدى الدول العربية المشرقية. حول مجموعة فلسطينية من ضمنها فتاة تونسية, تحمل متفجرات بهدف القيام بعملية " إرهابية " في المغرب..

و بسبب حصول المغرب على المعلومات مسبقا, تم القبض على المجموعة في المطار, و كانت هذه العملية ستلقي بظلالها على العلاقات الفلسطينية-المغربية و العلاقات الفلسطينية-التونسية, بسبب مشاركة فتاة تونسية, و على الفور سافر " عاطف بسيسو " مع أحد مساعديه إلى المغرب و عمل على إخفاء الحريق قبل أن تندلع النيران..

و كانت العملية بعد زيارة " شمعون بيرس " للمغرب و اجتماعه علنا مع الملك الحسن الثاني, و توضحت الحقائق للمغرب , كما توضحت أيضا لتونس..

و اخذ " أبو اياد "موقفا حازما متشددا تجاه هذه القضية لمحو آثارها السلبية, و استطاع تجميد عضوية أحد أعضاء المجلس الثوري لحركة " فتح ", كإجراء رادع..

مثل هذه العمليات التي تكررت كثيرا خلال الثمانينات, لم يكن دور جهاز الأمن الموحد, سواء أوروبيا أو عربيا" بإطفاء الحرائق" تقديم المجاملات السياسية, و إنما كشف الحقائق و الجهات و الأبعاد و الأهداف, و لم يستطع فعل ذلك لو لم يتوفر لديه شبكة اتصالات و علاقات و معلومات واسعة امتدت من الوطن العربي إلى معظم دول العالم,

ليحصل على المعلومات المسبقة" الوقائية" أو تفسير سريع لعمليات حصلت و بوقت قياسي.

و لم ينقطع " عاطف بسيسو" مطلقا في ظل سياسة عقد الثمانينات, السياسة الأمنية لمنظمة التحرير الفلسطينية, عن تنظيم الدورات الأمنية لكوادر و ضباط جهاز الأمن الموحد, في بلدان أوروبا الشرقية, بل توصل لاتفاقيات مع فرنسا و أسبانيا لتدريب بعض ضباط جهاز الأمن الموحد و كان هذا الاتفاق في حينه يعتبر انتصارا باهرا, جعل المخابرات الأمريكية تطلب بدورها إقامة علاقات تنسيق أمني مع جهاز الأمن الموحد..

الولايات المتحدة الأمريكية:

تابعت الولايات المتحدة الأمريكية باهتمام تطور علاقات التنسيق الأمني بين جهاز الأمن الموحد و دول أوروبا , و لم تحاول عرقلة هذه التجربة, قياسا للمحاولات الإسرائيلية, حيث عملت المخابرات الإسرائيلية على إعاقة التنسيق الأمني باستخدام أسلوب التحريض لدى الأجهزة الأمنية الأوروبية ثم لجأت إلى تسريب معلومات كاذبة حول مشاركة ألمانيا في عملية اغتيال " أبو حسن سلامة" قائد القوة 17, و أساليب أخرى كانت مكشوفة لدى أوروبا و جهاز الأمن الموحد..

و في عام 1986 بدأت المخابرات الأمريكية بالتحرك لاقناع " أبو اياد " بإقامة تنسيق أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية, من خلال وسطاء من الدول الأوروبية التي أقامت علاقات تنسيق أمني ووسطاء آخرين من العرب.

كانت دوامة الإرهاب تتصاعد ضد المصالح الأوروبية و الأمريكية و الإسرائيلية, و كان الرئيس الأمريكي رونالد ريغان قد اخذ على عاتقه القضاء على الإرهاب, تقدمت المخابرات الأمريكية بطلب غير رسمي إلى " أبو اياد " لتحديد شروطه لاقامة علاقات تنسيق أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية, فحدد ثوابت التنسيق الأمني الأساسية أولا, و كان رد الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ترغب بالتنسيق الأمني فقط دون السياسي..

ووجه " أبو اياد " ردا قاسيا للولايات المتحدة الأمريكية بقوله:"نحن لسنا عملاء لأجهزة المخابرات في العالم , نقدم خدمات لتلك الأجهزة, و إنما نقيم علاقات تنسيق أمني و تبادل معلومات مع أجهزة المخابرات التي تعترف دولها بالحقوق المشروعة لشعبنا, بإقامة دولة فلسطينية , و لن نقيم علاقات تنسيق أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن تعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني".

و تعثرت الاتصالات رغم المحاولات المتكررة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية, حتى نجحت بعد أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية فتح حوار رسمي مع منظمة التحرير الفلسطينية في تونس من خلال السفير الأمريكي روبرت بليترو.

و تطورت علاقات التنسيق الأمني مع المخابرات الأمريكية باتصالات تابعها " عاطف بسيسو" في تونس بزيارات سرية لبعض الوفود الأمنية الأمريكية إلى تونس, و لقاءات أخرى تمت في أسبانيا و بعض الدول الأوروبية الأخرى مثل فرنسا و ألمانيا عام 1991, شارك بها " عاطف بسيسو" و عمل على تطويرها.

و حتى استشهاد " عاطف بسيسو" في حزيران في 8 حزيران 1992 لم يجتمع مطلقا مع أجهزة الأمن الإسرائيلية, بل كان ما يزال يخوض حربا سرية لمكافحة نشاط المخابرات الإسرائيلية , و نظرا لان التنسيق الأمني مع إسرائيل جاء بعد اتفاق أوسلو في 13 أيلول 1993, حيث فرضت الاتفاقيات وجود هذا التنسيق مع " الشاباك" " المخابرات العامة الإسرائيلية", و رغم الطلب المتكرر للموساد الإسرائيلي بإقامة تنسيق أمني مع المخابرات الفلسطينية, بقي هذا الطلب مرفوضا و لم تنجح " الموساد" مطلقا بعقد لقاءات, نظرا لان " الموساد" المسؤول عن اغتيال رموز أجهزة الأمن الفلسطينية مثل " أبو اياد" و " أبو الهول " و " فخري العمري-أبو محمد" و " عاطف بسيسو", فالحاجز النفسي كبير من الصعب تجاوزه, إضافة إلى شهداء اللجنة المركزية لحركة "فتح" و قائمة طويلة من كوادر منظمة التحرير الفلسطينية قامت " الموساد" بتصفيتها جسديا..

مكافحة نشاط الموساد:

وضع جهز الأمن الموحد إستراتيجية لمكافحة نشاط الموساد,بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982, على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية و الوطن العربي و العالم فيما يتعلق بنشاطات الموساد الموجهة ضد منظمة التحرير الفلسطينية, و عمل " عاطف بسيسو" بمهمات متداخلة متشابكة لاعادة ترتيب أوضاع جهاز الأمن الموحد طبقا للمرحلة الجديدة, فاعطى الأهمية و الأولوية لتواجد الجهاز في عدد كبير من دول العالم, نظرا لان دول العالم حيث الجاليات الفلسطينية كانت الخطوط الدفاعية الأمنية الأمامية للنشاط الاستخباري الإسرائيلي , لكن المهمة كانت صعبة على ارض الواقع و بقدر النجاح الذي تحقق كان الإحباط و المرارة..

كان تركيز" عاطف بسيسو" على دول أوروبا, باعتبار أن نشاط الموساد في عمليات التجنيد معظمها يتم في أوروبا, و ركز على متابعة النشاطات الاستخبارية الإسرائيلية بإقامة شبكات اتصال داخل الأرض المحتلة و تابعها من بلدان عربية مجاورة " دول مواجهة".

و لانجاح المهمة, فقد احتاج جهاز الأمن الموحد لاقامة علاقات تنسيق أمني مع الدول العربية, رغم أن هذه العلاقات كانت قائمة مع عدد من الدول العربية أثناء وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان, مثل سورية, التي أقامت علاقات تنسيق أمني متميزة مع الأمن الموحد, في مجال مكافحة نشاط الموساد, و لكن الخلافات السياسية لاحقا أعاقت تواصل التنسيق , رغم أن اللقاءات الأمنية استمرت خلال الثمانينات مع قادة الأجهزة الأمنية السورية في دول أوروبا الشرقية و غيرها, بهدف العمل على إنهاء الخلافات السياسية و شارك" عاطف بسيسو" بهذه الاجتماعات في أواخر عام 1985.

في لبنان قدمت سورية تسهيلات كبيرة لجهاز الأمن الموحد في إطار التنسيق الأمني و تحققت إنجازات حقيقية في تلك الفترة..

كان جهاز الأمن الموحد يبادر بحرص كبير لاقامة علاقات تنسيق مع عدد من أجهزة المخابرات العربية لمكافحة نشاط الموساد, و بقي طلب الأمن الموحد بدون موافقة في العراق, حتى بادر العراق في نهاية الثمانينات بطلب إقامة تنسيق أمني, و تمت اتفاقية للتنسيق مع المخابرات العراقية..

لم يكن التنسيق مثاليا مع بعض أجهزة المخابرات العربية, فقد قام الموساد بتجنيد شاب فلسطيني, و قام الشاب بإبلاغ جهاز الأمن الموحد, حيث اشرف " عاطف بسيسو " على تشغيله كعميل مزدوج,فطليت المخابرات الإسرائيلية" الموساد " من الشاب التوجه إلى إحدى الدول العربية التي ارتبطت باتفاقية تنسيق أمني مع جهاز الأمن الموحد, و كان " عاطف بسيسو" حريصا على معرفة المهام التي سيوكلها " الموساد " للشاب في ذلك البلد, و من سيتصل به هناك..

فقام بتوجيه رسالة رسمية إلى مخابرات ذلك البلد العربي حول مهمة الشاب, و طلبت الرسالة تسهيل مهمته باعتباره تحت سيطرة الأمن الموحد..

فور وصول الشاب لذلك البلد بدأت مراقبة استفزازية مكشوفة, فعاد الشاب و اتصل بالأمن الموحد بأنه انكشف و لا داعي لاكمال المهمة, فاضطر الأمن الموحد لرسالة ثانية لضمان خروج الشاب سليما!!

مثل هذه الحادثة كانت خيبة أمل لعاطف بسيسو, و توصل إلى قناعة بان بعض الدول العربية حددت سياسة أمنية بعدم التعرض لنشاط " الموساد "..

بالمقابل وافقت المخابرات الجزائرية على تشكيل وحدة في أجهزة الأمن الجزائرية لمكافحة النشاط التجسسي الإسرائيلي, خلال عقد الثمانينات, و قد قام " عاطف بسيسو" بالاتفاق مع المخابرات الجزائرية على تدريب الوحدة من خلال مجموعة من ضباط جهاز الأمن الموحد, و قاموا فعلا بتدريب ضباط المخابرات الجزائرية على أساليب المخابرات الإسرائيلية " الموساد " خاصة بعد أن أصبحت الجزائر هدفا للنشاط الاستخباري الإسرائيلي..

في أوروبا نشطت محطات جهاز الأمن الموحد, سواء أوروبا الشرقية أو الغربية لمكافحة النشاط الاستخباري الإسرائيلي, و كانت إحدى ثمرات التنسيق الأمني مع دول أو روبا,بل أن " عاطف بسيسو" دخل إلى الدوائر الحمراء مجددا, من خلال عملية بحث صعبة, حول تغلغل الموساد في أجهزة الأمن الأوروبية, و بهذا البحث و التحرك وضع يده في طرف ملتهب..

لم يكن أيضا هذا النشاط الواسع, في مكافحة نشاط " الموساد " في أو روبا من خلال بوابة التنسيق الأمني, ثم رفض " أبو اياد " لاقامة تنسيق أمني مماثل مع الولايات المتحدة الأمريكية ليمر السلام..

فقد أعقب رفض " أبو اياد" , حملة واضحة تعرض لها جهاز الأمن الموحد, حتى أن " عاطف بسيسو" جرى توقيفه في إحدى الدول العربية مدة ثمانية ساعات في عام 1987, بسبب ضغط أمريكي واضح.. و جرى توقيفه لدى جهاز مخابرات عربي أقام علاقات تنسيق أمني مع جهاز الأمن الموحد ثم تعثر التنسيق , و أخلى سبيله بهدوء, و لكن الساعات الثمانية لم تكن هادئة على الإطلاق, و كان تهديد " أبو اياد " قوبل بإخلاء سبيل عاطف و الاعتذار أيضا..

و رغم مرارة تلك الأحداث, لكن جهاز الأمن الموحد كان متفهما للضغوط التي تمارس و التحريض الإسرائيلي-الأمريكي على جهاز الأمن الموحد..

و على مستوى دول الخليج العربي كان جهاز "الأمن و المعلومات" بقيادة " أبو الهول" و نائبه " طارق أبو رجب " الأكثر علاقات و اتصالات , رغم أن جهاز الأمن الموحد كان لديه علاقات واضحة مع بعض دول الخليج مثل الكويت و كانت آخر زيارة لـ"أبو اياد" لدولة الكويت في أيار 1990 حيث قضى فترة إجازة في منزله بالكويت.

و أثناء زيارات " أبو اياد" للكويت كان " عاطف بسيسو" حينها يقوم بزيارة الكويت لمتابعة العمل مع رئيس جهاز الأمن الموحد.

و بقيت علاقات جهاز الأمن الموحد و خاصة " أبو اياد" و " عاطف بسيسو" مقطوعة مع دولة عربية حتى استشهادهما بسبب ارث الماضي..رغم بعض الزيارات لـ "أبو اياد"....

اغتيال أبو اياد

كانت علاقة " عاطف بسيسو" مع " عاطف ابو بكر" علاقة مميزة و الاتصالات مستمرة قبل انشقاق " ابو بكر" عن تنظيم " ابو نضال" في ليبيا كجزء من نشاط " عاطف بسيسو" الامني على مستوى المنظمات الفلسطينية المتطرفة..

حتى توصل " ابو بكر" لقناعة بالانشقاق و طلب من " عاطف بسيسو" المساعدة في الاجراءات اللازمة لذلك, و فعلا تمت العملية بعد ان انضم اليه" عبد الرحمن عيسى", و ذلك بعد مقتل احد كوادر التنظيم" ابو مصطفى فراس" في ليبيا.

منذ تاسيس تنظيم ابو نضال" فتح –المجلس الثوري" و هذا التنظيم محاط بالالغاز و القضايا التي اثيرت حوله, و بقي الغموض يلف نشاطه حتى بعد صدور كتاب

" باتريك سيل" حول هذا التنظيم" بندقية للايجار" و الذي اضاف اسئلة و هالة جديدة من الغموض مع اصرار تنظيم " ابو نضال" على عدم التوضيح المقنع, فالقضية لم تكن في العمليات التي نفذتها مجموعات " ابة نضال" فهي معروفة, و لكن ابعاد هذه العمليات و خيوطها الخفية, و ما ذكره" باتريك سيل" في كتابه بان :" الموساد اتخذ احيانا بعض مجموعات ابو نضال غطاء لعمليات اغتيالات".

و يضيف مسؤول فلسطيني ملاحظة معروفة ان معظم عمليات " ابو نضال" استهدف شخصيات فلسطينية, و سجل في هذا المجال اغتيال حوالي ثلاثين كادر و شخصية فلسطينية من منظمة التحرير الفلسطينية, اضافة الى اغتيالات و تفجيرات في بلدان عربية..

و خلال مسيرة"ابو نضال" تعرضت علاقاته مع دول عربية معروفة شكلت قاعدة و حصانة لتنظيمه, تعرضت العلاقات الى الخلافات و القطيعة و تنقلت قواعده بين بلدين اساسيين خلال عقدي السبعينات و الثمانينات, و المثير ان كلا البلدين رفضا التعاون مع جهاز الامن الموحد فيما يتعلق بالملفات السرية لهذا التنظيم حتى ان معسكراته بقيت محجوزة باسم التنظيم لا يتصرف بها احد و كانها تنتظر عودته الميمونة!

تنقل بين بغداد و دمشق قبل ان يدير ظهره اخيرا لكلا البلدين في مقره الجديد بليبيا, مع اواخر ع قد الثمانينات.

لم يحاول " ابو نضال" اخفاء مسؤوليته عن اغتيال شخصيات فلسطينية مثل د. عصام السرطاوي, و رد تنظيم " ابو نضال" على التساؤلات التي اثيرت حول توجيه رصاص القاتل الى السرطاوي رغم ان احدى الشخصيات الاسرائيلية كانت بجانب السرطاوي على المنصة, بان القاتل لم تكن لديه تعليمات سوى بقتل شخص واحد فقتله..

و لكن النهاية الماساوية لعملية الاغتيال, انتهت بصفقة مع حكومة البرتغال باطلاق سراح القاتل و نقله بالطائرة الي بلد عربي, بعد ان تراجع الشهود في القضية و خاصة الشاهد الرئيسي الذي تلقى اتصالا هاتفيا من احد كوادر ابو نضال ابلغه رسالة قصيرة تقول:" ابو نضال لدى البوليس البرتغالي مؤكدا لهم انه تشابه عليه الامر..

و كان هنالك اتصال اخر مع الحكومة البرتغالية, فقامت بالافراج عن القاتل.. بالتهديد او بصفقة مع " الارهاب".

كان تنظيم " ابو نضال" يعد المنفذين للعمليات في اوروبا بالافراج عنهم في حال القاء القبض عليهم اما بتهديد تلك الدول, و ان تطلب الامر القيام بعمليات اخرى لضمان الافراج عنهم.. و عملية الافراج عن قاتل " د. عصام السرطاوي " نموذج واضح..

كانت قضية انشقاق " عاطف ابو بكر و عبد الرحمن عيسى " ربما قصمت ظهر تنظيم " ابو نضال ", و كانت اخر ضربة يوجهها " ابو اياد " للتنظيم, حيث كشف هذا الانشقاق عن قضايا داخلية خطيرة للتنظيم, اشبه بالخرافة, من الاعدامات و القاء الجثث باعمدة بناء العمارات في ليبيا.. ثم اغتيال ابو جهاد.

في 16 نيسان 1988 قامت المخابرات الاسرائيلية " الموساد "باغتيال " ابو جهاد" في توني, و بهذا قطعت الطريق على الاستيراتيجية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال الثمانينات و بعد اشهر قليلة من اندلاع الانتفاضة في الاراضي المحتلة في 9 ديسمبر 1987, فسقط احد اعمدة الاستيراتيجية الثلاثية السياسية و العسكرية و الأمنية, التي اعتمدتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية خلال عقد الثمانينات و افقدت اسرائيل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عنصرا هاما اساسيا , لكن المعلومات التي ادلى بها " عاطف ابو بكر" في تونس بعد الانشقاق, اعادت التساؤلات و دوامة الالغاز حوا تنظيم ابو نضال..

فقد اكد عاطف ابو بكر وجود عضو من تنظيم " ابو نضال " شارك بعملية اغتيال ابو جهاد ، فاعتقل عضو التنظيم في ليبيا ثم افرج عنه لوجود شقيقيه في تنظيم " ابو نضال " .

" عاطف بسيسو " لم يكتف بسماع هذه المعلومات بل طلب من ابو بكر ان تسمع ام جهاد " انتصار الوزير " بنفسها ، وفعلاً اكد عاطف ابو بكر ذلك بحضور ام جهاد و " عاطف بسيسو " . لقد كان تأثير انشقاق عضوي قيادة تنظيم " ابو نضال " المسئول الاعلامي عاطف ابو بكر ، والمسئول العسكري والامني عبد الرحمن عيسى ، سيئاً بكشف قضايا وملفات التنظيم .

زيارة أخيرة:

بعد احتلال العراق للكويت في الثاني من آب 1990 ، اختلطت الاوراق في الوطن العربي ، ونشطت الدبلوماسية واجتماعات القمة على مستوى العالم . وتكثفت الاتصالات والتشاور ، والوساطات ولتحركات العسكرية أيضاً ، واصبح الشرق الاوسط على فوهة بركان . وفي ظل هذا الوضع الدولي الخطير ، كان هنالك من يفكر باغتيال ابو اياد وينتظر الفرصة . كانت زيارة ابو اياد للاردن في اواخر كانون الاول 1990 " زيارة وداع " . ومكث في عمان اسبوعين ، وتوافد رجال منظمة التحرير الفلسطينية في الاردن ال مقر اقامته . وشارك في احتفال جماهيري والقى كلمة مؤثرة . ولكن احد ضباط جهاز الامن الموحد في عمان استطاع ان ينقل ابو اياد سراً الى الاغوار يوماً كاملاً ، ليستعيد ذكريات معركة الكرامة ، فقضي يوماً مختفياً بسعادة غامرة في منطقة الكرامة والاغوار .. حيث شهدت البدايات المسلحة والتحدي للجيش الاسرائيلي وكسر شوكة " الجندي الذي لا يقهر " .

في تلك المرحلة حدثه الضابط بأن هنالك من يرغب بإعادة طباعة كتابه " فلسطين بلا هوية " فقال ابو اياد : " لا مانع لدي وابلغه تحياتي ، لكن بشرط ان لا يعيد نشر فصل " حرب الاشباح " !!

بعد ايام غادر الاردن متوجهاً الى تونس ، وكان يتطلع الى استكمال انجاز تحقق على مستوى اجهزة امن منظمة التحرير الفلسطينية ، بتوحيد جهازي الامن الاساسين وهما : جهاز الامن الموحد وجهاز الامن والمعلومات " الامن المركزي " .

وكان القرار قد اتخذ على مستوى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، وتم الاتفاق على دمج الجهازين بإطار جهاز واحد برئاسة " أبو اياد " ونائبه "ابو الهول " وفي 14 كانون الثاني 1991 ، توجه مع صديقه المخلص ونائبه في جهاز الامن الموحد " فخري العمري – ابو محمد " الى منزل " هايل عبد الحميد – ابو الهول " ليلاً ، وكان الرئيس الامريكي السابق جورج بوش قد وجه انذاراً للعراق لانسحاب من الكويت ، في تلك الليلة دخل "حمزة ابو زيد " احد مرافقي " ابو الهول " الى الصالون حيث يجلس القادة الثلاثة ، واطلق النار على "ابو اياد " فحاول ابو الهول الوقوف فأطلق القاتل الرصاص على رجليه فسقط على الارض ، ارتمى " ابو محمد العمري " على " ابو اياد " ليحميه ويتلقى الرصاص بظهره .. واستشهد القادة الثلاثة بأيدي عملاء الموساد الاسرائيلي .

بعد اغتيال " ابو اياد " قام " عاطف بسيسو " بالتحقيق مع القاتل ، ثم نقل " حمزة ابو زبد " من تونس الى اليمن بالطائرة ، ولم يكن نادماً على فعلته أثناء نقله بالطائرة .. واستكمل التحقيق مع القاتل في اليمن .. وبقيت حلقات مفقودة في قضية " حمزة ابو زيد " وتساؤلات حول الجهة الحقيقية التي اعطته التعليمات باغتيال " ابو اياد " .

"عاطف بسيسو " الاكثر حرفية ، اتخذ قراراً برد الاعتبار لجهاز الامن الموحد والثورة الفلسطينية ، فقد كان اغتيال قائده الذي عمل معه كظله مدة خمسة وعشرون عاماً ، كان صفعه مدمرة نفسياً ومعنوياً بالدرجة الاولى .

ومنذ 14 ‏كانون الثاني‏ 1991 وظف " عاطف بسبيسو " كل الامكانيات وشبكة اتصالات جهاز الامن الموحد سراً لجمع المعلومات والخيوط الخفية والتفاصيل ، حتى اكتمل ملف اغتيال "ابو اياد " .

بعد اغتيال " ابو اياد " جاء وزير الداخلية الفرنسي لتونس ، وكان صديقاً شخصياً ل" ابو اياد " ، وقدم تعازيه والحكومة الفرنسية لقادة منظمة التحرير الفلسطينية وذوي الشهيد .. وقبل ان يغادر تونس عائداً الى باريس ، ترك الوزير الفرنسي مرافقيه الفرنسيين والتونسيين والفلسطينيين واختفى .

وبحثوا عنه فوجدوا الوزير يجلس قرب قبر " ابو اياد " يبكي صديقه !! كانت معاني الوفاء والتضحية عظيمة في قضية اغتيال " ابو اياد " فنائبه ضحى بحياته ليتلقى بجسده الرصاص ليحمي قائدة " .

كانت ضربه قاسية اخرى تعرضت لها استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية ، خلال عقد الثمانينات ، بسقوط احد اعمدتها الاساسية " ابو اياد " لاضعاف توجهات منظمة التحرير الفلسطينية وحصارها والضغط عليها داخلياً بفقدان رموز مرحلة ما قبل مؤتمر السلام في مدريد .. فجاء دور " عاطف بسيسو " لانقاذ الاستراتيجية الامنية الفلسطينية من اانهيار ، فقد كان المحاور واعتمد عليه " ابو اياد " نظراً لانه كان لديه نشاطه ومسؤولياته السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية ، بينما كان " عاطف بسيسو مهيأ لان يكون ناجحاً ، فأرسى ايضاً نمط علاقات الند للند ، وفرض دائماً على محاوريه احتراماً كبيراً لعاطف بسيسو .

لم تكن الحرب التي اعلنها جهاز الامن الموحد على " الارهاب " خلال عقد الثمانينات ، حرباً تكتيكية ، بل خاض المعركة حتى نهايتها ، وانفجر الصراع بصورة دموية في نهاية الامر ليتحول " الارهاب " الموجه لاوروبا والولايات المتحدة الامريكية الى حرب أعلنها تنظيم " ابو نضال " على قيادة جهاز الامن الموحد وتحديداً " ابو اياد " و " عاطف بسيسو " .

" عاطف بسيسو " كان ربما الاكثر فهماً ل"ابو نضال " قبل اغتيال " ابو اياد " ولم يكن كراهية شخصية له ، بل كان حزين على " ابو نضال " واهتم بالحوار معه لنبذ " الارهاب " ، ولم يرغب مطلقاً بأن يخرج الصراع عن اطاره ليدخل في اطار تصفية حسابات وانتقام .

كان " عاطف بسيسو " يعتقد ان " ابو نضال " يستطيع – انذاك ، نبذ " الارهاب " وطوى الصفحة ، ولكنه كان يشعر بالالم نتيجه لاصرار " ابو نضال " على خوض الشوط حتى نهايته .

بعد اغتيال " ابو اياد " لم يعد مجالاً للحلول الوسط مع " ابو نضال " .

التعليقات