الدكتورة ليلى العقاد: كان مصطفى يحمل هموم الأمة هذه قصة مصطفى العقاد من البداية إلى النهاية

الدكتورة ليلى العقاد: كان مصطفى يحمل هموم الأمة هذه قصة مصطفى العقاد من البداية إلى النهاية
غزة-دنيا الوطن

مع كل عمل يقوم به مصطفى العقّاد، كان يملأ الدنيا ويشغل الناس. في فيلميه الكبيرين «الرسالة» و«عمر المختار»، شغل العالم لسنوات وسنوات... وعندما زوّج ابنته ريما، شغل الحدث مجتمع بيروت والشام وحلب وحمص... ومجتمع الفن والفنانين في لبنان والعالم... ثم اغتالت يد الإرهاب مصطفى العقّاد وحبيبته ريما... وها هما اليوم يشغلان قلوب المحبين والمعجبين والإعلام...

قدر هذا الرجل أن يكون الحدث في كل ما كان يفعله أويحدث له... رحم الله مصطفى العقّاد وريما... وقطع الله يد الإرهاب والإرهابيين.

الدكتورة ليلى العقاد، أستاذة الإعلام في جامعة دمشق والمقربة من شقيقها الراحل المخرج مصطفى العقاد، خصّت «سيدتي» بهذا الحديث عن حياة شقيقها منذ نعومة أظفاره في حي الأزبكية في حلب مروراً بالمنعطفات المهمة في حياته ونجاحاته الكبيرة التي حققها في عالم الأخراج. كما تحدثت عن ألمه الشديد لما كان يجري في المنطقة، وعن مشروعه الأخير صلاح الدين الذي قُتل قبل أن يخرجه. كما تطرقت المقابلة الى جوانب مهمة في حياة المخرج الراحل مصطفى العقّاد.

بدايةً، أين عاش مصطفى العقّاد فترة طفولته الأولى؟

ـ ولد مصطفى العقّاد في حي الأزبكية في حلب عام 1933 لأمٍ تركية وأب كان يعمل في الجمارك. ومنذ طفولته نبغ وظهرت عليه سمات الذكاء، فمثلاً كان يجيد استخدام الكاميرا وفنون التصوير منذ سن العاشرة، وكان يقوم بتصوير إخوته وأصدقائه ثم يظهّرها بنفسه في حمام المنزل. وكنا نندهش من قدرته تلك على إجادة هذا العمل. وذات مرة أحضر جهاز سينما بدائياً وقام بجمع أبناء الحارة وقام بتشغيل فيلم يتحدث عن العادات الجيدة والتقاليد السامية، وكأنه في تلك الفترة كان يريد توجيه فيلم «الرسالة» الذي قدمه بعد ذلك. ومما أذكره عن طفولته أنه قدم مسرحيةً عندما كان في المدرسة الأمريكية وحققت نجاحاً كبيراً وعُرضت في كل محافظات سوريا. كما أنني لا أنسى أنه كان فناناً بارعاً يجيد الرسم، فكان يرسم الزعماء ورواد تلك الفترة، ولعلي أذكر هنا تلك المسرحية التي قدّمها وكانت بعنوان «شاعر من الصحراء» والتي عرضت ايضاً في كل أنحاء سوريا وأحدثت ضجة كبيرة في تلك الفترة. كما نال ثلاث شهادات ثانوية دفعةً واحدة، وهي الفرنسية والإنكليزية والعربية. كان همه منذ صغره أن يعمل مخرجاً، وبالتحديد في هوليوود التي كان طموحه لا يقل عنها.

بعد تخرجه من الثانوية، عمل في «البنك البريطاني» في حلب ليجمع مبلغاً من المال ليسافر به إلى أمريكا... صدقني أن الجميع كانوا يسخرون منه ويعتقدون بأنه ساذج ولن يحقق ما يريد، ولكنه مع ذلك أحضر كتباً كالتي تدرس في الجامعات الأمريكية في مجال الإخراج وقام بدراستها وفهمها قبل مغادرته لأمريكا. الحقيقة أن والدي كان في البداية رافضاً لدخوله إلى مجال الإخراج، ولكنه في النهاية شجعه على المضي قدماً والسعي لتحقيق طموحه، وكان مربياً فاضلاً علمنا الدين الإسلامي على أنه دين الرحمة والعدل والمساواة.

الرحلة الى أميركا

حدثينا عن استعداداته للسفر إلى أمريكا لدراسة الإخراج؟

ـ الإصرار على السفر رضخ له والدنا، وعند سلم الطائرة قدم له مبلغ مئتي دولار ومصحفاً كريماً ليكون مؤنساً له في وحدته وغربته. وحطَّ رحاله في كاليفورنيا حيث درس في جامعتها وتفوق على كل زملائه ولا يزال اسمه بين قائمة المتميزين في هذه الجامعة. وكان يتدرب على الإخراج أثناء الدراسة. وذات مرة قام بإعداد فيلم عن «قصر الحمراء» نال الجائزة الأولى في الجامعة. بعد تخرجه، عمل مساعداً للمخرج العالمي ألفرد هيتشكوك، حيث تدرب على يديه ونال خبرة كبيرة من خلال عمله معه، وهذا ما ساعده في ما بعد على إعداد مجموعة أفلام «الهالويين». وبعد ذلك، عمل في شبكة لإعداد أفلام بعنوان (كيف يرانا العالم) جاب خلال تصوير هذه الأفلام مناطق عديدة في العالم وهذا ما أكسبه معرفةً بالثقافات المختلفة والمتنوعة. ومن خلال هذا الفيلم، تعرف على طبيعة المسلمين وكيف يعيشون، وما هي نقاط ضعفهم وأبرز المشاكل التي يعانون منها، خاصة أوضاع المسلمين في أفريقيا وجنوب آسيا. والحقيقة أنه كان ينزعج جداً لتلك الحال السيئة التي كان عليها وضع المسلمين. ولعل هذا ما لفت نظره إلى إنتاج فيلمٍ يتحدث عن الإسلام الحقيقي وروح الإسلام السامية البعيدة عن التحزب والتطرف والعنف. ومما يجدر ذكره أن فيلم «الرسالة» الذي قام بإخراجه لقي مشاكل كثيرة في العالم الإسلامي، حيث حورب ولم يُعرض في عدد من الدول العربية والإسلامية نتيجة إشاعاتٍ كاذبة أومغرضة أُطلِقت أصلاً لتحجيم الفيلم ومنعه من العرض. مصطفى رحمه الله، كان مخرجاً ذكياً استطاع أن يحصل على تمويل للفيلم وأن يَخرج من نطاق الحصار الذي يُفرض على فيلمه. مَن يتابع اليوم الفضائيات يدرك مدى نجاح الفيلم حيث استقطب إعجاب الكثيرين ونال رضى الإسلاميين، بل وإن الإدارة الأمريكية كانت قبل أي حرب تقوم بشراء مئات الآف من نسخ فيلم «الرسالة» لعرضه على جنودها ليعرفوا طبيعة مَن يقاتلون وبماذا يؤمنون وما هي معتقداتهم.

ما هي قصة إخراجه لسلسلة أفلام «الهالووين» التي لاقت نجاحاً كبيراً في الغرب؟

سأكون صادقة معك... الحقيقة أنه كان يعلم أن الشعب الأمريكي يحب متابعة افلام الرعب ويستمتع بمشاهدتها، فقدم هذه السلسلة للحصول على المال الذي يحتاجه لتقديم مشاريعه التالية التي كان يحلم بإعدادها والتي تتحدث عن قضايا أمته.

20 ألف شخص إعتنقوا الإسلام بعد «الرسالة»

برأيكِ ماذا كان يريد مصطفى العقاد من خلال فيلمه «الرسالة»؟

ـ كان يريد أن يتعرف العالم الى الإسلام الحقيقي، ذلك الدين السماوي الذي يكمل الديانتين اليهودية والمسيحية، وأنه دين توحيد وهومن الله لكل الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور. وكان يريد أيضاً أن يعرف الغرب بجوهر هذا الدين الذي يقوم على المحبة والمعاملة بالحسنى وبالتي هي أحسن. وعندما سئل رحمه الله، لماذا لم تأت ببطل مسلم ليجسد دور عمر المختار وأتيتَ بالنجم «أنتوني كوين»، قال لهم: «لكي يقتنع الغربيون بقضيتنا وبالظلم الذي لحق بنا. لا بد من تقديم قضيتنا من خلال وجوهٍ يعرفونها ويحبونها، فلا أحدَ في الغرب سيشاهد فيلماً عن العرب يقوم به العرب، ولكن بهذه الطريقة نقوم بلفت نظرهم وحثهم على مشاهدة ما نقدمه، وبالتالي تَفَهُّم حقيقتنا ومعرفة قضايانا». لعلي أقول لك هنا أن مَن اعتنق الإسلام بعد مشاهدة «الرسالة» قد زاد عن العشرين ألف شخص.

يُقال بأن أمريكا تبنّت فيلمَي «الرسالة» و«عمر المختار»؟

ـ لا. ولكن لا توجد على الساحة أفلامٌ تتحدث عن العرب بتجرد ودون تحيز، وفي نفس الوقت تتحدث عن الإسلام دون الإساءة إلى الآخرين كما حدث في فيلمي «الرسالة» و«عمر المختار»، حيث لقيا احترام الناس في الغرب بمضمونهما الجيد والبعيد عن النعرة الدينية، والذي يحترم عقلية المشاهد العالمي.

> فيلمه الشهير «عمر المختار» الذي شارك فيه مجموعة من النجوم العالميين، ماذا أراد أن يقول من خلاله مصطفى العقاد؟

ـ هذا الفيلم من الأعمال التي لا تموت، فهويجسد الظلم الذي عانى منه العرب في ليبيا من الاستعمار، وهوبالتالي يجسد الألم العربي الشامل الذي عانى كذلك من الظلم والاستعمار الأجنبي. لقد تعاطف الناس مع العمل لأنه لامس مشاعرهم وأحاسيسهم، وذكّرهم بمعاناتهم من الاضطهاد الأجنبي الذي تسلّط عليهم. لقد أظهر الشخصية العربية التي تجسدت في عمر المختار بذلك الرجل القوي الشجاع المقدام الذي يحترم المواثيق والذي يتحلى بالقيم والعادات العربية الأصيلة.

صلاح الدين لم يكتمل

كان أمله أن ينجز فيلمه «صلاح الدين»، وأنت مِن المقربين إليه، برأيك لمَ لم يُنجز هذا المشروع؟

ـ كان أمله كما أعلم أن ينجز فيلماً عن صلاح الدين يتحدث عن الحوار الذي تمّ بين الشرق والغرب في تلك المرحلة، ويُظهر صلاح الدين كشخصية سلام ومحبة، ولم يكن يريد أن يظهره كمقاتل لأن هذه الصورة يعرفها الجميع ولا تفيدنا بشيء، بل إن الأهم والذي لا يعرفه الناس هوالجانب الآخر وهوجانب التسامح والتواصُل والتفاهم الذي حصل بين الشرق والغرب في تلك الفترة. لا أخفي سراً أن الفيلم حاول الكثيرون عرقلتَهُ لكي لا يظهر بالصورة المشرقة التي كان يريد العقاد أن يظهر صلاح الدين بها، والتي كان من المتوقع ان تُحدِث أثراً كبيراً في نفوس المشاهدين في الغرب، لأنه كان يعدّه لهم وليس للمشاهد العربي. الحقيقة أن الكثيرين ممن وعدوه بأن يتولوا الفيلم تخلوا عن ذلك، مع أن المشروع كان ناجحاً لو تم تنفيذه. كانت هناك جهات لا تريد للفيلم أن يبصر النور...! انتظر التمويل الى آخر لحظة في حياته، لكن كل الذين وعدوه لم يكونوا صادقين معه.

على ما يبدوأن مصطفى العقّاد كان يحمل في نفسه هاجساً دينياً وقومياً، وهذا ما ظهر في أعماله. هل توافقين على هذا القول؟

ـ تربيتنا بطبيعتها كانت تربيةً دينية، ونحن نؤدي فرائض ديننا ونفهم الإسلام الفهم الحقيقي الذي يجب أن يكون عليه كل الناس. تربينا في بيئة محافظة. هل تعلم أن والدي تربى في كنيسة «الشيباني» وكان يصلي فيها كل الأوقات، بل حتى أن رجال الكنيسة أحياناً هم مَن كانوا يوقظونه لصلاة الفجر!

كيف استطاع أن ينجح في هوليوود على الرغم من كونه عربياً مسلماً؟

ـ لقد كان يقول بأن مَن يسيطر على هذه المدينة هم اليهود بأموالهم، فمَن يمتلك المالَ يعمل، ومَن لا يمتلك ليس له مكان في هوليوود. لقد شقَّ طريقه بقوة وتعب كثيراً حتى وصل إلى ما هوعليه. وعندما أراد عرض فيلمه «عمر المختار» في أمريكا ضُيِّقَ عليه بسبب أن معظم صالات السينما يمتلكها اليهود، ومع ذلك استطاع عرض فيلمه وتحداهم، وعُرِضَ الفيلم.

كان يقول بأن قناةً إعلامية تتحدث باسم العرب أهم من كل الأسلحة التي يمتلكها العرب. لماذا كان يقول هذا؟

ـ كلامه صحيح.. ماذا استفاد العرب من كل ما يمتلكونه من الأسلحة؟ إن كل قنواتهم الإعلامية موَجّهة للداخل ولا يشاهدها الغرب. كان مصطفى يتمنى أن تكون قناة الجزيرة باللغة الإنكليزية وموَجّهة لأوروبا وأمريكا، وكان يقول: لوكانت كذلك لَغيرتْ الكثير. من خلال تعامله مع الإعلام الأجنبي عرف أن الإعلام هوالسلاح الأنجح في هذا العصر، فهو يدخل كل بيت ويحدث التغيير بأقل التكاليف. كان يحزّ في نفسه أن أثرياء العرب لا يهتمون بالإعلام ولا يحاولون إقامة مركز إعلامي عربي باللغات الأجنبية موَجّه للغرب. لكن للأسف، نداءاته المتكررة لم تلقَ أذناً صاغية في العالم العربي و... لا حياة لمن تنادي.

هل كان مصطفى العقّاد يمارس هواياتٍ معينة؟

ـ كان يحب سماع الأخبار، وكان يحب السفر كثيراً، كما أنه يحب الموسيقى ومشاهدة الأفلام. وأستطيع أن أقول لك إنه كان شرقياً بكل معنى الكلمة. كان يحب الجميع ويتودد لهم، حتى أنه لو دُعِيَ لحفل زفاف لقدم مِن أمريكا في الموعد المحدد، وهذا كان بسبب حبه للناس ورغبته في التواصل مع الجميع. كان اجتماعياً بطبعه ومتواضعاً لدرجة كبيرة.

العقاد... الزوج والأب

نعلم أنه كان متزوجاً من امرأة أمريكية. هلا حدثتنا عنها؟

ـ أخي مصطفى تزوج مرتين. الأولى من السيدة (باتريسيا) وهي أمريكية تحمل شهادة الماجستير في الفنون والآداب، وهي امرأة مثقفة جداً وتجيد عدة لغات، وهي امرأة جميلة جداً كانت زميلته في الجامعة وتزوجها في تلك الفترة. وبسبب القوانين الأمريكية التي لا تجيز للرجل الجمع بين زوجتين، انفصل عنها منذ عشرين عاماً. ولا زلنا على اتصالٍ دائمٍ معها, وهي صديقة العائلة وامرأة محترمة ولا زالت مصرة على عدم الزواج من رجلٍ آخر لأنها كما تقول لن تجد رجلاً آخر يحل مكان مصطفى العقّاد، سواءً من حيث الشخصية أوالنجاح أوالأخلاق. أما زوجته الثانية فهي السيدة (سهى العشي) وكان زواجه بها سبباً لارتباطه أكثر ببلده سوريا، فقد زادت زياراته لنا بعد زواجه منها. بالنسبة لأولاده، فهو كان يرغب دائماً بأن يعلمهم العربية ويربطهم بأمتهم لكي تكون لهم شخصيتهم التي تمتد إلى جذورهم الأصلية. ابنه الأكبر (طارق) يعيش في أمريكا ويهوى الموسيقى ويمارس الأعمال الحرة. أما ابنه (مالك) فهويعمل في الإخراج وعمل مع والده ونتوقع منه أن يكمل المسيرة. وأما الابن الثالث فهو(زيد) وهولا يزال يدرس في الجامعة.

ما هي أمنيات مصطفى العقّاد التي كان يتمنى حصولها عندما كان على قيد الحياة؟

ـ كان يتمنى أن تنهض الأمة من جهلها وتخلفها وأن تخرج من التقوقع الذي تعيش فيه وأن يتم تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام سواء من قِبل المسلمين أوغيرهم. وكان يتمنى للجميع العيش بسلام وأمان.

ماذا ترك مصطفى العقّاد بعد وفاته؟

ـ ترك ثروةً ثقافية ورسالةً، ولو أن الجميع يعملون لأمتهم كما عمل مصطفى لارتقت الأمة وتغير حالُها. وأعتقد بأنه سيبقى ذكرى جميلة يحبها الناس ويدعون لها بالرحمة كلما شاهدوا أعماله التي لا تزال تُعرض حتى الآن.

نعلم بانه كُرِّمَ في عددٍ من المهرجانات السينمائية الدولية. ما هي أبرز الأوسمة التي حصل عليها؟

ـ نال جوائز كثيرة في عددٍ من المهرجانات السينمائية العربية والدولية، كما أنه نال أوسمةً عديدة من زعماء عرب وأجانب، كما كُرِّم من قبل الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وكان من المفترض أن يكرم في مهرجان دمشق السينمائي الأخير، لكن وفاته حالت دون ذلك.

متى كانت زيارته الأخيرة الى سورية؟ وماذا قال لكم؟

ـ جاء ليقضي عيد الفطر مع أقاربه وأصدقائه. لقد زار كل مَن يعرف وتودد للجميع وتعامل معهم بلطف حتى أنني قلتُ له: بيتي الذي أبنيه سأعطيه لك، فقال لي: لا أريده، إن العالم كله بيتي. ذهب إلى الأردن لحضور حفل زفاف بدعوةٍ من أحد أصدقائه لكن قدره كان ينتظره هناك... فقضى شهيداً في تفجيرات عمّان الإرهابية.

التعليقات